محمد أحمد مخلوف - أفعال الحركة في نص " على بعد آلاف السنوات الضوئية" لعبد الواحد السويح

لو أنّ لي يدين قويّتين ورفعتُ السّماءَ لانْتهى كلُّ شيء في حِينه...
الأبوابُ الموصدة
النّوافذُ الصّغيرةُ
حرّاسُ الشّمس بميدعاتهم الزّرقاء
الكلماتُ المنثورةُ باتّجاه البحر...
كان اللّيل حين انسللتُ من عينيها وظلّتْ تلاحقني
وقعُ قدميها تماما كدقّات قلبي
كنّا ثلاثتنا نركض
أنا وهي
القمر الجالس أعلى البحر يشيح عنّا بوجهِهِ
البرق يُعرّي شجرةً بعيدةً تفتح أغصانَها للرّيح
طلق ناريّ يأتي من جهة القمر
يُصيب السّماءَ الّتي تسقط فجأة على رؤوسنا نحن الثّلاثة
نعم ثلاثة أنا وهي
لم انتبه كيف تحوّلتُ إلى نجم إلاّ حِين رأيتُها:
نجمة محاصَرة مثلي
تحاولُ الرّكض
تنثر الكلمات من عينيها باتّجاه البحر
كم رجوتُها أن لا تحاول مع اللّه
كم حذّرتُها من تلك التّفّاحة اللّعينة
كم أسقطتُها أرضا ولوّثتُها بالطّين
نحن الآن نجمان ننثرُ حزنَنا البعيد آلافَ السنوات الضّوئيّة على الأرض
لا أمل لنا في الرّجوع
وأبواب السّماء الموصدة





سنعمل على إبراز ما سنصطلح على تسميته ب_ " أفعال الحركة " في نص عبد الواحد السويح لمحاولة اظهار التحوّلات داخل النص و علاقة الأفعال بذلك و مدى تأثيرها في الشاعر و خاصة من حيث نفسيّته المتأرجحة دائما - كما تعودنا من السويح - بين الفشل و النجاح، و الرغبة و الرهبة ، و غيرها من الثنائيات .
و لعل ما ذهبنا إليه هنا نلاحظه مع انطلاق النص بأداة " لو " وهي حرف تمنّ يستعمل في الإمتناع أو في غير الإمكان ، لتنطلق معه حركة يتمنّاها و لكنّه عاجز عنها « لو أنّ لي يدين قويّتين » ، فهو للأسف لا يملك هذه القوّة الخارقة ليفعل ما يتمنّاه :" و رفعت السماء " ، فيقترن فعل الرفع بنتيجة يستعجلها ، لكنه لا يبلغها وهي :" لآنتهى كلّ شيء في حينه "، و هنا تلعب الثلاث نقاط ( ... ) دورا توضيحيّا لما أراد السويح أن ينهيه في حينه ، فإذا هي : " الأبواب الموصدة ، النوافذ الصغيرة ، حرّاس الشمس بميدعاتهم الزرقاء " ، ليختم هذه الحركة الكبرى الأولى في النص باعتراف ضمني بالفشل و العجز فإذا كل ماحاول فعله و القيام به من حركة خذلته يداه فاستحالت الأفعال إلى « الكلمات المنثورة باتجاه البحر ... » ( سطر 6 ).
في مستوى الحركة الكبرى الثانية و انطلاقا من السطر 7 سيتحول بنا السويح لإطار زماني يحبّذه و يبدع فيه فعلا و قولا و رغبة تتأرجح بين الشهوة و المغامرة ف " كان الليل " ستارا لهذه المغامرة الشّبقة تحت جناح الظلام " حين انسللت من عينيها " ، فكان فعل " انسلّ " إيذانا بنهاية المغامرة عند السويح ، و لكنّها لم تنتهي عند شريكته التي " ظلّت تلاحقني " . و لكنّ الملاحقة هنا خرجت عن إطارها الحسّي إلى ملاحقة روحية خيالية ، فإذا بالسويح يحسّ " وقع قدميها تماما كدقّات قلبي " ، و هنا نلاحظ تماهي الشريكين في لحظة انصهار روحيهما حتى أنهما أصبحا ثلاثة ، وهو ما أكّده بقوله :« كنّا ثلاثة نركض » ، فإذا بحركة الركض و فعلها تصبح مشهدا سرياليا يسمو بنا عن الواقع الأرضي إلى واقع خيالي فنطازي ( la fantaisie ) .« فالقمر الجالس على البحر يشيح عنا بوجهه »، إنه إقرارٌ بفشل المغامرة بعد أن تنبّأ بنهايتها في السابق ( السطر 7 ) ، فالقمر دليل العشاق و سراجهم " يشيح بوجهه " . و لكن هل فعلاً انتهت المغامرة ؟!
السويح لا يريد لهذه المغامرة أن تنتهي ، لذا فهو يوفّر لها ظروف النّجاح من خلال السياق الحدثي، فإذا " بالبرق " يلمع و يضيء المكان عنادا في القمر الذي أصبح معرقِلاً لا مساعدا ، فيرى من بعيد :" شجرة بعيدة تفتح أغصانها للريح " ، و يالها من شجرة أنسنها السويح فإذا هي رديفة لشريكته في هذه المغامرة ، إنّها شجرة « الحماطة » أو شجرة الحيّات ، إنها المرأة لكلّ متناقضاتها !
يتواصل حلم شاعرنا بهذه المغامرة ليوقظه من غفلته « طلق ناري يأتي من جهة القمر » ، لنتساءل هنا : أليس القمر كما أسلفنا معرقل ؟!
المؤكّد أنّه سيكون لاعبا محورياً في هذه المغامرة الحياتية لأنه كان مركزاً تدور حوله الأحداث ، فالطلق الناري حدث قادح إذا ما وظّفناه سرديّا فهو الذي :« يصيب السماء التي تسقط فجأة على رؤوسنا نحن الثلاثة ، نعم الثلاثة أنا و هي » ، ليستحيل فعلا منبّها للشاعر في بقيّة النص من سوء العاقبة .
سوء العاقبة كان مع الحركة الكبرى الثالثة الذي اقترن بالفعل المجزوم « لم أنتبه كيف تحوّلت إلى نجم » ، فهو رغم تنبيهات القمر و عملية صرفه عن هذه المغامرة ، إلا أنه لا يزال غُفلاً حتى أفاق على صدمة أولى :" إلاّ حين رأيتها نجمة محاصرة مثلي " " تحاول الرّكض " ، و لكن المحاولات ستنتهي بالفشل كما في مستوى الحركة الكبرى الأولى ( من السطر 1 إلى السطر 6 ) ، فإذا بها « تنثر الكلمات من عينيها باتجاه البحر »، انه العجز يصيبها و يصيبه فلا يبلغان من متعتهما إلاّ " الكلمات " .
لتكون المرحلة الفعلية الكبرى الرابعة قائمة على ثلاث جمل تبتدئ ب " كم " الاستفهامية الانكارية لازمة ( Refrain ) تعبّر عن مدى حيرة الشاعر مع تواتر الأفعال المبنيّة للمجهول و إن علمنا تفاصيله من خلال وصفه في المغامرة :" رجوتها " ، " حذّرتها " ، " أسقطتها " و " لوّثتها " ، ليكون التدرّج في الفعل رجع صدى لمقومات فعل الخلاص الذي ينشده السويح كلّ مرّة من هذه الخطيئة التي تلازم روحه المهترئة و التوّاقة إلى النجاة ، فإذا شريكته تجرّه معها في لعنة المغامرة التي أرادها نجاةً من عالم قوامه " الأبواب الموصدة " ( سطر 3 ) فيستحيل معها نجما :« نحن الآن نجمان ننثر حزننا البعيد آلاف السنوات الضوئية على الأرض » حيث « لا أمل أنا في الرّجوع » ، « و أبواب السماء الموصدة ».
و هكذا كانت أفعال الحركة (23 فعلا ) آليّة لغويّة نشد بها السويح عالما بعيدا عن عالم الأرض حيث " الأبواب الموصدة " فإذا به يصطدم بواقع جديد هو عالم « أبواب السماء الموصدة »
و « لا أمل لنا في الرّجوع » .
م أ مخلوف ( تونس )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...