عبد الفتاح كيليطو - صورة المثقف كحَمّال

سأتطرق في هذا النص لبعض مظاهر المثنى عند إدوارد سعيد، وخصوصاً على الصعيد اللساني. وكما لا يخفى، فعنوان النص هنا مستوحى من رواية جيمس جويس المشهورة، صورة الفنان كشاب. وما حداني إلى اقتباسه أنّ إدوارد سعيد كثيراً ما يستشهد بالكاتب الأيرلندي الذي تجمعه وإياه وشائج متعددة، من بينها روح المعارضة والمشاكسة التي يتصفان بها، وأيضاً لكونهما اختارا حياة المنفى والاغتراب. ارتسمتْ صورةُ المثقف كحمّال في ذهني وأنا أقرأ سعيد، وعلى الأخص مذكراته، خارج المكان. فإذا بنماذج حمّالين ترد على بالي، حمالين أسطوريين، وفي مقدمتهم العملاق أطلس (اسم يعني الحمّال باليونانية) الذي حُكِم عليه بحمل الأرض، ومن بينهم وبمعنى ما سيزيف وصخرته العنيدة، وكذلك إيني، بطل «الإنيادة» لفيرجيل، الذي فرّ من طروادة وهي تحترق حاملاً أباه على ظهره. بالإضافة إلى هؤلاء، ثمة حمّالون يبدون لأول وهلة أقلّ أسطورية وأقل تألقاً، وأخص بالذكر السندباد الحمّال، صاحب السندباد البحري، ويُسمى الحمّال؛ لأن شغله حمل «أسباب الناس»، أي أثقال الناس، على رأسه، كما نقرأ في الحكاية الذائعة الصيت التي تتحدث في العمق عن مثنى، عن سندبادين اثنين، البري والبحري (يحكي السندباد البحري أسفاره السبعة للبري، ثم يكافَأ على إصغائه بسخاء، لأنه صار يحمل قصته).
مقارنة مع هؤلاء، ماذا يحمل إدوارد سعيد؟ تحت أي ثقل يرزَح؟

حمّال حقائب سفر

لنبدأ بما قد يبدو تافهاً أو ثانوياً. لنبدأ بمشهد زيارته وهو تلميذ في مدرسة ماونت هيرمون في الولايات المتحدة، لأسرة عمّه في نيويورك، من أجل قضاء عطلة عيد الميلاد. وصل عند مضيفيه حاملاً حقائبه الضخمة، وإذا بالبيت يكتظ بها فلا يتحركون فيه إلا بصعوبة كبيرة. يعلق سعيد على ذلك: «كان بإمكاني تركُها في المدرسة، ولكني كنت أرفض رفضاً قاطعاً لأسباب عُصابية، أن أذهب إلى أي مكان دون أن أصطحب معي جميع ممتلكاتي». ويلحّ على عادته تلك في موضع آخر: «عندما أسافر أصطحِب معي دائماً كمية لا حاجة لي بها من الأمتعة، وحتى لو كانت رحلتي لا تتعدى وسط المدينة». حقائب ضخمة ثقيلة يصطحبها معه خلال تنقلاته وتجوالاته، فإذا به والحالة هذه يمشي منحنياً مقوّس الظهر مُعوجَّه.
من قرأ مذكرات سعيد، يعلم أن أحد هواجسه المُلِحّة (أو عِللِه كما يسميها)، مرتبط بخشيته أن يصير أحدب؛ فهو يخصص عدة صفحات من «خارج المكان» لوصف جهوده المضنية «لتقويم اعوجاج ظهر [ه]»، على حد قوله. وارتباطاً مع هذا الهاجس تبرُز صورة الأب بقوة: «سنوات بذلها أبي من المحاولات لجعلي أقف مستقيمَ القامة، «الكتفان إلى الخلْف»، كان يقول». يقولها بالإنكليزية، فتضيف أمه بالعربية: «لا تسْترْخ». ومراعاة لرهافة شعوره ودرءاً للحرج، يكتفي الأب أمام الناس بكلمة واحدة: «ظهر». وحين يستبد الحنين بالتلميذ إلى أهله وهو في الولايات المتحدة، يسحب حقيبة ضخمة من تحت السرير (لا يمكن أن تكون حقائب سعيد إلا ضخمة)، ويقلّب في ألبومات الصور والرسائل فيجهش بالبكاء، لكنه سرعان ما يتذكر قول والده: «استقم! شُدّ ظهرَك إلى خلف، ظهرك، ظهرك». بغض النظر عن الجانب الفيزيولوجي، يوحي كلام الأب بمعانٍ أخرى لتقويم الظهر: الاستواء، الاستقامة المعنوية، المشي مرفوع الجبين، التغلب على نزعة الانكماش واللامبالاة، الجرأة على المجابهة والصمود، صفات أساسية للمثقف الحق كما سطّرها سعيد في المثقف والسلطة.
الاستواء، بهذا المعنى، من الصفات التي يجب على المثقف أن يراعيها. وفقاً للقاموس «المنجد»، يوصف المرء بالسوي عندما يكون «مستوى الخَلْق لا عيب فيه ولا داء». لكن هل المثقف شخص سوي؟ أينبغي أن يتصرف استناداً إلى صورة نمطية يلصقها الناس به أو يطالبونه بالتشبه بها وإعادة رسمها؟ أهذه سِمَته؟ لم يكن سعيد شخصاً سوياً من هذا النمط، ولقد تبين له اختلافه منذ صغره: «كان ينقصني شيء ما. شيء اكتشفت في ما بعد أنه يسمى «الموقف السّوي»». خلال دراسته في الولايات المتحدة، ظهر له هذا النقص مقارنة مع طلاب آخرين يصفهم بدقة بليغة ساخرة: «لا زوايا ناتئة في شخصياتهم، ولا يسيئون إلى أحد، والجميع يحبهم. وهم يتحلّون بقدرة مدهشة على تحاشي إطلاق الكلام الخطإ أو المسيء. باختصار، كان انطباعي عنهم أنهم متكيِّفون كلّياً مع بيئتهم، وذلك ما يجعلهم الخيار الطبيعي لتلقّي المهمات الفخرية والجوائز التقديرية». كان ذلك يحُزّ في نفسه أحياناً، لكنه وطّن نفسه على تحمل اختلافه، مقابلاً مفهوم «الموقف السوي» بمفهوم «خارج المكان»: «والآن لم يعد يهمّني أن أكون سويّاً، وفي مكاني». ويختم مذكراته بكلمات موحية يُمكن اعتبارُها خلاصة لموقفه ونظرته لنفسه: «تعلمتُ [...] أن أُوثِرَ ألا أكون سوياً تماماً وأن أظل في غير مكاني».

