نبيل عودة - هل يمكن اعتماد نظرية ماركس الاقتصادية للنظام الرأسمالي اليوم؟

بعض الماركسيين يعيشون بأفكار البدايات التي سحرتنا شبابا وزودتنا بأحلام كبيرة لم يتحقق منها للأسف شيء. والاشكالية لدى معظم الرفاق القدامى الذين انتسبوا لتيار الشيوعية الصاعد. ان قناعتاهم كانت بدون عمق وبدون معرفة بجوهر الطروحات لآباء الحركة الشيوعية. وما زالت هذه الظاهرة تشكل الدافع لاستمرار الحركات الشيوعية متمسكة بنفس الفكر الذي تلاشى من عالمنا، لذا نشهد تقلص متواصل في التنظيمات الحزبية، وعدم القدرة على احداث انطلاقة وتجديد في الفكر والتنظيم والمناهج الفكرية لتتلاءم مع عالمنا اليوم.
ظل ماركس وورثاء نظريته يصرون على معارضة العلم والتكنولوجيا بالإنسان .. بمعنى ان التطور التكنولوجي في الصناعة الرأسمالية سيضاعف البطالة والإملاق للعمال. ورغم تناقض رؤيتهم مع الواقع المتغير الا انهم ظلوا متمسكين بما طرح في عصر مختلف ووسائل انتاج مختلفة وأنظمة اقتصادية وسياسية مختلفة. والأهم ان الواقع التكنولوجي والعلمي لتطور وسائل الإنتاج وعدم تحقق ما طرحه ماركس بان الآلة ستزيد املاق العمال وفقرهم لأنها ستحل مكان العامل لم يغير تفكيرهم. عقولهم لم تستوعب ان التطور لم يكن حسب رؤية ماركس. الآلة لم تحل مكان العامل، بل حلت مكان العمل العضلي المرهق، ضاعفت إنتاجية العمل بنسب هائلة جدا، وجرى تغيير عميق جدا في مبنى الطبقة العاملة علميا وتكنولوجيا، لأن العامل القديم لم يعد يناسب التطور في الصناعة والتكنولوجيا والعلوم، وبات ضروريا فتح مدارس مهنية لتطوير عمال المستقبل بأساليب الإنتاج العلمية والتكنولوجية الحديثة، واحتياج النظام الرأسمالي لمزيد من الموظفين الإداريين والمهندسين والمخططين ومدراء العمل وطبعا العمال المهنيين الفنيين، لإدارة الآلات الحديثة ذات التكنولوجيا الحديثة.
لم يعد من الممكن مواصلة الإنتاج ومضاعفة الأرباح بدون التطور التكنولوجي والعلمي، تضخمت الثروة الوطنية للدول الرأسمالية، وبدأنا نرى ان تقسيم الثروة بات امرا ملحا، طبعا ليس تقسيما عادلا، انما بدأت حركات المجتمع المدني التي شكل العمال المهنيين والتكنوقراطيين وذوي المراتب الهندسية والأكاديمية المرتبطون بحركة الإنتاج والتسويق والمحاسبة قوة ضغط لم يكن من سبيل لرفض مطالبها، خاصة بالزيادة الهائلة لانتاجية العمل والارباح. بدأوا بفرض شروط وقوانين حقوقية للعمال، مثل تأمينات اجتماعية وصحية ورفع مستوى المعاشات، ووضع حد أدنى للأجرة، الى جانب فرض قوانين صحية وتعويضات ومكافآت وبدل بطالة عن العمل في حالة الأزمات الاقتصادية. وغير ذلك.
كان التطور العلمي والتكنولوجي، في عصر ماركس بطيئا بحيث من الصعب أحيانا ملاحظته إلا كل عقدين من السنين، من هنا أصر ماركس على أن لهذا التطور "أهمية كاذبة" لأن رؤيته أن العمل ذاته أهم من الآلة. وان الآلة ستقود إلى مزيد من الإملاق والبطالة للعمال، لأنها ستحل مكان العامل. هذه الأفكار القديمة للأسف بنيت عليها سياسات حركة كان لها دورها العظيم في بداية التطور الرأسمالي. من هنا رؤيتي اننا نعيش مرحلة اجتماعية، اقتصادية وفكرية جديدة لا يمكن وصفها بالنظام الرأسمالي التقليدي (ألقديم)، بل نظام ما بعد رأسمالية القرن التاسع عشر كما رصدها ماركس. وعلى الماركسيين أن يعيدوا النظر بقدس أقداسهم .. بالتحرر مما لم يعد مناسبا لمرحلتنا التاريخية بكل ما تحمله من نهضة علمية، تكنولوجية، اقتصادية لم تؤخذ بالحساب بمدى اتساعها وشموليتها.
الآلة لم تزد البطالة، بل ضاعفت الإنتاجية والثروة الوطنية، وباتت المتطلبات المهنية التكنولوجية ضرورة حيوية للصناعة، فتطورت المدارس المهنية والكليات التكنولوجية، بدونها لا تطور صناعي ولا إنتاجية قادرة على تلبية متطلبات السوق والمواصفات المطلوبة، أي أن العمل تعمق طابعه الاجتماعي أيضا. قد يكون ماركس انتبه لهذا الأمر، إذ نجد اتجاه آخر لماركس نفسه لم يولوه أهمية كبيرة حيث يقول: "إن العصور الاقتصادية تختلف عن بعضها البعض ليس بما تنتج بل كيف تنتج وبآية أدوات عمل". كلام سليم يتناقض مع أقواله السابقة. إذن الأداة لم تغير أسلوب الإنتاج فقط، ولم تقد إلى تعميق الاستغلال الطبقي واتساع البطالة، بل غيرت الإنسان الذي يستعملها وغيرت مضمون النظام الذي أنتجها. وهذا ما يجب ان يؤخذ في تطوير النظريات الاقتصادية والاجتماعية وصياغة الفكر السياسي والاقتصادي المعاصر.
إن التطور العلمي والتكنولوجي أحدث انقلابا بتركيبة وتفكير ووعي ومعلومات ومعارف كل الطبقات الاجتماعية بما فيها الطبقة العاملة. لم تعد الطبقة العاملة هي الطبقة التي صاغ ماركس نظرياته الاقتصادية والفلسفية بناء على فهمه لواقعها. حدث انقلاب واسع جدا في جوهر العلاقات بين الطبقة البرجوازية والطبقات المنتجة، ولا اسميها طبقة عاملة، هذا التعريف بدأ يفقد قيمته الاجتماعية والسياسية، التي سادت في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
المتمسكون بالتعريفات القديمة التي طرحتها الماركسية يفتقدون للقدرة على فهم التطورات التي عصفت بالنظام الراسمالي وغيرت جوهرة كمجتمع يعاني من الصراع بين طبقتين ولا بد لطبقة ان تنتصر بالصراع على الطبقة الأخرى، وطبعا هذا حسب مادية ماركس التاريخية، ان الطبقة العاملة هي التي ستنتصر.
بمعنى أكثر اتساعا، المجتمع البشري لم يعد نفسه المجتمع البشري الذي حلله ماركس واستنتج من واقعه الكثير من أحكامه النظرية، خاصة موضوعة الصراع الطبقي التناحري الذي لم يحدث منذ عصر ماركس وحتى يومنا، وان البروليتاريا لم تعد بروليتاريا مسحوقة، بل فئات اجتماعية لها مكانتها الحاسمة في عملية الإنتاج، وان هناك طلب يتسع للمهنيين ذوي الخبرة والمعرفة التكنولوجية والإدارية، والعامل غير الملم بتشغيل الماكينات والتجهيزات الآلية هو عامل هامشي في الحساب الاجتماعي والاقتصادي وسوق العمل.
أخطر ما جرى في الحركات الشيوعية واحزابها، أنها لم تنجح بالانخراط بعمق وبواقعية في إعادة صياغة أوضاعها الداخلية، وصياغة مشروعها الاشتراكي في الواقع التاريخي الجديد، وهو واقع غير مسبوق بتجربتها النضالية والفكرية، كما كانت بالقرن العشرين. واظن قطعيا ان الستالينية فكرا وتنظيرا واستبدادا فكريا وقمعيا لكل مختلف في التنظيمات الشيوعية، وأسلوب قيادة وتخطيط ظلت سائدة حتى بعد خطاب خروتشوف الشهير بنقد عبادة الفرد التي سادت بفترة ستالين، والتصرفات الاجرامية التي مورست ضد الشيوعيين في الاتحاد السوفييتي ودول المجموعة الاشتراكية.
التأهيل ومستوى المعرفة للعامل اختلفت. الصناعة لم تعد تعتمد القوة الجسدية فقط، المهنية أصبحت مميزا هاما للعامل. المعرفة التكنولوجية أصبحت ضرورة لا قيمة للعامل بدونها. الآلة التي كان الظن أنها ستحل مكان العامل في العمل طورت العمل والإنتاج وانعكست على تطوير المبنى المهني والعلمي للعمال، فرضت مستوى مرتفع للمعارف وطابع العمل وشروطه وغيرت العلاقة بين العامل وصاحب العمل.
الموضوع لم يعد مجرد بيع قوة عمل، هذا التعريف البدائي سقط. العامل لم يعد مجرد قوة عضلية، بل عامل مهني يملك ثقافة تكنولوجية وعلمية لا إنتاج ولا إنتاجية بدون دوره الإنتاجي وحصوله على شروط عمل وامتيازات كانت حلما في السابق. أصبح صاحب العمل بحاجة ماسة للعمال المهنيين والتكنوقراطيين. أي بات نوعا من التعادلية بين العامل وصاحب العمل. لم يعد العامل عبدا مضطرا لبيع قوة عمله، بل يختار من يدفع الأجرة المناسبة مقابل قدراته المهنية والتكنولوجية أو الإدارية، وحيث ترتفع الأجور يذهب العامل، أصبحت المنافسة على العامل المهني تفرض واقعا مختلفا في علاقات العمل، أي نشا صراع بين أصحاب المشاريع الصناعية لتجنيد العمال المهنيين والتكنوقراطيين في مشاريعهم، وهنا جرى اختراق الأجور وشروط العمل الى اتفاقات عمل جماعية واتفاقات عمل خاصة. اختفى كل مفهوم الصراع الطبقي التناحري .. هناك نضال من اجل تحسين الأجور وشروط العمل والتأمينات المختلفة والصحية، وليس صراعا لقضاء طبقة على طبقة أخرى.
إن تطوير الآلة فرض ضرورة تطوير جيل جديد من العمال التكنوقراطيين، بحيث أصبح صاحب العمل مضطرا إلى شراء مهنيتهم بإغراءات المعاش وشروط العمل.
كان العامل سابقا، الصناعي أو الزراعي، يعمل كل حياته دون أن يتبدل شيئا من أدوات الإنتاج أو من العلوم والتكنولوجيا التي تتعلق بنوع عمله أو إنتاجه، إذا تبدل شيء ما فهو غير ملموس ولا ينعكس على العامل نفسه إلا بشكل سطحي وفردي. أي أن أدوات عمله لم تتغير، ظروفه المعيشية ظلت خاضعة لزمن طويل جدا لنفس الشروط الاقتصادية التي لم تتأثر بأي تطور يغير من مردود إنتاجية العمل.
منذ أواسط القرن العشرين نلاحظ ان التطور العلمي التكنولوجي بدأ بقفزات هائلة، أدوات الإنتاج تتبدل وتطورت سنويا أو ما دون ذلك أحيانا .. من الألة البسيطة الى الآلة الميكانيكية، ومنها الى الآلة الالكترونية، ودخل عالم الهايتك في الإنتاج، العمل العضلي يخلي مكانه للعمل الفكري حتى في الصناعات الثقيلة. أدوات تنفيذ المهمات المهنية تتطور باستمرار. إنتاجية العمل تضاعفت بشكل لا يمكن مقارنتها مع المراحل السابقة. الثروة تضخمت بشكل أسطوري .. العامل المهني اليوم يجدد أدوات إنتاجه بسرعة تزيد عشرات المرات عن القرن التاسع عشر، ما طور في القرن التاسع عشر كله تطور في القرن العشرين كل سنة تقريبا .. وفي القرن الحالي (الواحد والعشرين) بسرعة أكبر، أسبوعيا ويوميا أحيانا.
ان الثورة العلمية التكنولوجية أصبحت تشكل انقلابا اجتماعيا واقتصاديا في حياة المجتمع البشري. هذا الانقلاب لم يأخذ مكانته بشكل كامل في الأدبيات الاقتصادية – الاجتماعية لليسار عامة واليسار الماركسي (الشيوعي) خاصة وبالتحديد.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا بالغ الأهمية: هل يمكن التعامل مع النظام الرأسمالي بنفس العقلية التي سادت المجتمعات البشرية قبل الثورة العلمية التكنولوجية؟
هل تشكل الماركسية في عالم اليوم المتطور، أداة إيديولوجية يمكن ان نبرمج على أساسها نهجا سياسيا حزبيا بنفس المسار الذي ساد القرنين السابقين، القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟
الواقع الراهن للأحزاب الشيوعية يشير إلي أن معظمها يستنكف نقد تجربته السياسية ونقد التجربة الاشتراكية. والأحزاب اليوم تتميز بعجزها الفكري عن إعادة صياغة المشروع الاشتراكي، اصلا هل بقي للمشروع الاشتراكي أهمية في الظروف التاريخية الجديدة؟
ما زلنا نعيش حالة مستهجنة للأحزاب الشيوعية، لم تتحرر من سلفيتها ولم وتحرر أعضاءها من العصبية ومن الانغلاق الفكري والتنظيمي. اراها أحيانا اقرب لفكر ديني مغلق غير قابل للتطوير والتغيير.
حتى الأوهام التي ما زات ضمن فكر هذه الأحزاب بموضوع الطبقة العاملة وأضحى أقرب للمهزلة. الطبقة العاملة أضحت اليوم طبقة مجتمع مدني لها مركزها وتاثيرها في اطار دولها، وفي الاطار الدولي أيضا.
نحن نعيش مرحلة من الشروط التاريخية الجديدة. القديم انتهى منذ أواسط القرن العشرين وللأسف لم تكن الحركة الشيوعية ومنظمتها الدولية (الكومنترن الشيوعي) مؤهلة لفهم التطور العاصف في الواقع الاقتصادي الراسمالي وبواقع الطبقة العاملة التي تغير مبناها الفكري والتنظيمي والمهني. نحن اليوم نعيش بواقع ان التغيير الذي راي به ماركس ومواصلي طريقة كمهمة للطبقة العاملة، سقط تاريخيا وفكريا. التغيير في العالم لم يعد ضمن مهام ما يسمى الطبقة العاملة وانا لا اعرف اين هي هذه الطبقة. واين هي احزابها، وأين هي ايديولوجيتها؟ هذا الدور نفاه التطور التاريخي والاقتصادي وتطور أنظمة الحكم واختلاف جوهرها بقوانين العمل وشروطه.
بدأ النظام الراسمالي كسلطة وإنتاج وتسيطر الطبقة البرجوازية على السلطة ايضا. اليوم النظام الرأسمالي أصبح سلطة وإقتصاد ومجتمع مدني، مكانة المجتمع المدني المشكل من فئات اجتماعية مختلفة بينهم مفكرين وتكنوقراطيين وفنيين مشغلي عجلة الإنتاج وجامعيين من كل التشكيلات الأكاديمية هم جزء مكون للسلطة والإنتاج ولا سلطة بدونهم ولهم تأثيرهم على كل ما يتعلق بالاقتصاد والسياسة.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...