د. عادل الأسطة - عاطف أبو سيف -ملف- (1--11)

1- عاطف أبو سيف وروايته «مشاة لا يعبرون الطريق»

الطبعة العربية الأولى من رواية عاطف أبو سيف الجديدة "مشاة لا يعبرون الطريق" صدرت في عمان هذا العام - ٢٠١٩.
وربما يتساءل القارئ عن دلالات العنوان، فمن هم المشاةُ الذين لا يعبرون الطريق؟ ولماذا لا يعبرونها، فما العائق؟ وأي طريق هي هذه الطريق؟ وهل هي طريق ذات دال رمزي؟ وهل تحيل إلى رواية "الطريق" لنجيب محفوظ التي فسرها جورج طرابيشي في كتابه "الله في رحلة نجيب محفوظ" تفسيراً رمزياً؟
من خلال قراءة أولى كنت ألتفت إلى العنوان وأنا أقرأ في المتن، وقد أشرت إليه-أي العنوان في الصفحات ٨٩و٩٣و١٤٣و١٦٢و١٧٠و١٩٢و١٩٤و١٩٦و١٩٨و٢٠٢ .
في ص ١٤٣ حديث عن حكاية يكتبها صحافي عن عالمين؛ افتراضي وواقعي، وهما عالمان مختلفان "أحدهما ليس إلا من نسج خيال صحافي أراد أن يستجيب لمطالب محرر صحيفته بالبحث عن عالم الغائبين، والآخر عالَم أشخاص كانوا يعبرون الطريق صدفة حين دهست الشاحنة الرجل، ولسبب أو لآخر فإن كل هؤلاء أيضاً يفترضون أنهم كانوا يعبرون صدفة، إذ إن كل واحد منهم يشك في تلك "الصدفة" التي يدعيها كل واحد منهم".
وفي ص٢٠٢ نعرف أن لا أحد عبر الطريق:
"بدا السائق مرحاً وهو يتحدث عن طفولته وعن أبناء عمه في لبنان. هاجر نصفهم إلى شمال أوروبا، أما عمه الذي قاتل في حصار بيروت عام ١٩٨٢ فظل في مخيم الرشيدية ولم يغادر. كل منا ينتظر شيئاً. القدر الذي رمى العائلة في جهات الأرض الأربع لا يزال يغلق عليها كل طرق اللقاء، لكن دائماً ثمة مفاتيح علينا أن نكتشفها حتى ندفع الأبواب الموصدة ونسير في الدرب. قرر الصحافي أن يجد مفتاحاً...".
والحكاية هي حكاية الرجل الثمانيني الذي ولد في يافا وتعلم قبل ١٩٤٨ في القدس وخطب في العام ١٩٤٦ سلوى ابنة مدينته، ثم وقعت النكبة فتفرق الفلسطينيون "طشاري" أو أيدي سبأ، ولم يعرف الرجل أين استقر المقام بخطيبته سلوى وأخذ يبحث عنها رافضاً النسيان أو الإذعان للواقع المرير والارتباط بغيرها.
رفض الشاب المتعلم العمل معلماً كما اقترح عليه صديقه حبيب، وآثر في النهاية أن يعمل ساعي بريد عله يعثر على اسمها وعنوانها فيهتدي إليها، ويساعده صديقه ويقف إلى جانبه، ويخبره بعد ستة عقود أنه أمسك بخيط يدله عليها، وحين يذهب إليه على دراجته، ليعرف شيئاً عن عنوانها تدهسه سيارة أو يقع، وينقل إلى المشفى في حالة أقرب إلى الموت السريري، وخلال أسبوعين، هما تقريباً الزمن الروائي، يلتف حوله في المشفى السائق الذي أقله،لا الذي دهسه فقد هرب، وبائع الفواكه والخضار الذي وقع الحادث قرب دكانه، والطالبة الجامعية التي كانت عائدة من الجامعة بالصدفة، ويحضر صحافي ليكتب إلى صحيفته تقريراً وشرطي ليقدم تقريراً في الحادث، ويشك الكل في الكل ولا يعود أحد يثق في الآخر. وتفصح الرواية عن العلاقات السيئة والقائمة على النفاق بين الصحافي والمحرر وبين الشرطي والضابط ونبدو أمام عالم مرعب.
كما في روايتيه السابقتين "حياة معلقة" ٢٠١٥، و"الحاجة كريستينا" ٢٠١٦، فإن عالم عاطف أبو سيف هو المخيم ومدينة يافا التي غدا أبناؤها لاجئين يقيمون في مخيمات الشتات.
ويخيل إلي أن الروايات الثلاث التي صدرت للكاتب خلال أربع سنوات تتقاطع فيما بينها، فهي تتكئ على بيئة المخيم ومدينة يافا، وتشكل النكبة وتداعياتها جزءاً كبيراً من مادتها، بل إن بعض الشخصيات تحضر هنا وهناك، مثل شخصية خميس ابن المخيم الفقير الذي غدا، بسبب تجارة الأنفاق، مليونيراً. إن خميس والحاجة كريستينا يحضران بـ "مشاة لا يعبرون الطريق" و"الحاجة كريستينا" وإن بدا أسلوب القص والبناء الفني في الأخيرة مختلفاً عن الأولى والثانية.
في الرواية لسنا أمام راوٍ واحد، وإنما نحن أمام رواة متعددين، وثمة أكثر من كاتب ضمني/مؤلف ضمني. يكتب الصحافي التقرير الصحافي للجريدة التي يعمل فيها، ويكتب الشرطي تقريره للضابط المسؤول عنه، ونصغي إلى شخصيات أخرى تروي وجهة نظرها.
ثمة حدث واحد هو ما حدث مع الرجل الثمانيني، وثمة وجهات نظر حول ما جرى. وهكذا فإن طريقة عرض الرواية تتم من خلال أسلوب وجهات النظر، وهذا أسلوب عرفته الرواية العالمية والرواية العربية والرواية والقصة الفلسطينية، وهو مناسب جدا لرواية "مشاة لا يعبرون الطريق".
عرفت الرواية العربية هذه الطريقة في رواية نجيب محفوظ "ميرامار" ورواية يوسف القعيد "الحرب في بر مصر" ، وعرفته الرواية الفلسطينية في رواية جبرا ابراهيم جبرا "السفينة"، وقبلها قرأنا تعدد الأصوات في الرواية لدى كنفاني في "ما تبقى لكم"، ولاحقاً في قصص مصطفى مرار القصيرة، وبعض قصص أكرم هنية ومنها "شهادة واقعية حول موت المواطنة منى. ل" وقصة "عندما أضيء ليل القدس"، وأعتقد أن ثمة تشابها في البناء الفني، إلى حد ما، بين قصة هنية "شهادة.." ورواية عاطف "مشاة.." وإن اختلف المضمون اختلافاً كلياً، ولا أعرف إن كانت قصة هنية من قراءات عاطف.
تبنى قصة هنية على خبر انتحار المواطنة منى. ل، وهذا الخبر يلفت نظر رئيس تحرير الجريدة فيتقصاه ويتابعه متابعة حثيثة ليعرف حقيقة ما حدث مع منى .ل. هل انتحرت أم ماتت موتاً طبيعياً؟ وفي رواية أبو سيف نظل نقرأ عن حادث دهس الرجل الثمانيني، ولكننا في الجزء الأخير من الرواية نصغي إلى رأي صديق الطالبة الجامعية يقول لنا إن الرجل لم تدهسه الشاحنة وإنه وقع عن دراجته فقط.
إن تقصي الحقيقة لهو ما يقوم به رئيس التحرير في القصة، وهو ما يسعى إليه الصحافي في الرواية وتتعدد الآراء في النصين. وتقترب الرواية من قصة "عندما أضيء ليل القدس" في جانبي الحقيقة والخيال، فهل رجل الضوء في القصة حقيقة أم أنه خيال؟ وهل ما يكتبه الصحافي والشرطي في تقريرهما حدث حقاً وواقعاً أم أنه قصة افتراضية؟
بقي أن أشير إلى بعض ما أورده بعض شخوص رواية أبو سيف كان ورد على لسان شخصيات أخرى في روايته "الحاجة كريستينا" وهذا بدوره يجعلنا نفكر جيداً في أن كلام كثير من شخصيات العمل الروائي إنما هي في النهاية صادرة عن الروائي نفسه.
ما سبق لا يقلل من جماليات الرواية، وأرى أن "مشاة لا يعبرون الطريق" واحدة من الروايات الجميلة التي قرأتها في السنوات الأخيرة في الأدب الفلسطيني، فهي تشد القارئ وتدفعه إلى متابعة قراءتها بشغف.

***

2- شتات العائلة وبركات الصهيونية: حياة معلّقة

وأنا أقرأ رواية عاطف أبو سيف "حياة معلّقة" (2013) تذكّرت رواية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة ـ جديدة" (1902) وتذكرت عائلتيْ أبي وأمي وما ألمّ بهما في أثناء نكبة 1948 وما تلاها.
في رواية (هرتسل) يسأل المسيحي (كينغز كورت) العربي رشيد بك، بعد أن يتحدّث اليهودي (شتاينك) عن الاستفادة التي جناها سكان البلاد العرب من قدوم الصهيونية، وموافقة رشيد بك على كلامه، يسأل (كورت) رشيد بك السؤال التالي: "ألم تنهدم مكانة سكان بلاد إسرائيل القدامى بسبب هجرة اليهود؟ ألم يضطروا إلى مغادرة البلاد؟ إنني أقصد الأكثرية الساحقة، فقد يكون ثمة أفراد استفادوا، ولكنهم لا يُتخذون مقياساً!". وهنا يجيب رشيد: "أي سؤال هذا! لقد كان هذا الأمر بركة لنا جميعاً، وفي الطليعة، طبعاً، أصحاب الأملاك الذين باعوا أراضيهم بأسعار عالية للمجتمع اليهودي، أو الذين حافظوا على أراضيهم بانتظار أسعار أعلى، فأنا شخصياً قد بعت الأراضي لمجتمعنا الجديد، وعلى هذا فقد وجدت خيراً عميماً".
وفي استذكار ما ألمّ بأبي وعائلته، وأمي وعائلتها، إثر نكبة 1948 عدت إلى أعوام خلت. في 60 ق20 عرفت أن لي أبناء عم في الشام، وتعرفت إليهم، فقد جاؤوا لزيارتنا في المخيم، وسأزورهم في 1975 حين أزور دمشق.
وبعد هزيمة حزيران 1967 تعرفت إلى عمتي رئيسة التي زارت إخوانها في الضفة، بعد انقطاع 19 عاماً، فقد هاجرت هي وزوجها إلى غزة، وسأتعرف إلى أبنائها وبناتها وسأزور غزة التي ربما ما كنت لأزورها لولا وجودها هناك ـ هذه "بركة" من "بركات" حرب 1967.
مات عمي في الشام، في بدايات هذا القرن، ولم يحضر جنازته أي من إخوته، وسيموت لي عم آخر في عمان، وسنعرف عن خبر موته من الآخرين. وعمي هذا الذي توفي في عمّان له ابن يقيم في مصر منذ 1948، فقد هاجرت زوجة عمي إلى هناك حيث أهلها، ولم نتعرف إلى ابنه، على الرغم من أن أخي حاول البحث عنه. هل اختلفت أحوال عائلة أمي؟
أيضاً، في 60 ق20 تعرفت إلى خالتي فاطمة التي استقرت بعد النكبة في دمشق مع زوجها السوري، كما تعرفت إلى بعض أبنائها الذين زارونا في تلك الفترة، وحين زرت الشام في 1975 زرت خالتي وتعرفت إلى من لم أتعرف إليه من أبنائها، وقد ماتت خالتي، دون أن يشارك كثيرون من أقربائها المقيمين في الضفة في جنازتها. وكل هذا، أيضاً، من "بركات" قيام دولة إسرائيل التي تحدث عنها العربي المتخيل في رواية (هرتسل): رشيد بك الذي رحب بالمشروع الصهيوني.
وأنا أقرأ رواية "حياة معلّقة" وأُتابع ما آلت إليه أسرة نعيم تذكرت ما سبق وتذكرت نصوصاً أدبية كثيرة صوّر كتابها شتات العائلات الفلسطينية.
لسميرة عزام قصة عنوانها "عام آخر" شخصيتها تقيم في لبنان وابنتها تقيم في الناصرة، وكلما جاءت الأم لتقابل ابنتها، على بوابة مندلباوم، اعتذرت البنت، لأن هناك ما يحول دون اللقاء: الولادة ومرض الزوج و.... . ولغسان كنفاني غير عمل أتى فيه على فكرة الشتات أبرز هذه الأعمال "ما تبقّى لكم" 1966. الأم تهاجر من يافا إلى الأردن، والبنت مريم وأخوها حامد يهاجران إلى غزة، فيما يستشهد الأب في يافا. هذه، أيضاً، "بركة" من "بركات" المشروع الصهيوني.
وفي "سداسية الأيام الستة" يُصوّر أميل حبيبي لقاء العائلة إثر حرب حزيران، وهو ما بدا في قصة "حين سعد مسعود بابن عمه"، وإذا كانت حرب 1948 فرقت بين الإخوة، واحد في الناصرة والثاني في مخيم جنين، وهذه صورة من صور شتات العائلة، فإن حرب 1967 مكنت أبناء العمومة من الالتقاء.
ولا تخلو رواية "المتشائل" من الإتيان على نوع آخر من الشتات له دلالته الرمزية، فنكبة 1948 فرقت بين الحبيبين: سعيد ويعاد.
ربما من آخر الأعمال الأدبية، قبل "حياة معلّقة" التي أبرزت فكرة الشتات روايات يحيى يخلف "ماء السماء" و"جنة ونار" ـ لم أقرأ الأخيرة وقرأت عنها ـ وروايتيْ سامية عيسى "حليب التين" و"فسحة في كوبنهاجن"، وفيهما تتسع رقعة المنفى، وليعذرني روائيون آخرون كتبوا عن الفكرة نفسها.
تجسّد رواية "حياة معلّقة" هذه الفكرة، وتكاد تتوازى، جزئياً، في هذا الجانب، مع رواية "ما تبقّى لكم".
الهجرة تتم من يافا، وبعض أفراد العائلة يستشهدون في حرب 1948، وآخرون يقيمون في غزة، وقسم يقيم في الأردن أو في بيروت أو.. أو... . (سأعرف أن أسرة عاطف أبو سيف من يافا، وأن ما ألمّ بأسرة أهلي ألمّ بأسرة والده).
من الشخصيات الرئيسة في رواية عاطف يافا، وهي من مواليد غزة، خلافاً لأبيها الذي ولد في يافا المدينة، وفي العام 1948 تفرّقت العائلة أيدي عرب، على رأي أميل حبيبي، ولم يعد والد يافا نعيم يعرف شيئاً عن أخيه الأوسط.
وحين تقرر يافا زيارة بيروت زيارة عمل تبحث هناك عن عمها، وتزور المخيمات، مع نادر المقيم في لبنان، ليساعدها في البحث.
وستحصل الدهشة حين يكتشفان أنهما أبناء عم، وهكذا يقرران الزواج. "فالحاج توفيق سرحان سيقول ليافا إنه هاجر للبنان مباشرة عند النكبة، وعرف بعد ذلك أن أحد إخوته يعيش في مخيم الوحدات قرب عمّان وأن (أخاه) الآخر يعيش في الضفة الغربية ثم انقطعت أخبار الأخ الثاني منذ ثلاثين سنة...... وعليه لم يعد نادر فقط حبيبها وخطيب المستقبل، بل، أيضاً، ابن عمها." (ص229)، وهذه النهاية السعيدة للبداية الأليمة هي، أيضاً، من "بركات" المشروع الصهيوني. هل كنا سنعثر على نهاية كهذه إلاّ في رواية (فولتير): "كنديد" ورواية حبيبي "المتشائل"، وهذه، أيضاً، "بركة" من "بركات" أبناء العمومة!! كما رآها (هرتسل) وأوردها على لسان رشيد بك!.

***

3- عاطف أبو سيف وعودة اللاجئين والنكبة التي لا تنتهي

ينهي الروائي عاطف أبو سيف روايته الأخيرة "الحاجة كريستينا "بفصل عنوانه "عودة كريستينا".
صدرت الرواية التي تقع في 312 صفحة في العام 2016، وهي تحكي قصة فضة التي ولدت في 1936 وسافرت إلى لندن، صحبة رجل انجليزي كان صديقا لأبيها، في العام 1947 لتتعالج هناك، وفقدت عائلتها في العام 1948، إذ قتلت العائلة بالكامل، فتبنى الانجليزي جورج الفتاة وسماها كريستينا، وعاشت في كنفه حتى العام 1958، ولما توفي فجأة لم يرق لأخواته أن تظل فضة بينهن، فقررن إعادتها إلى بلدها، وهكذا عادت إلى غزة لتقيم في مخيم للاجئين الفلسطينيين واحدا وخمسين عاما، وفجأة في بداية حرب 2014 يحضر لاندروفر فيه بريطانيان ودليل ليقل كريستينا إلى لندن باعتبارها مواطنة تحمل الجنسية الانجليزية والحفاظ على حياتها تحتمه حقوق المواطنة.
قد يسأل سائل:
- ولماذا لم تهتم بريطانيا بمواطنتها في الحروب السابقة من العام 1967 حتى حرب 2012؟
لا يغفل الراوي الذي يتدخل ويفسر ويتساءل ويقدم ويؤخر ويشرح ويعلل، لا يغفل عن الأمر، ويوضح للقراء ما جرى ويعطي السبب وهو "البحث عن الورثة"، فقد تبنى جورج الانجليزي فضة، حين عرف مصير عائلتها في الحرب وسماها كريستينا وبذلك اكتسبت الجنسية البريطانية.
تتكون الرواية من ثلاثة عشر قسما، لكل قسم عنوان يمت بصلة لما كتب تحته، والعناوين هي:
- الشبح، أيد لا تلوح في الهواء، الحياة في يافا، لندن 1947، الحياة التي كانت، مجلس النساء، مجلس الرجال، الحنين لا يجف على الطريق، الركض في ممرات الماضي، رجعات لم تتحقق، قديسة في قارب، وعودة كريستينا.
وهكذا تقرأ عن الحياة في يافا قبل العام 1948 وتقرأ عن لندن في 1947 حتى 1958 ولندن بعد 2014، وتقرأ عن مجالس النساء ومجالس الرجال في مخيم لاجئين في غزة، وتحت العنوانين؛ مجلس النساء ومجلس الرجال تعرف حكايات اللاجئين الفلسطينيين وحياتهم وآلامهم وآمالهم ومعاناتهم وضنك عيشهم وحصارهم وجنون واقعهم وحلمهم المستمر بالعودة، وكانت فضة واحدة من هؤلاء.
ظل اللاجئون الفلسطينيون يحلمون بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها، وكانت عبارة "يوم رجعتنا" أو "برجعتنا للبلاد" هي العبارة التي تجري على ألسنتهم كلما التقوا في مجلس وشربوا قهوتهم أو تناولوا طعامهم معا، ولكن الرجعة إلى البلاد، مثل رجعات أخرى، ظلت صعبة المنال وقد لخصها القسم الذي عنوانه "رجعات لم تتحقق".
ينهي عاطف أبو سيف روايته بقسم عنوانه "عودة كريستينا" وبذلك تتحقق عودة ما ولو إلى قطاع غزة، فهل يتحقق حلم العودة؟ وإن تحقق فكيف يتحقق؟
في القراءة البدئية للعنوان الفرعي، قبل إتمام قراءة المتن الذي أدرج تحته، يعتقد القارئ أن الحاجة كريستينا ابنة التاسعة والسبعين عاما، المولودة في يافا والمقيمة في العام 2015 في لندن، تعود إلى غزة أو إلى يافا، ولكنه - أي القارئ يكتشف، بعد الانتهاء من قراءة القسم، أن كريستينا التي عادت هي حفيدة كريستينا المولودة في يافا، وللقصة قصة.
لما عادت كريستينا من لندن في 1958 وأقامت في المخيم تزوجت يافاويا لاجئا استشهد في أثناء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لغزة بعد العام 1967، وخلف الزوج وكريستينا طفلا سمياه ياسر، وكبر وذهب ليدرس في القاهرة، وفي أثناء حرب 1982 في لبنان التحق بالمقاومة ليكمل مسيرة والده، ثم اختفى وانقطعت أخباره. وسنستنتج ونحن نقرأ "عودة كريستينا" أن كريستينا هذه التي تحمل جواز سفر أجنبيا هي ابنة ياسر ابن كريستينا. لقد جاءت تبحث عن جدتها لأبيها فارتاب أهل المخيم فيها ثم عرفوا الحقيقة، وتجسد كريستينا حلم العودة إلى مسقط رأس أبيها. صحيح أن العودة لم تكن إلى يافا ولكنها عودة، والعنوان الفرعي يحتوي على هذا الدال الذي لم يشع على ألسنة الفلسطينيين حتى 1967 دال آخر مثله إلا ربما دال الحرب أو دال السلام ومؤخرا دوال أسير وسجين وشهيد.
العنوان الفرعي هذا استثار فيّ شخصيا ظاهرة العودة والحلم بها في أدبياتنا وحياتنا.
في أيار من العام الماضي 2018 شاركت في ندوة عقدها مجمع القاسمي في باقة الغربية لتكريم الروائي الجزائري واسيني الأعرج.
كنا انطلقنا في باص من باصات الداخل - أي نمرته إسرائيلية، وكان عليّ أنا وسامح خضر أن نعبر المعبر المخصص لأبناء الضفة الغربية، خلافا للآخرين الوافدين بجوازات سفر أجنبية وعربية، فقد ظل هؤلاء في الباص الذي واصل سيره دونما حاجة إلى مساءلة أو إذن. ولما كان اليوم يوم جمعة، فقد كان معبر قلنديا مكتظا واجتيازه يحتاج إلى ساعتين فأكثر، ما يعني إعاقة الرحلة.
اقترح سامح خضر أن نعبر المعبر بالباص مع زملائنا العرب وهو ما كان، فقد سمح الجندي لنا بالدخول على ألا يتكرر هذا.
هكذا دخل الفلسطينيون الذين يحملون جوازات سفر أجنبية إلى فلسطين بسهولة ودخلنا معهم تشفع لنا الجوازات الأجنبية.
حلم العودة حضر في أدبيات 50 القرن 20 في أشعار هارون هاشم رشيد، وناقشه غسان كنفاني في روايته "عائد إلى حيفا" 1969، ولكن النتيجة التي توصل إليها بطل الرواية هي أن العودة غير الزيارة، فسعيد. س زار حيفا وبيته فيها، ولكنه لم يعد، فالعودة تحتاج إلى حرب ينتصر فيها الفلسطيني ليفاوض من مركز قوي.
في رواية كنفاني نوقشت فكرة العودة وبعد رواية كنفاني بخمس سنوات كتب إميل حبيبي روايته "المتشائل" وأتى فيها على موضوع العودة وهو ما يتضح أصلا في عناوين الكتب الثلاثة المكونة للرواية وهي "يعاد" و"باقية" و"يعاد الثانية" وللأسماء دلالات رمزية واضحة غير عصية على الاكتشاف.
الكتابة عن العودة برزت بشكل كبير في نصوص فترة اتفاقات أوسلو، فلقد تحققت العودة الجزئية المحدودة "إلى الجزء المتاح لنا من الوطن "على حد تعبير المرحوم أحمد دحبور.
عاد فلسطينيون إلى فلسطين بجوازات سفر أجنبية ليزوروها، وعاد آخرون إلى الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال اتفاقات أوسلو، واجتهد آخرون قبل أن تلتفت السلطات الإسرائيلية إلى الأمر وعادوا من خلال الاقتران بفتيات فلسطينيات يحملن جوازات سفر إسرائيلية، وعاد قسم رابع في انتفاضة 1987 بسبب تعاونهم مع الإسرائيليين و..و..
وأعود إلى رواية "الحاجة كريستينا"، فقد عادت الحفيدة بجواز سفر أجنبي.
هل من صلة بين عودة الفلسطينيين بجواز سفر أجنبي والحل الذي اقترحه اسحق موسى الحسيني في روايته "مذكرات دجاجة"؟
كانت دجاجة الحسيني الحكيمة (؟) اقترحت على الزعيم وأقرانه ممن قرروا المقاومة أن يتركوا المأوى ويسيحوا في العالم ليصلحوه، حتى إذا ما صلح عادوا إلى مأواهم.
رحم الله إبراهيم أبو لغد وأمد في عمر ربعي المدهون وآخرين كنت برفقتهم في أيار من العام 2018!
لقد استبد بهم الحنين لرؤية حيفا ويافا وبقية مدن فلسطين، كما استبد الحنين ببطل روايتي "السيدة من تل أبيب" و"مصائر" الذي زار حيفا والقدس ومدينته غزة بجواز سفر بريطاني.
ماذا أقول؟!

***

4- المشهد الروائي الفلسطيني: قراءات "غياب غزة"

أعترف بأنني منذ العام ١٩٩٣ تقريبا لم أتابع المشهد الروائي في قطاع غزة ، على الرغم من بروز أسماء روائية عديدة .
عندما أصدر غريب عسقلاني / إبراهيم الزنط في العام ١٩٧٩ روايته الأولى " الطوق " كتبت عنها ، وعندما أصدر محمد أيوب في العام ١٩٩٠ تقريبا روايته " الكف تلاطم المخرز " كتبت أيضا عنها . وكتبت أكثر عن القصة القصيرة هناك ، فهي الفن الذي ازدهر أكثر من الرواية ، بل ومن الشعر .
بدأت الرواية في قطاع غزة تكثر كتابتها منذ العام ١٩٩٣ ، ولقد انصرف إليها أكثر كتاب القصة القصيرة إلا ما ندر ، وللأسف فقد انقطعت عن متابعة ما يصدر هناك ، حتى قرأت عاطف ابوسيف فكتبت عن خمس روايات من رواياته العشرة ، وربما أكون من خلال تناولي لرواياته غطيت جزءا من المشهد الروائي الفلسطيني في الداخل وفي الخارج ، واشك في أن ناقدا واحدا يمكن أن يغطي المشهد الروائي الفلسطيني كله .
عندما أمعنت النظر في عنوان كتاب الكاتب محمود شقير نظرت في الفهرست ، وتمنيت لو كان العنوان " في المشهد الروائي الفلسطيني " ، ذلك أن أسماء روائية عديدة لها إسهاماتها لم يؤت عليها ولم يكتب عن رواية واحدة من رواياتها .
لم يكتب عن سحر خليفة أو رشاد أبو شاور أو محمد الأسعد أو ... ولم يكتب عن أي كاتب من كتاب قطاع غزة إلا عاطف ابوسيف الذي خصت روايته " الحاجة كريستينا " بصفحة واحدة .
روائيون كثيرون يتشوقون للحصول على نسخة من الكتاب ، ولكنهم ما إن ينظروا في الفهرست حتى يشعروا بالإحباط ويصابوا بخيبة الأمل .
ولعل ما يقلل من إمكانية مهاجمة الكاتب أنه أضاف إلى العنوان الرئيس مفردة " قراءات " .
الكتاب كما كتبت من قبل ليس دراسة أكاديمية منهجية ، ولم يعتمد خطة تتكيء على الاختيار ومبرراته - أي الاختيار .
سألني الكاتب محمد زحايكة Mohammad Zahaikah إن كانت الكتابة النقدية يجب أن تقتصر على النقاد ، فأجبته : لا . إنني أتمنى أن يكتب الروائيون عن نتاجات بعضهم ، فهذا يثري المشهد الروائي ، وأغلب الظن أن محمود شقير رمى حجرا في بئر الرواية ، وأغلب الظن أن الروائيين سيدلون بدلوهم مبدين آراءهم في الكتاب .
خربشات ١٢ / ٥ / ٢٠٢٥ع

***

5- يافـا في ذكرى النكبة

آخر مرة زرت فيها يافا كانت في العام 1987. وكنت زرتها في نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين مراراً.

منظر المدينة، كلما استرجعتها، لا يفارقني: التلة والبحر والميناء القديم. ولكن عدم زيارة المكان عيانا لم يحل دون زيارته في النصوص الأدبية.

لم أقرأ الأدبيات كلها التي كتبت عن يافا في العقدين الأخيرين، أو أنني لم أقرأ كتابة لافتة عنها تركت أثراً في نفسي. وربما كانت قصة أكرم هنية «دروب جميلة» ورواية عاطف أبو سيف «حياة معلقة» آخر ما قرأت عن المدينة، ومع أن روايته «الحاجة كريستينا» تعود إلى يافا لتكتب عنها كما أخبرني إلا أنني لم أكمل قراءتها، ربما لأنني لاحظت فيها استطراداً وتكراراً، وهو ما لاحظته في روايته الأسبق «حياة معلقة»، وفي كتابة عاطف أبو سيف عن يافا ما يدفع بعد الاستماع إليه إلى المتابعة، فهو ينحدر من هناك وزار المدينة وأقام فيها فترة لا بأس بها. وأشير إلى كتاب المتوكل طه «وريث يافا» الذي أخذت أقرأ فيه ولكنني للأسف لم أواصل.

لا أعرف كتابا من يافا ما زالوا يقيمون فيها أو أقاموا فيها في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين. لقد كانت المدينة شبه مهجورة من سكانها وتركزت الحركة الأدبية والثقافية الفلسطينية بعد النكبة وحتى الآن في حيفا والناصرة وعكا.

غابت الحياة الأدبية والفكرية في يافا بعد النكبة، ولكن المدينة لم تغب، فقد حضرت في أدبيات المنفى حضوراً لافتاً وربما حضرت في 50 القرن العشرين حضوراً يفوق حضور حيفا وعكا والناصرة، ولم يحضر أي من المدن الثلاث حضوراً بارزاً طاغياً إلا في 70 القرن العشرين بعد أن توهجت أشعار محمود درويش وأحمد دحبور ابني المدينة لعلاقتهما المتميزة بها؛ الأول بعد مغادرتها وشعوره بأنه، مثل آدم، خرج من فردوسه فندم ندماً شديداً وأخذ يستعيد ولو في الشعر ذلك الفردوس، والثاني من خلال بؤس حياة أهله في المنفى ومحاولة الأم تعويض أطفالها عن واقعهم بالحديث عن الجنة المفتقدة والمنتظرة في الوقت نفسه، فلقد استحضرت الأم المدينة كلما سألها أحمد عن قسوة حياته في المخيم.

لم يتهيأ ليافا في الوطن أو في المنفى من أبنائها كاتب أو شاعر كما تهيأ لحيفا وعكا.

لقد تهيأ لحيفا إميل حبيبي ومحمود درويش وأحمد دحبور، والكاتب الذي عاش في حيفا قبل 1948 وغادرها وهو في الثانية عشرة من عمره، ولم يكن من يافا أصلاً، هو غسان كنفاني ابن عكا، وعلاقته بيافا تختلف عن علاقة درويش وحبيبي بحيفا.

لقد حضرت يافا في شعر شعراء المنفى بين 1948 و1967 باعتبارها رمزاً لفلسطين كلها، ولقد كتب عنها شعراء أقاموا فيها وشعراء كثر لم يقيموا فيها وإنما نظروا إليها، كما ذكرت، رمزاً للوطن السليب كله.

وعلى الرغم مما سبق تبقى هناك نصوص شعرية وروائية ونثرية تبقى عالقة في الذاكرة ومنها قصيدة راشد حسين «الحب... والغيتو» 1963. يفتتح راشد قصيدته بمقطع عنوانه «يافا مدينتي» يقول فيه:
مدافن الحشيش في يافا توزع الخدر/والطرق العجاف حبلى... بالذباب والضجر/ وقلب يافا صامت... أغلقه حجر/ وفي شوارع السماء... جنازة القمر/ يافا بلا قلب إذن!؟/ يافا بلا قمر!؟/ يافا.. دم على حجر؟!

ويافا التي رضع الشاعر من أثدائها حليب البرتقال تعطش وكانت أمواجها تسقي المطر. لقد شلت ذراعها هي المدينة التي كانت حديقة أشجارها الرجال. ولقد مسخت محششة توزع الخدر. ولمن يجهل يافا فإنها كانت مدينة مهمتها تصدير برتقال ولكنها هدمت وحول الإسرائيليون مهنتها إلى مهنة تصدير لاجئين.

لقد زار راشد يافا ورآها مدينة أنقاض تنتشر فيها الجثث، فالقتلى بلا رؤوس وبلا ركب. وفي يافا يتعرف راشد إلى يافا الفتاة اليهودية التي هربت من النازي ونجت من المحرقة.

في 30/12/1966 نشر سميح القاسم في جريدة «الاتحاد» الحيفاوية تقريرا عن زيارة قام بها إلى يافا. يفتتح سميح تقريره بالآتي: «ريبورتاج من أقبية الحشيش وبار «المسجد»! المعذبون في يافا». يكتب سميح بأنه قدر عليه أن يذهب إلى يافا ليكتب عن مآسينا: «يافا التي كان اسمها مرادفا للعزة والسعادة والحياة... يافا التي كانت طيبة وشهية وغنية كالبرتقال.. لماذا تصبح مثارا للشفقة ومنجما للحزن؟» (ص 289 من السيرة الذاتية لسميح «إنها مجرد منفضة»).

الصورة التي تظهر في التقرير للمدينة تبدو قاتمة، فالبيوت مهجورة وأهل المدينة الباقون عاطلون عن العمل والمخدرات منتشرة بينهم والوضع التعليمي في الحضيض والمدرسة الباقية للخمسة آلاف الباقين، وهي مدرسة حسن عرفة: «هانذا في يافا التي كانت أسماء شوارعها شعارات خصبة من تراثنا الخصب، وكانت لافتاتها معرضا مشرقا للخطوط العربية.. من الكوفي إلى الرقعة إلى الديواني.. هذه يافا الباقية.. لافتات لامعة من النيون والفسفور على لافتات شاحبة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد».

ويدخل سميح إلى بيوت السكان في حي العجمي ليرى طبيعتها، فالضيق والرطوبة والإهمال، ومثل البيوت المقاهي والمقابر والمساجد.

مرة قلت إن الأدب الفلسطيني هو الوريث الحقيقي للشعر العربي القديم فيما يخص ظاهرة الوقوف على الأطلال، وكتبت مقالا عن هذا واقترحته موضوعا لرسالة ماجستير. إن تقرير سميح القاسم، على أية حال، يصلح أن يدرس تحت الموضوع المقترح.

ينهي سميح تقريره بالآتي: «هذه هي يافا الباقية.. هذه هي المدينة التي كانت واحة خير وجمال على شاطئ البحر المتوسط. أصبحت حذاء عتيقا في مزبلة النظام القائم على العنصرية وكراهية العرب ودوس كرامتهم وإهانة موتاهم وتاريخهم.. ولكنها ـ كما قال مردخاي نمير ـ وصمة عار في جبين حكام إسرائيل» (299)

صورة يافا المشرقة قبل 1948 كتب عنها القاص أكرم هنية في قصته «دروب جميلة»، وقد خصصتها قبل سنوات بمقالة خاصة لا أرى ضرورة لإعادة الكتابة عنها ثانية، فهي مدرجة على موقع ديوان العرب وفي مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية.

طبعا هناك عملان مهمان لكاتبين طالما كتبت عنهما لم تغب عنهما يافا؛ الأول هو رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» 1969 والثاني هو عنوان قصيدة محمود درويش في رثاء أبو علي إياد «عائد إلى يافا» 1971.

حضور يافا في رواية كنفاني كان موازيا لحضور حيفا ولكنه كان حضوراً ثانوياً ولذلك غاب عن الذاكرة وظل الحضور الأبرز لحيفا، وأما في قصيدة درويش فقد كان التركيز على المرثي لا على المكان كون القصيدة قصيدة رثاء شخص بالدرجة الأولى، وفيها تكون يافا «حقائب منسية في قطار».

الكتابة عن يافا تطول وكان الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قد زار المدينة قبل العام 1948 وخصها بقصيدة.
لا بد من صنعا وإن طال السفر ولا بد من زيارة يافا.

***

6- أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟
عاطف ابوسيف " القبر رقم 49 "

وأنت تقرأ القسم الأول " كتاب الحياة " من رواية عاطف ابوسيف الجديدة " القبر رقم 49 " ، الصادرة طبعتها الأولى في هذا العام ، تتذكر سطر محمود درويش الشعري " أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا ؟" من قصيدته " نزل على بحر " من ديوان " هي أغنية .. هي أغنية " (١٩٨٥) .
يأتي القسم الأول على حياة حليمة المولودة في يافا في العام ١٩٤٠ والمتوفاة بتاريخ ٢٩ / ٢ / ٢٠٢٤ ، وما بين التاريخين نقرأ عن رحلة حياتها من يافا إلى مخيم جباليا في غزة ، ثم نزوحها ، هي وحفيدها الباقي ، إلى رفح بعد واحد وعشرين يوما من حرب ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
لقد نجت حليمة والحفيد من الموت الذي حصد ٢٢ فردا من أفراد عائلتها بالصدفة ، ففي الوقت الذي نسفت فيه الطائرات الإسرائيلية المغيرة العمارة المكونة من أربعة طوابق ، كانت هي وحفيدها في زيارة لزوجة أخيها الأصغر المقاربة لها عمرا.
عاشت حليمة نكبة العام ١٩٤٨ إذ غادر والدها المختار مدينته يافا وأقاموا لسنوات ، مع بقية أفراد أسرتهما ، في الخيام . تعلمت وصارت معلمة وتزوجت وأنجبت وصارت جدة وظلت تحلم بالعودة إلى مدينتها الأولى وتنظر إلى المخيم على أنه مؤقت وإقامتها فيه مؤقتة ، ولكن هذا المؤقت دام وليتها قضت عمرها فيه ولم تشهد نكبة ثانية تجبرها على الإقامة في الخيام من جديد . من الخيمة إلى الخيمة وما رأته مؤقتا لم يدم وحسب بل دمر ، وكما كان اللاجئون في خيام الخمسينيات من القرن العشرين يحنون إلى البلاد ويأملون بالعودة إلى مدنهم وقراهم ، صار نازحو ٢٠٢٣ في خيامهم يحنون إلى بيوتهم في المخيم . يجلسون مساء كل يوم في خيمة حليمة ويتذكرون حياتهم الماضية .
تحت عنوان " حياة مؤقتة ، حياة دائمة " نقرأ:
" لم تفلح في التخلص من فكرة تحول حياتها المؤقتة إلى حياة دائمة . ما تظن أنه لن يدوم ليوم أو اثنين يدوم لسنوات ، ثم يصبح ثابتا لا أمل في تغييره ، وكما حدث هذا في زمن بعيد تخشى أن يحدث الآن . وهي طفلة صدقت والدها حين قال يوم أو اثنان ثم نرجع للبيت ، وبعد سبعين سنة ظلت تقنع نفسها أنها تصدقه ، وها هي الآن بعد أكثر من تسعين يوما من خروجها من بيتها في الشمال تحاول أن تقنع نفسها أن الحرب لن تستمر طويلا وأنها ستعود أدراجها للشمال " .
إن المقارنة بين ما ألم بأهل قطاع غزة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وما ألم باللاجيئن الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ ، وحياتهم في بيوتهم وحياتهم في اللجوء يكاد يشكل عصبا رئيسا في الرواية في قسمها الأول .
وأنا أقرأ عن حياة حليمة تذكرت فريال ابنة عمي عبد القادر الأسطة التي ولدت في خيمة في مخيم عسكر وتزوجت في حي الرمال في قطاع غزة واقامت في بيت فاخر ثم أجبرتها الحرب الأخيرة إلى النزوح إلى رفح لتقيم من جديد في خيمة قبل أن تتمكن من السفر إلى مصر . وهي في الخيمة مرضت وكادت تموت وفقدت لأيام ذاكرتها . وكنت دونت قصتها في الحلقات الثمانية التي كتبتها في بداية الحرب تحت عنوان " في غزة لي أصدقاء وذكريات " .
عاطف ابوسيف روائي مهم وأنا منحاز لصوته الروائي منذ قرأت روايته " حياة معلقة " ٢٠١٤ .
مبروك لعاطف هذا الإصدار .

خربشات ٢٨ / ٤ / ٢٠٢٥

***

7- عاطف ابوسيف في روايته الجديدة " القبر رقم 49 ": عالم روائي مرجعيته مخيم جباليا ومدينة يافا

وأنا أقرأ روايات غسان كنفاني لاحظت أن ثمة شخصيات روائية تحضر ، وإن بشكل خفي ، في غير رواية ، وفكرت أن أكتب عن هذا لولا حرب 7 أكتوبر 2023 .
وعندما كتبت عن ثلاثية إلياس خوري " أولاد الغيتو " تساءلت إن كانت ثلاثية فقط ، وذهبت إلى أن هناك صلة بينها وبين روايات سابقة لها . هل هي ثلاثية أم رباعية أم خماسية أم سداسية أم سباعية ؟
قرأت لعاطف أبو سيف " حياة معلقة " و " الحاجة كريستينا " و " مشاة لا يعبرون الطريق " و " الجنة المقفلة " وأقرأ الآن " القبر رقم 49 " . هل هذه الروايات لا يمت بعضها ببعضها الآخر بصلة أم أن ثمة طرفا خفيا ما يربط بينها ؟
لطالما تناقشت مع الروائي في الموضوع ولم ينف ، وهو على وعي تام بما يكتب ، وهو ما فعله في الرواية العالمية روائيون معروفون مشهورون . جعل بعض هؤلاء من مدنهم محور رواياتهم كلها ، وهو في رواياته يتخذ من مخيم جباليا ومدينة أهله يافا مكانا تجري فيه أحداث رواياته التي قرأتها . إنه يتابع حياة أهل يافا في مدينتهم ولجوئهم منذ النكبة الأولى إلى النكبة الحالية التي يركز عليها في روايته الأخيرة .
في روايته الأخيرة تحضر شخصيات من رواياته السابقة غير مرة ولو من خلال الذاكرة ، ويحضر أثاث أهل يافا حين كانوا فيها ، حيث سعى قسم منهم بعد حرب ١٩٦٧ إلى شراء أثاثهم القديم من محلات الانتيكا / ال ( التيساخة ) ليبعثوا الذكرى . إن لم نسترجع البيت فلنسترجع أثاثه . في " الجنة المقفلة " تسترجع الطاولة ، وفي " القبر رقم 49 " يسترجع البيانو .
لا يبتعد عاطف ابوسيف عن عالمه الذي عاش فيه . يكتب عن المخيم الذي ولد فيه وترعرع ، يكتب عنه كما رآه ، ويكتب أيضا عن المكان الذي عاش فيه آباؤه وظلوا في منافيهم يسترجعونه ، وذهب هو إليه فزاره وقضى فيه أشهرا - أعني يافا .
كتبت أمس إنني منحاز لعاطف روائيا . لدى عاطف قدرة كبيرة على السرد تدفعك لمتابعة قراءة الرواية ، فسرده لا يبعث الملل في النفس . طبعا لا يعني هذا أن رواياته لا تخلو من عيوب أبرزها تكرار بعض الأحداث .
" القبر رقم 49 " رواية حرب طوفان الأقصى من ٧ أكتوبر إلى بداية آذار ٢٠٢٤ ، وهي فترة قضى منها الروائي شهورا في قطاع غزة قبل أن يخرج .
خربشات ٢٩ / ٤ / ٢٠٢٥

***

8- مع الدكتور عادل الأسطة.

الكاتب والقصصي والناقد الكبير. ربما لا يفوتني يومٌ دون أن أقرأ صفحة الدكتور عادل وأقرأ ما يقول عن الرواية. هو من القلة التي تتابع بشكل حثيث ودؤوب كل ما يُكتب في الرواية الفلسطينية. أنا أعرف ان يافاويته العالية كفلسطيني مخلص لحكاية شعبه وسرديته دفعته لقراءة أعمالي، لكنه، وهذا يقين، لم يترك رواية فلسطينيةلم يقرأها. تتعلم منه وهو يتحدث عن الرواية وعليك أن تأخذ ملاحظاته بجدية. تختلف ربما معه بعض ما يقول لكنه يقوله بمهنية.
نقاش متشعب وعميق في حديقة متحف ياسر عرفات حيث ضريح الخالد الكبير بعد ندوة في استذكار غريب عسقلاني احتفاءً من ملتقى الرواية بغريب.

***

9- الرواية الفلسطينية في الأرض المحتلة : نماذج مختارة

- ( لاحقا كتبت عن أحمد رفيق عوض وروايته " الحياة كما ينبغي ")
- إميل حبيبي " كما في حياته ، كما في مماته .. يشعل النار فينا ويمضي
- إميل حبيبي وثيودور هرتسل : صراع الخطابات .
( لاحقا كتبت " إميل حبيبي بين الأدب والسياسة " القراءة وإساءة القراءة ")
- أسعد الأسعد :
١ - أسعد الأسعد وعري الذاكرة
٢ - غياب " رواية فرنسية وثلاث روايات فلسطينية "
٣ - دروب المراثي : تحرير فلسطين عبر الكتابة .
- أسامة العيسة :
" مجانين بيت لحم .. مجانين الوطن "
- أكرم هنية :
١ - شارع فرعي في رام الله واخطية
٢ - عن شارع فرعي في رام الله
٣ - شيطنة رام الله ... تسويق رام الله
- أكرم مسلم :
١ - هواجس الاسكندر
٢ - سيرة العقرب الذي يتصبب عرقا
٣- التبس الأمر على اللقلق ... التبس الأمر على القاريء
٤ - بنت من شاتيلا : حول ظاهرة الاغتصاب .
- إياد شماسنة " الرقص الوثني "
- باسم الخندقجي :
" نرجس العزلة "
- بسام أبو غزالة :
" العشق المر " والرحيل لدى الفلسطيني
- الأدب والايديولوجيا
-
- توفيق معمر :
" الرواية العربية الأولى في الدولة العبرية .
- حسام شاهين :
" زغرودة الفنجان " محاكاة الواقع واختراق المجتمع الفلسطيني
- جميل السلحوت :
" فن الرواية والكاتب
- زياد عبد الفتاح في روايته " الرتنو "
- سعاد العامري :
١ - سعاد العامري وكتابها الرابع " دمشقي "
٢ - مراد .. مراد
٣ - سعاد العامري وغسان كنفاني .. سؤال الجدارة .
( لاحقا كتبت عن روايتها " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ")
- سلمان ناطور :
" أنا وهي والخريف "
- سميح القاسم :
- " معلقة سم ثلاث مرات يوميا " .
- ملعقة سم صغيرة ثلاث مرات ، المؤلف والراوي والبطل وزمن الكتابة
- سهيل كيوان :
" بلد المنحوس " المرأة اليهودية
سهيل كيوان في " بلد المنحوس "
- صافي صافي : الشغف بالتفاصيل ، تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية " زرعين " ( لاحقا عن " عين التينة ")
- عارف الحسيني :
١- عارف الحسيني و "كافر سبت "
و
الكابتن الإسرائيلي و كافر سبت الفلسطيني .
٢- القدس : عارف الحسيني و " حرام نسبي " ( لاحقا " نص اشكنازي ")
- عائشة عودة :
- أحلام بالحرية
- ثمنا للشمس .
- عاطف أبو سيف :
١ - شتات العائلة وبركات الصهيونية : حياة معلقة
٢ - عودة اللاجئين والنكبة التي لا تنتهي " الحاجة كريستينا "
٣ - مشاة لا يعبرون الطريق
٤- بنيلوب الفلسطينية وغودو الفلسطيني " الجنة المقفلة " .
( لاحقا " القبر رقم 49" )
- عباد يحيى :
١ - رام الله الشقراء : النص في سياقه التاريخي .
٢ - القسم ١٤ انطباعات أولى ، من المكان المحدد " رام الله " إلى المكان المجرد " صحراء "
٣- جريمة في رام الله ... زوبعة في رام الله
٤ - سرديات رام الله ثانية رواية " رام الله ".
- عزت الغزاوي : هاجس الكتابة : تساؤلات حول رواية " الخطوات "
- عزمي بشارة " حب في منطقة الظل "
١- هاجس الرحيل
٢- حب في منطقة الظل
٣- الاحتكاك اللغوي وانعكاسه في الرواية .
- عفاف خلف :
١ - لغة الماء واجتراح الذاكرة .
٢ - " ما تساقط " : الفلسطيني في الرواية الفلسطينية .
- عيسى لوباني :
الألمان في بلاد العربان : رواية " قمر وشمس " .
- غسان كنفاني : قراءة غسان كنفاني في زمن مختلف " زكريا الزبيدي وإخوانه "
( لاحقا كتبت " غسان كنفاني : القراءة وإساءة القراءة ")
- كميل أبو حنيش :
رواية " مريم .. مريام "
( لاحقا كتبت عن روايته " الجهة السابعة " و " تعويذة الجليلة " ثم لاحقا " موضوع السجن في رواياته)
- محمود شقير :
" مديح لنساء العائلة " دال العنوان
شقير وكنفاني
شهادة كاتب على ثلاثة عقود
قراءة تطبيقية .( لاحقا " منزل الذكريات ")
- محمد علي طه :
" نوار العلت والكتابة عن اليهود "
- مشهور البطران :
" صورة اليهود في رواية الانتفاضة : آخر الحصون المنهارة نموذجا "
- نادية حرحش ، مذكرات نيتشة ، مذكرات كلب .
- نبيل عمرو :
" وزير إعلام الحرب "
- نجيب نصار :
١- " أسامة العدناني وذاكرة المغلوبين "
٢- العنوان الذي ضللني أربعين عاما : كتابة الواقع في لحظة جريانه " مفلح الغساني "
- هاشم المصري :
" البساطير .. الطبيب روائيا "
- وفاء أبو شميس :
ظاهرة الروائيات في نابلس
١ - أكاديميات روائيات ٠
٢ - نيكولاس الشرق
٣ - عينا قط أسود وتكات الساعة
- وليد الشرفا
القادم من القيامة
( لاحقا كتبت عن روايتيه " ليتني كنت أعمى " و " أرجوحة من عظام " )
- يحيى السنوار :
" الشوك والقرنفل " قراءات .
- يحيى يخلف :
١ - ماء السماء واستحضار النكبة
٢ - راكب الريح
٣ - الروائي وبطله في " اليد الدافئة "
الروائي واستغباء القاريء
٤ - الأديب الفلسطيني والحنين إلى الماضي : يحيى يخلف في " الريحانة والديك المغربي "
- في تعدد المواقف النقدية ، يحيى يخلف وفيصل دراج .
مقالات متفرقة في قضايا روائية :
- الشخصية الفلسطينية المرحة في الرواية الفلسطينية.
- بلاغة البساطة وبساطة البلاغة
- الأدب وروح الدعابة في روايتنا .
كتاب كتبت عنهم في
- كتاب " أدب العائدين "
- و في كتاب " قضايا وظواهر نقدية في الرواية الفلسطينية "
- وفي كتاب " أوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني
- وفي كتاب " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات "
- إميل حبيبي
- أحمد حرب
- أحمد رفيق عوض " مقامات العشاق والتجار "
- زكريا محمد " العين المعتمة "
- سامح خضر " يعدو بساق واحدة "
- سحر خليفة
- عيسى بشارة " مدينة البغي "
- غسان زقطان " عربة قديمة بستائر "
- ليانة بدر
- مايا أبو الحيات " لا أحد يعرف زمرة دمه "
- محمد أيوب" الكف تلاطم المخرز "
- يحيى يخلف " نهر يستحم في البحيرة "
كتاب لم أكتب عن رواياتهم :
- إبراهيم جوهر
- إبراهيم العلم " عينان على الكرمل "
- أحمد سليمان
- أديب رفيق محمود " الحصار " .
- أسماء ناصر أبو عياش " فدائي عتيق" .
- أماني الجنيدي
- المتوكل طه
- أسامة العيساوي (؟)
- أسامة مصاروة
- أسامة المغربي
- أنور حامد .
- إياد برغوثي
- إيمان الناطور
- إيناس عبدالله
- باسم الخندقجي
- توفيق وصفي / غزة .
- جمال بنورة
- جمال سلسع
- جمال القواسمي
- حافظ البرغوثي
- حسين البرغوثي
- حسين ياسين
- حليمة جوهر
- حنا إبراهيم
- خضر مححز
- دعاء زعبي
- ديمة السمان
- راوية بربارة
- ربحي الشويكي
- رجاء بكرية
- رجب عطا أبو سرية
- رفعت زيتون " أكثر من كورونا " .
- رفيف أبو غوش
- رولا غانم
- رياض بيدس
- زكي درويش
- زياد حواري / بنت من البنات
- سامية فارس " حارة السعدية "
- سعيد نفاع
- سليم خوري
- سميح مسعود " الكرملي " .
- سهاد عبد الهادي
- صافي اسماعيل صافي
- صونيا خضر
- عادل الأسطه
- عباس دويكات
- عبد الكريم السبعاوي / غزة - استراليا .
- عبلة الفاري
- عدنية شبلي
- عدوان عدوان
- عزام توفيق أبو السعود .
- عزمي بشارة . ( وطن / منفى ) .
- عصمت منصور
- علاء حليل
- عطالله منصور
- عفاف خلف
- فاضل يونس (؟)
- فرج حسيب المالكي
- كفاح عودة
- كلارا سروجي
- ماميلا ( عنوان رواية عن القدس لكاتبة )
- محمد البيتاوي
- محمد جوهر / فتاة الكرمل ١٩٩٤ عمان .
- محمد المشعطي
- محمد نصار
- محمد نفاع
- محمد هيبي
- محمد وتد
- محمود عباسي
- مزين يعقوب برقان
- مشهور البطران
- مصطفى عبد الفتاح
- موسى البيتاوي
- ميرفت جمعة / رواية ماميلا .
- ناجي الناجي (؟)
- ناصر رباح " منذ ساعة تقريبا " .
- نافذ الرفاعي
- نزهة الرملاوي
- نهاد خنفر " المعصرة "
- هاشم المصري ، البساطير و حكايا المدينة .
- هاني أبو غضيب " الجمر والرماد "
- هشام عبد الرازق " الشمس في معتقل النقب "
- هشام نفاع
- هيثم جابر
- وداد البرغوثي
- وليد أبو بكر
- وليد الهودلي
- يحيى الشعار / نابلس وموسكو يحيى نشأت الشعار
- يسرا الخطيب
- يوسف العيلة
بالعبرية
- انطون شماس
- سيد قشوع
كتاب " منار مخول " سيمنوغرافيا الهوية . روايات كثيرة

***

10- ( أفكار وموتيفات في الأدب الفلسطيني والعربي ) يافا في روايات فلسطينية وعربية :

ماذا لو تفحصنا الأدبيات الفلسطينية التي كتبت عن يافا من أبنائها أو من الفلسطينيين قبل وقوع النكبة ؟
هل هناك روايات صور فيها أصحابها المدينة قبل تهجير أهلها ؟
قبل سنوات أثرت السؤال نفسه وأنا أكتب عن عكا في ثلاث روايات صدرت في السنوات الأخيرة ، وذهبت إلى أن الكتابة عن المكان في الأدب الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ كانت شبه منعدمة ، وهناك أسباب عديدة منها ضعف الكتابة وندرتها ، ومنها انشغال أبرز أدباء فلسطين بالأحداث التي شهدتها بلادهم ، ومنها أنهم كانوا يقيمون في المكان ولم يكونوا يتوقعون أن يهجروا منه .
وذهبت إلى أن الكتابة عن المكان الفلسطيني قبل النكبة واستحضاره بدأت تزداد في أدبيات القرن الحادي والعشرين . صحيح أن الشعراء بعد ١٩٤٨ صاروا ، وهم في المنافي ، يتغنون بيافا وحيفا وعكا ، ولكن هذا ظل ضعيفا ويكاد يقتصر على الشعر ، أما في القصة القصيرة والرواية فيكاد يكون ضئيلا ولم تكن السيرة الذاتية ازدهرت بعد .
روى اللاجئون حكايتهم ولكنهم لم يكتبوها ، وبقي الأمر كذلك حتى ثلاثة عقود خلت ، فلم نقرأ الكثير عن حيفا ويافا وعكا فيما كتب ، وإن كنا نصغي إلى أهلنا يروون عن أيامهم في مدنهم ويصفون لنا أحياءها وشوارعها ومدارسها وجوامعها وميناءها ودور السينما فيها أيضا .
وأنا أتأمل الكتابات التي أتت على يافا أخذت أنظر في زمن كتابتها والزمن المسترحع فيها ووجدت أنني أمام زمنين ؛ الزمن الكتابي والزمن الروائي ، وأخذت أيضا أنظر في السارد من يكون . أهو يسرد عن حياته أم يعيد رواية ما رواه أبوه وجده ؟ هل عاش في المدينة أم سمع من الذين عاشوا فيها ؟ وهل اعتمد في كتابته على قص الآخرين أم أنه قرأ في الكتب عن المدينة ؟
أن ترى غير ما تسمع يقولون ، وفي السرد هناك السارد المشارك الذي يروي بمقدار ما يرى والسارد الذي يسمع فيعيد سرد ما سمع ، وثمة فارق بين الساردين .
أحمد عمر شاهين ولد في يافا وغادرها وهو شاب يافع ، وأما غيره من الكتاب فلم يقيموا فيها . زارها سميح القاسم في العام ١٩٦٦ فكتب تقريرا عنها لجريدة " الاتحاد " الحيفاوية ، وزارها راشد حسين فكتب عنها في العام ١٩٦٣ قصيدته " الحب والغيتو " ، وكان الزمن الكتابي لدى الشاعرين يتطابق مع الزمن النثري والشعري . لقد كتب الاثنان عما كانت عليه يافا في تلك الفترة ، ولم تكن كتابات كثيرين من الآخرين غيرهما كذلك ، فلقد صور الآخرون ما كانت عليه المدينة قبل العام ١٩٤٨ ويمكن ملاحظة الفارق بين الزمن الكتابي والروائي / الشعري بوضوح ، وهو فارق كبير جدا ، ولا شك بأن هذا يترك أثرا على الصورة . ( أنظر مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " يافا في ذكرى النكبة ، ٢١ / ٤ / ٢٠١٩ ومقالي عن قصة أكرم هنية " دروب جميلة " ٢٩ / ٤ / ٢٠٠٨ و ١٠ / ٤ / ٢٠٠٨ ) .
ماذا لو نظرنا في الزمن الروائي لروايات وفاء أبو شميس " من أجل عينيك الخضراوين " وسعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ( وكلتاهما ولدت بعد العام ١٩٤٨ لأسرة لاجئة هجرت من يافا ) وإلياس خوري " كأنها نائمة"و " أولاد الغيتو " ( وهو من مواليد بيروت في العام ١٩٤٨ ) وعاطف أبو سيف " حياة معلقة " و " الحاجة كريستينا " و " الجنة المقفلة " ( وهو من مواليد مخيم جباليا أحد مخيمات قطاع غزة في العام ١٩٧٣ ) وإبراهيم السعافين " ظلال القطمون " ( وهو من مواليد قرية الفالوجة في العام ١٩٤٢ ) ؟
لقد كتبت الأعمال المذكورة في ال ١٥ سنة الأخيرة ، ولكنها كلها تستحضر يافا قبل العام ١٩٤٨ .
وماذا لو قارنا صورة يافا في الأعمال نفسها بصورتها التي تبدو يافا عليها الآن ؟
هناك تغيرات كبيرة جدا طرأت على المكان . أحياء عديدة سويت بالأرض ومطاعم ومقاه ودور سينما وصيدليات وجوامع صارت أثرا بعد عين . أين هو حي المنشية وحي العجمي وحي النزهة الذين ذكروا في الروايات وكتب عن مقاهيها ومدارسها ومشافيها ومتاجرها ؟ كيف كانت وكيف أصبحت ؟
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ كان أبي يزور بيتهم في حي النزهة ويشرب القهوة مع سكانه اليهود وفي ثمانينيات القرن ٢٠ ذهب ليزوره فلم يجده ووجد مكانه محطة بنزين ، وحدث مثل هذا الكثير ، وقد لخص راشد حسين هذه التحولات في قصيدته :
" كانت مدينة مهنتها تصدير برتقال ... وصارت مدينة مهنتها تصدير لاجئين " وصارت طرقها عجافا حبلى بالذباب والضجر و " قلبها صامت ... أغلقه حجر " . المدينة التي رضع من أثدائها حليب البرتقال تعطش " ذراعها شلت وظهرها انكسر وقد مسخت محششة توزع الخدر " . إنه يكتب عن يافا في زمنين .
وفاء أبو شميس التي تكتب عن انتصار اللاجئة ومخيمها في علاقته بنابلس ، حتى لتبدو الرواية سيرة لانتصار ومخيمها ، تستحضر يافا من خلال ما قصه الآباء والأجداد عنها ، فتكتب ما لا يقل عن ٢٠ صفحة عن حلم العودة إلى " يافا عروس فلسطين وقلبها النابض " . تكتب عن التعليم والمدارس وتورد أغنية فيروز وجوزيف نصري " أذكر يوما كنت بيافا " وتأتي على زيارة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري للمدينة وقصيدته فيها وتوردها كاملة . زمن النشر لرواية وفاء هو ٢٠١٦ وزمنها الروائي يعود إلى ما بعد ١٩٤٨ حتى ٧٠ ق ٢٠ وتستحضر صورة يافا قبل النكبة .
تبني سعاد العامري روايتها على مقابلات شخصية أجرتها سنة ٢٠١٨ مع " صبحي ( ٨٨ عاما ) المقيم الآن في عمان ، وشمس ( ٨٥ عاما )المقيمة في يافا " وفيها تقص عن يافا قبل النكبة بعام وتكتب تحت عناوين مثل بيارات يافا ويافا أم الغريب وستوديو صابونجيان ومقهى التيوس ومقهى المثقفين وفي الكرخانة وموسم النبي روبين وصباح الجمعة : احتفالات الكسوة من يافا إلى النبي روبين " مدينة هائجة مائجة " وبعد أن تصف المدينة قبل سقوطها تأتي على ما ألم بها تحت الاحتلال الإسرائيلي وكيف أصبحت غيتو . زمن السرد هو ٢٠١٨ وزمن الكتابة هو ٢٠٢٠ والزمن الروائي أكثره هو ما بين ١٩٤٧ و ١٩٥١ ويمتد إلى الحاضر في قفزة زمنية كبيرة جدا / فجوة من ١٩٥١ إلى ١٩٨٨ .
هل اختلف الزمن في روايات خوري وأبو سيف و السعافين ؟
وأنا أكتب عن الفلسطيني في الرواية العربية توقفت أمام رواية إلياس خوري " كأنها نائمة " ٢٠٠٧ وكتبت تحت عنوان " مرايا يافا " ، فقد أتت الرواية العائد زمنها الروائي إلى ما قبل ١٩٤٨ وبعده بقليل على المدينة ( راجع كتابي من ص ١٩٤ إلى ٢٠٨ ) .
يكتب إلياس عن يافا في لحظة غروبها ، فالمرأة البيروتية التي جاءت لتعيش في يافا رأت فيها غير ما رأته في بيروت " رائحة زهر الليمون ومشهد المنازل الفسيحة والخوف " . ويافا مدينة العطر كما سماها الناس نمت على كتفها مدينة جديدة تسعى إلى ابتلاعها تدعى تل أبيب ، يافا مدينة نساؤها قويات متسلطات يحب أهلها الحياة ولهذا ينفقون في كل عام شهرا في خيام روبين حيث يستعدون لاستقبال الخريف . " يا روبني يا طلقني " تخاطب المرأة زوجها .
عاد إلياس ليكتب عن يافا في الجزء الثاني من ثلاثيته " أولاد الغيتو " " نجمة البحر " . أقام آدم في فترة من حياته " بتل أبيب - يافو ( هكذا صار اسم فيحاء فلسطين بعد طرد سكانها منها وإلحاقها ببلدية تل أبيب )" . وعندما يمارس آدم الحب في يافا مع صديقته دالية يمارسه على قمة الصخرة المدببة
ويشعر أنه يقف في المكان " الذي قيل إنه يحمل آثار قدمي آدم بعد هبوطه من الجنة .
" أنظري إلى آثار الأقدمين . هبط آدم من الجنة العلوية فوجد نفسه في يافا " . " هكذا يؤسطر إلياس المدينة .
إن موسم روبين الذي أشار إليه تتكرر الكتابة عنه في روايات عديدة : في رواية أبو شميس ونوال حلاوة " الست زبيدة " وأفاضت الثانية في الكتابة عن مسقط رأسها وحي النزهة فيها والمواسم الشعبية وطفولتها . إن لروايتها عموما قيمة توثيقية أكبر بكثير من قيمتها الأدبية .
يسترجع رشاد أبو شاور في " وداعا يا زكرين " ٢٠١٦ مشهد زيارة أبيه وأمه يافا قبل ١٩٤٨ ، يوم كان طفلا ، لمعالجته هناك . يافا كانت مركزا يؤمه أهل الريف للعلاج وكانت أيضا مركزا للنشاط السياسي ، ففيها يلتقي محمود والد رشاد برفاق الحزب الشيوعي ، وفي يافا يتعرف على السينما ويشاهد الأفلام ، وتروق المدينة لزوجته التي تدهشها بيوت الخليل قياسا لبيوت زكرين ، فيعقب
" - سترين بيوت يافا .. يافا عروس البحر ... الله الله على يافا " .
وتندهش زينب حين ترى نساء يافا وتفتحهن وتحررهن " تنحسر أثوابهن عن أرجلهن ، ولا أغطية على رؤوسهن ، وأعناقهن مكشوفة على الصدور ، وشعرهن يتطاير في الهواء " ، وفي غرفة الفندق تقف على الشباك سارحة في منظر البحر ، فتراه قطعة من الجنة ، وتعرف سبب تردد محمود على يافا وتفضيله الحياة فيها :
" - آخ ، يا زينب آخ ! ما أحلى الحياة في يافا ! كان نفسي أدخلك إلى السينما حتى تتفرجي على محمد عبد الوهاب وهو يغني ، والنساء يرقصن حواليه في سينما الحمرا ، ... " وتكتشف زينب بعد أن رأت يافا والناس الآتي :
" - محمود ، إحنا مش عايشين " .
عاطف ابوسيف الذي هجر أهله من يافا وولد في أحد مخيمات غزة عرف يافا من حكايات اللاجئين ولم يكتف بذلك ، فقد زار أقاربه الباقين هناك وعاش بينهم فترة . كتب عاطف في غير رواية عن يافا ؛ في " حياة معلقة " التي هي رواية مخيم بالدرجة الأولى ، وكتب في " الحاجة كريستينا " وفي " الجنة المقفلة " ، وقد أنجزها كلها بعد العام ٢٠١٥ .
في صفحات عديدة من الأولى نقرأ عن يافا المدينة التي صار أهلها يطلقون اسمها على مواليدهم من الإناث ، وإحدى الشخصيات الرئيسة فيها اسمها يافا . تتمنى بعض شخصيات الرواية لو أنها عاشت في يافا ويظل اللاجئون يحلمون بالعودة إليها ويتذكرون أيامهم فيها وأسماء شوارعها وأحيائها وقصص حبهم هناك ، بل والتحاقهم بالمقاومة وتهريب السلاح للثوار . برعت الجدة في سرد القصص عن " مدينة ناهضة تشهد تطورا وإعمارا وازدهارا وتجارة واعدة " وفجأة صار أهلها لاجئين .
تحضر يافا أكثر وأكثر في " الحاجة كريستينا " ففضة / كريستينا ولدت في يافا في ١٩٣٦ ، وذهبت إلى لندن للعلاج ولما حدثت النكبة لم تعد . استقرت هناك حتى توفي صديق والدها الإنجليزي الذي تبناها ، ولما مات تخلت أختاه عنها فعادت إلى غزة .
نقرأ في الرواية فصلا عنوانه " الحياة في يافا " ( من صفحة ٥٥ إلى ٨٩ ) وفيه استفاضة عن الحياة هناك ؛ عن الصحف والمقاهي والشوارع وجمال الحياة " في يافا تبدو الحياة أحلى وألذ مما يمكن وصفه " " كان شارع بسترس في يافا يعج بالحركة ... كانت يافا أم الغريب ، فلكل غريب مكان في يافا يسكن يتزوج يعمل يبني بيتا...الأطباء يأتون ليافا للعمل فيها... " ، ومع أن قسما من أهلها أقاموا في غزة على شاطيء البحر إلا أنهم ظلوا يقولون " هادا بحر وبحر يافا بحر " .
في " الجنة المقفلة " في الصفحات ( ١١٩ إلى ١٢٥ ) تحت عنوان " الأب " يروي السارد عن علاقة الزوجين في يافا في فترة خطوبتهما : البيت في حي النزهة والتمشي في شوارع المدينة والذهاب إلى السينما والأفلام التي شاهداها . كانت الحياة مضيئة أما الآن في المخيم وبعد موت الزوج " لم يعد من تجلس معه لتتذكر تلك الأماسي في السينما في يافا ولا من تغني له أغنيات عبد الوهاب ولا ليلى مراد " . يافا هي الجنة وفقدانها هو فقدان الفردوس .
في " وريث يافا " ٢٠١٨ يختار المتوكل شخصية رجل كبير مصاب بالزهايمر ، ويتذكر هذا أيام الطفولة التي قضاها في يافا ، فيصف يافا كما كانت عليه قبل ١٩٤٨ . إننا أمام زمنين ؛ زمن القص / التذكر والزمن المسترجع ، والمعروف عن المصابين بالزهايمر أنهم ينسون ما جرى معهن في الزمن القريب فيما يتذكرون الأحداث والأماكن التي مروا بها في طفولتهم بحذافيرها . هكذا يقص أبو صبحي عن يافا قبل ١٩٤٨ بعد خمسين عاما من الهجرة منها .
تحضر يافا في رواية إبراهيم السعافين " ظلال القطمون " ٢٠٢٠ ، ولكنها تكتب عن يافا في زمن غروب مجدها واحتلالها وسقوط أحيائها وضياعها وتشرد أهلها . تأتي الرواية على زمن يافا العامر حيث الصحافة والمدارس والسينما والازدهار التجاري ، فتذكر أسماء الشوارع والأحياء ودور السينما والصحف وتصف ما تعرضت له من هجمات في ١٩٤٨ . إنها في ذلك لا تختلف عن مجمل الأعمال السابقة من قصة " دروب جميلة " ٢٠٠٧ حتى " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " ٢٠٢٠ ، واللافت أن هذه الأعمال معظمها لم تصف المدينة في ٥٠ و٦٠ و ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ ، وهنا يأتي السؤال :
- ماذا لو هييء ليافا كاتب روائي من أبنائها ممن بقي في النصف الثاني من القرن ٢٠ مقيما فيها ؟
من المؤكد أن صورتها في هذه السنوات ستكون مختلفة تماما عن صورتها قبل العام ١٩٤٨ ؛ الصورة التي ظهرت في الروايات التي أشرت إليها .
الموضوع ما زال بحاجة إلى مساءلة !!
( ملاحظات :
عرفت أن أيمن السكسك من يافا كتب باللغة العبرية رواية عن يافا في ٢٠١٠ ونقلت في مصر إلى العربية في ٢٠١٤ ولم أحصل عليها .
أصدر مؤخرا عبد القادر السطل المقيم في يافا رواية " عاشق البيارة " وصدرت عن الدار الأهلية في الأردن ولم أحصل عليها ، ولعبد القادر كتاب مصور عن يافا يعرف بها .
- لفت نظري الكاتب توفيق فياض Tawfik Fayad إلى رواية دعاء زعبي الخطيب " جوبلين بحري " إذ تجري بعض أحداثها في يافا . جزيل الشكر )
المصادر :
١ - أحمد العارضة ، خلل طفيف في السفرجل ، ٢٠٢٢ .
٢ - أحمد فضيض ، صباح الخير يا يافا . لم أحصل عليها .
٣ - أسماء ناصر أبو عياش ، يافا أم الغريب ، ٢٠١٩ .
٤ - أكرم هنية ، دروب جميلة ، ٢٠٠٧ .
٥ - أنور حامد ، يافا تعد قهوة الصباح ، ٢٠١٣ .
٦ - إبراهيم السعافين ، ظلال القطمون ، ٢٠٢٠ . د. إبراهيم السعافين
٧ - إلياس خوري ، أولاد الغيتو : نجمة البحر ٢٠١٨ و كأنها نائمة ٢٠٠٥ . Khoury Elias
٨ - أيمن السكسك ، إلى يافا ، ٢٠١٠ بالعبرية .
٩ - باسم الخندقجي ، أنفاس امرأة مخذولة ، ٢٠٢٠ .
١٠ - جميل السلحوت ، أميرة ، ٢٠١٥ ( تأتي بإيجاز على يافا وتقص عن القدس أكثر وعن ريف يافا - بيت دجن ) جميل السلحوت
١١ - راشد حسين ، الحب والغيتو ، ١٩٦٤ كمال حسين اغبارية
١٢ - رشاد ابوشاور ، وداعا يا زكرين ، ٢٠١٦ .
١٣ - سعاد العامري ، بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ، ٢٠٢٠ والترجمة العربية ٢٠٢٢ .
١٤ - سميح القاسم ، إنها مجرد منفضة ، ٢٠١١ . نبيه القاسم
١٥ - سمير إسحق ، الجرح وطريق العودة والطريق إلى يافا . طبعت الأولى قبل ٨ سنوات والثانية قبل عام ولم أطلع عليهما . Samir Ishaq والكاتب من مواليد يافا وكتب عنها من مرويات أبوه عنها فهو يقيم في الأردن لا في يافا .
١٦ - عاطف ابوسيف ، حياة معلقة ، ٢٠١٥ والحاجة كريستينا ، ٢٠١٦ والجنة المقفلة ، ٢٠٢١ .
١٧ - عبد القادر السطل ، عاشق البيارة ، ٢٠٢٣ . Abed Elkader Satel
١٨ - غسان كنفاني ، عائد إلى حيفا ، ١٩٦٩ .
١٩ - المتوكل طه نزال ، وريث يافا ، ٢٠١٨ . Mutawakel Taha Nazzal
٢٠ - نوال حلاوة ، الست زبيدة ، ٢٠١٥ . Subhi Qahawish
٢١ - وفاء أبو شميس ، من أجل عينيك الخضراوين ، ٢٠١٦ .
Wafa Abushmais
٢٢ - يحيى يخلف ، راكب الريح ، ٢٠١٦ .
٢١ و ٢٢ و ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٣ .
من الأحد حتى الجمعة .

***

11- عاطف أبو سيف في جنته المقفلة: بنيلوب الفلسطينية وغودو الفلسطيني

وأنت تقرأ رواية عاطف أبو سيف الأخيرة «الجنة المقفلة»(٢٠٢١) تربط بين فكرتها وفكرة الانتظار في الأدب العالمي والفلسطيني. وتمتحن مقولتين؛ نفسية يرددها (يونغ) هي أن الأعمال الأدبية ليست سوى صدى لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر، وبنيوية ترى أن الأفكار والثنائيات في الأدب محدودة وأن هناك صلة بين الأعمال الأدبية، ولا تغيب عن أذهاننا مقولة شاعر عربي «ما أرانا نقول إلا معاداً مكروراً».
طبعاً يجب ألا تغيب عن أذهاننا مقولة (غوتة) عن الأدباء والأفكار التي يكتبونها «ليس الأدباء الكبار كباراً لأنهم أتوا بأشياء جديدة، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أظهروا الأشياء كما لو أنها تكتب لأول مرة».
شتات العائلة منذ نكبة ١٩٤٨ والتقاؤها في حزيران ١٩٦٧. ثم تشتتها وعيشها على أمل اللقاء ولمة العائلة حول طاولة طعام. وأمل العودة إلى يافا وحيفا فكرة محورية في الأدب الفلسطيني خاض فيها فلسطينيون كثر، ولأنها فكرة قديمة يورثها الآباء للأبناء فإنها تتخذ أشكالاً جديدة. إنها ما زالت ذات حضور لافت، وكلما تعقد الوضع الفلسطيني واتسع المنفى وجدت طريقها إلى النصوص الأدبية. وهو ما نلحظه في رواية أبو سيف المكتوبة بأسلوب ممتع، فتبدو لنا الكتابة كما لو أنها مكتوبة لأول مرة.
في «الجنة المقفلة» تتساءل إن كانت الفلسطينية في انتظارها أبناءها تمت بصلة لـ (بنيلوب) و(سيزيف) في الأسطورة الاغريقية وإلى (غودو) في المسرح المعاصر. وكذلك ابنها عبد العزيز / كابوتشي الذي يواصل حلم أمه فينتظر كما (غودو) في مسرحية (صموئيل بيكيت) «في انتظار غودو» ويواصل أيضاً فعلاً سيزيفياً.
كانت الأم تنتظر عودة أبنائها وفي كل عام تعد الطاولة والطعام وتفرد الشرشف على الطاولة ليلتم الأبناء، ثم لا يأتون، فتوزع الطعام على الجيران وتطوي الشرشف وتضعه في الخزانة لكي تفرده في العام القادم. تنتظر عودة أبنائها كما تنتظر (بنيلوب) حبيبها، وتفرد الشرشف وتضبه كما يرفع (سيزيف) الصخرة إلى أعلى الجبل لتلقي بها الآلهة أسفل الوادي، وتنتظر وتموت دون أن يعودوا.
بدأ الشتات الفلسطيني في الخروج الرهيب في ١٩٤٨ واتسعت رقعته في ١٩٦٧ وأخذ يزداد أكثر وأكثر منذ انتفاضة ١٩٨٧ واتفاقات أوسلو ١٩٩٣ ووصل ذروته في العام ٢٠٠٠ ومحاصرة قطاع غزة منذ ٢٠٠٧ وهو الآن هناك في غزة - وعنها يكتب أبو سيف في رواياته الأربعة الأخيرة - وصل حدا لا يطاق حتى ليمكن القول إن غزة وما يعيشه أهلها عار البشرية جمعاء.
وأنت تقرأ «الجنة المقفلة» تتذكر سميرة عزام ومحمود درويش واميل حبيبي وربعي المدهون. ولسوف أكتفي بهذه الأسماء للكتابة عن فكرة الانتظار والشتات منذ ١٩٤٨.
لسميرة قصة عنوانها «عام آخر» تأتي فيها على شتات العائلة ولقائها مرة في العام في بوابة مندلباوم. تأتي الأم المقيمة في بيروت لترى ابنتها المقيمة في الناصرة وتعود من حيث أتت دون أن يتم اللقاء، فثمة ما حال دون مجيء الابنة؛ مرض الزوج مرة ومرة الولادة ولا تثبط عزيمة الأم. إذ تخبر معارف ابنتها أنها ستعود «إذا عشت عاماً آخر فسآتي إليها زاحفة على قدمي.. وإذا عاجلتني رحمة الله.. فلن أموت إلا بحسرتين حسرة بلدي، وحسرة ماري وقبلة على خدها».
ولدرويش قصيدة «في انتظار العائدين» يقول فيها:
«ماذا طبخت لنا؟ فإنا عائدون
...... إنا عائدون
خطوات أحبابي أنين الصخر تحت يد الحديد
وأنا مع الأمطار ساهد»
وكان وظف مبكراً أسطورة (بنيلوب).
وتقوم «سداسية الأيام الستة» لحبيبي على فكرة شتات العائلة بعد النكبة ولقائها بعد الهزيمة وتظل أم الروبابيكا في حيفا تنتظر العائدين. لقد صدر الكاتب قصته بمقطع أغنية فيروزية هو:
«بالإيمان.. راجعون/ للأوطان.. راجعون/ راجعون، راجعون/ راجعون»
وفكرة الشتات والعودة والانتظار واللقاء حاضرة أيضا في «المتشائل».
أما ربعي في «طعم الفراق» فقد غادر غزة قبل ١٩٦٧ ولم يزرها إلا إثر اتفاقات أوسلو، وخلال ثلاثين عاما لم ير أمه إلا مرة واحدة حين زارت أخاه راسم في الشام، واستقر به المقام في لندن يحمل جواز سفر بريطانياً، وما تحقق له لم يتحقق للابن الأكبر في رواية أبو سيف، فسلطات الاحتلال التي أبعدته بعد حزيران ١٩٦٧ لم تمنحه تصريح زيارة إطلاقاً ولم تسمح لأمه. في الوقت نفسه، بالسفر، وأما ابنها الأصغر فقد استقر في يوغوسلافيا وحصل على جواز سفرها. وهكذا لا يجتمع أفراد العائلة التي ظلت الأم فيها تنتظر وتمارس سنوياً فعلاً سيزيفياً، وواصل ابنها كابوتشي سلوكها ولكن الجنة كانت مقفلة. وما زالت غزة جنة مقفلة.



الكاتب: عادل الأسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...