العودة وعدم العودة

ما هي الأسباب الغامضة، العُصابية كما يسميها، التي تجعله يتنقل حاملاً لحقائبه، لـ«أسبابه»؟ يجيب: «في تحليلي لذلك، استنتجت أني مدفوع بخوف سرّي لا فكاك منه، هو خوفي من عدم العودة». الخوف من اللاعودة، والرغبة في أن يظل ينعم إن تعذر الرجوع بأغراضه كلها فتكون في متناوله في مأواه الجديد، وألا يفقدها إضافة إلى فقدانه للمكان، لما يعتبره مكانه.
تُعَدّ مسألة العودة، بكل دلالاتها، وارتباطها بالنفي على الخصوص، لازمة عند سعيد. لنلتفت، بادئ ذي بدء، إلى ما قالته أمه لأبيه، بينما هو في طريقه لأول مرة إلى أميركا: «أنت تعلم أنه لن يعود». أخطأت طبعاً في التقدير، لأنه «سيعود»، بيد أنه من وجهة نظر أخرى «لن يعود». العودة مستحيلة، إنها في الواقع لا عودة. فالمكان الذي كنت تحسبه مكانك يرفضك وينبذك حين تعود إليه، ما يثير لديك شعوراً بغرابة مقلقة (Unheimlichkeit). وبناءً على هذا، صدقت نَبوءة الأم. يعود سعيد إلى بيته القديم في القاهرة، فلا يتعرف إليه الفراش. يزور مع أطفاله، بدافع من حنين جارف، المدرسة التي تعلم فيها، فلا ترحب به المديرة الجديدة، بل ترفض مصافحة يده وتطلب منه مكفهرة أن ينسحب فوراً. عاد أوديسوس إلى جزيرة إيثاكا بعد عشرين سنة من الغياب، فلم يتعرف إليها، ولم يتعرف إليه أحد فيها، لا ابنه، ولا أبوه، ولا زوجته ولا خدامه. وحده كلبه العجوز تعرف إليه، ثم مات لحينه.
«خوفي من عدم العودة»، يقول سعيد... خوف تفاقم لديه أثناء فترة مرضه («الذي [عَرَف] منذ البداية أنْ لا شفاء منه»). كان يعلم أنه مقبل على سفر من دون أمل في العودة. وبعد شهرين من بدئه العلاج، بدأ العمل على «خارج المكان»، كتاب عنوانه الفرعي «مذكّرات». الخوف من اللاعودة حداه إلى الرجوع إلى نشأته، إلى تكوينه وبداية حياته. كان المصريون القدماء يحرصون على أن يكونوا مرفوقين بعد موتهم بحوائجهم حتى لا يعوزهم شيء في العالم الآخر. يحملون معهم أغراضهم، بيد أن البعض يصرون على الرحيل إلى العالم الآخر مع كتبهم. ذلك ما حصل لابن رشد عندما نُقل جثمانه محمولاً على ظهر دابّة من مراكش إلى قرطبة، كما شاهده ورواه ابن عربي في الفتوحات المكية:
«ولما جُعِل التابوتُ الذي فيه جسَدُه [ابن رشد] جُعِلت تواليفه تُعادِله من الجانب الآخر. وأنا واقف ومعي [...] ابن جُبير، وصاحبي أبو الحكم [...]، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام، وهذه أعماله!».
عاد ابن رشد إلى مسقط رأسه، قرطبة، لكن رحلته تبدو وكأنها سفر إلى العالم الآخر. رحل ابن رشد مُحمَّلاً بكتبه؛ سعيد بدوره أصرّ على اصطحاب كتبه، وربما كتاب بعينه، ولعلة ما سمّاه «خارج المكان»، يشتمل على ذكرياته ويقيه من النسيان، كتاب بديل عنه. إنها رغبة في البقاء على قيد الحياة، في الاستمرار في الحياة، في حياة بعد الحياة، في عودة إلى الحياة. «رغبة تافهة في البقاء (le dur désir de durer)»، كما يقول الشاعر إلويار.
جرَّب سعيد (بمعنى تدرّب على، كما يفعل الممثلون) الرحلة إلى العالم الآخر حين انتقل إلى الولايات المتحدة من أجل الدراسة. وعن هجرته إلى العالم الجديد وما بذله من جهد للتكيف مع أجوائه، يقول: «لست أملك إلا فكرة غامضة جداً عمّا كانت ستؤول إليه حياتي لو أني لم أجئ إلى أميركا. ولكن الذي أعرفه أني بدأت فيها بداية جديدة، متناسياً، إلى حد ما، ما تعلمته من قبل، لأعيد تعلم الأشياء ابتداءً من الصفر».
بداية جديدة في العالم الجديد. ضرب صفحاً عن الماضي، واستأنف الحياة انطلاقاً من الصفر، وتحول، أو هكذا اعتقد، إلى شخص آخر لا يكاد يمتّ بصلة إلى ما كان عليه من قبل، في هندامه ولباسه وتصرفاته. كان ملزماً بقفل درج ليفتح آخر. في منفاه الأميركي كان عليه تصحيح رؤيته وتقويم نظرته للأشياء وكأنه يبصرها لأول مرة. يقتضي التكيف مع الحياة الجديدة نسيان الحياة القديمة، أو على الأصح تناسيها. إن ما يتعين هو التظاهر بالنسيان؛ ذلك أن النسيان يستحيل، كما تستحيل العودة، بل لعل التناسي ذاكرة مضاعفة، ذاكرة زائدة ومفرطة.
ما يفتقده المرء كثيراً في غربته، من بين أشياء أخرى، هو اللغة. يفتقد إدوارد سعيد اللغة العربية. لا أحد حوله يتكلمها: «كان يساورني شعور دائم بأن ما أفتقده في صحبة مجايلي الأميركيين هو استخدامُ لغات أخرى، والعربية خصوصاً، تلك اللغة التي أعيش وأفكر وأحس فيها، جنباً إلى جنب مع الإنكليزية».
بعيداً عن الشرق، يساوره الحنين إلى الأم، ولغة الأم، إلى العربية. لا أحد حوله في منفاه يتحدث بها، فهي «الغائبة عن كل باقة زهر»، إذا جاز أن نستعير في هذا المضمار عبارة للشاعر مالارمي جاءت في سياق آخر:
l’absente de tout bouquet. لا أحد يلاحظ أو يعاين عربية سعيد، عربيته ثاوية في ذهنه، يخفيها ويحجبها. وكأني به، وهو يتحسَّر على ذلك، يتلذذ في الوقت نفسه بوضعه. كأني به يحقق حلماً دفيناً، رغبة مكتومة في أن يبصر الناس من حوله دون أن يبصروه: «أصعب الصعاب عندي أن ينظر إليّ الناسُ وأن أقابِل نظراتهم بمثلها». ولهذا يشعر براحة كبيرة في قاعات السينما حيث يكون متخفياً محتجباً: «استمتاعي المترف بحريتي المُكَرَّسَة في أن أرى الناس من دون أن يراني أحد». فكأني به يشتهي أن تكون له طاقية إخفاء، يضعها على رأسه متى يشاء. بين مجايليه الأميركيين الذين لا يميزون عربيته، كان يحظى نوعاً ما بقبعة سحرية تجعله يتوارى جزئياً، تخفي نصف شخصيته.
هل البداية من الصفر ممكنة؟ في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وهو كتاب يصف مشاهد من الآخرة، الحَشْر، الجنة، الجحيم، نقرأ حواراً طريفاً بين ابن القارح، الشخصية الرئيسة، وآدم، نستنتج منه أن آدم كان يتكلم العربية في الجنة، وأنه نسيها لما طُرِد، فأخذ يتكلم السّريانية. العربية في الجنة والسريانية خارج الجنة. إذاً، التعدّد اللغوي كان سابقاً لِبُرج بابِل... ومع ذلك نتساءل: هل كان آدم مزدوجَ اللغة؟ ليس بالضبط، لأنه نسي العربية عندما شرع في تكلم السريانية، وينتج من ذلك أنه أحاديُ اللغة، حسب المكان الذي يوجد فيه: إما العربية وإما السريانية. لم يكن لديه تشابك بين اللغتين، معرفة مزدوجة، وبالتالي لم يجرِّب ما يحدث عندما يلتقي لسانان، وما يواكب ذلك من شدّ وجذب، من تنازع وعداوة بين اللسانين. بعيداً عن الجنة نسي آدم العربية فنسي بالتالي كل ما يتعلق بحياته قبل النفي، لم يبق في ذاكرته أثر منها، فكأنه لم يعشها. هكذا غادر الجنة خاويَ الوفاض، لا يحمل شيئاً.

