د. نجاح إبراهيم - تلك الطقوسُ المقدّسة، المربكة..

لشدّ ما فكرتُ وأنا أقرأ روايةً ، أو قصيدةً ، أو عملاً أدبياً أو فكرياً، عن الحالة التي يتلبسها المبدعُ قبيلَ انجازِ عمله! أي عوالمه الحقيقية ، الخفية التي يعيشها وهو يتهيأ لاقترافِ فعلِ الكتابة. وانطلاقاً من نفسي فإنَّ ثمة طقوسا أمارسها، فتبدو لي كتعذيبٍ للرّوح وجلدٍ للنفس، ناهيك عن قوافلِ القلق واللهاث المؤرَّثة في تلك الأوقات ، ومع ذلك فإنها تحققُ الانسجامَ ليصلَ الكاتب إلى مبتغاه.
ذاتَ مرّة زرتُ الرّوائي حنا مينه ، وكانَ قد انتهى لتوّه من الكتابة ،أدخلتني زوجته إلى غرفته التي أدهشتني بإنارتها الشديدة في النهار ، والدّخان الكثيف الذي لا يجعلك ترى أمامك. سألته عن هذا؟ فقال هذا طبعي حين أكتب؛ أسدلُ الستائرَ كي أفصلَ نفسي عن الخارج ،أشعل الأضواء وأكثر من التدخين والقهوة كما ترين.
وكنتُ قد قرأتُ عن الطقوس التي كان المبدعون يمارسونها، فتكشفُ لي جانباً من جوانب سيرهم الذاتية ، بل حياتهم الخفية المبطنة بأسرارٍ خاصة ، فالجواهري كان قبيل كتابة قصيدته يغني المقامات العراقية القديمة وهو في الحمّام ، بينما نزار قباني ينبطح على بطنه ويضعُ أمامه كميةً كبيرةً من الأوراق الملوّنة ، وخاصة ذات اللونين الأصفر والزّهر ، بينما محمود العقاد كان لا يكتبُ إلاّ بالحبر الأحمر وعلى ورقةٍ صغيرةٍ بحجم كفّه ، وإذا قيّض له وكانت كبيرة فإنّ مزاجه يتغيّر وتطير الفكرةُ من رأسه.
الصحفي المصري أنيس منصور لا يكتبُ إلاَّ إذا كان برداناً ، لهذا يختارُ وقتَ الفجر، ويفضّل أن يكون حافي القدمين كي يشعرَ بالبرودة أكثر. ولعلَّ ما هو أغرب طقس غابرييل غارسيا الذي لا يستطيع الكتابة إلاَّ إذا لبس ثياب الميكانيكي الفضفاضة ، بينما دان براون يعلّق نفسه بالمقلوب كي يسترخي ويرتّبَ أفكاره ثم يشرع بالكتابة.
البعض يحرصُ على الهدوء الشديد مثل ديفيد كوبرفيلد إذ يضعُ باباً إضافياً لمكتبه لحجب أيّ نأمة تصله من الخارج ، بينما الروائي إبراهيم أصلان لا يجيدُ الكتابة إلاَّ في المقاهي، في متنِ الصّخب والضجيج.
ولعلَّ أشد ما يثيرُ الغرابة هو هنري إبسن الذي يضع أمامه صورة عدوه المتمثل بشخصية الأديب " سترندبرج" ينظرُ إليها ويكتب إذ يريدُ بذلك أن يراه وهو يبدع ليغيظه ويدمره.
ولا يفوتنا طقس سارتر قبيل شروعه بالكتابة إذ يأخذ عشيقته سيمون دي بوفوار إلى أنفاق المترو ، ويقوم بشرحِ أفكاره لها، فإذا اندهشت يعود مسرعاً إلى تأليف ما رواه لها، بينما الشاعر الأمريكي ادغار آلان بو لا يكتبُ إلاَّ إذا وضع قطاً على كتفه.
وهناك من لا يستطيع الكتابة إلاَّ إذا نزع ملابسه كي لا يغادر منزله، فيتفرغ لنصّه كلياً مثل فيكتور هيجو و د.ه. لورنس.
هذه الطقوس لا تخصُّ مبدعي العصر الحديث ، وإنما كانت في عصور سابقة ، فأبو تمام على سبيل المثال كان يسكبُ الماء على تراب خيمته ويكون في توتر شديدٍ وقلقٍ ، يدورُ حول نفسه ويقول لشيطان شعره:" أخوكم ، أخوكم"..
وهناك طقوس أشدّ غرابة عند بعض مبدعينا، سنقتفي أثرها، ونذكرها في مقامٍ آخر.
فهل يظنُّ أحدكم أنَّ الكتابة سهلة؟
إنَّها من أشقِّ الأعمالِ في هذا العالم كما قال همنغواي. وملعونة إلى يوم القيامة كما قال حنا مينه.. ومع ذلك فأنا أصفُها بالعصا التي أتوازنُ بها وأنا أمشي على حبلٍ مشدودٍ يصلُ بين قمتين

د. نجاح إبراهيم


* نشر في جريدة الأسبوع الأدبي، في عددها الجديد(1721).



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...