جوانا إحسان أبلحد - فرط النشاط الشِّعري بين الانفعال الوجداني والاختلال البايولوجي

هَلْ أراني أول المُتأرجحين على حبلِ هكذا فرضية تربط بين هاتيْن الحالتيْن وأقصد الانفعال الوجداني/ الشِعري والاختلال البايولوجي/ الجسماني بالنسبة لبني الشِّعر. وعليه وجب التنويه مُقدَّماً أن هذه المادة تتوكَّـأ عُـكَّاز الرؤية الشخصية ليس إلا، لأنها اِلتمعتْ بجبيني نتيجة تجربة شخصية كوني عانيتُ مِنْ أحد الاختلالات البايولوجية والذي كان متزامناً مع غزارة نتاجي الشِعري.
***
الشِّعر عندي هو الجرح الذي يلتهبُ عميقاً/ أنيقاً في أدمَّة الذات، هو أشبه بشرخ في تلافيف الذاكرة وثمة مُهيِّجات لهذا الشرخ تجعله ينزُّ شِعراً أو يتقـرَّحُ شِعراً.
برأيي بعض المُهيِّجات الوجدانية شِعرياً ليستْ إلا اضطرابات نفسية سايكولوجياً وبعض الاضطرابات النفسية سايكولوجياً ليستْ إلا اختلالات بايولوجية طبياً.
ولو نأخذ مثالاً على أشهر الاضطرابات النفسية العصرية والمُتمثِّلة بالاكتئاب، أثبتتْ الدراسات الحديثة أن بعض حالات الاكتئاب سببها اختلالات بايولوجية وقد تخفُّ وطأة الاكتئاب أو يتلاشى بمجرد معالجة هذا الاختلال البايولوجي، لأنه هناك اختلالات بايولوجية تتداخل مع فسلجة الدماغ وتؤثر عليهِ وظيفياً. هُنا الدماغ سيبدأ بتحليل الأمور وفق المنظور السلبي وقطعاً ردود أفعاله تتساوق مع هذا المنظور السوداوي، فما بالكم لو المصاب بهكذا اختلال بايولوجي هو شاعر! والأنكى لو يعيش في زمكان بحدِّ ذاته متخم بالظروف العصيبة على اختلاف أنواعها كالشاعر العربي في أغلب الأقطار العربية. عندها الكمد/الكرب/الأسى/الوجوم/ الترح أي كل درجات الحزن والتي ترتكز على مسببات حقيقية مِنْ خاصة وعامة ستختلط وتتآزر مع الذي يتوهَّمُهُ مِنْ مشاعر سلبية أخرى نتيجة ذلك الاختلال البايولوجي. هذهِ الأحزان بنوعيْها مِنْ حقيقي ومختلق تتشابك بوجدانية فعَّالة على مستوى الذهنية اليومية مع تلك الماضية الذاكراتية بالذي يجعلها مُهيِّجات فعَّالة للشِّعر ونراها مترافقة مع تلك الرغبة المُلِحْة لكتابة الشِعر دون هوادة. هذه الحالة راقَ لي تسميتها بفرط النشاط الشِعري، وليس الإفراط بأيِّ شِعر بَلْ حصراً الشِعر المُؤجَّج برؤى حزينة وحانقة معاً.
دماغ المصاب بهكذا اختلال بايولوجي (الذي يؤثر على الدماغ وظيفياً) سيعمل على تضخيم الشؤون مِنْ خاصة وعامة إلى قضايا عويصة الحلول منعدمة الآمال. ثم تلتهب دواخله تدريجياً نتيجة التراكمات لحزن داخلي عميق أو غضب داخلي عميق، فما بالكم لو تواجدَ كلاهما بذات الذروة في دواخل الذات الشاعرة!
ما نوعية النتاج الشِعري بهذه الحالة الوجدانية العائمة على مستنقع الحزن والغضب الداخلييْن ؟! ثم ما كمية النتاج الشِعري كمحاولة لتنفيس كل هذا الحزن/ الغضب الداخلي؟!
هكذا اختلالات بايولوجية لو أصابتْ الشعراء مؤكد سترفع مِنْ منسوب نشاطهم الشِعري، أي أنها غزيرة بالاضطرابات النفسية سايكولوجياً والمُرادفة للمُهيِّجات الوجدانية شِعرياً. ومِنْ الاختلالات البايولوجية والتي برأيي لو أصابتْ الشعراء ستراها تتناسبُ طردياً مع فرط النشاط الشِعري عندهم: خمول الغدة الدرقية، نقص المغنيسيوم، نقص فيتامين B12، نقص فيتامين دي.
***
شخصياً كُنتُ أعاني مِنْ نقص حاد بفيتامين دي Vitamin D deficiency ومِنْ أبرز أعراضه، الشعور بالنعاس والخمول الدائميْن، الشعور بالحزن اللامبرر حتى تردِّي الحال عند البعض للإصابة بالاكتئاب الصريح. وبالتساوق مع الأعراض أعلاه، أذكر أني كنتُ أغلب الأوقات حزينة دون مبرر وعندي شعور باللاجدوى مِنْ أيِّ شيء. أذكر أني كنتُ أنفعل بصورة صامتة أو ناطقة على مواقف لاتستحق الانفعال، أذكر أني حتى لو نمتُ ليلاً ما يُقارب ثمان ساعات أصحو بقمة التعب فأراني منسحقة البدن كأني سقطتُ مِنْ جبلٍ عالٍ والشعور بالخمول والنعاس يلازماني خلال الأربع والعشرين ساعة. أذكر أني كنتُ أُحبُّ العزلة ولا أرغب بعمل شيء خلا الشِعر أو بالأحرى لا أقوى على عمل شيء خلا الشِعر. أذكر أني كنتُ أتحامل على نفسي لتأدية المهام الضرورية ثم أنام كثيراً، أحزن كثيراً، أكتب الشِّعر كثيراً.
كان فيتامين دي عندي شبه منعدم، كان 5 والحد الطبيعي يجب أن يتعدى 60 بمقياس الوحدة المختبرية n mol/L. بدأتُ العلاج المكثف بأخذِ خمس حبَّات يومياً حسب وصفة الطبيب وشعرتُ الأعراض أعلاه زالتْ تدريجياً واختبرتُ تغيُّرات نفسية وجسمانية عديدة لامجال لذكرها.
***
لكن هذه التغيُّرات النفسية/ الجسمانية الإيجابية كانتْ تُرادف التغيُّرات السلبية بالنسبة لكياني الشِعري هكذا حدستُها أو أيقنتُها. حيثُ لم أعد أكتب الشِعر بغزارة كذي قبل وبتلك الوجدانية المتجاوبة سريعاً مع محفزاتي الشِعريَّة.
أبان ذلك الاختلال البايولوجي كانتْ تبرق بذهني اليومي عشرات الالتقاطات الشِعرية ولا ألحق على تدوينها كملاحظات لاستثمارها بالقصائد لاحقاً. لكن بعد العلاج التدريجي لنقص فيتامين دي، رأيتُ تلك الروح المرهفة والمتلازمة سَلَفاً مع الحواس الشِعرية المُتوقِّدة والقريحة الحاضرة تلاشتْ على مستوى اليومي ثم اِنحسرتْ تدريجياً مع استمرارية العلاج حتى أصبحتُ أجلس بالشهور دون مساورة الشِّعر والشهور انجرَّتْ لسنوات !
تلك المُحفزات التي عهدتُها بذاتي الشاعرة، اِنتهى مفعول تحفيزها لوجداني الشِعري ودون أي تغيُّر يُذكر بالقناعات والمواقف تجاه تلك المحفزات من شخوص وشؤون وأشياء ومشاعر وقضايا، فقط لم تعد تستفزني وجدانياً ولم أعد أرها بذاك الاستحقاق الشِعري كذي قبل. وبطبيعتي الشِعرية لا أقسر وجداني على القصيدة وأتركها تطرق جبيني من تلقاء رؤاها. وعليهِ أصبحتُ أرزح تحت نير القفار الإبداعي ولم أكتب الشِّعر لمدة أربع سنوات بقصيدة متكاملة.
***
هذا القفار الإبداعي جعلني يومها أتقلَّبُ على وسادة التساؤلات الآتية:
- أ يُعقل أن يكون الشِّعر -عند البعض- مجرد حالة وجدانية هلامية ترتكز على خلل بايولوجي في بَدَنِ الشاعر وذاته الشاعرة تحصيل حاصل، أي مجرد رد فعل سايكولوجي على فعل الاختلال البايولوجي؟!
- أ يُعقل أن يكون الشِّعر-عند البعض- بوطأة شعوره وجمال شأنهِ وجلال عنفوانهِ مجرد انفعال مؤقت يشحذ كينونته أولاً فاستمراريته ثانياً مِنْ اختلال بايولوجي جسمانياً يُولِّد الاضطرابات النفسية سايكولوجياً والتي ترفل بالمُهيِّجات الوجدانية إبداعياً ؟!
- أ يُعقل مع معالجة هذا الاختلال البايولوجي ستخفُّ وطأة الوجدانية الشِعرية المُلتهبة وتخفُّ معها تلك الغزارة الإبداعية المتُرافقة معها أو قد تنعدم تماماً لآماد طويلة لو كان ذلك الاختلال البايولوجي هو المُولَّد لمجموع الاضطرابات النفسية والغنية بالمُهيِّجات/ المُحفزات الإبداعية؟!
الجواب المنطقي على تساؤلاتي أعلاه والمُستخلص حصراً مِنْ تاريخ الشِّعر العربي على مَـرِّ شعرائهِ بسيرتهم الذاتية أو نتاجاتهم الشِعريَّة من زمكان المُعلَّقات وحتى شِعر الألفية الثالثة يُوحي لي بالنفي، فليس هناك أي مرجع طبي/ شِعري يؤكد فرضيتي الشخصية أو يُرجِّح احتمالية صحتها مع كل شاعر يُعاني فرط النشاط الشِعري بمرحلةٍ ما مِنْ حياتهِ.
وما رأيتُهُ بعد استنتاج تأمُّلي هو الآتي:
ليس بالضرورة كل تجربة شِعرية مُترافقة مع غزارة النتاج الشِعري بفترة حياتية مُعيِّنة سببها ذلك النوع مِنْ الاختلال البايولوجي في بَدَن الشاعر، فمُسببات الغزارة الإبداعية تتباين وتتداخل فيما بينها وفق العوامل الاحترافية والعمرية والوجدانية، لكن كل اختلال بايولوجي يصيبُ بَدَن الشاعر ويكون مِنْ النوع المُولِّد للاضطرابات النفسية قطعاً سيؤدي إلى فرط النشاط الشِعري وحصراً الإفراط بالشِعرِ المُؤجَّج برؤى حزينة وحانقة في آن.

