سعيد العليمى - سيمياء الخطاب القانونى السلطوى

القانون يطحن الفقراء، أما الأغنياء فيتحكمون فيه- جولد سميث، المسافر.

تخفي معظم الأفكار التي تطرح عن القانون طبيعته السياسة فضلا عن وظائفه. ويعود ذلك إلى طبيعة وشكل القانون، وكيفية تفكيرنا فيه. إذ تجري تعمية واقع السلطة بينما يُُعقلن النظام السياسي القائم في عبارات بلاغية منمقة عن المساواة، والحقوق، وحكم القانون. ومن الجلي أن هناك عملا منهجيا ضئيلا حول السلطة والقانون رغم حقيقة أن ما يميز القانون هو أنه يعمل على تيسير التمييز والاستغلال. وهو يشتغل بهذه الطريقة في أربعة مجالات بصفة أولية: الطبقة، والجنس (من حيث الأنوثة والذكورة)، والعرق، والأيديولوجية. لقد كانت السلطة تمارس في معظم المجتمعات ما قبل الحديثة بطرق لا تقيدها فيها أفكار الشرعية والحق. لذا يعوزنا أ، نفسر كيف يوظف مفهوم القانون هذا لتبرير النظام السياسي للمجتمع لحديث ولم لا يفهم- ولا يعمل فعليا- بوصفه السيطرة المكشوفة لجماعة على أخرى.

يعني شيوع القانون في المجتمع الحديث إنه يتعين تحدي القانون من داخله بواسطة ما يمكن أن نسميه العصيان القانوني. ولا يكفي أن ننتقد القانون وبناة السياسة الكامنة، إنما يعوزنا أن نتحرك ما وراء مجرد الانتقاد إلى النقد، ومن ثم أن نعرض التناقضات التي تمثل أساس مبادئ، وسياسات، ومذاهب القانون البورجوازي. يتعين علينا أن نحلل ونفكك الآثار المادية والقواعد الأيديولوجية التي بني عليها القانون حتى نفهم سلطة الخطاب القانوني الحديث بوصفه نموذجا ثقافيا سائدا.

تمثل طرق التفكير التي سادت الفكر الاجتماعي الأوربي حول القانون خلال المائتين عام الماضية نموذجا أطلق عليه عدة تسميات: النزعة الشكلية، النزعة الوضعية، العلمية/العقلانية والحديثة. يخفي هذا النموذج بني السلطة السياسية بعرض الخطاب القانوني وكأنه خطاب محايد، خال من أحكام القيمة ويتسم بالصفة العلمية. كما يفصل الخطاب القانون عن الخطابات الأخرى، وخصوصا الخطابات الأخلاقية والسياسية. وهو يجرد البشر من وجودهم الاجتماعي وينشئهم بشكل حصري بوصفهم حملة حقوق قانونية، وخاضعين للالتزامات القانونية. إنه يؤقنم الأفراد، وينشئ العلاقات السياسية والاجتماعية بين البشر.

النزعة الشكلية القانونية

للنزعة الشكلية التي نعتبر أنها ترمز إلى هذا النموذج، ثلاث أبعاد رئيسية: أولا، إنها تمثل فكرة أن القانون يصدر عن الدولة وهيئاتها حتى ليبدو أن كل القواعد القانونية إمرة أرادها المرجع السياسي للسلطة. إن السلطة التشريعية تضع القانون أو يؤسسه القضاة. إنه يصدر عن الدولة، التي ينظر إليها بوصفها قوة خارجية لا شخصية تحكم الناس من أعلى، وهي ذات سيادة غير مقيدة، ولها سلطة مطلقة في وضع القواعد. وقد خلقت بواسطة المؤسسات القانونية نفسها، وتظهر بوصفها مستقلة نسبيا عن "النظام الاجتماعي" الطبيعي. لا تتحدد صلاحية القانون بمحتواه الواقعي، وإنما بالمسائل الشكلية التي تختص بأسبقيته (نظام السوابق القضائية) وتاريخه وصحته الإجرائية.

إن نشأة الدولة القومية البورجوازية واكتسابها الشرعية هو المفتاح التاريخي المحدد للنزعة الشكلية. تتصرف الدولة الحديثة باستقلال عن الرقابة الحقيقية من قبل المحكومين، بالرغم من حقيقة أن سلطتها التي عبرت عنها مذاهب السيادة السياسية، والقانونية، غالبا ما تعقلن وتوصف بأنها النتاج الديمقراطي لعقد اجتماعي مع الشعب. ينظر إلى القانون وكأنه مجموعة من القواعد المقرة من الدولة تأمر وتتحكم في البشر.

يسبب مثل هذا المفهوم عن الدولة مشكلتين لهما علاقة به. أول،ا كيف يتسنى للدولة أن تطفي الشرعية على وضعها في قمة صنع القرار السياسي؟ لقد فسرت هذه المشكلة تاريخيا بطرق متنوعة: بالانتصار العسكري أو الغزو، الحق الإلهي، ملكية الأرض، نظام الجماعة التقليدي أو الطبيعي، القوة الخارجية مثل البابوية، دستور فعال، انتخابات ديمقراطية، أو من خلال الثورة. ثانيا، كل نظام سياسي مناهجه الأيديولوجية في حل الصعوبة الناشئة من التناقض الظاهر بين السلطة غير المقيدة للدولة وحماية حقوق الفرد. يصبح الطغيان المحتمل والنزعة التحكمية الكامنة في السلطة المنفلتة من ثم مقبولا بوصفه محدودا بواسطة مفاهيم المسئولية الديمقراطية، والسيطرة القانونية على السلطة السياسية التنفيذية، والقواعد العامة الشكلية المطبقة بشكل متساو على كافة المواطنين، والحياد المزعوم لهؤلاء الذين يصنعون ويطبقون القانون. إن السمة الثانية للنزعة الشكلية القانونية هي لامبالاتها بالعدالة الفعلية . حيث تمارس الأفراد والجماعات السائدة سلطاتها بإخضاع كل مواطن لنفس القواعد ، لذا تحجب العدالة الشكلية الاختلافات , والتفاوتات الاجتماعية الواقعية . كما أن الخطاب القانوني معزول عن نطاق الخطابات الأخلآفية، والخلقية ، والاجتماعية،والسياسية، والاستدلال القانوني منفصل عن أي معيار يمكن أن يستعمل للحكم على السلوك الاجتماعي وتقويمه، وهكذا فإن المعايير الأخلاقية، والسلوك الخلقي وبشكل حاسم، قضايا العدالة مستبعدة من الاستدلال القانوني. ما هو القانون وما ينبغي أن يكونه هي مسائل يناقشها ممارسي القانون بوصفها قضايا مستقلة. وبالفعل يتوقع من القضاة المحدثين أن يكونوا بعيدين عن ذلك وغير مهتمين به.

وسمتها الثالثة هي خطابها العلمي، والعقلاني نتاج التنوير ومن ثم فهي تعبير عن رغية واعية في فهم العالم المادي والسيطرة عليه. تعرض النزعة الشكلية القانون وكأنه بغير ثغرات، وكأنه نظام منطقي، ومتماسك داخليا، حيث يمكن لقرار قانوني صحيح أن يستنبط بواسطة الاستدلال الشكلي. كثيرا ما أعلي من شأن سمات النزعة الشكلية هذه بوصفها فضائل، مع ذلك فهي تخدم في تأكيد الفصل الزائف بين الحكم (القضائي) والعوامل الاجتماعية والسياسية فحسب.

ما يجري التأكيد عليه غالبا بشكل أقل هو المدى الذي يشكل فيه هذا جزءا من تطور أكثر عمومية للفكر العلمي. إن ظهور خطاب قانوني، علمي، في أواخر القرن الثامن عشر، وما بعد ذلك قد توازى مع نمو خطابات طبية، وبيولوجية، ومع تطور العلوم الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية بوصفها نظما معرفية متميزة (فوكو،1971، 1979) وقد عرض تعبيره في الخطاب القانوني بشكله الأشد وضوحا في الفقه الوضعي عند جون أوستن ومحاكاته لمناهج العلوم الطبيعية. يركز العلم القانوني بجلاء على تصنيف وتقسيم المفاهيم، على طرائق الاستنباط والاستقراء، وعلى تحليل وتركيب القواعد. تغدو عملية صنع القرار القانوني إجراء تجريبيا تقترح فيه فرضيات القواعد المجردة، ويوجد الدليل، ويختبر، وتستخلص النتائج بواسطة الاستقراء المنطقي. تتماثل في المنهج القانوني حتى الأشكال الحديثة المتقنة للإجراء العلمي، مثل نظرية القابلية للدحض لا القابلية للتحقق، مع توجهات كتاب مثل هارت ود وركين في إيجاد القضية الصعبة ذات الوقائع المتطرفة التي لا تدخل في إطار القاعدة على سبيل المثال. القانون كسلطة

واحد من قلة من المؤلفين الذي تناولوا مباشرة مسألة السلطة في المجتمعات الحديثة هو ميشيل فوكو. وهو يرى أن السلطة في كل مكان تفيض في اتجاهات مختلفة ويتوقف ذلك على ممارستها وكذلك عل سياق هذه الممارسة. وهو يحررنا بذلك من المفاهيم العقيمة عن السلطة التي رسخت نمطا لها يبدأ من القمة نحو القاعدة من قبل الجماعات السائدة في المجتمع يعرض نفسه في النهاية لمخاطر تجاهل دلالة ممارسة الجماعة كسلطة طبقية، كعرق، وكجنس من خلال القانون. كما يمكن تخطئة فوكو لأنه قد رأى في القانون خطابا متدهورا: فسوف يتبين حيث نتوجه للقرن الواحد والعشرين أن القانون لم يكن أبدا أكثر أساسية في إبقاء العلاقات الرأسمالية والعرقية، والجنسية.

إن تحليلنا عن مركزية النزعة الشكلية القانونية وأهميتها الأيديولوجية يكشف عن أنه ليس من المصادفة أن يعمل القانون البورجوازي بفائدة القوى وأن الاستفادة من القانون وتطويعه ترتبط مباشرة بالطبقة الاقتصادية الاجتماعية، وقد عبر أناتول فرانس عن ذلك بغاية الدقة حيث كتب "يحظر القانون أمام جلالة المساواة على الأغنياء والفقراء- على السواء- النوم تحت الجسور، التسول في الشوارع وسرقة الخبز". (فرانس، الزنبقة الحمراء، مقتبس عند داقيدوف، 1952).

لقد اتخذ القانون من الناحية التاريخية أشكالا سهلت تراكم رأس المال، وعمل أيديولوجيا على تأمين قبول الخاضعين له. إن العامل والرأسمالي متساويان فقط أمام القانون، الذي يعمل بشكل شبه مستقل ذاتيا لإخفاء، وتنقية، وتوسط الواقع. يفيد القانون بصفة عامة الطبقات الاجتماعية السائدة لأنها تنشئ القانون بقدر ما ينشئها القانون. إن المكتسبات المادية المحددة التي تحققها الطبقات المسودة هي بصفة عامة نتاج مقاومة أو اختيار وهو ما يميز بدرجة بعيدة دولة الرفاهية. وتشكل الاستثناءات التي تؤكد القاعدة أهمية لنجاح الهيمنة الأيديولوجية للقانون.

إن مشكلة التحليل الطبقي، على أية حال، هي أنه لا يفسر على نحو واف أشكال السيادة الأخرى مثل التمييز العرقي والجنسي. إن النصوص المتزايدة للكتابات النسوية حول القانون قد أخضعت القانون البورجوازي لنقد دقيق، مبينة خلال ذلك كيف أن مقولاته- وقد أنشئت بواسطة ومن أجل الرجال ونفذت بسيطرتهم- غير جديرة بأن تقدم للنساء عدالة حقيقية لأنها تسهل في الواقع التمييز ضد النساء (ماكينون، 1987، سمارت، 19899). يفترض مفهوم الفقه وحدة للقانون قابلة للتعرف عليها ، ومن ثم يفترض آن هناك مبادئ أساسية للعدالة ، والحقوق أو الأنصاف تعزز كل مظاهر القانون . يسعي الفقه لتحديد مصدر هذه المبادئ ومن ثم يطرح تصريحات فابلة للانطباق عموما عن طبيعة الفانون . ويعد أساسيا في هذا التصور فكرة أن هذه القواعد تتناسب وتلزم كل نطاقات القانون ( سمارت ، 1989 ،ص 69) . أنها بالتحديد هذه المقاربة التعتيمية التي يمثل القانون آدتها هي التي تتيح قيام الوهم بان كل المواطنين مستقلون كلية ، ذوي إرادة حرة مدركون تماما للقانون وفي اتفاق تام مع المعتقدات الكبرى للأيديولوجيا السائدة- وهي بصفة أساسية أيديولوجية البيض الأنجلوساكسون البروتستانت.