عربي بامتياز

أما بالنسبة إلى سعيد، فإن النفي لم يتزامن مع نسيان ما عاشه من قبل. في الولايات المتحدة، سعيد لم يكن فحسب مصحوباً بحقائبه لا يفارقها. سرعان ما تبين له أنه مثقل باسمه، بلونه، بلغته، تنهال عليه ذكريات ماضيه في الغربة، باعثة لديه شعوراً باختلافه وتميّزه عن محيطه الجديد: «كنت أشعر بأني مُثْقل حَدّ التّخمة بالذكريات». صار كيانه في الغرب أكثر عروبة مما كان عليه من قبل في البلاد العربية. صار عربياً بامتياز. يقول عن نفسه بضمير الغائب إنه «عربي أدت ثقافتُه الغربية، ويا لسخرية الأمر، إلى توكيد أصولِه العربية». تغيير المكان لم يؤد به إلى فقدان العربية أو التخلص منها. لم يكن قطّ أحادي اللغة، مثل آدم، لا قبل المنفى ولا أثناءه.
تأكد هذا خلال حادث جرى له، حادث بسيط وتافه ظاهرياً، لكنه في الواقع ذو دلالات عميقة، وربما رهيبة. في مدرسته الأميركية حاول التقرب من مستر إدموند ألكزاندر، مدرب التنِس وأستاذ اللغة الإنكليزية. لنلاحظ أن لهذا الشخص وظيفتين، وسنرى الاتساق الموجود بينهما. ولأن مستر ألكزاندر من أصل عربي (قضى مدة في القاهرة)، فقد خاطبه سعيد بالعربية، فكان جوابه، بالإنكليزية: «لا، يا أخي، لا عربية هنا. لقد تركت كل ذلك خلفي حين أتيت إلى أميركا». اختار مستر ألكزاندر الانسلاخ عن ذاته القديمة، عن ماضيه، اعتقاداً منه ولا شك أن هذا لا يتحقق إلا بنسيان العربية. إذاً، في ما يخص مستر ألكزاندر، نحن أمام ظاهرة يمكن تلخيصها هكذا: لن أتكلم لغتي، سَأُعْرِضُ عن الحديث بها نهائياً لكوني أخجل منها، أخجل من العربية ومن العرب. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن مستر ألكزاندر قاطع سعيد في نصف عبارته رافعاً يده اليمنى، قاطعه بالكلام وبالحركة، حركة دفاعية، كمن يصُدّ هجوماً أو كمن ينطق بالقَسم: أقسم إنني لن أتكلم بالعربية ولن أدعك تتكلم بها. والنتيجة المرتقبة أنه لم يكتف بتحاشي سعيد والنفور منه خلال هذا المشهد، بل ناصبه العداء في ما بعد.
روى سعيد هذا الحادث في كتابه «تأملات في المنفى»، ولا شك في أنه أثر كثيراً فيه وشغل باله أيّما شغل، فقد وصفه أيضاً في «خارج المكان» بشيء من التفصيل. نقرأ في صيغة «خارج المكان» للحدث أنه وجّه كلامه بداية بالإنكليزية إلى ألكزاندر الذي ردّ عليه بفظاظة ولم يبال به، فقام سعيد حينئذ بتغيير لغة خطابه للتقرب منه والتودد إليه: «انتقلتُ إلى العربية ظناً مني أن لغتَنا الأم قد تفتح سبيلاً أرْحب للتواصل بيننا. فإذا النتيجة عكسية. فقد قاطعني في منتصف عبارتي رافعاً يده اليمين: «لا، يا أخي [...] لا نتكلم اللغة العربية هنا. لقد خلَّفت كل هذا ورائي. نحن هنا أميركيون [...] يتوجَّب علينا أن نتحدث وأن نتصرف مثلَ الأميركيين».
ارتكب ألكزاندر في كلامه «خطأين» لغويين اثنين، يقوم سعيد بتصحيحهما بينه وبين نفسه، وبينه وبين القارئ طبعاً، معلقاً عليهما بشيء غير قليل من الخبث. الخطأ الثاني هو قوله: «نحن هنا أميركيون». يُسِرّ سعيد إلى نفسه وإلى القارئ: «هذا تعبير عربي [...]، بدلاً من أن يقول «إننا في أميركا، الآن Here we are Americans»». وهنا يتعين علينا أن نتساءل: هل كلمة «نحن» تُحيل في ذهن مستر ألكزاندر إلى المثنى أم إلى الجمع؟ هل كان يقصد بها: أنا وأنت – نحن أميركيان – أم كان يقصد بها سائر العرب المقيمين في أميركا أو الحاصلين على جنسيتها؟ أغلب الظن أنه كان يقصد المثنى؛ لأنه إن قصد الجمع، فإنه سيكون قد عقَد أواصِر قربى بالعرب، بينما هو يكرههم ولا يود أن يشم رائحتهم.
هذا في ما يتعلق بـ«الخطأ» الثاني الذي ارتكبه ألكزاندر. أما «الخطأ» الأول، فهو قوله: «لا، يا أخي». يهمس سعيد في أذن القارئ: «فكرت بيني وبين نفسي: هذه عبارة عربية صرفة، مع أنه نطق بها بالإنكليزية».
وبالفعل، «يا أخي» تعبير عربي يفهمه حرفياً لا مجازياً من لم يعاشر العرب، بينما يدل فقط على المودة والألفة. وكان أنطوان غالان، المترجم الأول لـ (ألف ليلة وليلة)، قد صادفه عندما نقل إلى الفرنسية عبارة قالها السندباد البحري للسندباد الحمال بعد أن قدم كلاهما نفسه للآخر، قال له: «أنت صِرتَ أخي». أحَسّ أنطوان غالان بالحاجة إلى إضافة تفسير، تجنّباً لسوء الفهم، فكتب: «وفقاً لعادة العرب عندما يتكلمون بأُلفة وبلا تكلف».
«لا، يا أخي»، عبارة يتجاور فيها النفي والأخوة. بل هي، على لسان مستر ألكزاندر، نفي للأخوة: لست أخي، لن تكون أخي.
فلتتا اللسان هاتان – نحن أميركيون، لا يا أخي – تشيان بمستر ألكزاندر وتكشفان للعيان هويته وانتماءه. هكذا تنتقم العربية ممن يجحدها وتفضحه. تَخيّلَ أنه أشاح بوجهه عما خلَّف وراءه، لكن ماضيَه يلاحقه ويلازمه. إنه غارق حتى أذنيه في العروبة، يتحدث رغم أنفه بالعربية في الوقت الذي ينبذها ويتنكر لها ولا يودّ التلفظ إلا بالإنكليزية. كلامه والحالة هذه رِقّ مَمْسوح، طِرْس شفاف (palimpsest)، يُظهر العربية حتماً في ثنايا الإنكليزية. وبالفعل، فمدرّب التنِس، وهو يتكلم بالإنكليزية، يتكلم في الوقت ذاته بالعربية. يترتب عن هذا أنه محكوم عليه أن يكون مترجماً. إنكليزيته انعكاس، نسخة من أصل عربي؛ أن يتكلم معناه أن يُترجِم، أو لنقل إن الترجمة هي لغته. ولا عجب أن يكون شُغلُه، علاوة على أستاذ الإنكليزية، مدرب تنِس، لعبة المثنى، لعبة تنطلق الكرة فيها من هنا إلى هناك، تنطلق لتعود، بين لاعبين اثنين. التنس كعملية ترجمة، أو الترجمة كمباراة تنِس. في الواقع، ألكزاندر مترجم وفيّ أمين، وهنا تكمن مشكلته، في أمانته ووفائه. الترجمة ليست هي الخائنة كما يقال عادة، بل اللغة الأصلية. إن عبارة «خارج المكان» تعريف جيد للترجمة: ينتقِل النص، يُنفَى حين يُترجَم خارج مكانه ويقيم في مكان آخر. لكن الأمر يختلف هنا في ما يتعلق بـ«لا، يا أخي». الترجمة (No, brother) لا تنقل النص بل تعيده إلى مكانه، أو لنقل إنه ظاهرياً في غير مكانه، ولكنه في الحقيقة لم يغادره.
سخرية الموقف أن مدربَ التنس لم ينتبه للهوة التي مشى على حافتها، يُدرِّس اللغة الإنكليزية ويخطئ في التعبير بها، لا لقصور في معرفته، بل في توافق مع لاوعيه. والجدير بالذكر أن الترجمة، خلال هذا اللقاء، تكون من الجانبين، لكن بطريقة معكوسة. يترجِم ألكزاندر لا شعورياً من العربية إلى الإنكليزية، ويترجِم سعيد شعورياً من الإنكليزية إلى العربية، عبر تصحيح أخطاء مخاطَبِه.

ما هي لغته الاصلية؟

هنا لا بد أن نتوقف لحظة لنتساءل: هل حالة مستر ألكزاندر حالة استثنائية شاذة؟ ألا تبدو، عند تدقيق النظر في «خارج المكان»، سلوكاً شائعاً في فترة الأربعينات والخمسينات وفي الوسط الذي عاش فيه سعيد؟ هل يختلف سعيد جوهرياً عن ألكزاندر؟ يستهل كتابه بقوله: «الغالب كان شعوري الدائم أني في غير مكاني». ولكن أين هو مكانه؟ إنه دوماً، كما يوحي بذلك عنوان كتاب لتسفيطان طوضوروف، متغرب، حائر، مضطرب (dépaysé).
ويقول أيضاً: «لقد اختَبرتُ دوماً ذلك الشعور بالغُربة المزدوِجة». كما يقول: «امتلكني [...] الشعور المقلِق بتعدد الهويات ومعظمها مُتضارب طوال حياتي».
ما هي يا ترى لغته الأصلية؟ يقول في «خارج المكان»: «لم أعرف أبدا أية لغة لهجت بها أولاً: أهي العربية أم الإنكليزية، ولا أياً منهما هي يقيناً لغتي الأولى». يعالج الموضوع نفسه في «تأملات حول المنفى»، مع فارق دقيق لا يمكن إغفاله، حين يقول: «العربية، لغتي الأصلية، والإنكليزية، لغتي المدرسية، كانتا مختلطتين على نحو يتعذر فصمه: فلم أعرف أبداً أيَّهما كانت لغتي الأولى». في الجملة ذاتها يعلن أن العربية لغته الأصلية، ثم لا يلبث أن يضيف أنه لا يعرف ما هي لغته الأولى، أهي الإنكليزية أم العربية... على أي حال، كانت الازدواجية مصدرَ قلق عنده أشار إليه عدة مرات: «لم أكن أشعر أنني مرتاح تماماً في أي منهما، على الرغم من أنني أحلم بكليهما». والنتيجة المحتومة أنه ما إن ينطق بإحدى اللغتين إلا ويبدو شبَحُ الأخرى: «في كل مرة أنطق بها بجملة إنكليزية، أجد نفسي أرددها بالعربية، والعكس بالعكس». فسواء أتكلم بالعربية أم بالإنكليزية، يظل دورُه دورَ مترجم، تماماً كما هو حال ألكزاندر.
ومما يقربه أكثر من مدرب التنس أنه نشأ في وسط متّسم باحتقار اللغة العربية، ينبذها أو يعتبرها في أحسن الأحوال من الأقارب الفقراء. في القاهرة، وهو تلميذ، «كان الانتماء العربي وتَكلّمُ اللغة العربية يُعَدّان بمثابة جُنحة يعاقِب عليها القانون في فكتوريا كولدج، فلا عجب أن لا نتلقّى أبداً التعليم المناسب عن لغتنا وتاريخنا وثقافتنا وجغرافية بلادنا. [...] نواجه قوة كولونيالية [...] ونحن مُجبَرون على تعلم لغتها واستيعاب ثقافتها لكونها هي الثقافة السائدة في مصر». هنا سعيد يركز على العداوة بين العربية والإنكليزية: «الفارق بين الإنكليزية والعربية يتخذ شكل توتر حاد غير محسوم بين عالمين مختلفين كلياً بل متعاديين». لكن الصراع غير متكافئ؛ لأن الهيمنة للإنكليزية، ويترتب عن هذا تذبذب في الهوية: «شعوري بامتلاك هوية مُضطرِبة، أنا الأميركي الذي يُبطن هوية عربية أخرى لا أستمد منها أية قوة بل تورِثُني الخجل والانزعاج». يُصر على التمسك بالهوية العربية، «على الرغم – كما يقول – من المحاولات الحَثيثة التي بُذِلَت لإقناعي بالتخلي عنها خلال فترة تربيتي وبواسطة أهلي، وإنْ يكُن بدرجة أقل».
حتى الأهل... فحين استحكمت العداوة بينه وبين ألكزاندر، تذكّر نصيحة سبق أن قدمها له أبوه: «أكد سلوك ألكزاندر حصافة تحذير أبي القائل بضرورة تحاشي العرب في الولايات المتحدة: «لن يُقدِّموا لك أي خِدمة أبداً، بل سوف يعملون دوماً على شدِّك إلى أسفل»». نبرة أبيه وهو يقول هذا كانت توحي، يكتب سعيد، «بأنْ لا استثناء أو تلوين لتلك القاعدة». فكيف يُرتَقَب، والحالة هذه، أن يتصرف ألكزاندر معه بطريقة محمودة؟ تصرف ألكزاندر كان من زاوية ما تطبيقاً موضوعياً لنصيحة أب سعيد. كلاهما في نهاية الأمر يدعو إلى، أو يعمل على تحاشي العرب في الولايات المتحدة.

اللغة بما هي ترجمة

وقد تَرتَّب عن هيْمنة «القوة الكولونيالية» أن قراءات سعيد أثناء دراسته، سواء في مصر أو في الولايات المتحدة، لا تتعدى الأدب المكتوب بالإنكليزية أو المترجَم إليها. ما أكثر المؤلفات الغربية التي رافقته في مختلف أطوار تكوينه، والتي يستعرض عناوينها بنهم في خارج المكان، لكن لا إشارة فيه إلى كتاب عربي أو كاتب عربي، ولا إحالة إلى الأدب العربي، الذي لم يدرسه ولم يشتغل عليه. يتكلم بلغتين، لكنه يقرأ بلغة واحدة فقط، الإنكليزية، التي ستصبح لا محالة لغة الكتابة.
على الرغم من عدم إلمامه، خلال سنوات دراسته، بالأدب العربي، بالثقافة العربية المكتوبة، فإن اختيارَه لِجوزف كونراد كموضوع لبحث أكاديمي (نشره سنة ١٩٦٦ تحت عنوان «جوزف كونراد ووهم السيرة الذاتيّة») دليل على انشغاله بمسألة الهوية التي تشكل الأساس الذي تستند إليه روايات هذا الكاتب. ولا عجب أن يتحدث سعيد عنه في مقدمة الطبعة العربية لـ«خارج المكان» وفي كتابات أخرى بإسهاب، فهو مَثَلُه الأعلى، نموذج يحتذيه أو يسعى إلى احتذائه، على الرغم من النقد الذي يوجهه إليه أحياناً. سعيد، العربي الأصل، كتب بالإنكليزية، كما فعل كونراد البولوني الأصل. وعنه يقول: «عاش تجاربه في اللغة البولونية، لكنه وجد نفسه مسوقاً إلى الكتابة عن تلك التجارب في لغة ليست هي لغته». يوحي سعيد بأنه في الوضعية نفسها، حين يضيف: «الكتابة عندي فعل استذكار، وهي، إلى ذلك، فعل نسيان، أو هي عملية استبدال اللغة القديمة باللغة الجديدة». استبدال اللغة القديمة بلغة جديدة... لكن ما هي، مرة أخرى، لغة سعيد القديمة، لغته الأولى؟ أهي العربية؟ لا يمكن الجزم وهو نفسه لا يُقِر يقيناً بذلك. مما لا شك فيه أن لكونراد لغة أصلية، البولونية، لم يتعلم الإنكليزية إلا بعد أن تقدم في السن وبعد أن تعلم الفرنسية، فهي لغته الثالثة. يختلف الأمر بالنسبة إلى سعيد: لم يستبدل، كما فعل كونراد، لغة بلغة، لم يستبدل العربية بالإنكليزية، فكلا اللغتين أصليتان عنده. ليست لديه لغة قديمة أعقبتها لغة جديدة وحلت محلها. ومع ذلك، إن كان ولا بد من حديث عن لغة جديدة ولغة قديمة، فالجديدة في ما يخصه هي العربية، أقصد المكتوبة، عربية الأدب والثقافة، عربية القراءة والكتابة، عربية الكتاب.
العربية هذه، المُهمَلَة في تكوينه، أحس بحاجة ملحة لتَعلُّمها، وبالتالي لإنجاز نقلة نوعية في مساره. عربية الكتاب هي السبيل لردم الهُوّة بين هويتين، بين عالمين: «كنت أشعر بوجود هُوّة من سوء التفاهم تفصل بين عالمي الاثنين، عالَمِ بيئتي الأصلية وعالمِ تربيتي، فإن مهمة تَجْسير تلك الهُوّة إنما تقع عليّ وحدي دون سواي. فلم يكن لي من خيار غير السعي إلى هويتي العربية وتَمَثُلها تمثّلاً». ويضيف: «اتخذت قراري، بعيد حرب ١٩٦٧، بأن أعود سياسياً إلى العالم العربي الذي كنت قد أغفلته خلال سنوات التعليم». ها هو يعود (لنتذكر نبوءة أمه الملتبسة)... ها هو يعود، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، إلى العالم العربي سياسياً، وأيضاً ثقافياً، بل حتى جغرافياً، وإن بصفة جزئية؛ إذ قضى عاماً كاملاً (1972) في بيروت، «في إجازة – يقول – رحت أتعرف فيها من جديد على التراث العربي الإسلامي من خلال دروس خصوصية يومية في فقه اللغة والأدب العربيين». من جديد... ها نحن مرة أخرى أمام مسألة العودة.
هكذا جاء إلى الأدب العربي بعد أن درس الأدب الغربي. إن كان هناك غموض في ما يتعلق بقضية اللغة وأيّهما الأولى، ففي ما يتعلق بالأدب، واضِح أن الأدب الغربي هو الأول، حبه الأول، أعْقَبه في منتصف عمره حب الثقافة العربية. حبان متوافقان ومختلفان في آن واحد. إنه في مكانين، وبينهما، أي إنه خارج المكان. ربما في هذا التعبير سِرُّ كتابته: «بدأت أفكر وأكتب طِباقِياً، مستخدماً نِصفَيْ تجربتي المُتباينيَن، كعربي وكأميركي، على نحو يعمل فيه واحدهما مع الآخر كما يعمل ضده». تجسير الهُوة: مَدّ جسر يجعل من اللغة ترجمة، ومن الهوية انتقالًا بين تراثين وثقافتين، ومن المثقف حمالاً يصل ضفة بأخرى.

=============
صورة المثقف كحمّال
ألقى عبد الفتاح كيليطو هذه المحاضرة في ندوة " رحلة عبر الأفكار : حوار مع إدوارد سعيد" التي جرت ب"بيت ثقافات العالم " ببرلين ما بين 31 أكتوبر و 2 نوفمبر 2013...

تعليقات

Abdelfattah Kilito
A Portrait of the Intellectual as a Porter

In the present text, I will address al-Muthanna—a term borrowed from Arabic grammar, referring to a relation of duality in Edward Said’s work, and in particular, al-Muthanna at the linguistic level.

Needless to say, the title of this essay is inspired by James Joyce’s famous novel, A Portrait of the Artist as a Young Man (1916). I was led to this link by the fact that Edward Said refers frequently to the Irish writer with whom he has much in common, most notably, the spirit of opposition and arguing that characterizes both of them, in addition to their common choice of life in exile. The image of a porter settled in my mind in the course of reading Said and in particular his memoir, Out of Place (1999). Other exemplary porters, mythical ones, came to my mind as well, chief among them was the giant Atlas (a name which means porter in Greek), who was sentenced to carrying the Earth. Among them were also, in a sense, Sisyphus and his stubborn rock, and Aeneas, the hero of Virgil’s Aeneid who fled the burning Troy carrying his father on his back. In addition to these, there are other porters who appear, at first glance, to be less mythical and less glamorous. Special mention may be made of Sindbad the Porter, the companion of Sindbad the Sailor, who was called porter because he carried people’s asbab, i.e. their belongings, as we read in the well-known tale, which speaks of al-Muthanna, the two Sindbads, the earthly Sindbad and the seafaring Sindbad (Sindbad the Sailor relates his seven voyages to the earthly Sinbad who is, in turn, generously rewarded for his listening by carrying the Sailor’s story).

Compared to these porters, what does Edward Said carry? Under what weight does he toil?

Let us start with what appears to be trivial and superfluous. Let us begin with the trip he took to spend the Christmas holidays at his uncle’s house in New York when he was a student at Mount Hermon School in the United States. He arrived at his host’s home carrying huge bags, which filled the house and made moving about it a difficult task. Said comments: “I could have left them over at school but neurotically and categorically refused to go anywhere without all my belongings” (1999, p. 237). He insists on this habit of his in another passage: “[W]hen I travel I always carry too much with me, […] even a trip downtown requires the packing of a briefcase stocked with items disproportionately larger in size and number than the actual period of the trip” (1999, p. 217). He carried large, heavy bags on his journeys, which made him walk bending forward, with an arched, twisted back.

The reader of Said’s memoirs would know that one of his persistent anxieties (or his deformations, as he calls them) is the fear of becoming hunchback. He devotes several pages of Out of Place to his efforts to correct “my bad posture,” as he puts it (1999, p. 64). Linked to this anxiety is the image of the father who spent years “trying to get me to ‘stand up straight’. ‘Shoulders back’, he used to say” (1999, p. 64). He says it in English, with the mother adding in Arabic, “Don’t slump.” In the presence of the others, and out of respect for Said’s sensitivity and to avoid embarrassment, the father would restrict himself to one word: “back” (1999, p. 64). When the student missed his family, while he was in the United States, he would pull a huge bag from under his bed (Said’s bags can only be huge), leaf through photo albums and letters and start weeping. But he would soon remember the father’s voice: “Buck up boy; don’t be a sissy. Pull your back up. Back, back” (1999, p. 235). Leaving aside the physiological reference, the father’s words allude to other meanings of straightening one’s back: rightness, moral correctness, walking with the head up, overcoming the tendency to introversion and carelessness, readiness for confrontation and resistance, all of them essential characteristics of the authentic intellectual described by Said in his Representations of the Intellectual (1994).

Rightness in this sense is a virtue an intellectual should have. According to the Arabic dictionary, al-Munjid, a person is said to be correct when he or she is “straight by creation, free of defects and illnesses.” But is the intellectual a right person in this sense? Should he behave in accordance with a stereotypical image made of him? Should he be required to emulate that image or reproduce it? Is this his characteristic? Said was not a right person in this sense. And he realized his difference at an early age: “Something was missing. Something, I was to discover, that was called the ‘right attitude’” (1999, p. 247). During his studies in the United States, he would discover this deficit comparing himself to his fellow students whom he describes in revealing, ironic detail: “[They] seemed to have no rough edges: they offended no one, they were well liked, they had a remarkable capacity never to say anything that might be wrong or offensive, and they gave me the impression of fitting in perfectly. In short, they were natural choices for various honorific jobs and titles” (1999, p. 247). On occasion, this was hurtful to him. But he was determined to embrace his difference, opposing the notion of the right, correct position to the concept of “out of place.” He concludes his memoirs with these telling words, which may be considered a summary of his position and view of himself: “I have learned actually to prefer being not quite right and out of place” (1999, p. 295).

What are the obscure reasons, the neurotic ones as he calls them, which made Said move around accompanied by his bags? He explains: “Analysing this, I concluded that I had a secret but ineradicable fear of not returning” (1999, p. 217). The fear of not returning and the desire to enjoy all of his belongings, which must remain accessible to him in his new dwelling, should return prove to be impossible. He fears losing his belongings on top of losing place, or what he considers his place.

The theme of return in all of its meanings, and in particular in its relationship to exile, is a constant in Said. Let us turn, in the first instance, to what his mother told his father on their first trip to America: “You know he’ll never come back” (1999, p. 223). She was mistaken, of course, because he would “come back”; but from a different perspective, Said would not “come back.” The place you considered yours will reject you when you return to it, which makes you feel a disconcerting strangeness (Unheimlichkeit). For this reason, the mother’s prophecy came true. Said visits his old house in Cairo but the doorman does not recognize him; out of overwhelming nostalgia, he visits, with his children, the school he studied at but the headmistress does not welcome him, and, in fact refuses to shake his hand and asks him, angrily, to leave at once. When Odysseus returned to the island of Ithaca after a twenty-year absence, he did not recognize it, and no one recognized him, neither his son, nor his father, nor his wife, nor his servants. Only his old dog recognized him then died on the spot.

“I concluded that I had a secret but ineradicable fear of not returning” (1999, p. 217), says Said, a fear which increased during his illness (an illness he knew from the very beginning was without a cure). He knew he was embarking on a journey without hope of return. Two months after he began treatment, he started working on Out of Place (a book whose subtitle is “A Memoir”), where he writes: “By the time I began treatment in March 1994 I realized that I had at least entered, if not the final phase of my life, then the period—like Adam and Eve leaving the garden—from which there would be no return to my old life. In May 1994 I began work on this book” (1999, p. 216). The fear of not returning compelled him to go back to his childhood, his formative years and his beginning in life. Ancient Egyptians insisted on being accompanied by their belongings after death, so that they would have no need of anything in the other world. They carried their belongings while others insisted on traveling to the other world carrying their books. This is what happened to Ibn Rushd (latinized as Averroes) when his body was carried from Marrakesh to Córdoba, as witnessed and recounted by Ibn Arabi in al- Futûhât al-Makkiyya (The Meccan Revelations): “When the coffin containing his body was loaded on, his books were used to balance it on the opposite side. I was with Ibn Jubayr and my friend Abu al-Hakam. The latter turned to me and said: Can’t you see what keeps Ibn Rushd steady on his mount? This is the Imam and these are his works” (1231/2013). Ibn Rushd returns to his birthplace, Córdoba, but his trip seems like a journey to the other world. Ibn Rushd left loaded with his books. Said, in turn, insisted on being accompanied by his books, perhaps by one specific book, the one he called Out of Place, which contains his memories and guards him against forgetting; a book which stands for him. It is a desire to survive, to continue living, a desire for life after life, for return to life, “The hard desire to last,” as the poet Paul Éluard put it (1946/1951).

Said experienced (to experience in the sense of rehearsing, as actors do) traveling to the other world when he moved to the United States to study. On his migration to the New World and his effort to adapt to its environment, he says: “I have only the most shadowy notion of what my life might have been, had I not come to America. I do know that I was beginning again in the United States, unlearning to some extent what I had learned before, relearning things from scratch” (1999, p. 222).

A new beginning in the New World. He set aside the past and started life from scratch. He turned into a different person with no relation to what he was before, in his clothes and in his manners; or so he thought. He was compelled to turn a page in order to start afresh. In his American exile, he had to correct his vision and rectify his view of things as if he saw them for the first time. Adapting to the new life required forgetting the old one, or rather, to be exact, pretending to forget it. What was required was pretending to forget, for forgetting is impossible, just as returning is impossible. Pretending to forget is perhaps a doubled memory, an additional and excessive memory.

Among other things, what one misses a lot in exile is language. No one around him speaks it: “There was always a feeling that what I missed with my American contemporaries was other languages, Arabic mainly, in which I lived and thought and felt along with English” (1999, p. 233).

Away from the East, Said longs for the mother and the language of the mother, Arabic. No one around him in exile speaks it. And no one notices Said’s Arabic. His Arabic is concealed in his mind; he hides and veils it. But even though he regrets this situation, it seems to me that he is enjoying it at the same time. It is as if he is realizing a hidden dream, a repressed desire, the desire to see people around him without being seen: “To be looked at directly, and to return the gaze, was most difficult for me” (1999, p. 55). For this reason, he feels a great relief in movie theaters where he is hidden and veiled: “I luxuriated in the sanctioned freedom to see and not be seen” (1999, p. 34). He seems to wish to make use of a “magic hat” to put on whenever he wants to. Among his American peers who were unable to detect his Arabic, he had, in a way, a magic hat that keeps him partially hidden. It hides half of his personality.

