نوزاد حسن - نهاية العقلاني .قراءة في كتاب نزولا.من عتبات البيت لسهيل سامي نادر

العقلانيون في ثقافتنا صنفان ، الصنف الأول عقلانيون غير متدينين، وصنف ثان هم عقلانيون متدينون،
ويلتقي هذان الطرفان في تبجيل العقل من أجل الوصول الى الحقيقة ، هذه هي نقطة الاتفاق بين الصنفين,وما عدا ذلك فمختلف الى أبعد الحدود.
الاختلاف كما اظن واضح جداً في طبيعة الوعي ووجهات النظر ومعنى الحقيقة, وفي النهاية حين يصحو العقلاني غير المتدين يكتشف أنه خسر كل شيء, وعليه أن يبدأ من جديد لكن قطار العمر قد فات,ولم يبق المزيد من الوقت أمامه . إن هذه الخسارة هي آخر ما سيواجهه العقلاني غير المتدين,وهو ما أود الحديث عنه في هذا المقال,فهل سيكون ما أقوله عن سهيل سامي نادر بمثابة وضع بعض الملاحظات التي قد تفيدنا في فهم ظاهرة العقلانيين جميعا سواء أكانوا متدينين أم غير ذلك.
لن ينتهي العقلاني المتدين الى النهاية ذاتها التي يصلها زميله غير المتدين، العقلاني المتدين سيبقى باحثاً ومؤمناً بقيمة تفكيره الى النهاية، ولا يمكن أن نجد لديه ذلك الوجع والإحساس بالمرارة التي سيواجهها العقلاني غير المتدين في نهاية المطاف . أنا لا أميل الى أي من الموقفين، إنني أصف طريقة التفكير، ووجهة النظر وطبيعة الوعي عند هذا وعند ذاك.
ولو شئت أن أقرب الصورة واجعلها تبدو أكثر وضوحاً فلا بد من استخدام مصطلح أجده مناسباً جداً هو "تناقض العلاقة",واعني بهذا المصطلح أن أي فرد يجد نفسه في حالة تناقض مع الآخر,وقد يكون هذا الآخر هو السلطة السياسية ، في حالة العقلاني غير المتدين سيكون سهيل سامي نادر في مواجهة الآخر الذي قد يكون مجموعة من الأشخاص يختطفونه, أو سلطة سياسية تعتقله وتراقبه.في إطار هذه العلاقة سيكون الوعي متطابقاً مع الواقع الحسي, ويكون العقل هو الأداة التي تقوم بتشريح الواقع, وتنظيفه من أي بُعد قد يشوهه أو يحرفه.
المثقف العقلاني المتدين يخضع بلا شك لشرط تناقض العلاقة,ويعاني من وجود الآخر والسلطة لكنه في كثير من الأحيان لا يصطدم بأي منهما لأنه غارق في بحر النص الديني ، وهو يضع النصوص أمام منهجه العقلي محاولاً تفسيرها وفهمها وتقديم أفكار تخالف ما تعارف عليه المؤمنون بتلك النصوص. ولو اردت أن اضرب مثلاً بأحد أولئك المتدينين العقلانيين فلن أجد أفضل من محمد شحرور وعبد الجبار الرفاعي.
***
يقدر العقلانيون جميعاً فيلسوفين اثنين الأول هو ديكارت والثاني هو الفيلسوف الالماني كانت ، سنأتي لاعتراف سهيل سامي نادر على أنه كانتي النظرة,ونناقش هذا الأمر، لكن ينسى أولئك الهائمون بعقولهم أنهم لم يصنعوا شيئاً مما صنعه ديكارت وكذلك كانت ، في الواقع لم نجد لدى كل المثقفين العقلانيين ذلك التحليل العميق لما يسمى بنظرية المعرفة أو على الأقل ما الذي يعنيه العقل,وما علاقته بالخيال,وكيف يمكن أن نقتنع بكتابات تقدر دور العقل دون أن تقول لنا ما هو العقل وما هي حدوده.؟الأغرب في كل هذا لم يقل لنا أحد العقلانيين كيف فضّل أن يقمع شعوره العفوي بالعالم ويخنقه مفضلاً عليه منطق بارد يحاكم به الحياة أو النصوص كما يفعل المتدين صاحب الإيمان العقلي.