ليس من المدهش من ثم أن غالبا ما تجد أن نظرة weltanschaung المرأة الحامل، ضحية التمييز العرقي، والمسلم في بريطانيا أو السياسي اليساري يناقضها القانون والأيديولوجية القانونية المباشرة. لقد بين فيتزباتريك كيف أنه في النظرة الليبرالية التي تدعم القانون البورجوازي (التي تحتفي بالنزعة الفردية بقدر ما تروج النمطية). تتسق النزعة العرقية مع القانون بل حتى تتكامل معه (فيتز باتريك- هنت، 1987،ص ص 119-32). إن النظام القانوني بالتركيز حصريا على الفرد، وعلى القصد، واستبعاد البائس (أنظر نوري في هذا الكتاب) يستعمل الحيلة في إنقاذ المجتمع من مسئوليته عن النزعة العرقية بينما تبدو وكأن وسائلة ملائمة للتعامل معها.

إن الطبقة، والجنس، والعرق هي العلاقات المادية الأولية للاستغلال التي تتخفى وراء قناع، ومع ذلك فهي مبنية في الشكل القانوني. وهي على أية حال ليست مصفوفات منفصلة لعلاقات القوة، إنها تعتمد بالأحرى على بعضها بشكل متبادل، حتى نرى أن نظاما قانونيا واحدا قد يسهل أشكالا مختلفة من الاستغلال والتميز. ولكن هناك علاقة بين التقسيم الجنسي للعمل (الذي يسبق التقسيمات الطبقية، والذي يتغير في العلاقة بكل من التقسيم الاجتماعي والدولي للعمل) وأنماط مختلفة للإنتاج. وبالمثل، توجد مثل هذه العلاقة بين التميز العرقي، والكولونيالية، وإمبريالية ، وبين القانون، وتخلف العالم الثالث. يتعرض النسوة السود في جنوب أفريقيا لاضطهاد ثلاثي، بوصفهن سودا، وبوصفهن نسوة، وبوصفهن نسوة سوداوات، وقد عززت وسهلت البني القانونية للأبارتهايد (الفصل العنصري) مباشرة أو غير مباشرة كل أشكال الاضطهاد الثلاثة.

يولد القانون عادة ويسن ويوضع موضع التنفيذ من قبل هؤلاء الذين لهم مصلحة مكتسبة في الحفاظ على الوضع القائم لذا فهو محافظ بالوراثة. إذا كان للنظرية القانونية أن تكون تقدمية فعليها أن تكون نقدية وأن تتناول دور القانون كميسر أولي للاستغلال والتمييز. ينبغي أن تتطلع في تعليمنا، وبحثنا وممارستنا لأن ننظر، ليس بشكل مجرد، ولكن استنادا إلى مادية القانون: يجب أن نسعى نحو إرساء نظرية مادية في القانون. لقد بين النظريون القانونيون النسويون كيف أن الفقه التقليدي في انعزاله ومحدود يته لا يستطيع أن يتجاهل بعد دعاوى وتحديات النظرية القانونية النسوية بالرغم من نواقص الأخيرة وآلامها المتفاقمة. إن المهمة التي نواجهها الآن هي أن نعمم مثل هذا النقد على العرق، والكولونيالية، والإمبريالية وكل الأشكال الأخرى للسيطرة وأن نسعى لتوحيد النظرية والممارسة. يمكن للنظرية القانونية أن تتجنب عقم الفقه التقليدي وتبدأ في تقديم إسهام ذو معنى للحياة الاجتماعية في وحدة الممارسة فقط.

*النظرية القانونية النقدية : العنوان الاصلى للمقال :سلطة القانون . سامى ادلمان وكين فوستر ص ص 39 -43 .مترجم من كتاب: دليل المحامين الراديكاليين . تحرير ايان جريجسبال واخرين . بلوتو برس 1992


سعيد العليمى




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى