أسعد سليم - عندما تكتب وسائل التواصل الاجتماعي التاريخ!

أثار ظهور المشجع الكونغولي ميشل كاكا، بوقفته الشهيرة وسط الجماهير خلال مباريات كأس الأمم الأفريقية المقامة بالمغرب، اهتماماً واسعاً، حيث تعرف الجميع من خلالها تقريباً على قصة المناضل الكونغولي الكبير باتريس لومومبا، زعيم حركة التحرر الوطني في الكونغو. كان لومومبا ضحية انقلاب قاده القائد العسكري جوزيف موبوتو سيسكو، بدعم من الاستعمار الغربي، وخاصة بلجيكا التي كانت تستعمر الكونغو آنذاك. وبعد الانقلاب، قامت بلجيكا بقتل لومومبا وإذابة جثته في الحمض لإخفائها تماماً.

وما تردد بعد ذلك على نطاق واسع في المواقع والمنصات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، هو أن الفريق سعد الدين الشاذلي كان قد أنقذ أسرة الزعيم الراحل لومومبا وأوصلهم إلى مصر. لكن هل لعب الشاذلي هذا الدور فعلياً في الواقع التاريخي، أم أنه مجرد رواية انتشرت على صفحات السوشيال ميديا؟ دعونا نتابع الرحلة التاريخية لنصل إلى حقائق موثقة يمكن الاعتماد عليها.

لم يشر الشاذلي نفسه إلى هذه الواقعة مطلقاً، لا في مذكراته الشهيرة ولا في لقاءاته التلفزيونية العديدة. كل ما ذكره في هذا السياق هو أنه أُُرسل إلى الكونغو عام 1960 على رأس كتيبة تابعة لقوات الأمم المتحدة، وكان برتبة عقيد. بلغ تعداد الكتيبة حوالي 500 فرد، ثلثاها مصريون والثلث الآخر سوريون، نظراً لأن مصر وسوريا كانتا متحدتين آنذاك تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة. تمركزت الكتيبة في أقصى الشمال الغربي للكونغو، في منطقة بعيدة تماماً عن مركز الأحداث، وتبعد عن العاصمة ليوبولدفيل (كينشاسا حالياً) حوالي ألف كيلومتر.

في الوقت نفسه، أرسل الرئيس جمال عبد الناصر العميد أحمد إسماعيل (الذي أصبح لاحقاً المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية خلال حرب أكتوبر 1973 المجيدة) إلى الكونغو لتدريب الجيش الكونغولي إلا أن موبوتو نفذ انقلابه على لومومبا فور وصول إسماعيل، بدعم غربي وبلجيكي. تطورت الأحداث حين حاول إسماعيل فرض رأيه على الشاذلي استناداً إلى أقدميته العسكرية، لكن الشاذلي رفض بحجة أنه تابع لقوات الأمم المتحدة ولا يمكنه تلقي أوامر من قائد مصري. تفاقم الخلاف بينهما إلى حد كاد يصل إلى اشتباك بالأيدي، كما روى الشاذلي نفسه، لكنه انتهى بسلام. وترك هذا الخلاف أثراً سلبياً على علاقتهما لاحقاً أثناء عملهما معاً في قيادة حرب أكتوبر 1973

في شهادته التفصيلية فى برنامج “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة مع المذيع أحمد منصور، شرح الشاذلي مهمته في الكونغو بشكل أوسع، قائلاً إنه أرسل حوالي 200 جندي من كتيبته للمرابطة فى مطار الكونغو بعد مقتل لومومبا. لكنه لم يذكر أي شيء عن إنقاذ عائلة لومومبا.

أما في كتاب "مشير النصر"، مذكرات المشير أحمد إسماعيل والذى صدر بعد وفاته بحوالي أربعين عاماً، فلم يذكر إسماعيل نفسه شيئاً عن تواجده في الكونغو. غير أن محرر الكتاب، الصحفي مجدي الجلاد، أشار في مقدمته إلى الواقعة، مؤكداً أن أحمد إسماعيل هو من أنقذ أسرة لومومبا (زوجته وأطفالها الثلاثة) بإلحاقهم بجواز سفر المستشار الثقافي بالسفارة المصرية عبد العزيز إسحاق، على أنهم زوجته وأبناؤه. وتم تحديد يوم السفر ليوافق يوم حراسة الكتيبة السودانية للمطار، مما سهل هروبهم، ليصلوا إلى القاهرة سالمين وينجوا من مصير لومومبا.

هنا تظهر رواية جديدة تنسب الإنقاذ إلى إسماعيل، مخالفة للرواية الشائعة عن دور الشاذلي. فأي الروايتين نصدق؟

في مذكرات السفير والوزير مراد غالب، بعنوان "مع عبد الناصر والسادات: سنوات الانتصار وأيام المحن"، يخصص فصلاً كاملاً لقصة الكونغو، حيث كان سفيراً لمصر هناك خلال تلك السنوات الحاسمة. يؤكد غالب على الخلاف بين الشاذلي وإسماعيل، وعدم امتثال الشاذلي لأوامر إسماعيل، مما دفع مصر إلى إرسال شمس بدران من مكتب عبد الحكيم عامر لتهدئة الأوضاع.

ويقول غالب إن لومومبا طلب منه شخصياً تهريب زوجته وأطفاله إلى مصر. بعد الحصول على موافقة عبد الناصر، بدأ الإعداد للعملية. يروي غالب نصاً: "وعندما بدأنا الإعداد لتهريب عائلة لومومبا، كونت لجنة يرأسها العميد أحمد إسماعيل، وكان رجلاً عسكرياً منضبطاً للغاية، وبعض ضباط الكوماندوز المصريين من فرقة الصاعقة، كانوا مكلفين بتشغيل محطة اتصال لاسلكي قوية مع مصر، ومعهم عساكر مصريون. وبدأت اللجنة في رسم خطة الهروب، وفكرنا في الدور الذي يقوم به عبد العزيز إسحاق - المستشار بالسفارة المصرية - وهو أشقر الشعر، ملامحه أقرب إلى الأوروبيين، وسجلنا في جواز سفره معلومة غير صحيحة بأنه متزوج من سيدة كونغولية. واستندت الخطة إلى الانتظار لحين مجيء دور الكتيبة السودانية في قوات الأمم المتحدة في السيطرة على المطار. وجاء اليوم المحدد، وذهب عبد العزيز إسحاق للسفر إلى القاهرة ومعه عائلة لومومبا باعتبار أنها عائلته هو. كنا نعرف أن المخابرات البلجيكية منتشرة في مطار ليوبولدفيل. وكانت التعليمات لعبد العزيز إسحاق، أن يتجاهل النداء الأول والثاني والثالث الذي يطلب من الركاب الصعود إلى الطائرة المسافرة إلى لشبونة. ولا يظهر إلا قبل إقلاعها بثوانٍ مع عائلته، ويجري معهم ليلحق بالطائرة في آخر ثوانٍ لها قبل الإقلاع، بحيث يكون العاملون في المطار في موقف يجعلهم يساعدون هذه العائلة على دخول الطائرة، واتخاذ أماكنهم فيها. وحدث هذا فعلاً حسب الخطة الموضوعة وركبوا الطائرة، ووصلوا إلى القاهرة، ووجدوا في استقبالهم احتفالاً كبيراً في مصر، يقابله غضب عارم في الكونغو من المخابرات البلجيكية والغربية ومن المسؤولين في المطار. وبدأ رد الفعل يتخذ شكل عمليات تحرش بالسفارة المصرية وفرض إجراءات من الرقابة المشددة عليها وبلغت التحرشات حد ضرب السفارة بالمدفعية.

تكشف رواية غالب جانباً جديداً من القصة، وتبدو أقرب إلى الصحة والمنطق والعقل.

أما في كتاب "عبد الناصر والثورة الأفريقية" للوزير السابق محمد فائق، وزير الإرشاد في عهد ناصر والمسؤول عن الشؤون الأفريقية، فيخصص الفصل الخامس كاملاً لأزمة الكونغو بعنوان “عبد الناصر وأزمة الكونغو”. يقدم شرحاً وافياً مفصلاً للأزمة من بدايتها إلى نهايتها، لكن ما يهمنا هنا هو ما قاله عن إنقاذ أسرة لومومبا: "ولم ينس عبد الناصر أن يطلب إبلاغ لومومبا بأن القاهرة ترحب بأولاده وعائلته في أي وقت يراه وأنهم سيكونون تحت رعايته شخصياً. فقد كان عبد الناصر مدركاً للخطر الذي تتعرض له حياة لومومبا وأراد بهذه الدعوة أن يحرر لومومبا من عبء القلق على مصير عائلته. وقد حضر أولاد لومومبا وزوجته بالفعل إلى القاهرة ولكن بعد فترة وبعد أن ساءت الأحوال حتى أننا اضطررنا إلى تهريبهم بمساعدة السفارة المصرية في ليوبولدفيل وبصحبة أحد الدبلوماسيين المصريين (المرحوم عبد العزيز إسحاق) وبجوازات سفر مصرية على أنهم أبناء هذا الدبلوماسي. وأدخل أولاد لومومبا المدارس المصرية واستمروا تحت رعاية جمال عبد الناصر وعلى صلة مستمرة بعائلته". لم يذكر فائق تفاصيل إضافية عن العملية ولم يشر إلى الشاذلي أو إسماعيل.

من جهة أخرى، يروي الصحفي الكبير سعيد الشحات أنه خلال جلسة مع أولاد الزعيم لومومبا، الذين تربوا مع أسرة عبد الناصر، وبحضور الدكتور خالد عبد الناصر، قاموا بالاتصال بالفريق الشاذلي. وروى الشاذلي نصاً، حسب مقال الشحات: وعلى الرغم من ذلك كنا نقوم ببعض الأشياء التي تصب في مصلحة الهدف الذي نقوم به، صحيح أنا كنت تابعاً للأمم المتحدة رسمياً، لكن أنا مصري ولا أنسى مصريتي.. فقمت بدوري الذي يمكن تلخيصه في إنقاذ أطفال لومومبا. وكل ما أستطيع قوله إنني قمت بدوري وزرتهم في منزل عبد العزيز إسحاق، كما زارني ابنه الأكبر أيام كنت في الجزائر.. ولولا وجودنا في الكونغو ما تمت عملية التهريب". لم يذكر الشاذلي في هذا الحديث الهاتفي سوى هذه الكلمات، التي تلخص دوره بزيارة الأطفال في منزل المستشار عبد العزيز إسحاق.

إذا قمت ببحث على شبكة الإنترنت، ستجد أن الرواية السائدة والمهيمنة هي أن الشاذلي هو من أنقذ أسرة لومومبا، ويتناقلها رواد وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة حتى تحولت إلى حقيقة مطلقة، بفضل لعبة الخوارزميات وحجم الانتشار.

يُعد ذلك مثالاً بسيطاً على كيفية كتابة التاريخ في عصرنا الحالي. أعلم أن البعض يميل إلى تمجيد دور الفريق الشاذلي وتعظيمه بسبب معارضته للرئيس أنور السادات، وهو ما يحاول استغلاله آخرون لأغراض شخصية. والشاذلي نفسه بطل عسكري عظيم بما فعله في حرب أكتوبر، ولا يحتاج إلى إضافة بطولات زائفة تنقص من قدره بدلاً من أن تزيده. على النقيض، يستغل البعض غياب المشير أحمد إسماعيل بسبب وفاته المبكرة عام 1974، وقربه من السادات، للانتقاص من دوره في حرب أكتوبر وما قبلها.

وبين مستغل يضفي بطولات زائفة، ومنتقص يلغي أدواراً حاسمة، تتوه الحقائق ويشوه التاريخ. لم يعد التاريخ يكتبه المنتصرون، بل أصبحت تؤكده الخوارزميات المضللة والمنشورات الزائفة.



أسعد سليم
التفاعلات: نزار حسين راشد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...