في روايته " ماء السماء " ( ٢٠٠٧ ) يستحضر يحيى يخلف النكبة وما ترتب عليها ويكتب عنها الرواية ، كما يقول ، وكما يلاحظ أيضا قاريء روايته " بحيرة وراء الريح " ( ١٩٩٠ ) هي الجزء الثاني من الأخيرة التي صور فيها ما جرى في العامين ١٩٤٧ و ١٩٤٨ واختار قريته سمخ مكانا لها ، واختار أهلها أبطالا لروايته .
في " ماء السماء " يلاحق يخلف أبطال الرواية الأولى " بحيرة وراء الريح " ليقص عن حياتهم في المنفى ، في مخيم اربد تحديدا ، حيث لجأوا من سمخ وطبرية ، وأقاموا قريبا من البحيرة عل عودتهم تكون قريبة وسريعة ، غير أن الإقامة في المخيم تطول ، وتنتهي الرواية قبل حرب حزيران ١٩٦٧ بسنوات دون أن يعود اللاجئون إلا أقلهم ممن عاد متسللا رغبة في العثور على الذهب المخبأ أو هربا من قسوة الحياة في المخيم وحنينا إلى الفردوس المفقود .
ستكون فلسطين لأبطال الرواية ممثلة بطبرية وسمخ الفردوس المفقود بالفعل ، وهكذا تعقد الرواية على ثنائية المنفى / الوطن ، وهي ثنائية لطالما كتب عنها الفلسطينيون من قبل ، في الشعر وفي النثر ، بعد العام ١٩٤٨ ، وأطلق على تلك النصوص " أدب النكبة " .
لا تختلف " ماء السماء " عن تلك النصوص إلا في زمن كتابتها ، وإذا كان الزمن الكتابي لأشعار أبي سلمى ورواية " العشاق " لرشاد أبو شاور يقترب من زمن النكبة ، حيث الأحداث طازجة وساخنة ، فإن الزمن الكتابي لرواية يخلف بعيد عن زمنها الروائي مقدار ستين عاما .
نحن الآن نعايش للذكرى الستين للنكبة التي ما زالت آثارها ماثلة وبادية للعيان ، ولكن صورة المخيم الآن تختلف عن تلك التي بدت في نصوص الخمسينيات والستينيات من ق ٢٠ . حقا إنها كانت صورة بائسة يكاد المخيم فيها يكون جحيما ، إلا إنها ، فيما أرى ، كانت أقل قسوة ووحشية مما عليه المخيم الآن .
المخيم الذي يبدو مباني متراصة عصبية المزاج ، إذا جاز التعبير ، ويفتقد الساحات والأشجار ويكتظ بالبشر بشكل مزعج . لقد امتلأت الساحات بمبان جديدة واقتلعت الأشجار لينزرع مكانها البشر ، وكل من أقام في المخيم قبل أربعين عاما وما زالت ، حتى اللحظة ، صلة بالمخيم يعرف هذا .
وربما يسأل المرء السؤال الآتي :
- لماذا يستحضر يحيى يخلف النكبة ليكتب عنها ، وهي فترة كتب فيها وعنها كتاب كثيرون ، وكتب هو أيضا عنها من قبل في بعض رواياته القصيرة مثل " تفاح المجانين " وبعض قصصه القصيرة مثل " تلك المرأة الوردة " ؟ وهل تختلف الصورة التي يقدمها لحياة اللجوء والمخيمات عن تلك التي بدت في رواية " العشاق " ؟ .
قد لا يكون من حقنا أن نسأل هذا السوال بخاصة أن النكبة يمكن أن تكتب عنها عشرات الروايات الآن حيث كثر الروائيون وازدهر فن الرواية الذي لم يكن في ٦٠ القرن ٢٠ مزدهرا ، فلم يشبع كتاب تلك الفترة إلا أقلهم ، وابرزهم غسان كنفاني في : رجال في الشمس " و " ما تبقى لكم " ، وبخاصة أيضا أن الكتاب الإسرائيليين واليهود بعامة ظلوا ، وما زالوا ، يكتبون عن الهولوكست ، بل ويحصدون جوائز ( نوبل ) وهم يكتبون عن المحرقة ، حتى لو كانت أعمالهم الروائية فنيا أقل قيمة من أعمال آخرين غيرهم لم يحصلوا على نوبل .
حين بدأ يخلف كتابة القصة القصيرة ، في الستينيات ، لامس في بعض قصصه حياة البؤس في المخيمات وكتب عنها ، لكنه في " المهرة " وفي " نورما ورجل الثلج " كتب عن هزيمة ١٩٦٧ وحرب أيلول والحرب الأهلية في لبنان . وحين كتب الرواية وكتب " نجران تحت الصفر " اختار موضوعه من أحداث عاصرها وعاشها ، فكتب عن تجربة كان قريبا منها يوم عمل معلما في السعودية ، وكذلك فعل في " نشيد الحياة " وفي " تلك الليلة الطويلة " وفي " نهر يستحم في البحيرة " . في هذه الأعمال كان الزمن الروائي يتطابق ، إلى حد كبير ، مع الزمن الكتابي - أعني كانت أحداث الرواية قريبة زمنيا ، بل وتكاد تكون متطابقة ، مع زمن كتابتها ، وليس كذلك في " تفاح المجانين " و " بحيرة وراء الريح " ، ففي هاتين يستحضر الكاتب الماضي ، يستحضر في الثانية فترة كان فيها طفلا يانعا لم يتجاوز الرابعة من العمر ، ويستحضر في الأولى طفولته وفترة مراهقته ، ولعله في الأخيرة إحدى شخصيات الرواية . لعله ماهر الذي لما يتجاوز السادسة عشرة مع انتهاء أحداث الرواية التي تقارب بداية الستينيات حيث الوحدة بين مصر وسورية .
ولا يدري المرء إن كان الكاتب سيكتب جزءا ثالثا يتابع فيه ما ألم براضي وماهر وماء السماء أيضا . ماء السماء الطفلة اللقيطة التي دفعت ثمنا باهظا بسبب النكبة حيث فقدت أهلها وهي رضيعة ، مثلها مثل خلدون في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
في غمرة الحرب في ١٩٤٨ حدثت أشياء مهولة فظيعة حيث اضطرب الناس وبحثوا عن النجاة من المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ، وفي غمرة البحث عن النجاة نسوا أبناءهم الذين التقطهم آخرون وربوهم ، وكان الآخرون في رواية كنفاتي يهودا وفي " ماء السماء " فلسطينيين .
في روايته يقص يخلف بأسلوب جميل ممتع ، ولا أبالغ إذا قلت إنها أجمل رواياته وأمتعها . يقص عن الناس والحيوانات وعن قسوة الطبيعة وتعاطف الضحايا مع بعضهم ، ويلامس الأحداث السياسية ملامسة عابرة ، لكن الرواية التي تتمتع بعنصر التشويق ، وليس هذا من باب المبالغة ، تخسر الكثير للأخطاء الإملائية والنحوية وعدم التمييز بين الهاء والتاء المربوطة ، تخسر على الأقل لقاريء مثلي غدا حساسا فيما يخص اللغة .
.
* نشر المقال في جريدة الأيام الفلسطينية بتاريخ ٣٠ آذار ٢٠٠٨ .
في " ماء السماء " يلاحق يخلف أبطال الرواية الأولى " بحيرة وراء الريح " ليقص عن حياتهم في المنفى ، في مخيم اربد تحديدا ، حيث لجأوا من سمخ وطبرية ، وأقاموا قريبا من البحيرة عل عودتهم تكون قريبة وسريعة ، غير أن الإقامة في المخيم تطول ، وتنتهي الرواية قبل حرب حزيران ١٩٦٧ بسنوات دون أن يعود اللاجئون إلا أقلهم ممن عاد متسللا رغبة في العثور على الذهب المخبأ أو هربا من قسوة الحياة في المخيم وحنينا إلى الفردوس المفقود .
ستكون فلسطين لأبطال الرواية ممثلة بطبرية وسمخ الفردوس المفقود بالفعل ، وهكذا تعقد الرواية على ثنائية المنفى / الوطن ، وهي ثنائية لطالما كتب عنها الفلسطينيون من قبل ، في الشعر وفي النثر ، بعد العام ١٩٤٨ ، وأطلق على تلك النصوص " أدب النكبة " .
لا تختلف " ماء السماء " عن تلك النصوص إلا في زمن كتابتها ، وإذا كان الزمن الكتابي لأشعار أبي سلمى ورواية " العشاق " لرشاد أبو شاور يقترب من زمن النكبة ، حيث الأحداث طازجة وساخنة ، فإن الزمن الكتابي لرواية يخلف بعيد عن زمنها الروائي مقدار ستين عاما .
نحن الآن نعايش للذكرى الستين للنكبة التي ما زالت آثارها ماثلة وبادية للعيان ، ولكن صورة المخيم الآن تختلف عن تلك التي بدت في نصوص الخمسينيات والستينيات من ق ٢٠ . حقا إنها كانت صورة بائسة يكاد المخيم فيها يكون جحيما ، إلا إنها ، فيما أرى ، كانت أقل قسوة ووحشية مما عليه المخيم الآن .
المخيم الذي يبدو مباني متراصة عصبية المزاج ، إذا جاز التعبير ، ويفتقد الساحات والأشجار ويكتظ بالبشر بشكل مزعج . لقد امتلأت الساحات بمبان جديدة واقتلعت الأشجار لينزرع مكانها البشر ، وكل من أقام في المخيم قبل أربعين عاما وما زالت ، حتى اللحظة ، صلة بالمخيم يعرف هذا .
وربما يسأل المرء السؤال الآتي :
- لماذا يستحضر يحيى يخلف النكبة ليكتب عنها ، وهي فترة كتب فيها وعنها كتاب كثيرون ، وكتب هو أيضا عنها من قبل في بعض رواياته القصيرة مثل " تفاح المجانين " وبعض قصصه القصيرة مثل " تلك المرأة الوردة " ؟ وهل تختلف الصورة التي يقدمها لحياة اللجوء والمخيمات عن تلك التي بدت في رواية " العشاق " ؟ .
قد لا يكون من حقنا أن نسأل هذا السوال بخاصة أن النكبة يمكن أن تكتب عنها عشرات الروايات الآن حيث كثر الروائيون وازدهر فن الرواية الذي لم يكن في ٦٠ القرن ٢٠ مزدهرا ، فلم يشبع كتاب تلك الفترة إلا أقلهم ، وابرزهم غسان كنفاني في : رجال في الشمس " و " ما تبقى لكم " ، وبخاصة أيضا أن الكتاب الإسرائيليين واليهود بعامة ظلوا ، وما زالوا ، يكتبون عن الهولوكست ، بل ويحصدون جوائز ( نوبل ) وهم يكتبون عن المحرقة ، حتى لو كانت أعمالهم الروائية فنيا أقل قيمة من أعمال آخرين غيرهم لم يحصلوا على نوبل .
حين بدأ يخلف كتابة القصة القصيرة ، في الستينيات ، لامس في بعض قصصه حياة البؤس في المخيمات وكتب عنها ، لكنه في " المهرة " وفي " نورما ورجل الثلج " كتب عن هزيمة ١٩٦٧ وحرب أيلول والحرب الأهلية في لبنان . وحين كتب الرواية وكتب " نجران تحت الصفر " اختار موضوعه من أحداث عاصرها وعاشها ، فكتب عن تجربة كان قريبا منها يوم عمل معلما في السعودية ، وكذلك فعل في " نشيد الحياة " وفي " تلك الليلة الطويلة " وفي " نهر يستحم في البحيرة " . في هذه الأعمال كان الزمن الروائي يتطابق ، إلى حد كبير ، مع الزمن الكتابي - أعني كانت أحداث الرواية قريبة زمنيا ، بل وتكاد تكون متطابقة ، مع زمن كتابتها ، وليس كذلك في " تفاح المجانين " و " بحيرة وراء الريح " ، ففي هاتين يستحضر الكاتب الماضي ، يستحضر في الثانية فترة كان فيها طفلا يانعا لم يتجاوز الرابعة من العمر ، ويستحضر في الأولى طفولته وفترة مراهقته ، ولعله في الأخيرة إحدى شخصيات الرواية . لعله ماهر الذي لما يتجاوز السادسة عشرة مع انتهاء أحداث الرواية التي تقارب بداية الستينيات حيث الوحدة بين مصر وسورية .
ولا يدري المرء إن كان الكاتب سيكتب جزءا ثالثا يتابع فيه ما ألم براضي وماهر وماء السماء أيضا . ماء السماء الطفلة اللقيطة التي دفعت ثمنا باهظا بسبب النكبة حيث فقدت أهلها وهي رضيعة ، مثلها مثل خلدون في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
في غمرة الحرب في ١٩٤٨ حدثت أشياء مهولة فظيعة حيث اضطرب الناس وبحثوا عن النجاة من المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ، وفي غمرة البحث عن النجاة نسوا أبناءهم الذين التقطهم آخرون وربوهم ، وكان الآخرون في رواية كنفاتي يهودا وفي " ماء السماء " فلسطينيين .
في روايته يقص يخلف بأسلوب جميل ممتع ، ولا أبالغ إذا قلت إنها أجمل رواياته وأمتعها . يقص عن الناس والحيوانات وعن قسوة الطبيعة وتعاطف الضحايا مع بعضهم ، ويلامس الأحداث السياسية ملامسة عابرة ، لكن الرواية التي تتمتع بعنصر التشويق ، وليس هذا من باب المبالغة ، تخسر الكثير للأخطاء الإملائية والنحوية وعدم التمييز بين الهاء والتاء المربوطة ، تخسر على الأقل لقاريء مثلي غدا حساسا فيما يخص اللغة .
.
* نشر المقال في جريدة الأيام الفلسطينية بتاريخ ٣٠ آذار ٢٠٠٨ .