جوانا إحسان أبلحد





https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=2623312167935905&id=100007714422758

تعليقات

موضوع جميل وملفت
كنت قد كتبت عن الجانب الآخر لعلاقة الفن بالجنون، ولكن، ليس من ذات الزاوية.
أما ما مررتِ به، ودعاك لهذا التفكير العميق، فقد مرَّ به أغلب المبدعين، فليس طبيعياً، أنني اكتب في اليوم عشرات المقالات والقصص وارسم بعض الرسمات، إلا لأنني أحاول تفريغ مشاعر زائدة عن الحد الطبيعي (أي على مستوى حسابي جمعي صرف). ولكن هناك مسألة أخرى تستحق النظر إليها بشكل مركز، وهو فكرة التداعي (ما أسميته كشاعرة بالإلتقاط). هذه القدرات، تتضاعف، في حالة الاختلالات الذهنية، لقد أشرت في مقالي اعلاه إلى هذه المسألة التي تفرق بين المبدع وغير المبدع. فالشاعر والإنسان العادي يشاهد كلاهما نفس الزهرة الحمراء، غير أن دماغ الشاعر، لاتراها كما يراها الآخر. هنا لا يقتصر الأمر على تضخم شعوري، بل على الالتقاط، على خلق المفارقة، على رؤية معنى آخر غير مدرك. إن الفرق بين الفيلسوف والشاعر، أن الفيلسوف وإن كان يرى ذات الزهرة بذات نظرة الشاعر، إلا أنه لا يملك ذلك التضخم الشعوري، الذي يؤهله لتحويل الفكرة إلى قصيدة، لذلك فهو يحولها لرؤية فلسفية محضة. ففي حين يستخدم الشاعر المجازات بحوافز عاطفية متضخمة، فإن الفيلسوف يجرد اللغة من تلك المجازات، إذ أنه يطرح الرؤية كحقيقة معرفية، في حين يطرحها الشاعر كحقيقة فانتازية. فهايدجر مثلاً، عندما ينظر للكينونة عبر الدازاين حيث الإنسان ملقى في الوجود، فإن درويش ينظمها ككائن (منسي).. كلاهما بلغا ذات النتيجة ولكنهما اختلفا في التعبير...لذلك فالعلاج من المشاعر المتضخمة قد يبقي على نصف الفيلسوف، وإن محا نصف الشاعر. إلا في حالات أخرى، أي عندما يكون العلاج مفضياً إلى محو النصفين معاً فتكون هذه هي الكارثة.
أشكرك على منحي هذه الزاوية للتفكير بشكل مختلف.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...