أ. د. عادل الأسطة - جمال بنورة في مجموعته "حكاية جدي"

السؤال الذي يثيره قاريء مجموعة جمال بنورة " حكاية جدي " هو :
- هل أصبح أسلوب السرد في فن القصة عاجزا عن التعبير ومملا ورتيبا أم أن الأسلوب ذاته لا غبار عليه ، وإنما يكون التقصير في توظيفه واستخدامه ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال نقول إن جمال بنورة ، في قصصه كلها التي نشرت في مجموعتيه " العودة " و" حكاية جدي " ثم قصصه التي نشرت في الصحف ، يعتبر واحدا من القصاصين الذين التزموا بهموم الناس اليومية تحت الاحتلال ، وأنه استطاع من خلال قصصه أن يرصد هذا الواقع رصدا يكاد يقترب من التسجيل ، ولكنه ، على الرغم من اعتماده على الحدث اليومي ، لم ينقله كما هو. إنه يعبر لنا أيضا عن موقفه من الحدث ومن الشخصية التي ترتبط به لدرجة يكاد يسقط عليهما تفكيره وانتماءه بأسلوب يكاد يقترب من الشعارية ، وليس أدل على ذلك من قصص " حكاية جدي " ، فالقصص الستة فيها تعكس هموم الناس الموزعة على مصادرة هوية الإنسان الفلسطيني الوطنية / القومية واستغلاله طبقيا .
في قصة " حكاية جدي " التي حملت المجموعة عنوانها يصور القاص شخصية الجد المكافح المتمسك بالأرض ، وفي قصة " السقوط " يذم القاص الإنسان المتخاذل ويؤلب القاريء عليه ، وفي قصة " صباح قارس " يصور معاناة العامل واستغلاله وطنيا وطبقيا ، وفي قصة " المواجهة " يصور تصدي الطلاب للاحتلال ومقاومته ورفضه ، وفي قصة " موت إنسان " يأتي القاص على الغريب الذي يأتي إلى القرية ليساهم في الخلاص ، وأما القصة الأخيرة " الصنم الذي تحطم " فيصور القاص فيها الفئات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني .
جمال بنورة وأسلوب السرد :
في معالجته للموضوعات والقضايا السابقة يلجأ القاص إلى أسلوب السرد أسلوبا وحيدا ، وإن كان الحوار يتخلل السرد في أحيان كثيرة ، ولكن الحوار يظل أقرب إلى السرد فالجمل طويلة لدرجة يفقد فيها الحوار ميزته في كسر رتابة السرد ، وهكذا يكون الحوار متمما لأسلوب السرد لا أسلوبا ثانيا مختلفا ، وغالبا ما يكون الحوار على لسان القاص لا على لسان الشخصية القصصية ، وهذا يفقد العمل الأدبي ميزة مهمة تتمثل في شد القاريء وتعاطفه مع الشخصية أو مواصلة الاستماع إليها . يظل صوت القاص هو الحاضر حتى في الحوار الذي لا يبدو ناميا من رحم الحدث وإنما يكون مخططا له .
إن القصة الأخيرة " الصنم الذي تحطم " تعد خير مثال لما أذهب إليه . الشخصية الرئيسة في القصة هي شخصية شاب من بيئة فقيرة ؛ شاب تعلم وأصبح طبيبا وفي أثناء دراسته كان يتردد على بيت زميل له برجوازي . يعجب الشاب بأخت صديقه ويتمنى لو يتزوجها ، ولكن هذا لا يتم . بعد أن يتخرج الشاب تزوره الشابة التي صارت زوجة ، ويكون سبب ترددها عدم سرورها في زواجها ، فزوجها يغرق في عالم المادة .
يكون الطبيب شخصية مترددة . هنا يقحم القاص شخصية ثالثة هي شخصية فتحي صديق الطبيب في أيام الدراسة لتكون العامل الحاسم في عدم انجراف الطبيب وراء الفتاة التي تود استدراجه إلى طبقتها لحبه لها . في أثناء التقاء الطبيب بالزوجة يبدأ يتذكر الماضي ويتذكر أيضا صديقه فتحي ، فيحضر الماضي بكل تفاصيله وكأنه يجري الآن - أي لحظة استحضاره ، ولا يكون حديث فتحي القديم مجرد إشارات تلمح وتكشف ، وإنما يسترجع استرجاعا كاملا كما لو أنه مسجل على شريط . حين يكون الطبيب والزوحة معا في الغرفة ويسترجع الماضي نقرأ الحوار القديم مع فتحي كاملا :
" واحتج فتحي الذي حاول أن يقنعني بعدم جدوى معرفتي بكم ، وكانت تربطني به صداقة حميمة ولا تزال .
- ما هذه العلاقة التي تقيمها مع هؤلاء الناس ؟ ألا تشعر باستعلائهم عليك ؟ ألا تشعر بأنك تتطفل عليهم ؟ هل تدخل بيوتهم ؟ هل ترافقهم في سهراتهم وجلساتهم وحفلاتهم ؟ - هل تتحدث مع أخواتهم ؟ هل يسمحون لك بذلك ؟
- أنا لا أدري ما ترمي إليه ، ما يمنع أن تكون لي علاقة بهم ؟
نعم أنا أدخل بيوتهم أحيانا وأتحدث مع أخواتهم أيضا . إذا كان هذا ما يهمك السؤال عليه .
- لعلك أيضا واقع في حبها .
- " وكان يقصدك أنت " . ولم أستطع أن أخفي عنه ، فقد كان أذكى من أن أخفي عليه شيئا ...
وأضاف :
- هل يزورونك في بيتك ؟
- أنا أخجل أن أستقبلهم في بيتي ، فأنت تعلم ، ليس لدينا سوى غرفة واحدة ، وعلاوة على ذلك كنت أخشى أن يرفضوا حتى لو دعوتهم لذلك ولم أكن على استعداد أن أتحمل مثل هذا الرفض الذي سيطعنني في كرامتي ، وسيكون فيه نهايتي لعلاقتي بكم . " .
أضاف فتحي قائلا :
ورغم ذلك تسمح لنفسك بأن تحب فتاة ليست من طبقتك وربما كانت تحتقرك أيضا ...
قلت مغيظا :
- لا تقل هذا الكلام ... أنا لا أسمح لك ...
سأل في برود :
- وماذا تطمع من وراء الحب ؟
وعندما لم أرد عاد سأل :
- هل جعلتها تعرف بذلك ؟
سوف تعرف يوما ما ... لا بد أن تعرف .
ورغم ذلك لم أجرؤ على أن أجعلك تعرفين بذلك ... حتى هذه اللحظة .
وجاء في صوتها :
- هل سرحت عني ثانية ؟ كأنك في عالم آخر ... ألست معي ؟ " .
يبدو في هذه القصة ، ومثلها أيضا قصة " موت إنسان " أن الكاتب ، حين يكتب ، يكتب دون أن يتمثل اللحظة ، وإنما يسرد التفاصيل كلها بغض النظر عن مدى توافق سردها مع طبيعة الموقف ، وهذا الحوار الذي استغرق صفحة كان من الممكن أن يكون كما هو لو كان فتحي والطبيب يتحاوران معا في هذه اللحظة ، وتذكر الحوار كاملا بحذافيره في لحظة يعيش فيها الطبيب مع الزوجة ليس له ما يبرره ، وكما أوضحت في السابق فإن طبيعة الموقف والفترة الزمنية بين جريان الحوار ولحظة استرجاعه تقتضي تكثيفا للحوار يختصر في خلاصته .
هنا سوف أجيب عن السؤال الذي يثيره جمال بنورة حول السرد التقليدي واعتراض النقاد أحيانا عليه .
غالبا ما يتساءل جمال بنورة :
- هل أصبح أسلوب السرد عاجزا عن التعبير عن هموم الناس وقضاياهم ؟
إن أسلوب السرد لم يكن هكذا ولن يكون وسيظل أداة فنية ناجحة إذا أحسن الكاتب استخدامه .
هنا أتذكر قصص توفيق فياض ومحمد نفاع ومحمد علي طه في مجموعاتهم " البهلول " و " الأصيلة " و " جسر على النهر الحزين " . إن أسلوب السرد فيها يعد نموذجا جيدا للاستشهاد بفعاليته ونجاعته وإعجاب القاريء به . ويمكن هنا أيضا الإشارة إلى مجموعة أحمد حسين " الوجه والعجيزة " ؛ المجموعة التي نلحظ فيها براعة فنية متقدمة في توظيف أسلوب السرد لإنجاح العمل الفني . وتظل موهبة القاص وثقافته ومراجعته لعمله الإبداعي هي الفيصل في نجاح الأسلوب .
مع قصتين :
أعود إلى قصتين هما " حكاية جدي " و " المواجهة " .
القصة الأولى تصور شخصية جد الراوي ، ويركز القاص فيها على الشخصية . يروي الحفيد عن تعامل الجد مع مجموعة من الأمور تتمثل في رفضه الخدمة في جيش الأتراك وكرهه الإنجليز ورفضه بيع الأرض في زمن الاحتلال ، ثم رفضه الزواج من غير زوجته المتوفاة .
والسؤال هو :
- هل نلحظ توازي بين هذه الأمور لتصب في النهاية في مصب واحد هو صلابة الشخصية وإعجاب الراوي / الحفيد بها ؟
باديء ذي بدء نحن نحترم شخصية الجد الإيجابية لرفضها التعاون مع الظالمين ولبحثها عن انسانيتها في وطنها ، ولكن الخط الذي يجب أن يطور في القصة ، وهو صلابة الشخصية في موقفها من الغزاة لا يستمر حتى نهاية القصة . وإذا كان القاص أراد أن يقول إن حب الحد لزوجته نابع من عملها معه في الأرض حتى يؤكد تمسكه بأرضه ، فإن هذا لم يكن مقنعا داخل النص القصصي ، فالقاص في نهاية القصة يركز على تمسك الجد بموقفه الرافض للزواج من غير زوجته المتوفاة على أساس تعاملها اليومي معه ، لا على أساس مشاركتها له في رفض الغزاة ، فهي وإن عملت معه في الأرض وولدت ابنه في الحقل ، إلا أن هذا لا يكفي فنيا لخلق حالة من التوحد بين الشخصيتين ، وإذا كان عملها في الأرض يشكل عاملا إضافيا لاحترامها ، فإنه لا يظهر في نهاية القصة على لسان الجد :
" عشت معها زمنا . كانت نعم الزوجة . لم تخالف لي أمرا ولم تغضب مني مرة . أنا أيضا لم أكن أستطيع إغضابها . لم تفعل في حياتها ما يستوجب ذلك ... كانت واهبة حياتها لأجل سعادتي والتفاني في خدمتي . لا استطيع ان أنسى العشرة الطويلة . وبعد تسألني لماذا لا أتزوج ؟"
وما نستنتجه ، بعد قراءة القصة ، هو أن القاص أراد أن يركز على الشخصية كمحور أساسي في تعاملها مع مواقف كثيرة يجمع بينها خط واحد هو الوفاء ، والوفاء بقوة ، فالجد وفي لأرضه ووفي لزوجته وهو صلب يرفض المساومة ، ولكن هل ثمة ربط فني متين بين الزوجة والأرض ؟
إذا كنا نلمح ذلك في جزأي القصة ، فإن ربطا فنيا بين الزوجة والأرض لا يستمر في بنية القصة من صفحاتها الأولى حتى نهايتها ، بل إننا نجد تفككا وتجزيئا لا يخدم العمل الفني ، وبالتالي فإن عنصر الإقناع يبدو ضعيفا ، حيث أننا نتساءل :
- ما هو العنصر الأساس في القصة ؟
- وهل القصة تبدو متماسكة أم أنها تدمج قصتين معا تربط بينهما الشخصية ؟
القصة الثانية هي " المواجهة " ، والحدث فيها يتمثل في المواجهة بين الطلاب والجنود ، ولكن القصة تحمل ما لا تحتمله قصة قصيرة .
يجب أن تتمتع القصة القصيرة بمبدأ " وحدة الانطباع " - ويقصد به أنك بعد قراءة القصة يجب ان تخرج بانطباع واحد لا أكثر . إن اختيار شخصية ما أو حدثا ما أو فكرة ما للكتابة عنها في قصة قصيرة واحدة يجب أن يجنب الكاتب الخوض في تفاصيل كثيرة هي من طبيعة الرواية أو القصة الطويلة .
يكتب جمال بنورة في هذه القصة عن موقف التجار الرافض لسلوك الطلاب المتمثل في الإضراب . كذلك يأتي على موقف الجنود أنفسهم مما يجري بالإضافة إلى مواجهة الطلاب للاحتلال ، وفوق هذا مدحه فئة محددة ... شخصيا لا أريد أن أناقش أي فكرة من هذه الأفكار ، ولكني أتساءل إن كانت القصة القصيرة تحتمل عدة أفكار .
لو كانت هناك شخصية محورية تحاكم ما يجري لربما اقتنعنا بكل ما أراد القاص قوله في قصته . ولو سخر القاص أسلوب تيار الوعي أو المونولوج الداخلي واعتمد التكثيف لربما أمتعنا قصصيا . إن الأسلوب الذي لجأ إليه ، وهو أسلوب السرد التقليدي ، معتمدا على وصف الأحداث من الخارج أوقع القصة في مأزق فقد حملها ما لا تحتمله قصة قصيرة ، ويخرج القاريء وهو يتساءل :
- ماذا يريد القاص أن يقول ؟
هل أراد أن يذم التجار فعلا ؟ هل أراد أن يمدح الطلاب ؟ هل أراد أن يقول لنا إن موقف جنود الاحتلال ليس واحدا ؟ ... أم أراد أن يقول لنا إن المواجهة هي ما يجب أن تكون وهي الحل ؟ وفوق ما سبق فإن الحوار بدا مصطنعا . وأعتقد أن ما ورد فيه كان ينبع من قناعات القاص لا مما يدور على السنة الشخصيات .
ولست أدري لماذا يقحم قصاصونا أنفسهم في الخوض في أمور لا يحتملها النص نفسه . هنا أتذكر رواية أديب رفيق محمود " الحصار " لأشير إلى الظاهرة ذاتها وهي الكتابة عن المجتمع الإسرائيلي بتوجهاته المختلفة . نحن هنا لستا ضد الحوار ويجب عدم الحديث مع أطراف في المجتمع الإسرائيلي ولكني أتساءل :
- هل تحتمل طبيعة الحدث داخل الكتابة الفنية هذا الموضوع أم لا ؟
في قصة " المواجهة " مواجهة لا تحتمل أكثر من العنف . إن اللحظة هي لحظة مواجهة وهذا ما أراده القاص من خلال العنوان ، والشيء ذاته في رواية " الحصار " . إن الخروج عن لحظة الحدث في واقع مواجهة يبدو نشازا جدا لعدم احتمال الحدث ذلك .
( جريدة " الشعب " المقدسية
٢٤ أيلول ١٩٨١ ) .



https://www.facebook.com/adel.alosta.9/posts/2999773613609521

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...