كاظم حسوني - التشكيل البصري والدرامي في (حفنةُ دولاراتٍ مُلطخَّة بالدم) للشاعر : رضا المحمداوي

تكشف قصائد الشاعر رضا المحمداوي في ديوانه الجديد (حفنة ُ دولارات ٍ مُلطخَّة بالدم) عن أفق كتابة قصيدة النثر التي تمتاز بإيقاع سردي منضبط وحساسية خاصة، فيها تجلٍّ للواقع بكل فوضويته وخرابه ودمويته.. وعند محاولة تقصي المستوى الدلالي، و استنطاق وكشف طريقة تشكيل المستويات التركيبية والبنائية لنسيج الخطاب الشعري لقصائد رضا المحمداوي، تتمثل لنا حسية شاعر يمتلك همًّا شخصيًّا واجتماعيًّا في آن واحد باقتحامه لمسرح الحياة بأدوات الشاعر الحديث الذي يتقن لعبة الكتابة الشعرية، ليحقق التحامًا بين الذات والآخر حد ان يصل أحيانا الى درجة التماهي بتعامله مع الاشياء من زاوية حسية عميقة، فكل الاشياء والموجودات لها ملمسها الحقيقي لديه، لذا فهو لا يميل الى التجريد والذهنية والتفلسف، وليس معنى ذلك انه شاعر غنائي، انما عمد الى صنع تجربته الشعرية من مواد وخامات عينية ملومسة، من أفعال وحركات وصور ومشاهد، تنتمي أغلبها الى احداث وتقلبات الواقع العراقي بكل تداعياته وتشظياته .
أبحث ُ عن وجهي
بين وجوه الضائعين
وأمحو كل ما كتبوا على الحيطان
لأرسمَ صورتي
وفي عنقي ثمة طائرٌ
مازال يردّدُ بقايا نشيد
موطني..
في أغلب قصائده يحمل شاعرنا في داخله شخصية المحتج، المتمرد، وهو يقترب ويتوغل في أعماق الحياة اليومية وهمومها، فنصوصهُ ذات البنية المتداخلة المشدودة بتوتر، تبدو عند استنطاق معانيها الشعرية ودلالاتها، تمتلك بعض ملامح النص الدرامي الشعري، في معانيه، في سياق البناء وتشكلاته المعمارية، وكأننا نلمح خلفها الايقاع والجزالة والانزياح صوب ضفة الدراما بعفوية لها رنينها الخاص. فنجدُ دائمًا ،وخاصة في نصوصه الطويلة، نسبيًا مستوًى من التعبير والبوح والمكاشفة إقترابًا أشبه بلون نسق السرديات النثرية الدرامية والمسرحية، وهو يرسم تشكيلاته وصوره. وليس ثمة غرابة خاصة وان الشاعر رضا المحمداوي فنان وكاتب ومخرج معروف، ولا يمكن النظر اليه بمعزل عن عمله وثقافته ومرجعيته المتجذرة في وعيه الخاص في مجال الدراما ..
انتبهوا لوجعي وأنا بينكم
فأيامي قادمة
بالألق والحنين
تصاعد بي شهقة
لن ترتوي
وتشدني إلى عبث
لا يستكين
رقبة.. وسكين
وبينهما دم عراقي نبيل..
هذا مقطع من نص طويل، لعله يشي بما ذهبنا اليه في رصد الحركة الداخلية بعين الشاعر والمخرج، التي تعتمد غالبا على فعل درامي متنامٍ يمتلك مقومات السردية الخاصة، ينتظمها بدقة وعي الشاعر والفنان وهو يخاطب القارئ، لتتجلى قدرة قصيدته على التجسيد والتأثير في المتلقي.
ولهذا السبب وغيره إمتلك الشاعر رضا المحمدواي خصوصيته بين حشد الاصوات الشعرية الكثيرة من خلال الشدّ الدرامي والخلق الابداعي سعيًا لتقطير وايصال المعنى للمتلقي عبر التشكيل البصري والحسي والطاقة الحركية في سياق البناء الشعري الخاص به الذي تجسَّد أكثر في هذه المجموعة الشعرية (حفنة دولارات ملطخة بالدم) التي صدرت له مؤخراً .


* القاص والناقد : كاظم حسوني



نشرتْ بالصفحة الثقافية لجريدة (الصباح)















تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...