Is starting from scratch possible? In The Epistle of Forgiveness by Abu al-Ala’ al-Ma’arri (1057/2013), which describes scenes from the afterlife, resurrection, heaven, and hell, we read an original dialog between Ibn al-Qarih, the main character, and Adam. We deduce from this that Adam used to speak Arabic in heaven, but he forgot it once he was expelled and started speaking Syriac instead. Multilingualism precedes Babel. Yet we wonder: was Adam bilingual? Not exactly, because he had forgotten Arabic when he started speaking Syriac. Therefore, he is monolingual depending on where he is; or what he speaks, either Arabic or Syriac. He did not experience interference between the two languages, or double knowledge. Therefore, he did not experience what happens when two languages meet, and the ensuing push-and-pull, conflict and enmity between the two tongues. Away from heaven, Adam has forgotten Arabic. He has therefore forgotten everything related to his life before exile. None of it stayed in his memory, as if he had not lived it. Adam left heaven empty handed, carrying nothing.

For Said, exile did not coincide with forgetting what he had lived before. In the United Sates, he was not accompanied only by his bags, from which he was inseparable. He soon realized he was loaded with his name, his color, and his language. His memories would pour in on him in exile, inducing in him a feeling of being different and distinct from his new environment. “I felt myself to be encumberingly full of memories” (1999, p. 233). He became more of an Arab in exile than he ever was in the Arab world. He became an Arab par excellence. He says of himself in the third person that he was “an Arab whose Western culture led, ironically, to consolidating his roots” (2000b, p. 10). Changing places did not lead him to lose Arabic or to get rid of it. He was never monolingual like Adam, neither before exile nor through it.

This was confirmed in the course of an incident. On the surface, the event seems trivial. But it carries serious, if not dangerous, meanings at a deeper level. In his American school, Said tried to get closer to the tennis coach and teacher of English, Edmond Alexander. Let us note here that this person has two functions, the relationship between which will be explained later. Because Mr. Alexander was of Arab origin (he spent a period of time in Cairo), Said addressed him in Arabic. But Mr. Alexander responded in English: “‘No brother, no Arabic here. I left all that behind when I came to America’” (2000a, p. 559). He chose to shed his past, thinking, undoubtedly, that this can be achieved simply by forgetting Arabic. As far as Mr. Alexander is concerned, we are in the presence of a phenomenon, which may be summarized thus: I will not speak my language. I will never speak it because I am ashamed of it. I am ashamed of Arabic and of the Arabs. Let us note here that Mr. Alexander interrupted Said, raising his right hand. He interrupted him by word and gesture, a defensive gesture, as if he was warding off an attack or uttering an oath—I swear not to speak Arabic and not let you speak it either. The expected outcome was not only did he avoid Said this time, but he would also treat him with contempt after that.

Said recounts this incident in his book, Reflections on Exile and Other Essays (2000a). It must have affected him and stayed on his mind since he recounts it as well in some detail in Out of Place. We read in the latter that he addressed Mr. Alexander in English first. But the teacher responded to him aggressively and ignored him. Said then changed the language of conversation in the hope of getting closer to Mr. Alexander (and endear himself to him). The result was the opposite: “‘No brother […] no Arabic here. I left all that behind. Here we are Americans […] and we should talk and act like Americans’” (1999, p. 228).

Alexander makes two linguistic mistakes, which Said corrects for himself, and for his reader, of course, commenting on them with some mischief. The second mistake is the following: “Here we are Americans.” Said whispers to himself and to the reader: “another Arabic turn of phrase, instead of ‘We’re in America now’” (1999, p. 228).

At this point we should ask ourselves: does the term “we” refer to the dual or to the plural in Mr. Alexander’s mind? Did he mean: you and I are Americans or did he refer to all the Arabs who live in America or who have obtained American citizenship? Most likely, he meant the dual for if he meant the plural, he would be creating a bond with the Arabs whom he hated to the point that he did not want to come anywhere near them.

This is the second mistake made by Mr. Alexander. The first one is his statement: “No brother.” Said whispers in the reader’s ear: “I thought to myself, this is a purely Arabic expression, despite the fact that he uttered it in English” (1999, p. 228). Indeed, “my brother” is an Arabic expression, literally rather than figuratively understood by those who have not lived among the Arabs. It simply denotes familiarly and friendliness. Antoine Galland, the first European translator of One Thousand and One Nights, which he titled Les mille et une nuits (1704–17), came across this expression when he translated into French a statement by Sindbad the Sailor addressing Sindbad the Porter when they first met: “You have become my brother.” Galland felt he needed an explanation to avoid misunderstanding so he wrote: “In line with the custom of the Arabs when they talk to each other with familiarity” (2004, p. 230).

“No, my brother” is an expression where negation and brotherhood coexist. In Mr. Alexander’s language, the expression became a negation of brotherhood: you are not my brother; you will not become my brother.

The two slips—“We are Americans” and “No brother”—give Mr. Alexander away and reveal his identity and belonging. The Arabic language takes revenge on those who deny it and unmasks them. He thought he had turned his back on what he had left behind; but his past follows and accompanies him. He is up to his ears with his Arabness. He speaks Arabic despite himself, even though he rejects and shuns it in favor of English. His speech in this instance is a faded script, a palimpsest, which inevitably reveals Arabic within the folds of English. In fact, the tennis coach is speaking both Arabic and English at the same time. Consequently, he is bound to become a translator. His English is a reflection, a copy, of an Arabic original. For him, to speak means to translate; or let us say that translation is his language. No wonder then, that his job, in addition to being a teacher of English, is that of a tennis coach, an al-Muthanna game, one in which the ball goes from here to there; it leaves only to return, in a game between two people. Tennis as a translation exercise or translation as a tennis match. In reality, Alexander is a faithful and trustworthy translator; and herein lays his problem. Translation is not the traitor, as we usually hear: the traitor is the language of origin. The phrase “out of place” is in fact a good definition of translation: the text moves, is exiled, is out of place and takes up, resides elsewhere, translated. The matter is, however, different concerning the expression, “No brother.” The translation, “No brother,” does not displace the text. Instead, it returns it to its place. Let us say that it is, on the surface, out of its place but that in fact it has not left its place.

The irony of the situation is that the tennis coach did not realize the cliff he was standing on: he teaches English but makes mistakes while using it, not from lack of knowledge but in harmony with his subconscious. It must be noted that translation, during the encounter, took place on both sides but in reverse order: Alexander translates from Arabic into English unconsciously while Said translates from English into Arabic consciously, through correcting his interlocutor’s mistakes.

Let us stop for a moment to ask: Is Mr. Alexander’s situation unique or odd? Doesn’t it seem common during the 1940s and fifties in the milieu in which Said grew up? Was Said radically different from Mr. Alexander? He starts his book by saying: “Yet, the overriding sensation I had was of always being out of place” (1999, p. 3). But where is his place? He is always exiled, anxious, dépaysé, to use the title of Tzvetan Todorov’s book L’homme dépaysé (1996). He also says: “I have always experienced that feeling of double exile” (2000b, p. 8). He adds: “I have retained this unsettled sense of many identities—mostly in conflict with each other—all of my life” (1999, p. 5).

What is Said’s original language? He confesses in Out of Place: “I have never known what language I spoke first, Arabic or English, or which one was really mine beyond any doubt” (1999, p. 4). He deals with the same issue in Reflections on Exile, with a small difference, which cannot be ignored, when he says: “Arabic, my native language, and English, my school language, were inextricably mixed: I have never known which was my first language” (2000a, p. 557). In the same sentence, he declares that Arabic is his native language but soon adds that he does not know what his first language was, English or Arabic … in any case, duality was a source of anxiety for him, something he mentions a number of times: “ I have felt fully at home in neither, although I dream in both” (2000a, p. 557). The inevitable outcome is that as soon as he spoke in either language, the specter of the other would appear. “Every time I speak an English sentence, I find myself echoing it in Arabic, and vice versa” (2000a, p. 557). In other words, whether he spoke in Arabic or in English, his role remained that of a translator, just like Mr. Alexander.

What brings him even closer to Mr. Alexander is that he grew up in an environment characterized by scorn for Arabic. His environment rejected it or considered it at best a parent pauvre. In Cairo when he was a student, “Being and speaking Arabic were delinquent activities at VC [Victoria College], and accordingly we were never given proper instruction in our own language, history, culture, and geography. […] [W]e all felt that we were inferiors pitted against a wounded colonial power, […] even as we seemed compelled to study its language and its culture as the dominant one in Egypt” (1999, p. 186). Said focuses on the animosity between Arabic and English: “The difference between Arabic and English takes the form of a severe and unresolved tension between two worlds which were not only completely different, but also in conflict” (2000b, p. 8). But the battle was uneven because domination belonged to English, which resulted in an unsettled identity. “The overall sensation I had was of my troublesome identity as an American inside whom lurked another Arab identity from which I derived no strength, only embarrassment and discomfort” (1999, p. 90). He insists on keeping the Arab identity “despite the serious attempts to make me give it up during my education and by my parents, although to a lesser degree” (2000b, p. 9).

Even the parents … Indeed, when animosity between him and Mr. Alexander was at its height, he remembered his father’s old advice: “Alexander’s behavior proved the sagacity of my father’s minatory observation that in the United States one should stay away from the Arabs” (1999, p. 229). His tone as he said this implied, Said adds, that there was “no exception or qualification to this aperçu” (1999, p. 229). Under these circumstances, how could it be expected that Mr. Alexander would behave in a laudable way towards Said? Mr. Alexander’s behavior was, from a certain perspective, a practical application of the father’s advice. In the end, both preach avoiding the Arabs in the United States or try to avoid them.

Domination by the “colonial power” meant that Said’s readings whether in Egypt or in the United States, did not go beyond literature written in English or translated into it. Numerous Western works accompanied him during his formative years, which he reviews avidly in Out of Place. But there is no mention of an Arabic book or an Arab writer, and no reference to Arabic literature, which he did not study or work on. Said speaks two languages but reads only one, English, which will inevitably become his language of writing.

Despite this lack of command of Arabic literature and culture during his studies, his choice of Joseph Conrad as an academic research project (he published it in 1966 under the title, Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography) is evidence he was interested in the question of identity, which is the foundation of this writer’s novels. It is not surprising that Said speaks of Conrad extensively in his Introduction to the Arabic version of Out of Place and in other writings. Conrad is his idol, a model he emulates or tries to emulate, despite the criticism he subjects him to in some places. Said, who is of Arab origin wrote in English about Conrad who is of Polish origin. Said says of him: “He lived his experiences in the Polish language but he found himself compelled to write about them in a language which was not his own” (2000b, p. 7). Said implies that he himself is in the same position when he adds: “writing is for me an act of remembering, and is an act of forgetting or an act of replacing the old language with the new one” (2000b, p. 8). Replacing the old language with the new one …. But, once again, what is Said’s old language, his first language? Is it Arabic? It is not possible to assert this, and Said himself does not admit it. There is no doubt that Conrad has an original language, Polish. He did not learn English until later in life and after learning French. English is his third language. Things are different for Said: he did not replace one language with another, like Conrad. He did not replace Arabic with English, for both languages are original for him. He did not have an old language which was followed by a new one and replaced by it. However, if we must speak of an old language and a new one, Said’s new language is Arabic. I mean written Arabic, the Arabic of literature and culture, the Arabic of reading and writing, the Arabic of the book.

Said felt an urgent need to learn Arabic, this neglected language in his education, and to bring about, therefore, a qualitative leap in his itinerary. The Arabic of the book is the means to fill the gulf between two identities, two worlds: “I felt a gap of misunderstanding separating my two worlds, the world of my original milieu and the world of my education. The task to bridge that gap was my own responsibility. I had no choice but to go to my Arab identity and represent it” (2000b, p. 9). He adds: “I took the decision in the aftermath of the 1967 War to return politically to the Arab World that I neglected during my education years” (2000b, p. 9). He returns (let us recall his mother’s ambiguous prophecy) at the age of thirty-two to the Arab World, politically but also culturally, and even geographically, albeit in a partial way since he spent a whole year (1972) in Beirut. “[O]n sabbatical, reacquainting myself with the Arab–Islamic tradition through daily tutorials in Arabic philology and literature” (2000a, p. xiii). Again, we are facing the issue of returning.

This is how Said came to Arabic literature after studying Western literature. And while there may be an uncertainty about the issue of the language and which one was first, with regard to literature, it is clear that Western literature came first, that it was his first love, followed in his middle age by the love of Arab culture. Two loves which are both in harmony and different at the same time. He is in two places and in between them. He is out of place (Said was fortunate not to be among those who have narrow specialization, something he mentions often. He has no specific place in a given discipline). The secret of his writing is perhaps in this statement: “I began to think and write contrapuntally, using the disparate halves of my experience, as an Arab and as an American, to work with and also against each other” (2000a, p. 562). Bridging the gap: laying a bridge which makes the language a translation; the identity a movement between two legacies and two cultures, and the intellectual a porter striving to link one shore to another.

Translated from the Arabic by Mohamed-Salah Omri.
References
Books and articles

Al-Ma’arri, A. (1057/2013) The Epistle of Forgiveness, ed. and Eng. tr. G. J. Van Gelder and G. Schoeler. New York: New York University Press.

Éluard, P. (1946) Le dur désir de durer, with drawings by Marc Chagal. Paris: Arnold-Bordas; 2nd ed. Eng. tr. by S. Spender and F. Corford (1951) The Hard Desire to Endure. Philadelphia, PA: The Grey Falcon Press and London: Trianon Press.

Galland, A. (1704–17) Les mille et une nuits (One Thousand and One Nights), 12 vols. Paris: Compagnie des Libraires; new edition, 3 vols., Paris: GF-Flammarion, 2004, vol. 1.

Ibn Arabi, M. (c.1231/2013) The Meccan Revelations (Introduction) (al-Futûhât al-Makkiyya), tr. and Commentary by M. Haj Yousef, Kindle ed.

Joyce, J. (1916) A Portrait of the Artist as a Young Man. New York: B. W. Huebsch.

Kilito, A. (2000) Lan tatakallama lughati (Thou Shalt Not Speak my Language). Beirut: Dar al Tali’a.

Said, E. W. (1994) Representations of the Intellectual (1994). New York: Vintage Books.

Said, E. W. (1996) Joseph Conrad and the Fiction of Autobiography. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Said, E. W. (1999) Out of Place: A Memoir. London: Granta Books.

Said, E. W. (2000a) Reflections of Exile. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Said, E. W. (2000b) Kharij al Makan (Out of Place), Arabic tr. F. Tarabulsi. Beirut: Dar al Adab.

Todorov, T. (1996) L’homme dépaysé. Paris: Édition de Seuil.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Translated from the Arabic by Mohamed-Salah Omri.
الأدب والغرابة – صورة المثقف كحمّال عبد الفتاح كيليطو
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...