نضال الصالح - تقنيات السرد في عالم العجيلي الروائي

يستعيد منجز عبد السلام العجيلي مجمل سمات الحكاية الشهرزادية، ولاسيّما كفاءته العالية في أسر قارئه حتى نقطة النهاية من كلّ نصّ من النصوص المكوّنة له، أو حتى يدرك العجيلي نفسه الصباح ويتوقف عن الكلام المباح، وإلى حدّ يمكن عدّ العجيلي معه، عبر إبداعه عامة وليس الروائي وحده، آخر "الحكواتية" العرب في العصر الحديث، بالمعنى الفنّي/الجمالي للكلمة وليس بمعناها المستقرّ في الوعي الجمعيّ العربيّ.
ولئن كان من أبرز مايميز ذلك المنجز فيض المتفاعلات النصية فيه على المستوى الحكائي، بأنواعها وأشكالها كافّة، ولاسيّما التفاعل النصّي الذاتي، أي: تفاعل نصوص الكاتب الواحد بعضها مع بعض، فإنّ من أبرز ما يميزه أيضاً فيض تلك المتفاعلات نفسها على المستوى البنائي، وعلى نحو دالّ على أنَّ ثمَّة معماراً سردياً أثيراً لدى العجيلي ما ينفكّ يتردّد بين نصّ روائي وآخر، ويمثّل جذراً مركزياً في مجمل فعاليات صوغه لمواده الحكائية الخام.
قدَّم د.عبد السلام العجيلي، إلى الآن، سبعة نصوص روائية: "باسمة بين الدموع"(1958)، و"ألوان الحبّ الثلاثة"(1973)، المشتركة مع أنور قصيباتي، و"قلوب على الأسلاك"(1974)، و"أزاهير تشرين المدماة"(1977)، و"المغمورون" (1979)، و"أرض السيّاد" (1998)، و"أجملهن" (2001).
وقد عنيت تلك النصوص جميعاً برصد أكثر مفاصل التاريخ العربي الحديث حرارة على المستويين القومي والقطري، فرواية العجيلي الأولى: "باسمة بين الدموع" عنيت بفساد الحياة السياسية في سورية في النصف الثاني من الخمسينيات، وتصدّت "قلوب على الأسلاك" للحديث عن تجربة الوحدة بين سورية ومصر(1958-1961)، وعاودت "ألوان الحب الثلاثة" الحديث عن تلك التجربة ولكن من موقع آخر، ومجّدت "أزاهير تشرين المدماة" ما أبداه المقاتل السوري من استبسال في حرب تشرين (1973)، وتبنّت "المغمورون" قضية الفلاحين الذين تمّ تهجيرهم إلى مناطق بعيدة عن قراهم وأراضيهم إبان بناء سد الفرات في سورية، وتابعت "أرض السيّاد" مشكلات منطقة الغمر وقضاياها بعد بناء السدّ، وعالجت "أجملهن" علاقة الشرق بالغرب.
والسمة المشار إليها آنفاً، أي التفاعل النصي الذاتي على المستوى البنائي في عالم العجيلي الروائي، لا تتحدّد بمكوّن وحده، بل تمتدّ لتشمل مجمل مكوّنات ذلك العالم، ولاسيّما: آليات السرد وتقنياته، ووسائل بناء الشخصيات، وفعاليات الوصف، والتضمين، والمنظور السردي أو "التبئير" بتعبير "السرديات"، التي تمثّل جميعاً حوامل أساسية لتجلّيات الخطاب في الأغلب الأعمّ من نصوص العجيلي الروائية، أو للتغيرات التي يحدثها الروائي في الموادّ قبل اللفظية لمحكيّاته، والتي تتضمّن في داخلها بآن ما يؤكّد أنَّ ثمة نسقاً جمالياً مهيمناً يضبط حركة تلك التغييرات.
ولعلّ أهم ملامح المكوّن الأول، أي: آليات السرد وتقنياته، ما يبديه العجيلي من إلحاح واضح على تجزيء محكيّ نصّه الروائي إلى وحدات سردية يتصدّر بعضها العلامة الشائعة في الأغلب الأعمّ من السرد الفنّي العربيّ الحديث، أي: "فصول"، كما في "باسمة بين الدموع"، و"أرض السيّاد"، و"أجملهن"، أو "أجزاء" كما في: "قلوب على الأسلاك"، ويتصدّر بعضها الآخر أرقام، كما في: "ألوان الحبّ الثلاثة"، و"أزاهير تشرين المدمّاة"، و"المغمورون". وغالباً ما يلحق الروائي بالفصول المكوّنة لنصوصه التي تنتمي إلى المجال الأول علامة فرعية تختزل، أو تكاد، جوهر المحكيّ في كلّ فصل، ومن أمثلة ذلك العلامات الفرعية التالية الملحقة بالفصول الستة المكوّنة لرواية "باسمة بين الدموع"، الطريق الزلقة، عينان واسعتان وجديلة، وفي الحيّ القديم، وآراء الدكتور إلياس، ورسائل من دمشق، ودموع باسمة، وبقية الدموع، ومن أمثلته أيضاً مثيلاتها الملحقة بالفصول الثلاثة المكوّنة لرواية "أجملهن": أجملهن، وساليزبورغ، ورسالتان، وعامّة، فإنّ فعالية التقسيم والتجزيء تلك تترجح بين سمتين رئيستين: فنيّة /جماليّة تنهض بأداء وظيفة أو وظائف في بناء النص الروائي أحياناً، كما في: "باسمة بين الدموع"، و"قلوب على الأسلاك"، وزخرفية/تزينية لا تنهض بأداء أية وظيفة أحياناً ثانية، كما في: "أرض السيّاد"، و"أجملهنّ".
ولا يكتفي العجيلي بتجزيء محكيّه إلى وحدات، بل يتجاوز ذلك أحياناً إلى تجزيء تلك الوحدات إلى وحدات أصغر، يتّسم معظمها بخلوّه من العلامات، كما في تجزئته لكلّ وحدة من الوحدات الثلاث والعشرين المكوّنة لمحكيّ "ألوان الحبّ الثلاثة" إلى وحدات صغرى، ويتخذ بعضها الآخر لنفسه صيغة الترقيم، كما في تجزئته لكلّ فصل من الفصول الستة المكوّنة لمحكيّ: "باسمة بين الدموع"، ولكلّ جزء من الجزئين المكوّنين لمحكيّ: "قلوب على الأسلاك". وبهذا المعنى، فإنّ الروائي لا يقدّم محكيّات نصوصه على نحو متتابع زمنياً، ولذلك فإنّ تلك النصوص غالباً ما تمتلئ بمفارقات سردية على مستوى البنية الزمنية، وغالباً أيضاً ما تمتلئ تلك المفارقات نفسها بمختلف تقنيات بناء الزمن، كالاسترجاع والاستباق، والخلاصة، والحذف، والاستراحة أو الوقف، والاستغراق، وسوى ذلك ممّا يشير، كلاً أو أجزاء إلى أنّ العجيلي كما يبدي حرصاً على بناء نصّ حكائي بالمعنى التقليدي يبدي، بآن، حرصاً واضحاً على تحرير ذلك النصّ من أسر الحكائية بمعناها المتواتر ليصير النصّ معه فناً كما هو حكاية معاً. ومن أمثلة ذلك، وفيما يخصّ تقنية بعينها هي "الاستباق" ما يقوله سعيد، في: "أجملهن"، لسوزان قاصداً ندى: "فارقت الحياة، كما سنفارقها جميعاً". الذي يؤذن بما ستنتهي ندى إليه قبل أن يكمل سعيد حكايتها.
وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى ولع العجيلي اللافت للنظر بتعيين الحدود الزمنية للأغلب الأعمّ من الأحداث المكوّنة لكلّ نصّ من نصوصه الروائية، وممّا يمكن عدّه قرائن دالّة على ذلك إشارة الراوي، في "باسمة بين الدموع"، إلى مرور "ثلاثة أعوام أو ما يقاربها"، على أوّل إيقاع لصوت باسمة في أذني سليمان، وإلى عقد قرانها على مطلّقها قبل ثلاثة عشر عاماً، وحين كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وتحديد الروائيين لقطيعة نديم مع سميحة، في: "ألوان الحبّ الثلاثة"، بعام واحد، وقول سوزان لسعيد، في: "أجملهن"، على نحو مباشر يجهر بالزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية: "نحن الآن في مطلع النصف الثاني من هذا القرن، القرن العشرين"، الذي وسوى ذلك ممّا يتجاوز كونه سمة مميزة لفعاليات البناء الزمني في عالم العجيلي الروائي إلى كونه كناية عن الإحساس الفادح لمعظم شخصيات ذلك العالم بوطأة الزمن حولها من جهة، وعن حال الثبات والعطالة في مواجهة تحوّلاته المثيرة من جهة ثانية.
كما تجدر الإشارة أيضاً، إلى ما يتردّد بين تضاعيف السرد في مجمل عالم العجيلي الروائي من مناظرات فكرية، وحوارات ثقافية، وسجالات معرفيّة ثنائية أحياناً كثيرة ومتعددة الأطراف أحياناً أقلّ، كما في حوار باسمة وسليمان حول الشعر في: "باسمة بين الدموع"، وحوار سليمان والدكتور إلياس في الرواية نفسها، وبمشاركة باسمة أحياناً، حول القوى الجسدية للإنسان، وتجهر تلك السمة بنفسها فيما يفرد له الروائي فصلاً خاصاً في ""باسمة بين الدموع" أيضاً بعنوان: "آراء الدكتور إلياس"، الذي يبدو أشبه ما يكون بمعرض للأفكار أكثر منه جزءاً من نصّ روائي، ويمكن تبيّن السمة نفسها في رواية "ألوان الحب الثلاثة"، كحديث نازك لنديم عن كتاب لأندريه مالرو، وكتاب "ماندارين" لسيمون دوبوفوار، وكحديث سعيد لسوزان، في: "أجملهن"، عن الدين وآرائه فيه ومواقفه من حدوده وتعاليمه.
وكما لا يكتفي العجيلي بتجزيء محكيّه إلى وحدات، بل يتجاوز ذلك أحياناً إلى تجزيء تلك الوحدات إلى وحدات أصغر، فإنّ كلّ نصّ من نصوصه الروائيّة يتضمّن، بالإضافة إلى ما يمثّل حكاية مركزية فيه، وحدات حكائية أصغر يبدو بعضها لصيقاً بالحكاية المركزية أحياناً ويبدو بعضها الآخر حوافز حرّة أحياناً ثانية. وتتجلّى هذه السمة في رواية "أجملهن" خاصة، فبالإضافة إلى حكاية سعيد مع سوزان التي تمثّل الحكاية المركزية في الرواية، ثمّة حكايات عدّة تنتمي إلى المجالين المشار إليهما آنفاً. كحكاية سعيد مع ندى والطبيب عبد العزيز، المبعثرة بين أكثر من موقع من حركة السرد الروائي، عبر استرجاعات واستباقات عدّة، والتي ينهض سعيد بروايتها لسوزان، وحكاية ولي عهد النمسا وحبيبته، التي ترويها سوزان لسعيد، وحكاية الرهبان والراهبات السيستريين، التي ترويها سوزان لسعيد أيضاً، وحكاية ابن نبهان وطيره، التي يرسلها عبد العزيز إلى صديق دراسته في الجامعة الدكتور سليمان، الطبيب الجرّاح المشهور في العاصمة، وحكاية عبد العزيز مع من يسميهم: "الجماعة اللئيمة" من أبناء بلدته.
وباستثناءات قليلة، فإنَّ العجيلي غالباً ما ينوّع في وسائل بنائه لشخصياته الروائية، وغالباً أيضاً ما تتوزع تلك الوسائل لديه بين ثلاث فعاليات مركزية: ما تقدّمه الشخصيات عن نفسها، وما تقدّمه عن سواها، وما يقدّمه الراوي عنها. وممّا ينتمي إلى الفعالية الأولى في رواية:"باسمة بين الدموع" ما تقوله باسمة/ناتاشا في إحدى رسائلها لسليمان مفصحة عن جانب من شخصيتها وعلاقتها بالمجتمع حولها: "أنا لستُ ضعيفة... فلقد أحببتُ وتحدّيت الجميع بحبّي، فلا التقاليد رغم قسوتها على أمثالي قيّدتني، ولا المجتمع وأقاويله وضجتها أثَّرت بي... إني بطلة لأني طبقت فكرة ترويّت فيها عمري، فكرة فناء الأنثى في حبّ الرجل"، وممّا ينتمي إليها في: "قلوب على الأسلاك" ما يقوله أحمد بك لعبد المجيد عمران وما يتضمّن في داخله جهراً بمنظومة الوعي لديه، ولاسيّما موقفه من الجيل الشاب: "علينا أن نترك لهؤلاء الناس الذين نسميهم الشباب دنياهم. إنها لهم فليفعلوا بها ما شاؤوا. إذا طلبوا منا النصح نصحنا لهم، وإن أرادوا أن يقوّضوا ما يسكنون حتى يتهدّم السقف على رؤوسهم فليفعلوا ما يريدون"، ثمّ ما يقوله سعيد عن نفسه لسوزان، في: "أجملهن" مشيراً إلى واحدة من القيم المكوّنة لشخصيته: "في أعماقي رواسب من التربية.. تقول لي إنَّ كلّ جنس دون شرعية هو محرّم".
وممّا ينتمي إلى الفعاليات الثانية، في: "ألوان الحب الثلاثة" قول الطبيب لنديم: "إنك شخص مرهف الإحساس، حادّ البصيرة والبصر، كثير التجارب، كثير التنقّل، شاهدتَ مئات الوجوه الجميلة والملامح النبيلة، فأنت إنسان عاهق للجمال، وركضك وراء اللذاذات لم يدمّر صفاء نظرتك للجمال"، ويمكن القول إنّ رواية: "أجملهن" هي أكثر منجَز العجيلي الروائي صلة بتلك الفعالية، فالأغلب الأعمّ ممّا يفصح عن السمات المميزة للشخصيات فيها لا يتمّ عبر الشخصيات نفسها بل عبر سواها من الشخصيات الأخرى، كما في هذه المقبوسات التي تتدافع على لسان سعيد أحياناً وندى أحياناً ثانية على شخصية الدكتور عبد العزيز: "كثير المعارف، وواسع الثقافة"، ويرى: "أنَّ المجهولات في هذا الكون لاتزال أكثر من المعلومات"، و"يستشهد بحكايات قديمة هو كثير الحفظ لها"، و"مسافر كبير، غير أنَّ أسفاره كلّها بين الكتب"، وأنَّه "طراز خاص من الرجال"، و"شاعر"، وسوى ذلك ممّا يشي بشخصية العجيلي نفسه.
ومما ينتمي إلى الفعالية الثالثة، أي ما ينهض الراوي بأدائه في رواية: "باسمة بين الدموع" التي يتكفّل الراوي المفارق لمرويّه بتقديم مجمل الصفات المادية والنفسية لشخصيات الرواية، قول الراوي عن سليمان عطا الله بأنه: "يعرف من نفسه أنَّ كلّ صدمة تصيبه تبلّد أعصابه إلى أمد، ثمّ لا تلبث بعد ذلك الأمد أن تنفجر فيها فتترك آثاراً مضاعفة". ومنها في: "ألوان الحب الثلاثة" قول الراوي معرّفاً بجدّة سميحة: "لقد عاشت حياتها في هدوء ودعة وراحة، وهي تنتمي لعائلة من تلك العائلة التي بدأت بالانقراض.."، ومنها، في "المغمورون"، وممّا يبدو استباقاً ويضمر في داخله بآن إشارة إلى سمة التمرّد التي طبعت شخصية ندى في بداية شبابها، ما يصدّر به الروائي الوحدة السردية الثانية من الجزء الأول في الرواية، أي قول الراوي: "عرف أهل ندى.. في ابنتهم.. منذ طفولتها عنادها الذي تحوّل عندما شبّت إلى ميل إلى التفرد"، ثمّ قوله: "وعندما كبرت.. أصبح جمالها الفنيّ المقرون بذكاء.. خير شفيع لها في النزوات التي كانت تُخرج تصرّفاتها، بين الحين والحين، عن مألوف تصرفات مثيلاتها في السنّ والثقافة والطبقة الاجتماعية". ومن أمثلة ما يدور في فلك الفعالية نفسها في: "أرض السيّاد"، ما يفتتح به الروائي الوحدة السردية التاسعة من الفصل الأول، وممّا يكشف عن وجه من وجوه النظام العقلي الصارم في شخصية أنور، أي قول الراوي عن الأخير، بأنه: "يتلقّى الأمر الذي يعرض له، أو الفكرة التي تُطرح عليه بخاطر هادئ وعقل متأنٍ، فلا يحكم على الأمر أو الفكرة إلا بعد مراجعة وتردّد".
ولعلّ أبرز ما يميز صنيع العجيلي فيما يتصل بمكوّن الشخصيات في مجمل نصوصه الروائية، وما يبدو قانوناً أو أشبه ما يكون بالقانون في فعاليات بنائه لتلك الشخصيات، الرئيسية خاصة، حرصه الواضح على التعريف بالصفات الخارجية للأغلب الأعمّ منها. ومن اللافت للنظر ترجّح أعمار الشخصيات الذكورية الرئيسية في عالم العجيلي الروائي بين عقدين، العشرينيات والثلاثينيات، فسليمان "باسمة بين الدموع" بلغ "الثانية والثلاثين من عمره أو أنه في سبيل بلوغها"، ونديم "ألوان الحب الثلاثة" كان "شاباً فتياً كأنضر ما يكون عليه الشباب"، وطارق عمران "قلوب على الأسلاك" في "الرابعة والعشرين"، وعثمان"المغمورون" فتى يمور بحيوية الشباب، وأنور "أرض السيّاد" متخرّج لتوّه في الجامعة، وعُمْر سعيد "أجملهن" ثمانية وعشرون عاماً. وتتجلّى هذه السمة نفسها في شخصيات الروائي النسوية الرئيسية أيضاً، فباسمة في السابعة والعشرين من عمرها تقريباً، وصفية في نهاية العشرينيات، وسميحة في الرابعة والعشرين، وسوزان في التاسعة والعشرين، وسوزان في الثالثة والعشرين.
ومن اللافت للنظر أيضاً، وفي هذا المجال نفسه، أنَّ مجمل الشخصيات النسوية في عالم العجيلي الروائي شخصيات خالبة على مستوى الشكل، فلباسمة، في "باسمة بين الدموع" عينان واسعتان "يبدو اتساعهما غريباً في امتدادهما عرضاً كأنَّ ملتقى أجفانهما كائن في الصدغين لا في الوجه، طويلتي الأهداب، يزيدهما غرابة وسحراً حاجباهما اللذان يبدوان في كثافتهما كأنهما حاجباً رجل لولا دقّة خطيهما وانتظام استدارتهما". وقامتها: "متوسطة الطول.. ولكن كتفيها المستويتين وما يتبين من التفاف قدّها توحي بتناسق بديع في الجسم"، ولها: "عنق مستقيم يملأ نقرته زغب خفيف الشقرة. أمّا شعرها.. فقد كان أميل إلى السواد مرفوعاً على رأسها بطريقة غير مألوفة"، وسميحة، في: "ألوان الحبّ الثلاثة"، مستقيمة "القدّ، مستقيمة الملامح"، وسوزانا "بيضاء البشرة فيما عدا وجهها المورّد، ذات عينين عسليتين واسعتين وشعر قليل الميل إلى الشقرة"، وهدى، في "قلوب على الأسلاك" سكرتيرة عبد المجيد عمران: "فتاة طويلة القامة، سوداء الشعر، دقيقة تقاطيع الوجه"، ولسوزان، في رواية "أجملهن"، عينان واسعتان، عسليتان، في محيّا أزهر أميل إلى الشقرة، شعر كستنائي طويل يضرب إلى كتفيها وتنفرج خصلاته عن عنقها الأغيد الطويل"، وسوى ذلك ممّا يعزّز القول إنَّ ثمة نظاماً محكماً وواحداً يضبط الإيقاع العام لتقنيات السرد في عالم العجيلي الروائي.
ويتجاوز النفوذ الذي تمارسه تقنية الوصف في ذلك العالم الشخصيات إلى مكوّناته الأخرى أيضاً، ولاسيّما الأمكنة التي تتحرّك فيها الأحداث والشخصيات، وغالباً ما تتسم تلك التقنية بانبثاقها من السرد نفسه، وبوصفها استكمالاً له وليست فائضاً فيه أو معوّقاً لتدفّق الزمن. كما في وصف الروائي في: "قلوب على الأسلاك" لوادي بردى بقوله على لسان عبد المجيد عمران: "إنه الجنّة، مياه تنحدر في شلالات متراكبة بعضها فوق بعض، وغابات من الحور والصفصاف وبساتين من الأشجار المثمرة، وهواء عليل وسماء صافية شفافة"، وكما في وصفه، في "المغمورون"، لمنزل جابر المبروك: "بـ"المنعزل، القائم على مرتفع من الأرض، والمبنية جدرانه باللبن النيئ والمسقوف بصفائح خشبية تسندها أعمدة من جذوع الغرب الملتوية"، والذي يقوم على كتف مرتفع على سطح النهر، بعيداً بعض الشيء عن بيوت قرية المزيونة الأخرى، وبأنه منزل نظيف على تواضع بنائه وبساطة محتوياته من الآنية والأثاث، وكما في وصفه، في رواية "أجملهن" لبحيرة "سالتزي"، الأعجوبة بتعبير بطله، بأنها: "سطح مائي واسع لايبلغ البصر نهايته لاتساعه ولضآلة النور الذي يصل إليه من مصابيح متباعدة وشاحبة الضياء. تباعدت عن هذا السطح صخور الجبل حواليه وفوقه مسافات، بما يتناقض مع ما كانت تخلقه تلك الصخور في أنفاق الجبل وسراديبه من ضيق وثقل وحسّ بالاختناق. وفوق هذه البحيرة كان الجبل منحوتاً بشكل قبة تبدو ملساء السطح، سامقة العلوّ، ليس لها مرتكز في وسطها أو على حواشيها".
وتمثّل تقنية الرسائل مكوّناً يكاد يكون مركزياً من مكوّنات السرد في معظم روايات العجيلي، كما في روايته الأولى: "باسمة بين الدموع" التي تشغل رسائل سليمان وباسمة فيها فصلاً بأكمله، وفي: "ألوان الحب الثلاثة" التي تتضمن الوحدة السردية الثالثة عشرة منها مجموعة من الرسائل المتبادلة بين "جارنجا كامانجي"، و"هينداما كاماشاني ياهي"، وفي: "أرض السيّاد" التي تتوزّع تلك التقنية فيها على أكثر من فصل، بين أنور وسميرة في الفصلين الأول والثالث، وبين المحامي شكيب مجد الدين وأنور وبين صبحي زيدان وأنور أيضاً في الفصل الرابع، وقد خصّ العجيلي الفصل الثاني من رواية: "أجملهن" بتلك التقنية، فقدّم فيها رسالتين: الأولى كتبها الدكتور عبد العزيز لسعيد بعد أن غادره الثاني في زيارة لبلدة الأول، كتبتها سوزان لسعيد رداً على رسالة كان قد أرسلها إليه يعزّيها بفقدها أمّها، ويطلب يدها للزواج.
ويهيمن في الأغلب الأعمّ من عالم العجيلي الروائي راوٍ عالم بكلّ شيء، وعلى الرغم من بروز تلك السمة في مجمل فعاليات صوغ المحكي لمجمل ذلك العالم، فإنه أبرز مايكون في روايتي: "باسمة بين الدموع"، و"ألوان الحب الثلاثة" اللتين يبدي الراوي العالم بكلّ شيء فيهما كفاءة خارقة في النفاذ إلى أعماق الشخصيات، ثمّ في رواية "المغمورون" التي يبسط فيها الراوي نفسه نفوذا‌ً واضحاً على مجمل حركة السرد، ويستبد بها ويحدد مآل الشخصيات والأحداث بآن، ويفصح عن حضوره على نحو جهير في أكثر من موقع، كما في قوله: "أعني أن الأفكار والأحاسيس، والأقوال والمشاهد، هي التي سببت الأرق لندى وأطارت من عينيها النعاس"، حين انتابت ندى هواجس مؤرّقة ممّا قاله عثمان عن لا معقولية ارتباطها بفلاّح، وغالباً ما يبدو هذا الراوي أكبر من الشخصية الحكائية في الرواية، "الرؤية من خلف"، حسب تصنيف "تودوروف" لأنواع الرواة أو زوايا رؤية الراوي، أو ما يسميه الشكلاني الروسي: "توماتشفسكي"، "السرد الموضوعي".
ويغصّ عالم العجيلي بمتفاعلات نصيّة عدّة تشغل، في عدد من الروايات، مكانة لافتة للنظر من حركة السرد، وهي لا تكتفي بالتعبير عن سعة المخزون المعرفيّ لدى الروائي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى استعادة أساليب السرد القديمة أيضاً. ولعلّ رواية العجيلي الأخيرة: "أجملهن"، أكثر نصوصه الروائية جهراً بتلك السمة، فبالإضافة إلى حكاية ولي عهد النمسا وحبيبته، وحكاية ابن نبهان والطير، وحكاية الرهبان والراهبات السيستريين، تتردّد بين تضاعيف السرد متفاعلات نصيّة كثيرة: من الشعر العربيّ القديم، ومن الأمثلة الشائعة، ومن آراء عدد من الفلاسفة والمفكرين و الفنانين، أمثال: باسكال، وشوبان، وبيتهوفن، وشتراوس، وموزارات، وآخرين...


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- صحيفة "الأسبوع الأدبي" ـ العدد 991 تاريخ 28/1/2006م




نضال الصالح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...