د. أحمد الحطاب - لم تكن، في يوم من الأيام، الاشنراكية مرادِفة للانتهازية

الاشتراكية كفلسفة أو دعونا نقول كإيديولوجيا أو تيار فكري هي عبارة عن توجه سياسي و اقتصادي يهدف إلى إصلاح منظومة المِلكية و وسائل الانتاج لجعلها تحت تَصرُّف الجماعة. و ما تسعى إليه الاشتراكية من خلال هذا التوجه هو إرساء تنظيم اجتماعي و اقتصادي عادل للقضاء على التفاوتات و الفوارق الاجتماعية أو على الأقل خفض شدَّتها.
و لقد تعددت التوجهات الاشتراكية سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا غير أن لها مبادئ مشتركة، ترتكز عليها نذكر منها على سبيل المثال : تكافؤ الفرص و العدالة الاجتماعية و التوزيع العادل للثروات و التضامن و ترجيح الصالح العام على المصلحة الشخصية. و في السنوات الأولى بعد ظهورها، كانت الاشتراكية تقاوم الرأسمالية و الليبرالية التي، بطريقة أو أخرى، تُرجِّح المصلحة الخاصة.
و قد تمخَّضت عن هذه الإيديولوجيا أحزاب سياسية اشتراكية انتشرت في جميع أنحاء المعمور من ضمنها أحزاب في المغرب. و هذه الأحزاب تتموقع بحكم توجهاتها الإيدولوجية في اليسار السياسي لتقاوم الرأسمالية و الليبرالية من أجل مجتمع يتساوى فيه الجميع.
و الغريب في الأمر أن الأحزاب السياسية المغربية الاشتراكية لم تستطع مند ظهورها إلى حد اليوم أن تُطبِّق هذه المبادئ و الشعارات على أرض الواقع و الحال أنها لا تزال تَنْعَتُ نفسَها بالاشتراكية. بل أكثر من هذا، إنها بمشاركتها في أكثر من حكومة سابقة، غرقت أو على الأقل، ساهمت طوعا أو كرها أو انتهازيا أو كذبا أو نفاقا في ترسيخ ليبرالية متوحِّشة لا تعترف إلا بالأغنياء و تُهمِّش إلى حد بعيد الطبقة المتوسطة و الطبقة الكادحة و الفقراء. بل و مند سنوات، و الأغنياء يزدادون غناءً و لم يتم القضاء على الفقر و الهشاشة و الإقصاء و لم تُحقَّق العدالة الاجتماعية رغم وجود هذه الأحزاب في مراكز القرار.
فأية اشتراكية هذه التي نسيت مبادئها و قِيَمها و عوَّضتْها بالسِّباق نحو الكراسي و حب السلطة و النفوذ. لقد أُفرغَتِ الأحزاب الاشتراكية من مضمونها السياسي و الاجتماعي و القيمي و لم تعد إلا جماعات من الأشخاص لا تصلح اشتراكيتُهم إلا لتسلُّق المراتب و الاستوزار و التَّبَرْلُمْ (الصعود إلى البرلمان)، الخ.
فعلى هذه الأحزاب أن تُسمِّي الأشياء بمسمياتها و ذلك بالتخلِّي عن مصطلح "الاشتراكية" و تعويضه بمصطلح آخر يظهرها على حقيقتها. لأنها اليوم كل شيء إلا الاشتراكية. و لا داعي للقول أن هذه الأحزاب خيَّبت آمال شريحة عريضة من أبناء و بنات هذا الشعب و خصوصا المثقفين الذين كانوا يعلقون عليها آمالا كبيرة في إرساء العدالة الاجتماعية و توزيع ثروات البلاد توزيعا عادلا.
و ما يثير الاشمئزاز، هو أن هذه الأحزاب أصبحت و بكل سهولة تتحالف مع أحزاب أخرى تتعارض مبادئها مع مبادئ الاشتراكية تعارضا صارخا قد لا يقبله العقل السياسي المتوازن و المُتَّزن و النزيه. و إن دل هذا على شيء، إنما يدل على أن المبادئ عند هذه الأحزاب التي تدَّعي أنها اشتراكية، أصبحت لا تساوي شيئا أمام المصالح الشخصية و التَّعطُّش الجنوني، إن لم أقل الهيستيري للاستوزار. و قد ظهر هذا واضحا أثناء تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة. وإنه لمن المُخجِل أن بصدرَ هذا التَّعطُّش للاستوزار من قيادات هذه للأحزاب الاشتراكية، التي، من المفروض، أن تكونَ قدوةُ و مِثالاً بُحتدى للآخرين. أحزاب أصبح تُسَيِّرُهَا نزوات هذه القيادات عوض القيم و المبادئ السامية.
أقلُّ ما يمكن قولُه هو أن الأحزاب التي تدعي أنها اشتراكية أصبحت تعيش اليوم في تناقض صارخ مع مبادئها و أيديولوجيتها و توجُّهاتها السياسية إذ كان من المنطقي، إن هي أرادت أن تبقى وفية لهذه التَّوجهات، أن تتموقعَ في المعارضة عوض مدلَّة استجداء الاستوزار.
فلنقل وداعاُ لمفهوم اليسار الذي لم يعد إلا كلمة فارغة مضمونا و شكلا. اليسار الذي سهر على ترسيخه في الذاكرة الجماعية رُوَّاد من العيار الثقيل من أمثال عبد الرحمان اليوسفي، عبد الرحيم بوعبيد، محمد العابد الجابري، محمد كسوس، علي يعتة، المهدي بنبركة، عزيز بلال و آخرون.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى