فاطمة قائد كاظم - إغفال الوجود الإنساني في السجن

من الصعب تماماً على أيَّ شخص خارجي أن يُدرك كيف أن الحياة الإنسانية لم يكن لها في المعسكر قيمة تُذكر .
فاطمة قائد كاظم

الثقافة هي (الخلق المستمر للذات) أما الحضارة فهي (التغيير المستمر للعالم ) و هذا هو تضاد الانسانية و الشيئية .
– علي عزت بيجوفيتش


الهزيمة في الحرب العالمية الأولى ، معاهدة فيرساي ، أزمة الكساد الاقتصادي ، اتهام مراكز القوى المتمثلة في الديموقراطيون الاشتراكيون وحكومة فيمر ببيع ألمانيا .
كل هذه الأحداث أدت الى التفكير في ضرورة وجود حزب يعمل على اتحاد العمال ورفع الاقتصاد من كبوته ورفع نسبة الشعور والانتماء الوطني للشعب الألماني بعدما أحبطته هزيمة الحرب العالمية الأولى للفكر العمالي الاشتراكي الألماني .

في 5 يناير 1919 قام انتون دريكسلر والصحفي كارل هارير بتأسيس حزب العمل الألماني في ميونخ .
باكراً في عام 1920 قام دريكسلر بتغيير لأسم الحزب كما أوصى هتلر من حزب العمل الألماني إلى حزب العمل القومي الاشتراكي الألماني .

في عام 1921 أصبح هتلر قائداً للحزب لما تمتع به من مهارات تنظيمية وقدرة على الخطابة .

في كتاب ” الإنسان والبحث عن المعنى ” يُحدثنا دكتور ” فيكتور فرانكل ” ( طبيب نفسي نمساوي و مؤسس العلاج بالمعنى الذي هو شكل من أشكال العلاج النفسي الوجودي ) عن حياة النُزلاء في معسكرات الاعتقال النازية أبان حكم هتلر . حيث كان دكتور فرانكل أحد المعتقلين في معسكر اوشفيتز .

لقد كانت حياة النزيل في المعسكر كلها مشقة ومعاناة ، حيث الألم النفسي أعمق من الألم المعنوي ( الجسدي)
” كان السجين يشعر أنه شخص منحط لا قيمة له بالكلية ”
( فرانكل )

كان يتم في هذه المعسكرات إغفال تام للوجود الإنساني للسجناء ، حينما كان يجري ترتيب موكب نقل المرضى ، فأجسام المرضى الهزيلة كانت تُلقى على عربة ذات عجلتين يقوم بجرها مسجونون لعدة أميال ، غالباً في العواصف الثلجية لكي ينقلوها الى المعسكر التالي . وإذا حدث وأن ألقى أحد المرضى حتفه قبل أو أثناء رحيل العربة فإنه كان يُلقى بهِ في أي مكان .
هنا ينبغي أن تكون قائمة المرضى صحيحة . فالقائمة هي الشيء الوحيد الذي يعنيهم في كل ذلك. لقد صار الشخص عبارة عن رقم من الأرقام ، وسواء أكان حياً أم ميتاً فأن هذا ليس بالأمر المهم .
أما حياة ” الرقم ” فلم تكن موضع اعتبار تماماً. وما يكمن وراء ذلك الرقم وتلك الحياة فلم يكن يعني إلا قليلاً ; مصير الشخص ، تاريخه وأسمه .


يقول دكتور فرانكل : كنا نشتغل بحمل ألواح خشبية ثقيلة وطويلة على طريق ثلجي و وعر ، وإذا حدث و زلّت قدم شخص فإننا نسقط تباعاً .
كان معنا شخص يعاني من قصور ولادي في أحدى قدميه ، كان سعيد جداً معنا لأنه في العادة الأشخاص المرضى واللذين يعانون من تشوهات خلقية يتم قتلهم . وبينما نحن نسير أثناء الطريق أصبح هذا الشخص يعرج من رجله وكاد أن يسقط على الأرض ، فذهبت لمساعدته بدون تردد .
ولهذا السبب ضربني الحارس على ظهري وراح يشتمني وأرغمني للرجوع الى مكاني على الرغم من إنه قبل دقائق قال لنا هذا الحارس أنكم تنقصكم روح الزمالة !

من الواضح من خلال هذه القصة إنهم كانوا في معسكرات الاعتقال النازيّة يسعون للقضاء على إنسانية الإنسان .
حتى بات الشعور السَويّ متوارياً ، ولتتبدل معها المقاييس ليصبح رد الفعل غير السوي إزاء موقف غير سوي هو استجابة سوية ، فبينما يجد السجين نفسه في البداية لا يستطيع إلا أن يُدير وجهه عند أي عملية إهانة أو ضرب وتعذيب لزملائه ، لكن مع الوقت سيُصبح مُتبلّداً ولا يُبدي أيّ حِراك إزاء ما يراه ، وأصبحت البلادة ميكانيزما للدفاع عن الذات .
حيث تبلّدت مشاعر السجناء إذ بات غير البديهي هو المألوف حتى بلغت حد التصالح مع حوادث الموت ، يقول فرانكل : ” قضيت فترة داخل كوخ مرضى التيفوس وبعد أن لقيَّ أحد المساجين حتفه صرت أُشاهد الموقف دون أيّ تأثر أو مشاعر مما تُصيب الفرد مع مشاهد الموت المعتادة .
وكان بقية المساجين يدنون منه ليسرق أحدهم قطعة بطاطس كانت معه واخر سرق حذائه واخر سرواله …الخ
وكنت أشاهد كل هذا بغير اكتراث! ثم طلبت من التمرجي إبعاد الجثة بكل بساطة ” .

فمع كل هذه البلادة واللااكتراث تجاه الاخر لا عجب أن راودت كل سجين في معسكر اوشفيتز فكرة التخلص من حياته ” الانتحار ” التخلص من اللامعنى الذي إنقضَّ عليه ، يقول دكتور فرانكل:
” فكرة الانتحار قد راودت كل شخص منّا تقريباً ولو لفترة قصيرة ”
حيث قرر بعض السجناء إنهاء حياتهم بشتى الطرق المُتاحة لهم داخل هذا المعسكر .
بينما بقيَّ الاخرون في محاولة لصنع معنى لمعاناتهم ومنهم دكتور فرانكل .


( المعنى الذي يُولد من رحم المعاناة )

” بين الحزن واللامبالاة سأختار الحزن ”
– علي عزت بيغوفيتش

” الإنسان كائن حي بمقدوره التعود على أي شيء ”
– دستيوفسكي


مع الوقت، باتت المعاناة في سجون النازية هي الأصل ، حتى أَلِفها السجناء ، فالثياب رثة الهيئة التي يلبسها السجناء ستبدوا مع الوقت أنيقة في عيونهم ، ومشهد الإهانة سيصبح معتاداً هو الآخر .

كان العقاب ينزل بالسجين لأبسط الأسباب ، وفي بعض الأحيان دونما سبب على الإطلاق ، لكن الألم الداخلي كان هو ما يجرح نفوسهم ، لا مجرد الآلام الخارجية : ” فمما يبعث على الاستغراب أن الصفعة التي لا تترك على الوجه علامتها تستطيع – تحت ظروف معينة – أن تسبب إيلاماً وإيذاء أكثر من تلك الصفعة التي تترك على الوجه أثراً ”
عن الألم النفسي ، يقص دكتور فرانكل أثناء عمله في درجة حرارة 2 فهرنهايت في غابة تابعة للمعسكر، إذ جاء رئيس العمال ونظر إليه ثم بدأ : ” أنت يا خنزير! لقد كنت أراقبك طوال الوقت ! سوف أعلمك أن تعمل وسوف تموت كالحيوان إن لم تعمل بجد!

ما مهنتك؟!

قلت : طبيب أخصائي

قال : أنا واثق أنك كنت تجمع المال وتبتزه من الناس !

لم يكن الألم الذي أصاب دكتور فرانكل جراء الضرب بأعظم من الألم الذي خلّفته كلمات الحارس ، فقد عاش فرانكل حياته كفافاً لا يتقاضى أجراً ، فلِمَ تعمد هذا الحارس أن يسبه بكلمات قاسية دون سابق معرفة بينهما ؟!

وفي سياق هذا الحديث يحكي لنا دكتور فرانكل قصة اخرى قائلاً : كنت أعمل بسكة الحديد في يوم ثلجي أُصلح الخط الحديدي للسكة من خلال ضرب السكة بالحصى ، حيث كنت أقنع نفسي إنه بهذه الطريقة سوف أستطيع أن أُدفئ نفسي .
تَعِبت فتوقفت دقيقة لأرتاح ، وفي هذه الأثناء إلتفتَ الحارس جهتي فوجدني جالس بلا عمل ، فألتقط الحارس حجرة صغيرة ورماني بها ، ثم أدار وجهه ، لم يسبّني أو يضربني ، مجرد رماني بحجرة صغيرة .
هذا التصرف شُبه لي بالطريقة التي نستخدمها لجذب انتباه حيوان ما ، وهذا الحيوان لا يشبهنا ولا نشبهه بأي شكل لذلك لا يخطر ببالنا أن نعاقبه أو نؤذيه .

يقول دكتور فرانكل اعتبرت هذا التصرف إهانة كبيرة ومؤلمة لي ، فلو ضربني أو سبّني لاعتبرت هذه عقوبة أكثر كرامة !



( العلاج بالمعنى وجوهر الوجود )

” ليس العالِم هو الذي يعطي أجوبة صحيحة ، وإنما هو الذي يسأل الأسئلة الصحيحة ”

– ليفي شتراوس

في الفترة التي أُعتقل فيها دكتور فرانكل أُجبر على أن يبصر الحياة من جديد ، وأن تنبثق أمامه رؤية جديدة للحياة لا تعبأ بما يعبأ به الناس ، فبقدر ما طغى الألم في كثير من المشاهد فقد كان المعنى حاضرا وبقوة . حتى رسموا من معاناتهم صورة جديدة للحياة والوجود ، يقول دكتور فرانكل : وبعد فترة وجيزة في المعسكر بدا لي أني سأموت قريباً ، وكان السؤال الشاغل للزملاء : هل سنبقى أحياء بعد الموت ؟! حتى تكون لهذه المعاناة معنى ! أما السؤال الذي شغلني : هل لكل هذه المعاناة من حولنا معنى ؟ وللموت من حولنا معنى ؟ إذ لم يكن الأمر كذلك فليس لبقائنا أي معنى !

يوضح فرانكل تصوره وينهيه بقوله. “هذا المعنى المُضاف على الحياة هو الذي يجعل الإنسان قادراً على مواجهة آلامه التي لا يستطيع لدفعها سبيلا ، فحينما يجد الإنسان أن مصيره المعاناة ، فإن عليه أن يتقبل آلامه ومعاناته كما لو أنها مهمة مفروضة عليه ، وهي مهمة فريدة ومتميزة . وفي الحقيقة عليه أن يعترف بأنه وحيد وفريد في هذا الكون حتى في معاناته تلك ، ولا يستطيع أحد أن يخلصه من معاناته أو أن يعاني بدلا منه ، وتكمن فرصته في الطريقة التي يتحمل بها أعباءه ومتاعبه ” .

الشعور بالتسامي”، هذا هو ما عبر عنه دكتور فرانكل وهو ما ذكره دستيوفسكي مرة بقوله : ” يوجد شيء واحد يروعني وهو ألا أكون جديرا بآلامي “.
إذ كلما كانت الحياة أشق واستطاع الإنسان أن يُوجد لنفسه معنى بداخلها كان ذلك أمارة على غِناء حياته الداخلية ; ” إذا كان هناك معنى في الحياة بصفة عامة ، فإنه بالتالي ينبغي أن يكون هناك معنى للآلام والمعاناة ، فالآلام والمعاناة جزء من الحياة بل ويتعذر التخلص النهائي منها ، شأنهما شأن حياة الإنسان ذاته ” أما من يفقد حياته الداخلية فإنه يفقد الثقة في المستقبل ، بل قد حكم على نفسه بالفناء ، ومع فقدان الثقة في المستقبل يفقد المرء تماسكه المعنوي ، ويكون بذلك قد ترك نفسه للتدهور ، وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي .
فالمعاناة حالة نسبية ، وإن محاولة تنمية روح المرح ورؤية الأشياء من منظور مرح ، يعتبر نوع من الحيّل المُتعلمة من خلال التمكن من فن الحياة .

فاطمة قائد كاظم


المصدر :
كتاب الإنسان والبحث عن المعنى لفيكتور فرانكل .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى