د. أحمد الحطاب - هل التَّديُّنُ مقترِنٌ دائما بسُمُوِّ القِيم الإنسانية؟

قد يقول فائلُ أنه لا داعيَ لطرحِ هذا السؤال ما دام التَّدَيُّنُ، حتماً، مقترِنا بالقيم الإنسانية. نعم و بكل تأكيد. لكن، فقط على المستوى النظري و يبقى الواقعُ هو الحَكَمُ. لماذا؟ لأن التَّدَيُّنَ يهُمُّ الإنسانَ و تصرُّفاتُ الإنسان تتأرجحٌ بين بين الخير و الشرِّ. و التَّأرجحُ بين الخير و الشرِّ يحكُمُه العمل أو عدمُ العمل بالقيم الإنسانية.
و هذه الاعتبارات تقودُني إلى التساؤل التالي : "لماذا نزلت الأديانُ السَّماوية؟" نزلت الأديان السَّماوية من أجل تعزيز القيم الإنسانية و العمل بها في التَّصرُّفات و السلوكات و المُعاملات… و الدليل على ذلك أن النبيَ و الرسولَ محمد (ص) قال في أحد أحاديثِه الشريفة : "إنما بُعِثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ".
الأديانُ السماوية، في الحقيقة، هي نِعمةٌ من الله لعبادِه أجمعين. تُضافُ إلى هذه النِّعمةِ نِعمةٌ أخرى ألا و هي نِعمة العقل التي فضَّلَ بها سبحانَه و تعالى البشرَ عن سائر المخلوقات الأخرى. فلماذا مَنحَ اللهُ العقلَ للبشر و أنزل لهم أديانَا تنيرُ طريقَهم و تُخرِجُهم من الظلمات إلى النور؟ أولا، لأن اللهَ يحب الخيرَ لعباده، و ثانيا، ليُمكِّنَهم من التعايش و التساكنِ في مجتمعٍ تسود فيه القيم الإنسانية و ما يترتَّبُ عنها من مكارِم الأخلاق.
و هذا دلِيلٌ على أن القيم الإنسانيةَ كانت موجودةً قبل نزول الأديان السماوية. كما إنه دلبلٌ على أن التَّديُّنَ بدون قيمٍ إنسانية ليس تدَيُّنا. و إنه كذلك دليلُ قاطع على أن اللهَ سبحانه و تعالى يُريد؟ كما سبق الذكر، الخيرَ لعباده و يوصيهم بأن ينشروا هذا الخيرَ من حولهم مصداقا لقولِه سبحانه : "وَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ مَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (البقرة، 110).
و الخير هنا ليس محصورا في الصدقة و الإنفاق على الفقراء و المُحتاجين. المقصود بالخير ، في هذا الصدد، هي الأعمال و الأفعال التي تُرضي الله، أي الأعمال و الأفعال المستمدَّة من القِيم الآنسانية. و على سبيل المثال، أذكرُ من بين هذه القيم : الاستقامة، الصِّدق، الأمانة، البِرُّ، الإحسان، الكرم، التواضُع، العدل، الاعتدالُ، الصَّبر، الشكر، الابتعاد عن النميمة، الوفاء، التعاون، التسامح، الإيثار…
و هنا، لا بدَّ من التذكيرِ بأن التَّديُّنَ عبادات و معاملات. فإذا لم تُعبِّد العباداتُ الطريقَ لحسن المعاملات و سموِّها، فإن التَّديُّنَ يبقى تديُّنا شكليا. تديُّنٌ يفصل بين العبادات و المعاملات علما أن هذين العُنصرين مرتبطان ارتبطاً وثيقاً، الأول بالثاني و العكس. التَّديُّنَ ليس أمراً يُتَباهَى به أمام الناس. التديُّنُ بشقَّيه، العبادات و المعاملات، وسيلة للتًّقرُّب من الله. آما أن يكونَ أو لا يكون.
فمهما كانت كثافة و تعدُّدُ الأشخاص المُتبنِّين للتَّديُّن، فإن لم يقنرن هذا الأخيرُ بالقِيم الإنسانية، فإنه تديُّنٌ مُفرغٌ من غاياته النبيلة. و هذا يعني أن كلَّ تديُّنٍ مقتصرٍ على العبادات و مُهملٍ إلى حدٍّ كبير دورَ القِيم الإنسانية في المعاملات، هو تديُّنٌ قد يُصنَّفُ في خانة تديُّن الواجهة.
فما قيمةُ الآقبالِ المكثَّف على التَّديُّن بعيدا عن القيم الإنسانية؟ و لو امتلأت المساجد و لو تكرَّر الصِّيام و الحجُّ و العُمرة...؟
ما يُلاحَظُ في أيامنا هذه، هو أن التَّديُّنَ، عند بعض البشر، لا يعدو أن يكونَ فقط واجهةً من الواجهات أو تباهي لغرضٍ ما.
ما تجب الإشارةُ إليه هو أن تديُّنَ الواجهة أو التباهي قاد و يقود و سيقود إلى أزمة قِيمٍ. وما يزيد في الطين بلَّةً هو أن هذا النوعَ من المتديِّنين هم مَن يختزل الدينَ في المُحرَّمات. مُحرَّمات تُثيرُ، أحيانا، السُّخرية و الاشمئزازَ. فهناك مَن يحرِّم الصُّور و التَّصوير و هناك مَن يحرِّم ذهابَ البنات إلى المدرسة و هناك مَن يحرِّم ما انتجه الغربُ من تكنولوجيات و هناك مَن يُحرِّمُ بعضَ أنواع اللباس و مناك…
و الغريب في الأمر، هو أن هؤلاء المتدينين، المُفرغُ تديُّنُهم من القيم الإنسانية، لا يحرِّمون مثلاً زواجَ القاصرات و يستعملون، في بيوتهم و خارجَ بيوتِهم، ليل نهارٍ التكنولوجؤات التي أنتجها الكُفَّارُ. علما أن العقلَ المستنيرَ، السَّليمَ و المشبَّعَ بالقيم الإنسانية، يقول : كل ما فيه مصلحةٌ للعبادِ (للإنسان)، مباحٌ. بل إن الدِّين، في حد ذاتِه، فيه مصلحةٌ للناس. فالدِّينُ كلُّه مرونة مصداقا لقوله سبحانه و تعالى : "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا…" (البقرة، 286). بل المتديِّنون الفاقِدون للقيم الإنسانية هُم الذين يعقِّدونَه.
و إذا كان الحقُّ سبحانه و تعالى رؤوفاً و لطيفاً بعباده، فكيف لمُتديِّنين، بعيدين كل البُعد عن القيم الإنسانية، أن يحرِّموا ما لم يُحرِّم الله. إنه في الحقيقة تطرُّفٌ ما بعده تطرُّف. تطرُّفٌ يتِمُّ بموجبِه تأويلُ الدين حسب الأهواء و النَّزَعات الشخصية.
ما بمكن استخلاصُه من ما سبق، هو أن ما يُلاحَظُ من إقبالٍ على التَّديُّن عند بعض الناس ليس مرفوقاً، كما هو مُفتَرَضٌ، بقِيمٍ إنسانية تمَشِّياً مع ما يحثُّ عليه الدِّينُ النَّيِّرُ و المستنير. هناك، في الحقيقة، تعطيلٌ للقيم الإنسانية التي، بدونها، التَّديُّنُ ليس إلا ذرٌّ للرماد على العيون.
و حتى إذا تركنا التَّديُّنِ جاتبا، فحُسنُ التَّساكن و التعايش يقتضي أن يكون الفُردُ و الجماعةُ مُتخلِّقين كما أشار إلى ذلك الشاعرُ أحمد شوقي:
وإنِّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ
فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُمْ، ذَهَبُوا.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى