1- رشاد أبو شاور : في ذكراه الأولى
هناك سؤالان راوداني في أثناء قراءة نتاج رشاد أبو شاور أولهما تحوله اللافت في العشر سنوات الأخيرة من حياته إلى كتابة الرواية وثانيهما يخص تحديد المكان في اثنتين منها وعدم تسميته في اثنتين أخريين .
عرف رشاد كاتب قصة قصيرة وقصة طويلة ، وخلال خمسين عاما من الكتابة غلب على نتاجه هذان اللونان من ألوان الأدب ، طبعا إذا استثنينا عملين هما رواية " العشاق " و " الرب لم يسترح في اليوم السابع " . يعني أنه خلال أربعين عاما وأكثر لم يكتب سوى روايتين ، ولكنه منذ استقر في عمان أصدر خلال خمسة أعوام فقط أربع روايات يزيد حجمها حجم روايتيه المذكورتين .
من الروايات الأربعة التي كتبها في عمان هناك روايتان بدا فيهما المكان واضحا ، فيم لم يحدده في روايتين أخريين .
كتب في " وداعا يا زكرين " عن قريته التي ولد فيها وعن عام الهجرة ١٩٤٨ ، وقارب في " ليالي الحب والبوم " حياة اللجوء والخيام في أحد مخيمات بيت لحم ومخيمات أريحا التي كتب عنها في رواية " العشاق " ، وأما في " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " ، فقد جعل المكان عائما ، وهنا قد يتذكر المرء رواية عبد الرحمن منيف " شرق المتوسط " .
هل كتب في روايتيه الأخيرتين عن الأردن التي يقيم فيها ولم يرغب في شيخوخته الصدام مع النظام ؟ أرجح ذلك ، علما بأن قاريء الروايتين يستطيع أن يعرف المكان بسهولة .
في رواياته الأربعة كتب رشاد بأسلوب روائي تقليدي سهل وبسيط لا يصعب فهمه ولعله فعل ذلك بوعي تام .
في سنواته الأخيرة وبعد إصداره الروايات بدأ يكتب في صفحته قصصا قصيرة أغلبها منتزع من رواياته الأربعة ، وكلما قرأت واحدة منها عقبت :
- هذه قرأتها في رواية كذا .
ولم يكن يتنكر ؛ لأنه أراد إيصال الفكرة التي تلح على ذهنه إلى الجمهور ، وأكثر جمهور القراء اليوم يميل إلى قراءة النصوص القصيرة التي لا ينفق فيها ساعات طويلات .
لم يلجأ رشاد إلى التعقيد أو التناص مع روايات عالمية ، ولقد كانت رواياته تخلو من قراءاته كما هو الحال في بعض روايات مجايليه مثل يحيى يخلف في روايته " راكب الريح " ومحمود شقير في روايته " منزل الذكريات " . لقد بنى يخلف روايته على بعض قصص " الديكاميرون " فيما أقامها شقير على رواية الكاتب الياباني ( ياسوناري كاواباتا ) " الجميلات النائمات " ورواية الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " ذاكرة غانياتي الحزينات " .
اليوم تمر الذكرى السنوية الأولى لرحيل رشاد ولا أعرف إن كانت جريدة القدس العربي احتفلت به أم لا ! فقد كان أحد كتاب الأعمدة فيها .
خربشات ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
2- رشاد أبو شاور: "ترويض النسر "
ما يلفت النظر في رواية رشاد أبو شاور "ترويض النسر" الصادرة عن منشورات شروق في العام ٢٠١٩ هو عدم تحديد المكان ، وإن كان القاريء يستطيع تحديده ، فرشاد يقيم في الأردن.
تذكر رواية رشاد في هذا الجانب برواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" ١٩٧٧ ، ففيها لا يتم تحديد المكان.
صحيح أن عالم رواية رشاد ليس السجن كما هو عالم رواية منيف ، ولكن الروايتين تتقاطعان في تصوير عالم المخابرات والقمع في العالم العربي.
ماذا سيلم بالكاتب لو كان صريحا وذكر المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية؟
ياسين رفاعية في روايته "من يذكر تاي" كان أجرأ من منيف وأبو شاور ، فذكر الشام وما جرى فيها.
حادثة اغتصاب رجل مخابرات لطالبة جامعية هي أمينة في رواية أبو شاور لا يختلف عن حادث اغتصاب وزير داخلية سوري لريتا الفلسطينية في رواية رفاعية ، ولم يتردد الأخير في تحديد المكان . ربما لأن رفاعية كتب روايته التسجيلية وهو بعيد عن دمشق.
في رواية رشاد تنتقم أمينة لاغتصابها فتقتل رجل المخابرات ، وتنتهي ريتا في رواية رفاعية نهاية مأساوية تدفعها إلى الانتحار ، وما نجح به وزير الداخلية السوري حيث جعل من الفلسطينية ريتا عاهرة يفشل فيه رجل المخابرات في رواية رشاد.
تذكر رواية "ترويض النسر" برواية ثانية ل "أبوشاور" هي رواية "سأرى بعينيك يا حبيبي" التي ترصد انتقال المجتمع من البداوة إلى الحضارة ، وتتشابه أحيانا الأجواء : البيئة ، مع اختلاف قليل - بيئة البداوة / بيئة الريف - والجامعة أيضا.
بساطة السرد والحوار وتقسيم الرواية إلى مقاطع تكاد هذه تتطابق / تتشابه أيضا ، وروايات رشاد يبدو أنها موجهة لعامة القراء ، فلا أسئلة فلسفية ولا سرد معقد ناجم عن اختلاط الأزمنة والأمكنة ولا استرجاع أو ...إلخ ..إلخ.
وأنت تقرأ الرواية تتذكر مظفر النواب:
" فجهاز الأمن يمد يديه بكل مكان".
في السنوات الأخيرة كتب رشاد أربع روايات المسافة الزمنية بينها قليلة " وداعا يا زكرين " و " ليالي الحب والبوم " وهاتان أقرب إلى السيرة الروائية عموما ، خلافا ل " ترويض النسر " و " سأرى بعينيك يا حبيبي " فالكتابة عن التجربة الذاتية فيهما ضعيفة ولا يبدو حضور الكاتب فيهما إلا من خلال روحه وأفكاره الاجتماعية . أما الآراء السياسية والموقف من الأحزاب فلا تبدو ، خلافا لرواية " ليالي الحب والبوم".
تعتقل المخابرات حمزة لمقالات كتبها وتقتله في السجن ويحاول رأس المال رشوة أخيه المهندس منصور فلا ينجح ويبقى ثابتا على آرائه المنحازة للفقراء ولأهل الريف قاصدا تحسين البنية التحتية لقراهم وربطها بالعاصمة ، ولا تنجح صديقته سناء بالضغط عليه ويتخلى عنها هي التي تريد حياة مرفهة فتحثه على قبول الرشوة.
تنتهي الرواية بقتل أمينة مغتصبها وبخطبة منصور من الدكتورة الجامعية وداد وببقاء العم طرفة وزوجته يوسفية في الوطن رافضين الهجرة إلى كندا ، وبطيران النسر الذي خدر وضعف وعجز عن الطيران ، ليحلق في السماء بعد اعتناء منصور به .
خربشات
٢٨ أيلول ٢٠٢٠
***
3- الحضور الفلسطيني في رواية رشاد أبو شاور «سأرى بعينيك يا حبيبي»
أصدر الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور في الأعوام الخمسة الأخيرة روايتين هما "سارى بعينيك يا حبيبي" (2012) و"وداعا يا زكرين" (2016). وكان الروائي، من قبل، أصدر العديد من الروايات "أيام الحب والموت" و"البكاء على صدر احبيب" و"العشاق" ورواية عن بيروت بعد الخروج منها في 1982 و"شبابيك زينب"، والأخيرة صدرت في 1994.
كان الموضوع الفلسطيني حاضراً في رواياته كلها، سواء تلك التي كتب فيها عن زمن عاشه وشهد عليه أو في تلك التي استحضر فيها زمناً بعيداً عاصره ولم يكن شاهداً على ما كتبه عنه.
كتب رشاد في "العشاق " و"البكاء على صدر الحبيب" عن أمكنة عاش فيها وكان واعياً على ما جرى فيها من أحداث، وفي"أيام الحب والموت" و"شبابيك زينب" كتب عن فترة لم يكن واعياً لما جرى فيها أو عن مكان صلته المباشرة فيه ضعيفة. غادر رشاد بيروت في 1982 واستقر أولاً في الشام، ليغادرها وليستقر في عمان. ولم يكتب منذ أصدر "شبابيك زينب" (1994) أي عمل روائي. هذا يعني أنه انقطع عن كتابة الرواية ثمانية عشر عاماً.
ولكن انقطاعه عن كتابة الرواية لا يعني أنه انقطع عن كتابة أعمال أخرى. فقد واظب على كتابة القصة القصيرة وأصدر "سفر العاشق" وكتب نصوصاً نثرية ظهرت في كتب ومنها كتاب "رائحة التمر حنة" الذي أتى في نصوصه على زيارته فلسطين بعد اتفاقيات أوسلو. وفي قصصه عبر عن تجارب ذاتية لم تبتعد عن الهم الفلسطيني، وفي نصوصه النثرية قارب الهم الفلسطيني بعد اتفاقيات أوسلو وعبر عن حزنه وخيبته مما آلت إليه الأوضاع وآثر ألا يستقر في مناطق السلطة الفلسطينية.
هل ظل الواقع الفلسطيني هو المرجعية التي يتكيء عليها رشاد في كتابة نصوصه أم أنه التفت إلى واقعه الجديد وكتب عن مناطق جديدة هي التي تمس المكان الجديد الذي استقر فيه؟
في مقالاته التي واظب على كتابتها في صحيفة "القدس العربي"، غالباً كل يوم أربعاء، استمر الكاتب يقارب موضوعات سياسية آنية تمس الهمّين؛ الفلسطيني والعربي، ولا يحتاج هذا الرأي إلى برهنة، ولكن ماذا عن عمليه الروائيين اللذين كتبهما في الألفية الثالثة؟ بل وماذا عن روايته "شبابيك زينب" (1994)؟
لم يكتب رشاد في "شبابيك زينب" عن دمشق أو عن عمان وهنا قد يثير المرء سؤالاً: لماذا؟ ولماذا كتب عن نابلس في 1987، ولم يكن شاهداً على أحداثها، ولم يلم بأمكنتها إلماماً جيداً؟ لماذا مثلاً لم يكتب عن عمان أو عن دمشق؟
إن السؤال السابق قد يوجه لغير كاتب أقام في مكان وكتب عن مكان آخر صلته به ضعيفة أو معدومة، أو عاش في زمان ما وكتب عن زمان آخر لم يكن شاهداً عليه أو لا يتذكره جيداً، إما لأنه كان طفلًا لم يتجاوز السادسة أو لأن المسافة بين الزمنين؛ الكتابي والروائي شاسعة، وسينعكس هذا بدوره على صحة الأحداث ودقتها. ومن يتابع نصوصاً كثيرة كان الزمن الروائي فيها بعيداً عن الزمن الكتابي، أو كان الكاتب فيها يكتب عن مكان صلته به عابرة يلحظ أخطاء فيها. بل إن الكاتب حين يكتب في موضوع غير متمكن منه يقع في إشكالات عديدة هو في غنى عنها.
مثلاً هل نابلس في رواية رشاد أبو شاور هي نابلس التي نقرأ عنها في رواية سحر خليفة "باب الساحة" (1990) وهي أيضاً عن الانتفاضة؟ هل لغة الشخصيات وتصرفاتها وأمثالها تعبر عن صلتها بالمكان وتمثل أجواء المدينة وأزقتها وحاراتها وطقسها؟ و..و..؟
في "سأرى بعينيك يا حبيبي" لا يبتعد رشاد عن البيئة التي استقر فيها ولا يبتعد عن الزمن الذي يكتب عنه. الزمنان هنا الكتابي والروائي متقاربان، فالكاتب يكتب عن مكان صلته به واضحة، وإن لم يحدده، ويكتب عن أحداث هو شاهد عليها. بل إن بعض القراء يستطيعون تحديد المكان، بخاصة إن كانوا عاشوا في العواصم التي عاش فيها الكاتب في العقود الثلاثة الأخيرة.
هل قارب رشاد في روايته هذه الموضوع الفلسطيني الذي قاربه في رواياته السابقة وفي روايته التي سيصدرها في العام 2016 وهي رواية "وداعا يا زكرين"؟
"سأرى بعينيك يا حبيبي" رواية تقارب بالدرجة الأولى ثنائية البداوة/الحضارة، والتغيرات التي تشهدها دولة عربية البادية غير بعيدة عنها، وتزحف العاصمة بسبب التزايد السكاني نحو البادية لتغدو الأخيرة قريبة جداً من العاصمة، وهذا سيترك أثراً واضحاً على سلوك البدو الذين سيجدون حياتهم تقترب من حياة عالم المدينة شاؤوا أم أبوا. بعض هؤلاء سيعوّد نفسه على التأقلم مع الحياة الجديدة وقسم آخر لا يستطيع استيعاب ما يجري.
شخوص الرواية الرئيسيين ليسوا فلسطينيين. إنهم بدو بلد عربي، ولكن هذا البلد لا يخلو من فلسطينيين. وثمة احتكاك بين سكان البلد وبعض الفلسطينيين الذين لا تظهر هويتهم واضحة إلا في الصفحة 259 وما بعدها من الرواية، على الرغم من أنهم حاضرون من الصفحات الأولى، ولم تكن العلاقة بين البدو والفلسطينيين منبتة. إن أطفال الطرفين يدرسان معاً في المدرسة نفسها ويترك الفلسطينيون أثراً على الآخرين.
ولولا الإشارة في الصفحات الأخيرة من الرواية إلى هوية هؤلاء الفلسطينيين لما عرف المرء أنهم فلسطينيون، فمثلهم من سكان العاصمة من أبناء البلد من لا يختلف عنهم سلوكاً مدينياً وثقافياً. سيثار سؤال الهوية في الرواية حين يقرر الفلسطيني وزوجته أن تعود الزوجة إلى العاصمة العربية القريبة حدودها من فلسطين لكي ينشأ ابناها اللذان ولدا في ألمانيا وحصلا على جنسيتها نشأة عربية شرقية لا نشأة غربية، إذ لو بقيا في ألمانيا فقد يخسرهما الأبوان.
حين لا يتكيف الابن مع الحياة في العاصمة العربية يقرر السفر إلى ألمانيا، فما زال أبوه هناك، ويلتحق الطفل بأبيه، وهنا يثار سؤال الهوية للفلسطيني المولود في المنفى بعيداً عن بلده، وهنا أيضا تتساوى البلدان في نظر الفلسطيني ما دام بعيداً عن بلد أبيه وجده.
عموماً، يبدو حضور الموضوع الفلسطيني في رواية رشاد هذه ضعيفاً، خلافاً لرواياته السابقة وروايته اللاحقة، والسؤال هو: لماذا؟ ولماذا لم يقارب رشاد في روايته هذه وروايته اللاحقة إشكالات الفلسطيني في سورية أو الأردن؟
تبقى الأسئلة مشرعة على أية حال.
***
4- رشاد أبو شاور: بيتزا من أجل ذكرى مريم
رشاد أبو شاور كاتب قصصي وروائي وكاتب مقالة سياسية أيضا، ويكتب قصصا للأطفال. وقد أصدر العديد من الروايات والمجموعات القصصية التي عرفها القراء في العالم العربي. غير أن حظه من الحضور والانتشار، في فلسطين المحتلة، قبل ثورة الانترنت، كان قليلا، مثله مثل كتاب قصة آخرين لم يكن لهم حضور أيضا في فلسطين. مثله مثل يوسف شرورو وحسن حميد ويوسف ضمرة وإبراهيم العبسي، فقليلة هي أعمالهم التي أعيد نشرها قبل العام 1994، عام عودة بعض قيادات منظمة التحرير وكوادرها. وهم لم يحظوا بما حظي به غسان كنفاني وسميرة عزام اللذين أعادت دار الأسوار في عكا نشر جلّ نتاجهم، وربما في غير طبعة.
وإذا كنا قرأنا نتاج كنفاني وعزام، وبعض نتاج يحيى يخلف، وليانة بدر، وخليل السواحري، ونتاج محمود شقير، فإننا بالكاد قرأنا لفاروق وادي وشرورو وأبو شاور وحميد. ربما نشرت بعض قصص لهؤلاء في الاتحاد والجديد، ولكن هاتين الدوريتين لم تكونا تصلان إلى الضفة والقطاع، وربما يكون علي الخليلي نشر على صفحات الفجر والفجر الأدبي بعض قصص لهم، وربما فعلت ذلك أيضا دوريات أخرى مثل الكاتب والبيادر. ربما. غير أن ما نشر لا يعطي تصوراً واضحا عن نتاج أي منهم.
منذ العام 1994 وتأسيس وزارة للثقافة في السلطة الوطنية الفلسطينية اختلف الأمر قليلا، فلقد أخذت هذه على عاتقها إعادة نشر بعض نتاج أدباء المنفى، فنشرت روايات وقصصا مختارة للعديد منهم، نشرت لرشاد أبو شاور ولحسن حميد ولمحمود الريماوي ولرسمي أبو علي ولمحمود شاهين ولإبراهيم العبسي ولزيد العابدين الحسيني، وهكذا اطلع قراؤنا وأدباؤنا على نماذج من النتاج الأدبي الذي أنجز في المنفى، لكنه إطلاع يبقى غير كامل، لأننا قرأنا الجزء ولم نقرأ الكل، خلافا لقراءتنا لنتاج أدباء فلسطين المحتلة في العامين 1948 و1967، النتاج الذي تابعناه باستمرار، وكنا نشكل فكرة عن تطور صاحبه. نربط النتاج الجديد بالنتاج القديم، ونعرف الاختلاف- إن كان هناك اختلاف، وهكذا كنا نعرف الصورة كاملة.
هل نقاد الداخل إذن مهيأون للكتابة عن أدباء المنفى؟ هذا هو السؤال الذي راودني، وأنا أحاول الكتابة عن نماذج قصصية لهم. ولقد لاحظت، من قبل، في العام 1997، حين شرعت في كتابة مقالات أتناول فيها مرحلة السلام ونصوصها، أن تناولي لنتاج أديب معروف لنا بشكل جيد، مثل محمود درويش وسميح القاسم، يختلف عن تناولي لنتاج أديب لم نقرأ نتاجه باستمرار وعلى فترات، نتابع فيها لاحقه وسابقه، مثل مريد البرغوثي، ما شكل تفاوتا واضحا في التناول. ذلك أنني لم أكن ألتفت إلى النص وحده، وإنما إلى النص وما يحيط به، وماذا يشكل في مسيرة صاحبه.
وربما لا يلومنا أدباء المنفى حين نركز على أدباء الداخل أكثر من تركيزنا على نتاجهم، وربما يتناول نصوصهم نقاد آخرون تابعوا مسيرتهم عاما فعاما، وكتابا فكتابا.
رشاد أبو شاور نموذجا:
لقد قرأت أكثر نتاج رشاد وأنا أقيم خارج الوطن المحتل. في الأردن في العام 1980-1982، حيث قرأت رواية "العشاق"، وهي رواية أعادت وزارة الثقافة في غزة ورام الله نشرها، بعد العام 1994، ورواية "أيام الحب والموت" و"البكاء على صدر الحبيب"، وربما ما زلت أذكر الصورة التي أبرزها لأحد مخيمات أريحا، وراهب دير القرنطل، ومعاناة اللاجئين بعد العام 1948، وقبل العام 1967. وربما ما زلت أذكر كتابته أيضا عن إحدى المجازر التي ارتكبها الصهيونيون بحق قرية في منطقة الخليل، وقد تذكرت ما كتبه رشاد مؤخرا، وأنا أقرأ كتاب (إيلان بابيه) التطهير العرقي، وما أورده عن مجزرة الدوايمة، بل لقد ذهبت إلى أن مقارنة بين ما كتبه رشاد و(بابيه) تبدو مجزية، للمقارنة بين الروايتين، رواية رواية رشاد، ورواية كتاب (بابيه). وربما أتذكر أيضا بكاء رشاد على صدر الحبيب، كلما قرأت نقدا ذاتيا لمسيرة الثورة. فهو- أي رشاد- من الروائيين الذين التفتوا إلى الذات ونقدوها، ما سبب له مشاكل عديدة، وتعد بعض رواياته، في هذا الجانب، مهمة إلى جانب نصوص أخرى مثل "ذاكرة للنسيان" لمحمود درويش، ما لفت نظر دارس عربي إلى الكتابة عن نقد الذات في الرواية الفلسطينية.
بين يدي القصة:
يترك الكاتب بطله يحدثنا عن قصته، وهكذا نقرأ قصة صيغت عبر ضمير المتكلم، لا عبر ضمير الهو. فما هي قصة هذا البطل؟
إنه مناضل فلسطيني فقد زوجته في أيلول من العام 1970، وفقد أيضا معها طفله المرتقب، فقد كانت مريم مختبئة، في حرب أيلول، في ملجأ ما، وخرجت منه لتفاجئها الدبابات، فتقتلها وتقتل جنينها، ويظل زوجها يتذكرها، على الرغم من مرور السنوات.
تبدأ القصة والبطل ذاهب إلى عيادة طبيب نصحه زميله بان يعرض حالته عليه، فقد كان في رومانيا وشعر بألم في جسده، وتردد على عيادة طبيب روماني هناك، ولما عاد البطل إلى بيروت تابع علاجه. وسيخبره الطبيب اللبناني أنه لن يشفى تماما، وإن كانت حالته ستتحسن. ومن خلال حوار بطل القصة مع الطبيب نعرف أنه مناضل انتمى إلى الثورة وقاتل في صفوفها، حتى كاد ينسى نفسه والانتباه إلى جسده، ما أثر على حالته الصحية.
وبطل القصة كاتب تؤرقه أوضاع الثورة، وهو يرغب في تحرير فلسطين، ولهذا فقد منح هذا الحلم جل وقته واهتمامه، ليكتشف، كما يقول له الطبيب العربي، أنه غير قادر على تحرير نفسه.
ويعيش بطل القصة على الذكرى، ذكرى مريم والجنين الذي كان في أحشائها. وحين يغادر عيادة الطبيب يذهب إلى أحد مطاعم بيروت، ويطلب البيرة والبيتزا، ولم يكن معه أحد، ومع ذلك يطلب طعاما لاثنين، ما يلفت نظر النادل الذي يسأله عن الشخص الثاني، متدخلا فيما لا يعنيه، ولما يخبره أنه ينتظره، يجيبه النادل: ولكنك أول مرة تزور مطعمنا. إن طعام الشخص الثاني هو لمريم زوجته التي أحبها وما زال يتذكرها، ويتمنى أن يصرف له الطبيب بدل الدواء مريم وابنها. ويظل البطل ينتظر مريم، على الرغم- كما ذكرت- من مرور سبع سنوات على قتلها، حتى ليكاد ينسى المقاتلين في الجنوب، هؤلاء الذين يسألون عنه، ويتساءلون إن كانت بيروت غيرته.
وبعد أن يزور معارفه القدامى، من مقاتلي فلسطين السابقين، وهو سكران، يعود إلى البناية التي يسكن فيها، وتنتهي القصة بالفقرة التالية:
"أخذت أرتقي الدرجات مع جنون أنغام الأرغول، وعندما بلغت غرفتي فوق الدور السابع فتحت الباب، فتحت النوافذ، رأيت دبابات كثيرة ورشاشات ومدافع تتقدم، رأيت مريم والبنت الصغيرة ذات الضفائر فاندفعت، والرصاص يخترقني ويثقب جسدي، وأنغام الأرغول تخرج من بدني وتتطاير في الفراغ الرمادي".
نهاية متشائمة:
ونلاحظ من خلال الفقرة السابقة أن بطل القصة كان يغلب عليه التشاؤم. إنه الآن بعيد عن مقاتلي الجنوب، وهو ثمل من الشراب، ولا يرى في بيروت إلا الدبابات والمدافع، ولا يسمع إلا صوت الرصاص، ولا يعيش إلا على الذكرى، إذ يرى مريم والبنت الصغيرة. هل هي أزمة البرجوازي الصغير الذي لا يقاتل، ويعيش على الذكرى، ولا يفعل سوى ممارسة الكتابة. كان مقاتلا، كما قال للطبيب، ثم تراجع ليقول إنه يكتب:
"تقريبا لا أعمل، كنت...إنني أكتب.... لا أنام تقريبا، أفكر في.. سابقا كنت... في الحقيقة أنا أداوم في المكتب."
وربما ما قاله له الطبيب يلخص حالته وحالة كثير من المثقفين: "تدخنون كثيرا، تشربون كثيرا، تسهرون كثيرا، تجلدون أنفسكم كثيرا ثم تأتون إلى الطبيب متأخرين كثيراً.