بلا شك سيكون تحليلي لكتاب سهيل سامي نادر نزولاً من عتبات البيت مفيداً لتوضيح كيف تفجر اليقين العقلي القريب جداً من النظرية السلوكية وكيف انتهى ذلك اليقين الى هزيمة واضحة إذ لم يعد العقل أداة مفيدة لتفسير الحياة كما كان يصنع كثير من المثقفين في الخمسينيات والستينيات.
قلت إن تناقض العلاقة هو دخول الإنسان في حلبة الحياة بصورة عامة,وعند هذه النقطة يحدث ذلك التناقض سواء مع الأفراد أو مع السلطة السياسية ، ومن الخطأ القول إن هذا التناقض هو مجرد سلوك مجرد من أي معرفة ، إن سلوك المثقف الذي يجد نفسه في دائرة تناقض العلاقة مع الآخرين أو مع السلطة يكون مليئاً بالانفعال لكنه انفعال عقلي يضغط على أعصاب المثقفين الى درجة كبيرة ، لذا يمكن القول إن هذا الانفعال العقلي هو معرفة غير ناضجة ومتسرعة ستكشف الأيام درجة بساطته واندفاعه ومبالغته.
إن أكثر المثقفين العقلانيين ممن كانوا شيوعيين أو وجوديين تعرضوا لهذه الرجّة الفكرية فأفلسوا في النهاية,واكتشفوا إن الحياة ليست كما صنعها لهم عقل آمنوا بفرضياته,وانخدعوا بمنطقه الذي لم يفهموه جيداً، ولو أن المقام يتسع لأوضحت واحدة من هذه التجارب وأعني بها تجربة فاطمة المحسن,وما كتبته في كتابها الرحلة الناقصة,وكيف تهاوى عالمها العقلي وصار رملاً، وقد أعود لهذا الكتاب عن قريب لايضاح هذه الخسارة التي تعرض لها كثير من المثقفين وباعترافاتهم.
أظن أن كتاب نزولاً من عتبات البيت الصادر عن دار المدى عام أحد أهم الكتب في كشف وضع المثقف الذي وجد أن أداته العقلية لم تعد تفيده في فهم العالم ، هذا ليس استنتاجاً وصلت إليه بعد قراءتي للكتاب ولكنه حقيقة تحدث عنها سهيل سامي نادر بصدق فيه شيء كبير من الندم على ما فات ، هذا الكتاب في رأيي هو أهم من مذكراته التي اسماها سوء حظ,وهو عنوان ملفت على أية حال،ما يميز كتاب نزولاً من عتبات البيت هو شعور الكاتب بأن شيئأ ما قد حدث له,ولم يعد باستطاعته أن يغيره أو على الأقل أن ينسجم معه ، وقبل الحديث عن هذه القضية لا بد من الإشارة الى الكتاب الذي ضم مقالات مختلفة كتب بعضها في سبيعنيات القرن الماضي، لقد تنوعت النصوص فهي "تحقيقات,وتأملات,ونقد جمالي,وثقافي,وذكريات وتأبينات,ونصوص مفتوحة,وعلى الجملة كل ما يحبه صحفي يمارس التنويع, ومخلص لفوضى الحياة"نزولات من عتبات البيت,المدى,ص5"
***
إذن نحن أمام تنوع قد يفيد صحفي مبتدئ أو قارئ مثلي يتابع ما كان يكتبه سهيل سامي نادر من مقالات في المدى، لكن علينا أن نقف قليلاً عند إشارة وردت في مقدمة الكتاب أيضاً يتحدث فيها الكاتب الى استجابته هذه " ليست ناتجة عن مشاعر يائسة فقط بل هي ناتجة وبشكل خاص عن تأمل مسارات الدولة الحديثة التي ركبتها الأنظمة السياسية,ص5"
هذا يعني إن الكاتب يعيش حالة صراع نفسي على الأقل مع أنظمة سياسية لم تصنع نظاماً حقيقياً يقوم على العدالة وتطبيق القانون،وأنا هنا اضع هذه الحقيقة أمام القارئ لكي يتذكر أن تناقض العلاقة وهو مصطلح أشرت إليه سابقاً,واعني به دخول المثقف في حالة عداء مع النظام القائم.وما أود توضيحه هنا إنني لا أقصد أن المثقف مترف,ويبحث عن دور أو أن يستعرض رجولته كشخص يرفض تجاوزات السلطة.هذا شيء لم يخطر ببالي,لكني استخدمت مصطلح تناقض العلاقة وأنا أعني به ذلك النزاع بين نظرة السلطة للمثقف,وكذلك نظرة المثقف الى النظام، وما يهم,وما اتمنى أن أوضحه أن مصطلح تناقض العلاقة يصف أن كره المثقف للنظام السياسي يملأ عقله بالكامل بحيث يفقد الوجود التنوع الهائل الذي يحيط بنا،وتتحول الحياة الى علاقة طرفاها وجودان متصارعان اثنان هما:المثقف بكرهه,والنظام السياسي بأخطائه ودكتاتوريته.
مقدمة الكتاب مهمة لفهم كل ما تضمنه من مقالات,وما سأقوم به من فهم يعبر عن وجهة نظري التي لن تكون مجرد انطباع,بل ستكون نوعاً من تحديد موقفنا من حالة المؤلف التي وصفتها بانها نهاية عقلاني وجد نفسه وحيدا في نهاية المطاف، سأستعين بالتحليل النقدي الذي يقوم على نقد العقل,وإمكانيته في إدراك الحقيقة.
***
في الحقيقة انتبهت,وأنا اقرأ الكتاب الى عدم التنظيم الذي فوجئت به.لقد جرى تقسيم الكتاب الى أربعة عناوين رئيسة هي:القسم الاول مدن أحلام ونزاعات.والقسم الثاني هو آثار,أما الثالث فهو اسماء وحكايات وأصدقاء عبروا الافق.والقسم الرابع هو:تنويعات.وتحت هذه الأقسام الأربعة وضع محتوى الكتاب كله، أظن أن الكتاب فقد انسجامه كلياً لسبب بسيط هو:عدم وجود ترتيب زمني يضع المقالات حسب أعوام كتابتها،هذا مهم جداً لمن يبحث عن فهم أسلوب الكاتب,وما يمكن أن يطرأ على نظرته وموقفه من تغير، إن الكتاب بصورته الحالية يخالف ما تحدث عنه أدوارد سعيد عن أسلوب الكاتب الأخير، والترتيب الزمني غاية في الأهمية بالنسبة للناقد الذي يريد أن يفهم جيداً سبب موقف الكاتب الذي تغير الى النقيض بعد أن كان مؤمناً بأن العقل قادر على فهم الحياة,وحسم كل نقاط الخلاف فيها، لقد قرأت الكتاب وأنا أبحث عن التواريخ التي ذيل بها الكثير من المقالات,وترك قسماً قليلاً منها بلا تاريخ، لكن عملية البحث عن التاريخ افادتني كثيراً في فهم حالة الكاتب,وما حدث من تغير في وجهة نظره، كان لا بد لي من البحث لاميز بين الكاتب وهو يؤمن بعقلانيته,وبين ما أصبح عليه حين وجد نفسه في الدنمارك وحيداً مع مرض فقراته المزمن.







تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...