نقد الذات ومديح الآخر اللبناني:
كما ذكرت يعد رشاد أبو شاور واحداً من الكتاب الذين لم يبرزوا للذات الفلسطينية دائما صورة إيجابية. صحيح أنه فلسطيني، وينتمي لفلسطينيته أولا، ولكن الفلسطيني ليس دائما على صواب، وليس الآخر العربي دائما على خطأ، ولقد أنجز رشاد رواية نقد فيها الثورة وسلوكها، ما عرضه إلى انتقادات وتهديدات، وكان ذلك في وقت مبكر، في العام 1974، وهي رواية "البكاء على صدر الحبيب"، وما زالت مقالاته التي ينشرها في أماكن عديدة، بخاصة في "القدس العربي" يوم الأربعاء، ما زالت تحفل بنغمة عالية من نقد الذات لدرجة جلدها، ما يجعل من عبارة الطبيب في القصة: "تجلدون أنفسكم كثيرا" عبارة دالة، كأنها لم تخرج من فم الطبيب فقط، كأنها تخرج من لسان رشاد الذي يدرك هذا ولكنه ما زال يواصله، على الرغم من مرور ثلاثين عاما.
في القصة يقول بطلها:
"هؤلاء اللبنانيون إذا ما اندلعت الحرب العالمية الثالثة ودمر العالم فإن بعضهم سيصلون إلى القمر ويفتحون محلات أو بسطات لهم هناك، وسيستوردون زبائن من الكواكب، وسيزرعون عنبا، وينتجون عرقا جيدا، ويغنون عالعين يابو الزلف عيني يا موليا، فلسطين أصل العذاب والجنوب عينيا. آه لو يدرون كم أحبهم، وكم اخجل من رذالات بعض جماعتنا".
الآخر هنا يبدو إيجابيا، والآخر هو اللبنانيون. فيما الذات منقسمة على ذاتها، ثمة ثوار قاتلوا وما زالوا يقاتلون، قاتلوا قبل العام 1948، وواصلوا القتال، وثمة رجال منا أراذل يخجل الفلسطيني من رذالاتهم. كأن لسان بطل القصة هو لسان بعض شخصيات رواية "البكاء على صدر الحبيب"، ولسان رشاد أبو شاور في مقالاته التي ما زال يكتبها.
ولكن السؤال الذي يثار هو: هل يتعاطف رشاد مع اللبنانيين كلهم؟ لا تبرز القصة صورة أخرى لهم، ولا تأتي على نماذج إيجابية وأخرى سلبية. إنها لا تحتمل أصلا تعدد الشخوص بحكم طبيعتها، وإذا ما أراد المرء أن يعرف موقف الكاتب من الآخر اللبناني، فلا بد له من قراءة نصوص رشاد كلها، ولا بد أيضا من مساءلته، ومتابعة مقالاته. فليس هناك من شك في أن هناك لبنانيين رائعين، ولكن أيضا هناك لبنانيون رشوا الأرز، في حرب العام 1982، على الجنود الإسرائيليين وباركوهم، ومكنوهم من ذبحنا. ورشاد يعرف هذا جيدا.
الكاتب وبطله:
هل يمكن اعتبار هذه القصة قصة سيرية؟ بمعنى هل كان رشاد أبو شاور، وهو يكتبها، يكتب عن تجربة ذاتية مر بها. تتطلب الإجابة عن هذا السؤال إجراء مقارنة بين ما مر به بطلها، وما مر به رشاد. هذا يعني أن ندرسها وفق منهج يلتفت إلى سيرة المؤلف ويعرف عنها، ويطابق بين ما ورد في القصة عن بطلها وما مر به المؤلف.
وعموما فإن قصة السيرة في أدبنا القصصي حاضرة لدى كتاب كثيرين. ثمة قصص قصيرة عديدة تمحورت حول حياة كتابها، أو كان هؤلاء الرواة فيها، الرواة الشهود، أو الرواة المشاركين، حيث يصورون انعكاس الأحداث عليهم. وقد أشار محمود شقير في مقالة له نشرها في الكرمل، وأتيت عليها، وأنا أدرس قصته "صورة شاكيرا" إلى أن في كثير من قصصه جانبا من تجربته. وقبل أن أقرأ هذه الملاحظة، لاحظت هذا وأنا أقرأ قصصه، ما جعلني أفكر في توجيه سؤال له بهذا الشأن، وتقديم اقتراح له يتمثل في أن يعيد قراءة قصصه وكتابتها رواية، لتكون رواية سيرية.
وربما تكون القصص التي أنجزتها أنا على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة نموذجا للقصة التي تتمحور حول حياة كاتبها وعلاقته بالآخرين، فلقد كنت، باستمرار، أقص عن أحداث أو أشخاص أو أفكار غير بعيدة عني وعن علاقتي بهم.
وربما تبدو قصة محمود شاهين "موتي وقط لوسيان" الطويلة، نموذجا جيدا يمكن الاستشهاد به في باب قصة السيرة. وكذلك قصص رسمي أبو علي.
وعموما فإن هناك أوجه تشابه كثيرة بين رشاد وبطل قصته: الأمنيات، والنقد الذاتي للثورة، والثوري الذي غدا كاتبا، وتمجيد بطولات المناضلين الحقيقيين. ولكن هناك في الوقت نفسه أوجه اختلاف. ولا أدري إن كان رشاد فقد امرأة وطفلة في حرب أيلول 1970، وظل يعيش على الذكرى. إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب سؤال الكاتب نفسه.
كلمة أخيرة:
صاغ رشاد قصته، كما ذكرت، بضمير الأنا، بلغة عربية بسيطة سهلة، وصوّر فيها جانبا من حياة الفلسطينيين في المنافي، وأتى على مروا به، وعلى معاناة بعضهم. وتعد هذه القصة نموذجا للقصة القصيرة الفلسطينية في المنفى.
***
5- رشاد أبو شاور: “الحب وليالي البوم”
نابلس – مدار نيوز : رشاد أبو شاور قاص و روائي فلسطيني من جيل الستينيات من القرن العشرين ، غدا يعرف في 70 ق 20 من خلال قصتين طويلتين هما ” أيام الحب والموت ” و”البكاء على صدر الحبيب ” ورواية “العشاق ” إلى جانب قصصه القصيرة. في 80 ق20 أصدر رشاد إلى جانب القصص القصيرة روايات هي “اه يا بيروت ” و”الرب لم يسترح في اليوم السابع ” و “شبابيك زينب “.
قارب رشاد في رواياته وقصصه الطويلة الواقع الفلسطيني الذي كان شاهدا عليه والواقع الفلسطيني الذي سمع وقرأ عنه. في “أيام الحب والموت ” كتب عن مجزرة الدوايمة في أثناء النكبة. وفي “البكاء على صدر الحبيب ” صور جانبا من حياة الثورة الفلسطينية بعد حزيران 67. وفي ” العشاق”كتب عن مخيمات أريحا قبل الهزيمة وبعدها.
وفي روايات ثمانينيات القرن العشرين “الرب لم يسترح في اليوم السابع ” و”اه يا بيروت” و”شبابيك زينب ” قارب موضوع الثورة الفلسطينية إثر حرب حزيران 1982 والانتفاضة الفلسطينية الأولى. بعض روايات رشاد السابقة كانت الأزمنة فيها متقاربة ،وتحديدا زمني السرد والكتابة ،وبعضها كانت الأزمنة متباعدة.
بعض الروايات كان الكاتب شاهدا على أحداثها وبعضها حدث الفعل الروائي في فترة كان فيها رشاد طفلا. سينقطع رشاد عن كتابة الرواية مدة من الوقت تقارب 20 عاما ليعود ويكتب الرواية ،فما بين “شبابيك زينب ” رواية الانتفاضة ورواية “سارى بعينيك يا حبيبي ” وهي رواية كتبها عن عاصمة عربية بدأت تتريف مدة لا تقل عن 20 عاما. هنا يثير المرء سؤالا عن سبب الانقطاع طيلة هذه المدة الزمنية .
ايعود السبب إلى الواقع الفلسطيني الجديد بعد أوسلو 1993؟ ام يعود إلى انصراف رشاد لكتابة القصة القصيرة والمقالة والنثر؟ أم يعود إلى فجيعة بعض الفلسطينيين باتفاق اوسلو ، ومنهم رشاد؟
إن ترتيب روايات الكاتب حسب زمنها الروائي ،لا حسب تاريخي كتابتها ونشرها سيجعل من رواية “وداعا يا زكرين ” الرواية الأولى تليها رواية “أيام الحب والموت ” فرواية “ليالي الحب والبوم ” فرواية “العشاق “فرواية “البكاء على صدر الحبيب ” وهكذا. السؤال الذي يثيره المرء وهو يتابع مسيرة الكاتب الروائية هو:
لماذا يعود الكاتب في هذه الفترة ليكتب عن 40 و50 القرن 20؟ ويليه سؤال آخر هو: هل هو أول كاتب فلسطيني يفعل هذا؟ ما قام به رشاد قام به روائيون فلسطينيون آخرون مثل أفنان القاسم ويحيى يخلف.
الأخير أصدر منذ 1997 أربع روايات واحدة يتطابق فيها زمنا الكتابة والحدث الروائي وثلاثة يفترق فيها الزمنان.
يعود يحيى في رواياته الثلاث إلى زمن الطفولة والشباب وإلى زمن أسبق بكثير لم يكن شاهدا عليه. كتابة الروائيين في العشرين سنة الأخيرة عن الماضي تدفع الدارس إلى السؤال والبحث عن الأسباب وعن مدى قدرة الروائي على تمثل تلك الأزمنة ،وإلى إشكالات إسقاط الزمن الكتابي على الزمن الروائي.
في “ليالي الحب والبوم “2018 يكتب رشاد الجزء الثاني من سيرة عائلته وقريته زكرين تقريبا.وهكذا تبدو الرواية رواية سيرية أو سيرة روائية تذكرنا بثلاثية الكاتب السوري حنا مينة “بقايا صور ” و”المستنقع ” و “القطاف “.
وأسلوب رشاد في روايتيه أسلوب بسيط جدا مكتوب بلغة سردية بسيطة لا تعقيد فيها. كما لو أن الكاتب يأخذ برأي خليل بيدس الروائي الفلسطيني الأول الذي صدر مجموعته “مسارح الأذهان “1924 بمقدمة عن الفن القصصي. كما لو أن رشاد يرى رأي بيدس ويأخذ به.يكتب الروائي لعامة القراء لا لنخبتهم .
“ليالي الحب والبوم ” تواصل سرد ما ألم بعائلة رشاد بعد تهجيرها عن قريتها. يكتب الكاتب عن حياة اللاجئين في مخيم الدهيشة وعن معاناتهم في الحر والقر وعن المشاكل التي ولدها اللجوء حيث فقد الناس مصدر رزقهم:
“الأرض ” وغدوا عالة على العالم. ويكتب عن اضطرار بعض اللاجئين من الدهيشة إلى الهجرة إلى أريحا طلبا للدفء وهروبا من البرد. يكتب رشاد عن طفولته وآثر موت امه وأخته وعن ابيه وانتمائه إلى الحزب الشيوعي واعتقاله وتشرده وهروبه إلى سورية، ويكتب عن تأثير هذه الأحداث كلها عليه وعلى حياته.
تأتي الرواية على ما شهده الأردن في 50 القرن 20: الأحزاب والانتخابات والسجون والاحلاف و…و.. وما لم الحظه هو أن الكاتب لم يأت بالتفصيل على العدوان الثلاثي على مصر. لقد أغفل هذا أو سها عنه. ربما يظل السؤال قائما:
هل تمثل رشاد تلك الفترة تمثلا كليا؟ وماذا لو قارن المرء ما كتبه رشاد عنها بما كتب عنها في كتابات تلك الأيام أو في بعض السير الذاتية التي خصت تلك الفترة بمساحة كبيرة؟ من لوحات يوسف الخطيب النثرية إلى” بدايات “يعقوب زيادين إلى “دفاتر فلسطينية ” لمعين بسيسو؟ الاسئلة تبقى مشرعة.
12/ 1/2018
***
6- رشاد أبو شاور: سأرى بعينيك يا حبيبي
بعد ثمانية عشر عاماً من إصدار قصته الطويلة، وكتب على غلافها رواية، أصدر رشاد أبو شاور روايته "سأرى بعينيك يا حبيبي" (2012) وسيصدر بعدها بأربع سنوات روايته "وداعاً يا زكرين" (2016).
لا يعني ما سبق أن رشاد لم يصدر ما بين 1994 و2012 أي كتاب، فقد كتب قصصاً قصيرة وأصدرها في مجموعة، وكتابات نثرية وأصدرها في كتب، مثل "سفر العاشق" و"رائحة التمر حنة"، والأخير عن زيارته فلسطين بعد اتفاقات أوسلو.
كانت "شبابيك زينب" (1994) تجري أحداثها في مدينة نابلس في أثناء انتفاضة 1987، ولم يكن الروائي شاهداً على ما يجري، بخلاف بعض رواياته السابقة مثل "العشاق" و"البكاء على صدر الحبيب" ففيهما يأتي على أمكنة وأحداث عاشها وشارك فيها.
ومتابع روايات رشاد يلحظ أنه لا يكتب دائماً عن أزمنة وأمكنة شهدها وشارك فيها، فرواية "أيام الحب والموت" تأتي على إحدى المجازر التي ارتكبها الصهاينة في منطقة الخليل في حرب 1948، وهي فترة زمنية سيعود الكاتب ليجعل منها بعداً زمانياً لروايته الأخيرة "وداعاً يا زكرين" الأشبه بسيرة عائلية لرشاد وطفولته، وهي سيرة وطفولة مأساوية، فقد فقد أمه طفلاً وهاجر وأهله من قريته بسبب احتلالها.
ويبدو الموضوع الفلسطيني حاضراً في أكثر روايات الكاتب، إن لم يكن في كلها، والرواية الوحيدة التي يحضر فيها الموضوع الفلسطيني حضوراً عابراً هي "سأرى بعينيك يا حبيبي".
ويمكن اقتباس الفقرة التالية من الرواية لأخذ فكرة عن الموضوع الأساس فيها: "ـ لماذا علم اجتماع يا آنسة وطفاء؟.
سرّها أن يسألها، هو الذي عرف إصرارها على دراسة علم الاجتماع، لتؤكد له من جديد سبب اختيارها:
ـ لأدرس حياتنا نحن الذين انتقل بنا أهلنا من البادية إلى تخوم المدينة، ثم ابتلعتنا المدينة.. دهمتنا بمنجزات المدنية والحداثة.. والكهرباء، السيارات، الطريق العام، المعبّد، الراديو، التلفزيون، المدارس، البناء الحديث، و... انتهاء حياة الرعي، ومعاناة التمزّق من هذه الانتقالية الهائلة. أتساءل يا عصام: هل المدينة العربية مدينة حقاً، أم تراها مضارب بدو، ولكن ببيوت من حجر واسمنت" (ص128 من طبعة دار الآداب).
ولا يحدد الكاتب اسم المدينة، وإن أشار إلى العاصمة التي لم يذكر، أيضاً اسمها، ولا ما يدل عليها من خلال عملتها مثلاً، أو حتى من خلال لهجة خاصة بها، فالحوار كله، كما لغة السرد، بعربية فصيحة مبسطة، ولم ترد في الرواية كلها سوى مفردة ألمانية واحدة هي (أوف فيدر زيهن) (auf wieder sehen) ـ أي إلى اللقاء، أو أراك ثانية. ففي الرواية شخصيات فلسطينية تقيم في ألمانيا وتنجب هناك طفلاً وطفلة، ولم يعرف المرء أنها شخصيات فلسطينية إلاّ في ص259 تقريباً، مع أنها كانت حاضرة منذ بداية الرواية.
ويُخيّل إليّ أن العاصمة هي عمّان، وأن الجامعة هي الجامعة الأردنية، وبالتالي فإن المكان الروائي ليس دمشق أو بيروت أو بغداد، ورشاد في أثناء كتابة الرواية وقبل كتابتها استقر به المقام في الأردن.
وربما تذكر المرء وهو يقرأ الرواية بعض أعمال جبرا، بخاصة روايته الأولى "صيادون في شارع ضيق" (1960) فقد قارب موضوع البداوة والمدنية في مدينة بغداد، وموضوع البداوة موضوع خاض فيه الكاتب السوري عبد السلام العجيلي.
ثنائية البدو/ الريف والبداية/ المدينة ذات حضور لافت في الرواية، وستشغل ثنائية ثالثة قريبة منهما بعض صفحات قليلة من الرواية وهي ثنائية الشرق/ الغرب.
وأما الحيز الزماني للرواية فيربو، حتى ص189، على الـ35 عاماً، وتمتد الرواية إلى 302 صفحة، وبذلك ترصد قصة أجيال، وتبدلات على المكان لافتة وسريعة سرعة مذهلة، ولأنني عشت في عمّان، فإنني أعرف هذه التحولات السريعة ما بين 1972 و2012.
تماماً كما تأتي على موضوع التطرف والإرهاب الذي بدأت المنطقة تشهده، وأخذت الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين تلتفت إليه التفاتاً بارزاً رصده د. إبراهيم خليل مؤخراً في دراسة ألقاها في مؤتمر السرد الخامس في عمّان.
ويتذكر المرء وهو يقرأ روايتيْ الكاتب الأخيرتين تنظير خليل بيدس لفن الرواية، وكان صدر به مجموعته "مسارح الأذهان" في العام 1924. لمن يكتب الروائي، وعمّن يكتب؟
يسرد رشاد أحداث روايتيه ببساطة متناهية، وبلغة لا تعقيد فيها. كأنما يكتب لكل من يقرأ عربية بسيطة، وكان بيدس أشار إلى أن الروائي يكتب عن عامة الناس ولهم. ولا تخلو رواية الكاتب هذه من ميل إلى الدعابة والمزح الخفيف، وهو ما بدا في أعمال سابقة له.
وما لفت نظري في الرواية هو ما يرد في الصفحات 170 و175 وما بينهما، ففيها يأتي السارد على خطيب مسجد ما زال يخطب، كما تريد الحكومة، عن احتلال الروس لأفغانستان، حيث يشتمهم ويلعنهم ويهاجمهم، علماً بأن السارد في ص149 كتب عن الكمبيوتر الذي عرف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فهل غاب هذا عن ذهن الكاتب أم أنه أراد أن يقول لنا إن الخطباء، حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، ما زالوا يهاجمونه، وكأن الزمن توقف!! ربما.
***
7- خسارات القصة والرواية الفلسطينية: في وداع رشاد أبو شاور
في الثامن والعشرين من أيلول الماضي فارقنا الروائي رشاد أبو شاور، كأنما أصر أن يودع الحياة في اليوم نفسه الذي ارتقى فيه الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أحبه وظل يكتب عنه في ذكرى رحيله، وكأنما أراد أيضاً أن يفارق في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه السيد حسن نصرالله، وكان رشاد في مقالاته من المدافعين عن نهجه؛ نهج المقاومة، بقوة. وأنا لا أعرف أديباً فلسطينياً مقيماً في العالم العربي أفصح بوضوح عن مواقفه السياسية، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، كرشاد الذي أقام في العقدين الأخيرين في الأردن.
ربما لا تتجاوز لقاءاتي برشاد عدد أصابع اليد الواحدة أغلبها في عمان في مكتبة دار الشروق، ومرة واحدة التقينا، بعد مجيء السلطة الفلسطينية، في مدينة نابلس على هامش مناسبة أدبية. ولكني عرفت رشاد أديباً منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين، فقد قرأت بعض قصصه القصيرة وروايته «العشاق» وقصصه الطويلة الأقرب إلى النوفيلا وهي «أيام الحب والموت» و»البكاء على صدر الحبيب» و «أرض العسل» و «شبابيك زينب». وغالباً ما كنت آتي على ذكر أعماله في كتاباتي عن موضوعات وظواهر في الأدب الفلسطيني. وفي العقدين الأخيرين، وبعد التعرف إليه قرأت رواياته الأربع الأخيرة وكتبت عنها. «سأرى بعينيك يا حبيبي» (٢١٠٢) و «وداعا يا زكرين» (٢٠١٦) و»ليالي الحب والبوم» (٢٠١٨) و»ترويض النسر» (٢٠١٩).
وربما يكون قراء الأرض المحتلة عرفوه من خلال روايته «العشاق» التي أعادت وزارة الثقافة الفلسطينية طباعتها، وربما لم يقرأ له غيرها، هنا في الأرض المحتلة ١٩٤٨ و ١٩٦٧، إلا الأدباء والنقاد. فرشاد لم تعد طباعة أعماله هنا، ولم يشارك هنا كثيراً في المؤتمرات الأدبية والندوات، ولم يكتب عموداً ثابتاً في الصحف الصادرة في فلسطين التاريخية.
غالباً ما كنت أتذكر رشاد ونصوصه في كتاباتي التي تعالج موضوعاً محدداً في الأدب الفلسطيني أو ظاهرة فنية ما، كأن أكتب عن اليهود أو المخيم أو استحضار الماضي أو ظاهرة النقد السياسي في الأدب الفلسطيني أو الروح المرحة في الرواية الفلسطينية.
كانت «أرض العسل» مهمة لي وأنا أكتب عن اليهود، وكانت «العشاق» تحضر باستمرار كلما أتيت على المخيم، أما «أيام الحب والموت» فغالباً ما أشرت إليها أنها الأولى في الكتابة عن مجزرة الدوايمة في العام ١٩٤٨، بل وغالباً ما رددت أن كاتبها سبق المؤرخين الإسرائيليين الجدد في الكتابة عن المجزرة المنسية، وأما «البكاء على صدر الحبيب» فغالباً ما أشير إليها كلما تحدثت أو كتبت عن ظاهرة النقد السياسي الذاتي للثورة الفلسطينية، وكانت هذه القصة من أبكر القصص التي انتقد فيها كاتب فلسطيني نهج الثورة، وإذ التفتّ مرة إلى الروح المرحة في حياة الفلسطينيين، وندرة حضورها في أدبياتنا، لم أغفل الإشارة إلى رشاد إلى جانب توفيق زياد وإميل حبيبي.
وغالباً ما أتيت على ذكر قصته الطويلة «شبابيك زينب» التي كتب فيها عن مدينة نابلس في الانتفاضة الأولى، مقارناً الكتابة عن المدينة المذكورة في روايات سحر ابنتها ورشاد الذي لم يكن زارها.
والتفتّ إلى رشاد روائياً أكثر من التفاتي إليه كاتب قصة قصيرة، علماً بأنه عُرف كاتب قصة أكثر مما عُرف روائياً.
في السنوات العشر الأخيرة قرأت رواياته الأربع والتفتّ إليها وكانت موضع أسئلة عديدة أثرتها شغلت ذهني في الكتابة النقدية.
لم يكتب رشاد في أكثر كتاباته عن طفولته، وفي القصتين اللتين استحضر فيهما التاريخ، وهما «أرض العسل» و «أيام الحب والموت» كتب عن أحداث وأمكنة لم يرها ولم يكن شاهداً عليها. وهو ما اختلف في باقي أعماله كلها، فالمبكرة منها مثل «العشاق» و «البكاء على صدر الحبيب» كتب عن بيئته وتجاربه التي عاشها؛ عن مخيمات أريحا التي عاش فيها وكان قريباً منها، وعن تجربته في الثورة في المنفى، وواصل هذا فيما كتبه بعد الخروج من بيروت، في «آه يا بيروت» و»الرب لم يسترح في اليوم السابع».
في «وداعاً يا زكرين» و «ليالي الحب والبوم» استرجع رشاد حياة القرية زكرين التي ولد فيها في العام ١٩٤٢ وغادرها في عام النكبة ١٩٤٨، وفي الثانية واصل الكتابة عن اللجوء إلى الخليل فمخيمات بيت لحم وأريحا، وكتب عن حياته وحياة والده فيها حتى العام ١٩٦٧.
أما روايتاه «سأرى بعينيك يا حبيبي» و «ترويض النسر» فتتطابق فيهما أزمنة السرد الثلاثة؛ زمن الكتابة وزمن السرد والزمن الروائي، ويكتب فيهما عن ثنائيات البداوة والمدنية وزحف العاصمة نحو البادية واختلاط القيم وتضاربها، والسلطة والمثقف الكاتب المعارض الذي يقتل بسبب مقالاته، ثم محاولات الشركات رشوة صاحب الضمير وترويضه دون أن تنجح مع قليلين في ذلك.
والروايتان المشار إليهما تثيران أسئلة حول لجوء الكاتب في شرق المتوسط للتعميم وعدم التحديد تحسبا لردة فعل السلطة تجاهه، وهذا عموما ما تجادلت ورشاد حوله.
في السنوات الأخيرة من حياته عاد رشاد إلى طفولته ليكتب عنها قصصاً قصيرة وردت في «وداعاً يا زكرين» و «أيام الحب والموت»، وغالباً ما عقبت عليها بعبارة «وردت هذه القصة في رواية... .
برحيل رشاد أبو شاور تكون الرواية والقصة القصيرة الفلسطينية خسرت علماً مهماً من أعلامها وعلاماتها.
***
هناك سؤالان راوداني في أثناء قراءة نتاج رشاد أبو شاور أولهما تحوله اللافت في العشر سنوات الأخيرة من حياته إلى كتابة الرواية وثانيهما يخص تحديد المكان في اثنتين منها وعدم تسميته في اثنتين أخريين .
عرف رشاد كاتب قصة قصيرة وقصة طويلة ، وخلال خمسين عاما من الكتابة غلب على نتاجه هذان اللونان من ألوان الأدب ، طبعا إذا استثنينا عملين هما رواية " العشاق " و " الرب لم يسترح في اليوم السابع " . يعني أنه خلال أربعين عاما وأكثر لم يكتب سوى روايتين ، ولكنه منذ استقر في عمان أصدر خلال خمسة أعوام فقط أربع روايات يزيد حجمها حجم روايتيه المذكورتين .
من الروايات الأربعة التي كتبها في عمان هناك روايتان بدا فيهما المكان واضحا ، فيم لم يحدده في روايتين أخريين .
كتب في " وداعا يا زكرين " عن قريته التي ولد فيها وعن عام الهجرة ١٩٤٨ ، وقارب في " ليالي الحب والبوم " حياة اللجوء والخيام في أحد مخيمات بيت لحم ومخيمات أريحا التي كتب عنها في رواية " العشاق " ، وأما في " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " ، فقد جعل المكان عائما ، وهنا قد يتذكر المرء رواية عبد الرحمن منيف " شرق المتوسط " .
هل كتب في روايتيه الأخيرتين عن الأردن التي يقيم فيها ولم يرغب في شيخوخته الصدام مع النظام ؟ أرجح ذلك ، علما بأن قاريء الروايتين يستطيع أن يعرف المكان بسهولة .
في رواياته الأربعة كتب رشاد بأسلوب روائي تقليدي سهل وبسيط لا يصعب فهمه ولعله فعل ذلك بوعي تام .
في سنواته الأخيرة وبعد إصداره الروايات بدأ يكتب في صفحته قصصا قصيرة أغلبها منتزع من رواياته الأربعة ، وكلما قرأت واحدة منها عقبت :
- هذه قرأتها في رواية كذا .
ولم يكن يتنكر ؛ لأنه أراد إيصال الفكرة التي تلح على ذهنه إلى الجمهور ، وأكثر جمهور القراء اليوم يميل إلى قراءة النصوص القصيرة التي لا ينفق فيها ساعات طويلات .
لم يلجأ رشاد إلى التعقيد أو التناص مع روايات عالمية ، ولقد كانت رواياته تخلو من قراءاته كما هو الحال في بعض روايات مجايليه مثل يحيى يخلف في روايته " راكب الريح " ومحمود شقير في روايته " منزل الذكريات " . لقد بنى يخلف روايته على بعض قصص " الديكاميرون " فيما أقامها شقير على رواية الكاتب الياباني ( ياسوناري كاواباتا ) " الجميلات النائمات " ورواية الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " ذاكرة غانياتي الحزينات " .
اليوم تمر الذكرى السنوية الأولى لرحيل رشاد ولا أعرف إن كانت جريدة القدس العربي احتفلت به أم لا ! فقد كان أحد كتاب الأعمدة فيها .
خربشات ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
2- رشاد أبو شاور: "ترويض النسر "
ما يلفت النظر في رواية رشاد أبو شاور "ترويض النسر" الصادرة عن منشورات شروق في العام ٢٠١٩ هو عدم تحديد المكان ، وإن كان القاريء يستطيع تحديده ، فرشاد يقيم في الأردن.
تذكر رواية رشاد في هذا الجانب برواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" ١٩٧٧ ، ففيها لا يتم تحديد المكان.
صحيح أن عالم رواية رشاد ليس السجن كما هو عالم رواية منيف ، ولكن الروايتين تتقاطعان في تصوير عالم المخابرات والقمع في العالم العربي.
ماذا سيلم بالكاتب لو كان صريحا وذكر المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية؟
ياسين رفاعية في روايته "من يذكر تاي" كان أجرأ من منيف وأبو شاور ، فذكر الشام وما جرى فيها.
حادثة اغتصاب رجل مخابرات لطالبة جامعية هي أمينة في رواية أبو شاور لا يختلف عن حادث اغتصاب وزير داخلية سوري لريتا الفلسطينية في رواية رفاعية ، ولم يتردد الأخير في تحديد المكان . ربما لأن رفاعية كتب روايته التسجيلية وهو بعيد عن دمشق.
في رواية رشاد تنتقم أمينة لاغتصابها فتقتل رجل المخابرات ، وتنتهي ريتا في رواية رفاعية نهاية مأساوية تدفعها إلى الانتحار ، وما نجح به وزير الداخلية السوري حيث جعل من الفلسطينية ريتا عاهرة يفشل فيه رجل المخابرات في رواية رشاد.
تذكر رواية "ترويض النسر" برواية ثانية ل "أبوشاور" هي رواية "سأرى بعينيك يا حبيبي" التي ترصد انتقال المجتمع من البداوة إلى الحضارة ، وتتشابه أحيانا الأجواء : البيئة ، مع اختلاف قليل - بيئة البداوة / بيئة الريف - والجامعة أيضا.
بساطة السرد والحوار وتقسيم الرواية إلى مقاطع تكاد هذه تتطابق / تتشابه أيضا ، وروايات رشاد يبدو أنها موجهة لعامة القراء ، فلا أسئلة فلسفية ولا سرد معقد ناجم عن اختلاط الأزمنة والأمكنة ولا استرجاع أو ...إلخ ..إلخ.
وأنت تقرأ الرواية تتذكر مظفر النواب:
" فجهاز الأمن يمد يديه بكل مكان".
في السنوات الأخيرة كتب رشاد أربع روايات المسافة الزمنية بينها قليلة " وداعا يا زكرين " و " ليالي الحب والبوم " وهاتان أقرب إلى السيرة الروائية عموما ، خلافا ل " ترويض النسر " و " سأرى بعينيك يا حبيبي " فالكتابة عن التجربة الذاتية فيهما ضعيفة ولا يبدو حضور الكاتب فيهما إلا من خلال روحه وأفكاره الاجتماعية . أما الآراء السياسية والموقف من الأحزاب فلا تبدو ، خلافا لرواية " ليالي الحب والبوم".
تعتقل المخابرات حمزة لمقالات كتبها وتقتله في السجن ويحاول رأس المال رشوة أخيه المهندس منصور فلا ينجح ويبقى ثابتا على آرائه المنحازة للفقراء ولأهل الريف قاصدا تحسين البنية التحتية لقراهم وربطها بالعاصمة ، ولا تنجح صديقته سناء بالضغط عليه ويتخلى عنها هي التي تريد حياة مرفهة فتحثه على قبول الرشوة.
تنتهي الرواية بقتل أمينة مغتصبها وبخطبة منصور من الدكتورة الجامعية وداد وببقاء العم طرفة وزوجته يوسفية في الوطن رافضين الهجرة إلى كندا ، وبطيران النسر الذي خدر وضعف وعجز عن الطيران ، ليحلق في السماء بعد اعتناء منصور به .
خربشات
٢٨ أيلول ٢٠٢٠
***
3- الحضور الفلسطيني في رواية رشاد أبو شاور «سأرى بعينيك يا حبيبي»
أصدر الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور في الأعوام الخمسة الأخيرة روايتين هما "سارى بعينيك يا حبيبي" (2012) و"وداعا يا زكرين" (2016). وكان الروائي، من قبل، أصدر العديد من الروايات "أيام الحب والموت" و"البكاء على صدر احبيب" و"العشاق" ورواية عن بيروت بعد الخروج منها في 1982 و"شبابيك زينب"، والأخيرة صدرت في 1994.
كان الموضوع الفلسطيني حاضراً في رواياته كلها، سواء تلك التي كتب فيها عن زمن عاشه وشهد عليه أو في تلك التي استحضر فيها زمناً بعيداً عاصره ولم يكن شاهداً على ما كتبه عنه.
كتب رشاد في "العشاق " و"البكاء على صدر الحبيب" عن أمكنة عاش فيها وكان واعياً على ما جرى فيها من أحداث، وفي"أيام الحب والموت" و"شبابيك زينب" كتب عن فترة لم يكن واعياً لما جرى فيها أو عن مكان صلته المباشرة فيه ضعيفة. غادر رشاد بيروت في 1982 واستقر أولاً في الشام، ليغادرها وليستقر في عمان. ولم يكتب منذ أصدر "شبابيك زينب" (1994) أي عمل روائي. هذا يعني أنه انقطع عن كتابة الرواية ثمانية عشر عاماً.
ولكن انقطاعه عن كتابة الرواية لا يعني أنه انقطع عن كتابة أعمال أخرى. فقد واظب على كتابة القصة القصيرة وأصدر "سفر العاشق" وكتب نصوصاً نثرية ظهرت في كتب ومنها كتاب "رائحة التمر حنة" الذي أتى في نصوصه على زيارته فلسطين بعد اتفاقيات أوسلو. وفي قصصه عبر عن تجارب ذاتية لم تبتعد عن الهم الفلسطيني، وفي نصوصه النثرية قارب الهم الفلسطيني بعد اتفاقيات أوسلو وعبر عن حزنه وخيبته مما آلت إليه الأوضاع وآثر ألا يستقر في مناطق السلطة الفلسطينية.
هل ظل الواقع الفلسطيني هو المرجعية التي يتكيء عليها رشاد في كتابة نصوصه أم أنه التفت إلى واقعه الجديد وكتب عن مناطق جديدة هي التي تمس المكان الجديد الذي استقر فيه؟
في مقالاته التي واظب على كتابتها في صحيفة "القدس العربي"، غالباً كل يوم أربعاء، استمر الكاتب يقارب موضوعات سياسية آنية تمس الهمّين؛ الفلسطيني والعربي، ولا يحتاج هذا الرأي إلى برهنة، ولكن ماذا عن عمليه الروائيين اللذين كتبهما في الألفية الثالثة؟ بل وماذا عن روايته "شبابيك زينب" (1994)؟
لم يكتب رشاد في "شبابيك زينب" عن دمشق أو عن عمان وهنا قد يثير المرء سؤالاً: لماذا؟ ولماذا كتب عن نابلس في 1987، ولم يكن شاهداً على أحداثها، ولم يلم بأمكنتها إلماماً جيداً؟ لماذا مثلاً لم يكتب عن عمان أو عن دمشق؟
إن السؤال السابق قد يوجه لغير كاتب أقام في مكان وكتب عن مكان آخر صلته به ضعيفة أو معدومة، أو عاش في زمان ما وكتب عن زمان آخر لم يكن شاهداً عليه أو لا يتذكره جيداً، إما لأنه كان طفلًا لم يتجاوز السادسة أو لأن المسافة بين الزمنين؛ الكتابي والروائي شاسعة، وسينعكس هذا بدوره على صحة الأحداث ودقتها. ومن يتابع نصوصاً كثيرة كان الزمن الروائي فيها بعيداً عن الزمن الكتابي، أو كان الكاتب فيها يكتب عن مكان صلته به عابرة يلحظ أخطاء فيها. بل إن الكاتب حين يكتب في موضوع غير متمكن منه يقع في إشكالات عديدة هو في غنى عنها.
مثلاً هل نابلس في رواية رشاد أبو شاور هي نابلس التي نقرأ عنها في رواية سحر خليفة "باب الساحة" (1990) وهي أيضاً عن الانتفاضة؟ هل لغة الشخصيات وتصرفاتها وأمثالها تعبر عن صلتها بالمكان وتمثل أجواء المدينة وأزقتها وحاراتها وطقسها؟ و..و..؟
في "سأرى بعينيك يا حبيبي" لا يبتعد رشاد عن البيئة التي استقر فيها ولا يبتعد عن الزمن الذي يكتب عنه. الزمنان هنا الكتابي والروائي متقاربان، فالكاتب يكتب عن مكان صلته به واضحة، وإن لم يحدده، ويكتب عن أحداث هو شاهد عليها. بل إن بعض القراء يستطيعون تحديد المكان، بخاصة إن كانوا عاشوا في العواصم التي عاش فيها الكاتب في العقود الثلاثة الأخيرة.
هل قارب رشاد في روايته هذه الموضوع الفلسطيني الذي قاربه في رواياته السابقة وفي روايته التي سيصدرها في العام 2016 وهي رواية "وداعا يا زكرين"؟
"سأرى بعينيك يا حبيبي" رواية تقارب بالدرجة الأولى ثنائية البداوة/الحضارة، والتغيرات التي تشهدها دولة عربية البادية غير بعيدة عنها، وتزحف العاصمة بسبب التزايد السكاني نحو البادية لتغدو الأخيرة قريبة جداً من العاصمة، وهذا سيترك أثراً واضحاً على سلوك البدو الذين سيجدون حياتهم تقترب من حياة عالم المدينة شاؤوا أم أبوا. بعض هؤلاء سيعوّد نفسه على التأقلم مع الحياة الجديدة وقسم آخر لا يستطيع استيعاب ما يجري.
شخوص الرواية الرئيسيين ليسوا فلسطينيين. إنهم بدو بلد عربي، ولكن هذا البلد لا يخلو من فلسطينيين. وثمة احتكاك بين سكان البلد وبعض الفلسطينيين الذين لا تظهر هويتهم واضحة إلا في الصفحة 259 وما بعدها من الرواية، على الرغم من أنهم حاضرون من الصفحات الأولى، ولم تكن العلاقة بين البدو والفلسطينيين منبتة. إن أطفال الطرفين يدرسان معاً في المدرسة نفسها ويترك الفلسطينيون أثراً على الآخرين.
ولولا الإشارة في الصفحات الأخيرة من الرواية إلى هوية هؤلاء الفلسطينيين لما عرف المرء أنهم فلسطينيون، فمثلهم من سكان العاصمة من أبناء البلد من لا يختلف عنهم سلوكاً مدينياً وثقافياً. سيثار سؤال الهوية في الرواية حين يقرر الفلسطيني وزوجته أن تعود الزوجة إلى العاصمة العربية القريبة حدودها من فلسطين لكي ينشأ ابناها اللذان ولدا في ألمانيا وحصلا على جنسيتها نشأة عربية شرقية لا نشأة غربية، إذ لو بقيا في ألمانيا فقد يخسرهما الأبوان.
حين لا يتكيف الابن مع الحياة في العاصمة العربية يقرر السفر إلى ألمانيا، فما زال أبوه هناك، ويلتحق الطفل بأبيه، وهنا يثار سؤال الهوية للفلسطيني المولود في المنفى بعيداً عن بلده، وهنا أيضا تتساوى البلدان في نظر الفلسطيني ما دام بعيداً عن بلد أبيه وجده.
عموماً، يبدو حضور الموضوع الفلسطيني في رواية رشاد هذه ضعيفاً، خلافاً لرواياته السابقة وروايته اللاحقة، والسؤال هو: لماذا؟ ولماذا لم يقارب رشاد في روايته هذه وروايته اللاحقة إشكالات الفلسطيني في سورية أو الأردن؟
تبقى الأسئلة مشرعة على أية حال.
***
4- رشاد أبو شاور: بيتزا من أجل ذكرى مريم
رشاد أبو شاور كاتب قصصي وروائي وكاتب مقالة سياسية أيضا، ويكتب قصصا للأطفال. وقد أصدر العديد من الروايات والمجموعات القصصية التي عرفها القراء في العالم العربي. غير أن حظه من الحضور والانتشار، في فلسطين المحتلة، قبل ثورة الانترنت، كان قليلا، مثله مثل كتاب قصة آخرين لم يكن لهم حضور أيضا في فلسطين. مثله مثل يوسف شرورو وحسن حميد ويوسف ضمرة وإبراهيم العبسي، فقليلة هي أعمالهم التي أعيد نشرها قبل العام 1994، عام عودة بعض قيادات منظمة التحرير وكوادرها. وهم لم يحظوا بما حظي به غسان كنفاني وسميرة عزام اللذين أعادت دار الأسوار في عكا نشر جلّ نتاجهم، وربما في غير طبعة.
وإذا كنا قرأنا نتاج كنفاني وعزام، وبعض نتاج يحيى يخلف، وليانة بدر، وخليل السواحري، ونتاج محمود شقير، فإننا بالكاد قرأنا لفاروق وادي وشرورو وأبو شاور وحميد. ربما نشرت بعض قصص لهؤلاء في الاتحاد والجديد، ولكن هاتين الدوريتين لم تكونا تصلان إلى الضفة والقطاع، وربما يكون علي الخليلي نشر على صفحات الفجر والفجر الأدبي بعض قصص لهم، وربما فعلت ذلك أيضا دوريات أخرى مثل الكاتب والبيادر. ربما. غير أن ما نشر لا يعطي تصوراً واضحا عن نتاج أي منهم.
منذ العام 1994 وتأسيس وزارة للثقافة في السلطة الوطنية الفلسطينية اختلف الأمر قليلا، فلقد أخذت هذه على عاتقها إعادة نشر بعض نتاج أدباء المنفى، فنشرت روايات وقصصا مختارة للعديد منهم، نشرت لرشاد أبو شاور ولحسن حميد ولمحمود الريماوي ولرسمي أبو علي ولمحمود شاهين ولإبراهيم العبسي ولزيد العابدين الحسيني، وهكذا اطلع قراؤنا وأدباؤنا على نماذج من النتاج الأدبي الذي أنجز في المنفى، لكنه إطلاع يبقى غير كامل، لأننا قرأنا الجزء ولم نقرأ الكل، خلافا لقراءتنا لنتاج أدباء فلسطين المحتلة في العامين 1948 و1967، النتاج الذي تابعناه باستمرار، وكنا نشكل فكرة عن تطور صاحبه. نربط النتاج الجديد بالنتاج القديم، ونعرف الاختلاف- إن كان هناك اختلاف، وهكذا كنا نعرف الصورة كاملة.
هل نقاد الداخل إذن مهيأون للكتابة عن أدباء المنفى؟ هذا هو السؤال الذي راودني، وأنا أحاول الكتابة عن نماذج قصصية لهم. ولقد لاحظت، من قبل، في العام 1997، حين شرعت في كتابة مقالات أتناول فيها مرحلة السلام ونصوصها، أن تناولي لنتاج أديب معروف لنا بشكل جيد، مثل محمود درويش وسميح القاسم، يختلف عن تناولي لنتاج أديب لم نقرأ نتاجه باستمرار وعلى فترات، نتابع فيها لاحقه وسابقه، مثل مريد البرغوثي، ما شكل تفاوتا واضحا في التناول. ذلك أنني لم أكن ألتفت إلى النص وحده، وإنما إلى النص وما يحيط به، وماذا يشكل في مسيرة صاحبه.
وربما لا يلومنا أدباء المنفى حين نركز على أدباء الداخل أكثر من تركيزنا على نتاجهم، وربما يتناول نصوصهم نقاد آخرون تابعوا مسيرتهم عاما فعاما، وكتابا فكتابا.
رشاد أبو شاور نموذجا:
لقد قرأت أكثر نتاج رشاد وأنا أقيم خارج الوطن المحتل. في الأردن في العام 1980-1982، حيث قرأت رواية "العشاق"، وهي رواية أعادت وزارة الثقافة في غزة ورام الله نشرها، بعد العام 1994، ورواية "أيام الحب والموت" و"البكاء على صدر الحبيب"، وربما ما زلت أذكر الصورة التي أبرزها لأحد مخيمات أريحا، وراهب دير القرنطل، ومعاناة اللاجئين بعد العام 1948، وقبل العام 1967. وربما ما زلت أذكر كتابته أيضا عن إحدى المجازر التي ارتكبها الصهيونيون بحق قرية في منطقة الخليل، وقد تذكرت ما كتبه رشاد مؤخرا، وأنا أقرأ كتاب (إيلان بابيه) التطهير العرقي، وما أورده عن مجزرة الدوايمة، بل لقد ذهبت إلى أن مقارنة بين ما كتبه رشاد و(بابيه) تبدو مجزية، للمقارنة بين الروايتين، رواية رواية رشاد، ورواية كتاب (بابيه). وربما أتذكر أيضا بكاء رشاد على صدر الحبيب، كلما قرأت نقدا ذاتيا لمسيرة الثورة. فهو- أي رشاد- من الروائيين الذين التفتوا إلى الذات ونقدوها، ما سبب له مشاكل عديدة، وتعد بعض رواياته، في هذا الجانب، مهمة إلى جانب نصوص أخرى مثل "ذاكرة للنسيان" لمحمود درويش، ما لفت نظر دارس عربي إلى الكتابة عن نقد الذات في الرواية الفلسطينية.
بين يدي القصة:
يترك الكاتب بطله يحدثنا عن قصته، وهكذا نقرأ قصة صيغت عبر ضمير المتكلم، لا عبر ضمير الهو. فما هي قصة هذا البطل؟
إنه مناضل فلسطيني فقد زوجته في أيلول من العام 1970، وفقد أيضا معها طفله المرتقب، فقد كانت مريم مختبئة، في حرب أيلول، في ملجأ ما، وخرجت منه لتفاجئها الدبابات، فتقتلها وتقتل جنينها، ويظل زوجها يتذكرها، على الرغم من مرور السنوات.
تبدأ القصة والبطل ذاهب إلى عيادة طبيب نصحه زميله بان يعرض حالته عليه، فقد كان في رومانيا وشعر بألم في جسده، وتردد على عيادة طبيب روماني هناك، ولما عاد البطل إلى بيروت تابع علاجه. وسيخبره الطبيب اللبناني أنه لن يشفى تماما، وإن كانت حالته ستتحسن. ومن خلال حوار بطل القصة مع الطبيب نعرف أنه مناضل انتمى إلى الثورة وقاتل في صفوفها، حتى كاد ينسى نفسه والانتباه إلى جسده، ما أثر على حالته الصحية.
وبطل القصة كاتب تؤرقه أوضاع الثورة، وهو يرغب في تحرير فلسطين، ولهذا فقد منح هذا الحلم جل وقته واهتمامه، ليكتشف، كما يقول له الطبيب العربي، أنه غير قادر على تحرير نفسه.
ويعيش بطل القصة على الذكرى، ذكرى مريم والجنين الذي كان في أحشائها. وحين يغادر عيادة الطبيب يذهب إلى أحد مطاعم بيروت، ويطلب البيرة والبيتزا، ولم يكن معه أحد، ومع ذلك يطلب طعاما لاثنين، ما يلفت نظر النادل الذي يسأله عن الشخص الثاني، متدخلا فيما لا يعنيه، ولما يخبره أنه ينتظره، يجيبه النادل: ولكنك أول مرة تزور مطعمنا. إن طعام الشخص الثاني هو لمريم زوجته التي أحبها وما زال يتذكرها، ويتمنى أن يصرف له الطبيب بدل الدواء مريم وابنها. ويظل البطل ينتظر مريم، على الرغم- كما ذكرت- من مرور سبع سنوات على قتلها، حتى ليكاد ينسى المقاتلين في الجنوب، هؤلاء الذين يسألون عنه، ويتساءلون إن كانت بيروت غيرته.
وبعد أن يزور معارفه القدامى، من مقاتلي فلسطين السابقين، وهو سكران، يعود إلى البناية التي يسكن فيها، وتنتهي القصة بالفقرة التالية:
"أخذت أرتقي الدرجات مع جنون أنغام الأرغول، وعندما بلغت غرفتي فوق الدور السابع فتحت الباب، فتحت النوافذ، رأيت دبابات كثيرة ورشاشات ومدافع تتقدم، رأيت مريم والبنت الصغيرة ذات الضفائر فاندفعت، والرصاص يخترقني ويثقب جسدي، وأنغام الأرغول تخرج من بدني وتتطاير في الفراغ الرمادي".
نهاية متشائمة:
ونلاحظ من خلال الفقرة السابقة أن بطل القصة كان يغلب عليه التشاؤم. إنه الآن بعيد عن مقاتلي الجنوب، وهو ثمل من الشراب، ولا يرى في بيروت إلا الدبابات والمدافع، ولا يسمع إلا صوت الرصاص، ولا يعيش إلا على الذكرى، إذ يرى مريم والبنت الصغيرة. هل هي أزمة البرجوازي الصغير الذي لا يقاتل، ويعيش على الذكرى، ولا يفعل سوى ممارسة الكتابة. كان مقاتلا، كما قال للطبيب، ثم تراجع ليقول إنه يكتب:
"تقريبا لا أعمل، كنت...إنني أكتب.... لا أنام تقريبا، أفكر في.. سابقا كنت... في الحقيقة أنا أداوم في المكتب."
وربما ما قاله له الطبيب يلخص حالته وحالة كثير من المثقفين: "تدخنون كثيرا، تشربون كثيرا، تسهرون كثيرا، تجلدون أنفسكم كثيرا ثم تأتون إلى الطبيب متأخرين كثيراً.
نقد الذات ومديح الآخر اللبناني:
كما ذكرت يعد رشاد أبو شاور واحداً من الكتاب الذين لم يبرزوا للذات الفلسطينية دائما صورة إيجابية. صحيح أنه فلسطيني، وينتمي لفلسطينيته أولا، ولكن الفلسطيني ليس دائما على صواب، وليس الآخر العربي دائما على خطأ، ولقد أنجز رشاد رواية نقد فيها الثورة وسلوكها، ما عرضه إلى انتقادات وتهديدات، وكان ذلك في وقت مبكر، في العام 1974، وهي رواية "البكاء على صدر الحبيب"، وما زالت مقالاته التي ينشرها في أماكن عديدة، بخاصة في "القدس العربي" يوم الأربعاء، ما زالت تحفل بنغمة عالية من نقد الذات لدرجة جلدها، ما يجعل من عبارة الطبيب في القصة: "تجلدون أنفسكم كثيرا" عبارة دالة، كأنها لم تخرج من فم الطبيب فقط، كأنها تخرج من لسان رشاد الذي يدرك هذا ولكنه ما زال يواصله، على الرغم من مرور ثلاثين عاما.
في القصة يقول بطلها:
"هؤلاء اللبنانيون إذا ما اندلعت الحرب العالمية الثالثة ودمر العالم فإن بعضهم سيصلون إلى القمر ويفتحون محلات أو بسطات لهم هناك، وسيستوردون زبائن من الكواكب، وسيزرعون عنبا، وينتجون عرقا جيدا، ويغنون عالعين يابو الزلف عيني يا موليا، فلسطين أصل العذاب والجنوب عينيا. آه لو يدرون كم أحبهم، وكم اخجل من رذالات بعض جماعتنا".
الآخر هنا يبدو إيجابيا، والآخر هو اللبنانيون. فيما الذات منقسمة على ذاتها، ثمة ثوار قاتلوا وما زالوا يقاتلون، قاتلوا قبل العام 1948، وواصلوا القتال، وثمة رجال منا أراذل يخجل الفلسطيني من رذالاتهم. كأن لسان بطل القصة هو لسان بعض شخصيات رواية "البكاء على صدر الحبيب"، ولسان رشاد أبو شاور في مقالاته التي ما زال يكتبها.
ولكن السؤال الذي يثار هو: هل يتعاطف رشاد مع اللبنانيين كلهم؟ لا تبرز القصة صورة أخرى لهم، ولا تأتي على نماذج إيجابية وأخرى سلبية. إنها لا تحتمل أصلا تعدد الشخوص بحكم طبيعتها، وإذا ما أراد المرء أن يعرف موقف الكاتب من الآخر اللبناني، فلا بد له من قراءة نصوص رشاد كلها، ولا بد أيضا من مساءلته، ومتابعة مقالاته. فليس هناك من شك في أن هناك لبنانيين رائعين، ولكن أيضا هناك لبنانيون رشوا الأرز، في حرب العام 1982، على الجنود الإسرائيليين وباركوهم، ومكنوهم من ذبحنا. ورشاد يعرف هذا جيدا.
الكاتب وبطله:
هل يمكن اعتبار هذه القصة قصة سيرية؟ بمعنى هل كان رشاد أبو شاور، وهو يكتبها، يكتب عن تجربة ذاتية مر بها. تتطلب الإجابة عن هذا السؤال إجراء مقارنة بين ما مر به بطلها، وما مر به رشاد. هذا يعني أن ندرسها وفق منهج يلتفت إلى سيرة المؤلف ويعرف عنها، ويطابق بين ما ورد في القصة عن بطلها وما مر به المؤلف.
وعموما فإن قصة السيرة في أدبنا القصصي حاضرة لدى كتاب كثيرين. ثمة قصص قصيرة عديدة تمحورت حول حياة كتابها، أو كان هؤلاء الرواة فيها، الرواة الشهود، أو الرواة المشاركين، حيث يصورون انعكاس الأحداث عليهم. وقد أشار محمود شقير في مقالة له نشرها في الكرمل، وأتيت عليها، وأنا أدرس قصته "صورة شاكيرا" إلى أن في كثير من قصصه جانبا من تجربته. وقبل أن أقرأ هذه الملاحظة، لاحظت هذا وأنا أقرأ قصصه، ما جعلني أفكر في توجيه سؤال له بهذا الشأن، وتقديم اقتراح له يتمثل في أن يعيد قراءة قصصه وكتابتها رواية، لتكون رواية سيرية.
وربما تكون القصص التي أنجزتها أنا على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة نموذجا للقصة التي تتمحور حول حياة كاتبها وعلاقته بالآخرين، فلقد كنت، باستمرار، أقص عن أحداث أو أشخاص أو أفكار غير بعيدة عني وعن علاقتي بهم.
وربما تبدو قصة محمود شاهين "موتي وقط لوسيان" الطويلة، نموذجا جيدا يمكن الاستشهاد به في باب قصة السيرة. وكذلك قصص رسمي أبو علي.
وعموما فإن هناك أوجه تشابه كثيرة بين رشاد وبطل قصته: الأمنيات، والنقد الذاتي للثورة، والثوري الذي غدا كاتبا، وتمجيد بطولات المناضلين الحقيقيين. ولكن هناك في الوقت نفسه أوجه اختلاف. ولا أدري إن كان رشاد فقد امرأة وطفلة في حرب أيلول 1970، وظل يعيش على الذكرى. إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب سؤال الكاتب نفسه.
كلمة أخيرة:
صاغ رشاد قصته، كما ذكرت، بضمير الأنا، بلغة عربية بسيطة سهلة، وصوّر فيها جانبا من حياة الفلسطينيين في المنافي، وأتى على مروا به، وعلى معاناة بعضهم. وتعد هذه القصة نموذجا للقصة القصيرة الفلسطينية في المنفى.
***
5- رشاد أبو شاور: “الحب وليالي البوم”
نابلس – مدار نيوز : رشاد أبو شاور قاص و روائي فلسطيني من جيل الستينيات من القرن العشرين ، غدا يعرف في 70 ق 20 من خلال قصتين طويلتين هما ” أيام الحب والموت ” و”البكاء على صدر الحبيب ” ورواية “العشاق ” إلى جانب قصصه القصيرة. في 80 ق20 أصدر رشاد إلى جانب القصص القصيرة روايات هي “اه يا بيروت ” و”الرب لم يسترح في اليوم السابع ” و “شبابيك زينب “.
قارب رشاد في رواياته وقصصه الطويلة الواقع الفلسطيني الذي كان شاهدا عليه والواقع الفلسطيني الذي سمع وقرأ عنه. في “أيام الحب والموت ” كتب عن مجزرة الدوايمة في أثناء النكبة. وفي “البكاء على صدر الحبيب ” صور جانبا من حياة الثورة الفلسطينية بعد حزيران 67. وفي ” العشاق”كتب عن مخيمات أريحا قبل الهزيمة وبعدها.
وفي روايات ثمانينيات القرن العشرين “الرب لم يسترح في اليوم السابع ” و”اه يا بيروت” و”شبابيك زينب ” قارب موضوع الثورة الفلسطينية إثر حرب حزيران 1982 والانتفاضة الفلسطينية الأولى. بعض روايات رشاد السابقة كانت الأزمنة فيها متقاربة ،وتحديدا زمني السرد والكتابة ،وبعضها كانت الأزمنة متباعدة.
بعض الروايات كان الكاتب شاهدا على أحداثها وبعضها حدث الفعل الروائي في فترة كان فيها رشاد طفلا. سينقطع رشاد عن كتابة الرواية مدة من الوقت تقارب 20 عاما ليعود ويكتب الرواية ،فما بين “شبابيك زينب ” رواية الانتفاضة ورواية “سارى بعينيك يا حبيبي ” وهي رواية كتبها عن عاصمة عربية بدأت تتريف مدة لا تقل عن 20 عاما. هنا يثير المرء سؤالا عن سبب الانقطاع طيلة هذه المدة الزمنية .
ايعود السبب إلى الواقع الفلسطيني الجديد بعد أوسلو 1993؟ ام يعود إلى انصراف رشاد لكتابة القصة القصيرة والمقالة والنثر؟ أم يعود إلى فجيعة بعض الفلسطينيين باتفاق اوسلو ، ومنهم رشاد؟
إن ترتيب روايات الكاتب حسب زمنها الروائي ،لا حسب تاريخي كتابتها ونشرها سيجعل من رواية “وداعا يا زكرين ” الرواية الأولى تليها رواية “أيام الحب والموت ” فرواية “ليالي الحب والبوم ” فرواية “العشاق “فرواية “البكاء على صدر الحبيب ” وهكذا. السؤال الذي يثيره المرء وهو يتابع مسيرة الكاتب الروائية هو:
لماذا يعود الكاتب في هذه الفترة ليكتب عن 40 و50 القرن 20؟ ويليه سؤال آخر هو: هل هو أول كاتب فلسطيني يفعل هذا؟ ما قام به رشاد قام به روائيون فلسطينيون آخرون مثل أفنان القاسم ويحيى يخلف.
الأخير أصدر منذ 1997 أربع روايات واحدة يتطابق فيها زمنا الكتابة والحدث الروائي وثلاثة يفترق فيها الزمنان.
يعود يحيى في رواياته الثلاث إلى زمن الطفولة والشباب وإلى زمن أسبق بكثير لم يكن شاهدا عليه. كتابة الروائيين في العشرين سنة الأخيرة عن الماضي تدفع الدارس إلى السؤال والبحث عن الأسباب وعن مدى قدرة الروائي على تمثل تلك الأزمنة ،وإلى إشكالات إسقاط الزمن الكتابي على الزمن الروائي.
في “ليالي الحب والبوم “2018 يكتب رشاد الجزء الثاني من سيرة عائلته وقريته زكرين تقريبا.وهكذا تبدو الرواية رواية سيرية أو سيرة روائية تذكرنا بثلاثية الكاتب السوري حنا مينة “بقايا صور ” و”المستنقع ” و “القطاف “.
وأسلوب رشاد في روايتيه أسلوب بسيط جدا مكتوب بلغة سردية بسيطة لا تعقيد فيها. كما لو أن الكاتب يأخذ برأي خليل بيدس الروائي الفلسطيني الأول الذي صدر مجموعته “مسارح الأذهان “1924 بمقدمة عن الفن القصصي. كما لو أن رشاد يرى رأي بيدس ويأخذ به.يكتب الروائي لعامة القراء لا لنخبتهم .
“ليالي الحب والبوم ” تواصل سرد ما ألم بعائلة رشاد بعد تهجيرها عن قريتها. يكتب الكاتب عن حياة اللاجئين في مخيم الدهيشة وعن معاناتهم في الحر والقر وعن المشاكل التي ولدها اللجوء حيث فقد الناس مصدر رزقهم:
“الأرض ” وغدوا عالة على العالم. ويكتب عن اضطرار بعض اللاجئين من الدهيشة إلى الهجرة إلى أريحا طلبا للدفء وهروبا من البرد. يكتب رشاد عن طفولته وآثر موت امه وأخته وعن ابيه وانتمائه إلى الحزب الشيوعي واعتقاله وتشرده وهروبه إلى سورية، ويكتب عن تأثير هذه الأحداث كلها عليه وعلى حياته.
تأتي الرواية على ما شهده الأردن في 50 القرن 20: الأحزاب والانتخابات والسجون والاحلاف و…و.. وما لم الحظه هو أن الكاتب لم يأت بالتفصيل على العدوان الثلاثي على مصر. لقد أغفل هذا أو سها عنه. ربما يظل السؤال قائما:
هل تمثل رشاد تلك الفترة تمثلا كليا؟ وماذا لو قارن المرء ما كتبه رشاد عنها بما كتب عنها في كتابات تلك الأيام أو في بعض السير الذاتية التي خصت تلك الفترة بمساحة كبيرة؟ من لوحات يوسف الخطيب النثرية إلى” بدايات “يعقوب زيادين إلى “دفاتر فلسطينية ” لمعين بسيسو؟ الاسئلة تبقى مشرعة.
12/ 1/2018
***
6- رشاد أبو شاور: سأرى بعينيك يا حبيبي
بعد ثمانية عشر عاماً من إصدار قصته الطويلة، وكتب على غلافها رواية، أصدر رشاد أبو شاور روايته "سأرى بعينيك يا حبيبي" (2012) وسيصدر بعدها بأربع سنوات روايته "وداعاً يا زكرين" (2016).
لا يعني ما سبق أن رشاد لم يصدر ما بين 1994 و2012 أي كتاب، فقد كتب قصصاً قصيرة وأصدرها في مجموعة، وكتابات نثرية وأصدرها في كتب، مثل "سفر العاشق" و"رائحة التمر حنة"، والأخير عن زيارته فلسطين بعد اتفاقات أوسلو.
كانت "شبابيك زينب" (1994) تجري أحداثها في مدينة نابلس في أثناء انتفاضة 1987، ولم يكن الروائي شاهداً على ما يجري، بخلاف بعض رواياته السابقة مثل "العشاق" و"البكاء على صدر الحبيب" ففيهما يأتي على أمكنة وأحداث عاشها وشارك فيها.
ومتابع روايات رشاد يلحظ أنه لا يكتب دائماً عن أزمنة وأمكنة شهدها وشارك فيها، فرواية "أيام الحب والموت" تأتي على إحدى المجازر التي ارتكبها الصهاينة في منطقة الخليل في حرب 1948، وهي فترة زمنية سيعود الكاتب ليجعل منها بعداً زمانياً لروايته الأخيرة "وداعاً يا زكرين" الأشبه بسيرة عائلية لرشاد وطفولته، وهي سيرة وطفولة مأساوية، فقد فقد أمه طفلاً وهاجر وأهله من قريته بسبب احتلالها.
ويبدو الموضوع الفلسطيني حاضراً في أكثر روايات الكاتب، إن لم يكن في كلها، والرواية الوحيدة التي يحضر فيها الموضوع الفلسطيني حضوراً عابراً هي "سأرى بعينيك يا حبيبي".
ويمكن اقتباس الفقرة التالية من الرواية لأخذ فكرة عن الموضوع الأساس فيها: "ـ لماذا علم اجتماع يا آنسة وطفاء؟.
سرّها أن يسألها، هو الذي عرف إصرارها على دراسة علم الاجتماع، لتؤكد له من جديد سبب اختيارها:
ـ لأدرس حياتنا نحن الذين انتقل بنا أهلنا من البادية إلى تخوم المدينة، ثم ابتلعتنا المدينة.. دهمتنا بمنجزات المدنية والحداثة.. والكهرباء، السيارات، الطريق العام، المعبّد، الراديو، التلفزيون، المدارس، البناء الحديث، و... انتهاء حياة الرعي، ومعاناة التمزّق من هذه الانتقالية الهائلة. أتساءل يا عصام: هل المدينة العربية مدينة حقاً، أم تراها مضارب بدو، ولكن ببيوت من حجر واسمنت" (ص128 من طبعة دار الآداب).
ولا يحدد الكاتب اسم المدينة، وإن أشار إلى العاصمة التي لم يذكر، أيضاً اسمها، ولا ما يدل عليها من خلال عملتها مثلاً، أو حتى من خلال لهجة خاصة بها، فالحوار كله، كما لغة السرد، بعربية فصيحة مبسطة، ولم ترد في الرواية كلها سوى مفردة ألمانية واحدة هي (أوف فيدر زيهن) (auf wieder sehen) ـ أي إلى اللقاء، أو أراك ثانية. ففي الرواية شخصيات فلسطينية تقيم في ألمانيا وتنجب هناك طفلاً وطفلة، ولم يعرف المرء أنها شخصيات فلسطينية إلاّ في ص259 تقريباً، مع أنها كانت حاضرة منذ بداية الرواية.
ويُخيّل إليّ أن العاصمة هي عمّان، وأن الجامعة هي الجامعة الأردنية، وبالتالي فإن المكان الروائي ليس دمشق أو بيروت أو بغداد، ورشاد في أثناء كتابة الرواية وقبل كتابتها استقر به المقام في الأردن.
وربما تذكر المرء وهو يقرأ الرواية بعض أعمال جبرا، بخاصة روايته الأولى "صيادون في شارع ضيق" (1960) فقد قارب موضوع البداوة والمدنية في مدينة بغداد، وموضوع البداوة موضوع خاض فيه الكاتب السوري عبد السلام العجيلي.
ثنائية البدو/ الريف والبداية/ المدينة ذات حضور لافت في الرواية، وستشغل ثنائية ثالثة قريبة منهما بعض صفحات قليلة من الرواية وهي ثنائية الشرق/ الغرب.
وأما الحيز الزماني للرواية فيربو، حتى ص189، على الـ35 عاماً، وتمتد الرواية إلى 302 صفحة، وبذلك ترصد قصة أجيال، وتبدلات على المكان لافتة وسريعة سرعة مذهلة، ولأنني عشت في عمّان، فإنني أعرف هذه التحولات السريعة ما بين 1972 و2012.
تماماً كما تأتي على موضوع التطرف والإرهاب الذي بدأت المنطقة تشهده، وأخذت الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين تلتفت إليه التفاتاً بارزاً رصده د. إبراهيم خليل مؤخراً في دراسة ألقاها في مؤتمر السرد الخامس في عمّان.
ويتذكر المرء وهو يقرأ روايتيْ الكاتب الأخيرتين تنظير خليل بيدس لفن الرواية، وكان صدر به مجموعته "مسارح الأذهان" في العام 1924. لمن يكتب الروائي، وعمّن يكتب؟
يسرد رشاد أحداث روايتيه ببساطة متناهية، وبلغة لا تعقيد فيها. كأنما يكتب لكل من يقرأ عربية بسيطة، وكان بيدس أشار إلى أن الروائي يكتب عن عامة الناس ولهم. ولا تخلو رواية الكاتب هذه من ميل إلى الدعابة والمزح الخفيف، وهو ما بدا في أعمال سابقة له.
وما لفت نظري في الرواية هو ما يرد في الصفحات 170 و175 وما بينهما، ففيها يأتي السارد على خطيب مسجد ما زال يخطب، كما تريد الحكومة، عن احتلال الروس لأفغانستان، حيث يشتمهم ويلعنهم ويهاجمهم، علماً بأن السارد في ص149 كتب عن الكمبيوتر الذي عرف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فهل غاب هذا عن ذهن الكاتب أم أنه أراد أن يقول لنا إن الخطباء، حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، ما زالوا يهاجمونه، وكأن الزمن توقف!! ربما.
***
7- خسارات القصة والرواية الفلسطينية: في وداع رشاد أبو شاور
في الثامن والعشرين من أيلول الماضي فارقنا الروائي رشاد أبو شاور، كأنما أصر أن يودع الحياة في اليوم نفسه الذي ارتقى فيه الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أحبه وظل يكتب عنه في ذكرى رحيله، وكأنما أراد أيضاً أن يفارق في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه السيد حسن نصرالله، وكان رشاد في مقالاته من المدافعين عن نهجه؛ نهج المقاومة، بقوة. وأنا لا أعرف أديباً فلسطينياً مقيماً في العالم العربي أفصح بوضوح عن مواقفه السياسية، منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، كرشاد الذي أقام في العقدين الأخيرين في الأردن.
ربما لا تتجاوز لقاءاتي برشاد عدد أصابع اليد الواحدة أغلبها في عمان في مكتبة دار الشروق، ومرة واحدة التقينا، بعد مجيء السلطة الفلسطينية، في مدينة نابلس على هامش مناسبة أدبية. ولكني عرفت رشاد أديباً منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين، فقد قرأت بعض قصصه القصيرة وروايته «العشاق» وقصصه الطويلة الأقرب إلى النوفيلا وهي «أيام الحب والموت» و»البكاء على صدر الحبيب» و «أرض العسل» و «شبابيك زينب». وغالباً ما كنت آتي على ذكر أعماله في كتاباتي عن موضوعات وظواهر في الأدب الفلسطيني. وفي العقدين الأخيرين، وبعد التعرف إليه قرأت رواياته الأربع الأخيرة وكتبت عنها. «سأرى بعينيك يا حبيبي» (٢١٠٢) و «وداعا يا زكرين» (٢٠١٦) و»ليالي الحب والبوم» (٢٠١٨) و»ترويض النسر» (٢٠١٩).
وربما يكون قراء الأرض المحتلة عرفوه من خلال روايته «العشاق» التي أعادت وزارة الثقافة الفلسطينية طباعتها، وربما لم يقرأ له غيرها، هنا في الأرض المحتلة ١٩٤٨ و ١٩٦٧، إلا الأدباء والنقاد. فرشاد لم تعد طباعة أعماله هنا، ولم يشارك هنا كثيراً في المؤتمرات الأدبية والندوات، ولم يكتب عموداً ثابتاً في الصحف الصادرة في فلسطين التاريخية.
غالباً ما كنت أتذكر رشاد ونصوصه في كتاباتي التي تعالج موضوعاً محدداً في الأدب الفلسطيني أو ظاهرة فنية ما، كأن أكتب عن اليهود أو المخيم أو استحضار الماضي أو ظاهرة النقد السياسي في الأدب الفلسطيني أو الروح المرحة في الرواية الفلسطينية.
كانت «أرض العسل» مهمة لي وأنا أكتب عن اليهود، وكانت «العشاق» تحضر باستمرار كلما أتيت على المخيم، أما «أيام الحب والموت» فغالباً ما أشرت إليها أنها الأولى في الكتابة عن مجزرة الدوايمة في العام ١٩٤٨، بل وغالباً ما رددت أن كاتبها سبق المؤرخين الإسرائيليين الجدد في الكتابة عن المجزرة المنسية، وأما «البكاء على صدر الحبيب» فغالباً ما أشير إليها كلما تحدثت أو كتبت عن ظاهرة النقد السياسي الذاتي للثورة الفلسطينية، وكانت هذه القصة من أبكر القصص التي انتقد فيها كاتب فلسطيني نهج الثورة، وإذ التفتّ مرة إلى الروح المرحة في حياة الفلسطينيين، وندرة حضورها في أدبياتنا، لم أغفل الإشارة إلى رشاد إلى جانب توفيق زياد وإميل حبيبي.
وغالباً ما أتيت على ذكر قصته الطويلة «شبابيك زينب» التي كتب فيها عن مدينة نابلس في الانتفاضة الأولى، مقارناً الكتابة عن المدينة المذكورة في روايات سحر ابنتها ورشاد الذي لم يكن زارها.
والتفتّ إلى رشاد روائياً أكثر من التفاتي إليه كاتب قصة قصيرة، علماً بأنه عُرف كاتب قصة أكثر مما عُرف روائياً.
في السنوات العشر الأخيرة قرأت رواياته الأربع والتفتّ إليها وكانت موضع أسئلة عديدة أثرتها شغلت ذهني في الكتابة النقدية.
لم يكتب رشاد في أكثر كتاباته عن طفولته، وفي القصتين اللتين استحضر فيهما التاريخ، وهما «أرض العسل» و «أيام الحب والموت» كتب عن أحداث وأمكنة لم يرها ولم يكن شاهداً عليها. وهو ما اختلف في باقي أعماله كلها، فالمبكرة منها مثل «العشاق» و «البكاء على صدر الحبيب» كتب عن بيئته وتجاربه التي عاشها؛ عن مخيمات أريحا التي عاش فيها وكان قريباً منها، وعن تجربته في الثورة في المنفى، وواصل هذا فيما كتبه بعد الخروج من بيروت، في «آه يا بيروت» و»الرب لم يسترح في اليوم السابع».
في «وداعاً يا زكرين» و «ليالي الحب والبوم» استرجع رشاد حياة القرية زكرين التي ولد فيها في العام ١٩٤٢ وغادرها في عام النكبة ١٩٤٨، وفي الثانية واصل الكتابة عن اللجوء إلى الخليل فمخيمات بيت لحم وأريحا، وكتب عن حياته وحياة والده فيها حتى العام ١٩٦٧.
أما روايتاه «سأرى بعينيك يا حبيبي» و «ترويض النسر» فتتطابق فيهما أزمنة السرد الثلاثة؛ زمن الكتابة وزمن السرد والزمن الروائي، ويكتب فيهما عن ثنائيات البداوة والمدنية وزحف العاصمة نحو البادية واختلاط القيم وتضاربها، والسلطة والمثقف الكاتب المعارض الذي يقتل بسبب مقالاته، ثم محاولات الشركات رشوة صاحب الضمير وترويضه دون أن تنجح مع قليلين في ذلك.
والروايتان المشار إليهما تثيران أسئلة حول لجوء الكاتب في شرق المتوسط للتعميم وعدم التحديد تحسبا لردة فعل السلطة تجاهه، وهذا عموما ما تجادلت ورشاد حوله.
في السنوات الأخيرة من حياته عاد رشاد إلى طفولته ليكتب عنها قصصاً قصيرة وردت في «وداعاً يا زكرين» و «أيام الحب والموت»، وغالباً ما عقبت عليها بعبارة «وردت هذه القصة في رواية... .
برحيل رشاد أبو شاور تكون الرواية والقصة القصيرة الفلسطينية خسرت علماً مهماً من أعلامها وعلاماتها.
***