د. زياد العوف - خصائص ودلالات ” الواقعية السحرية “في رواية” خيوط الانطفاء ” للروائي السوري أيمن مارديني

أثبتتْ “الرواية” في كلّ مراحل نشأتها ونموّها وتطوّرها، منذ القرن السابعَ عشَرَ وحتى عصرنا الحاضر، قدرتَها الفائقة على التعبير الفنيّ عن المجتمع بكلّ مكوّناته ومشكلاته وملابساته، والإنسان بكلّ تطلّعاته ورغباته وإحباطاته، والكون بكلّ مجاهله وأسراره وتساؤلاته.
فكان لنا من هذا الجنس الأدبي بآفاقه الرَّحبة وخصائصه المَرِنة وانفتاحه على الأجناس الأدبية الأخرى وتفاعله الفنيّ الخلاّق معها،
هذا التنوّع الخِصب في الرواية، ما بين الاجتماعية والنفسية والبيئية والبوليسية والفلسفية، وغير ذلك من التوجّهات، ناهيك عن المذهب الأدبي الذي يغلب على الرواية، من كلاسيكية أو رومانسية أو واقعية أو تجريبية أو حداثية أو عجائبية، أو غير ذلك من المذاهب.
وإذا كانت موضوعات الرواية تتشابه بدرجة أو أخرى تَبَعاً للبيئة الزمانية والمكانية التي تحيط بها، فإن ميل الروائي إلى هذا المذهب الأدبي أو ذاك ، يرتبط إلى حدّ كبير بطبيعة العصر وما يغلب عليه من توجّه فكري وفلسفي، فضلاً عن التوجّه الفكريّ والمزاج الفني الخاص بالكاتب.
هذا..مع ضرورة ملاحظة الاختلافات والفروق الكائنة بين المجتمعات في العصر ذاته.
لقد بدأت مفاهيم وأفكار ” الحداثة ” تغزو الأعمال الأدبية منذ أواخر القرن التاسعَ عشَرَ وحتى منتصف القرن العشرين؛ فتجلّى ذلك بخاصّة في ” المستقبليّة والتكعيبية والسريالية والدادائية والشعر الحرّ..” وغيرها من المذاهب والتّوجّهات الحداثيّة وما ينضوي تحتها من مفاهيم وقيّم فنية .
ثمّ ما لبث فكر ” ما بعد الحداثة ” أن
زاحمَ المفاهيم والأفكار السابقة، فضجّت أصوات المفكّرين والمبدعين بالحديث عن موت المؤلف، وما بعد البنويّة، ونظرية الغرابة، ورفض الشمولية والتأكيد على النسبية. كما رافق ذلك الدعوة إلى تحدّي وتجاوز التقاليد الأدبية، فظهر ما يُسمّى “الواقعية السحرية”
في الرواية .
وينظر كثير من النقّاد والباحثين إلى الكاتب الأرجنتينيّ الكبير ( خورخي لويس بورخيس، ١٨٩٩- ١٩٨٦م ) بوصفه أحد المؤسسين الأوائل- إن لم يكن الأول- لهذا النهج الفنيّ في السرد القصصيّ في أميركا اللاتينية أولاً ، ثمّ في أميركا الشمالية وأورُبّا وباقي أنحاء العالم بعد ذلك.
ويمكن الإشارة إلى كلّ من جابرييل جارسيا ماركيز وإيزابيل اللندي وآنخل آستورياس وكيت أتكينسون وإيتالو كالفينو وهاروكي موراكي وسلمان رشدي، بوصفهم من أهمّ ممثلي هذا الاتّجاه الأدبيّ في العالم.
أمّا في العالم العربي فإنّ في بعض كتابات إدوار الخرّاط وخيري شلبي ومحمّد مستجاب وسعيد الكفراوي وصابر رشدي وغيرهم من الكتّاب ما يُظهر تأثّراً وتفاعلاً فنيّاً واضحاً مع ” الواقعية السحرية ” في السرد القصصيّ والروائيّ.
أمّا عن أبرز خصائص هذا المذهب الأدبيّ فيمكن إجمالها في السِّمات التالية:
– عدم الاعتداد بمسلّمات المنطِق.
– النّهل من الخرافات والأساطير.
– المزج بين الواقع والخيال
والأوهام.
– عدم احترام التسلسل الزمنيّ
للسرد والأحداث.
-إضفاء مسحة أسطورية وسحرية على الواقع ذاته.
– ضعف الارتباط بين عناصر السرد.
-اعتماد لغة سردية هادئة تتصف بالحَيدة- إنْ لم نقل اللامبالاة- .

مثَّلتْ السطور السابقة إطلالة لا بُدَّ منها على ” الواقعية السحرية ” قبل الدخول في العوالم الغريبة، بل العجائبية، التي تنطوي عليها رواية
” خيوط الانطفاء “* التي تدين بمعظَم خصائصها الفنية- فيما نرى – إلى هذا الاتّجاه الفنيّ في السرد الروائيّ.

-في خصائص الرواية ودلالاتها:
يمثّلُ عنوان الرواية ” خيوط الانطفاء ” تكثيفاً رمزيّاً لمقولاتها الأساسية، وبخاصة تلك المرتبطة بالموت والحياة، وعلى الرغم من تواتر مدلول هذا العنوان بصيغ مختلفة على امتداد صفحات الرواية إلّا أنّنا نشير إلى موضعين اثنين تجلّى فيهما هذا المدلول كأوضح مايكون.
في الموضِع الأوّل تمّت الإشارة إلى الانطفاء في سياق مشهد جنسي واضح الملامح رغم تغليفه بعبارات لا تخلو من الشاعرية.
نقرأ في الرواية:
” يبدأ في العناق، التوحّد، التناسل، المنح، العطاء…..الانطفاء……………..
كان النور قد غادره إلى غير رجعة، بعد أنْ زرعه داخلياً.
ومن قبله كان النور في أبيه، الذي غادره إلى زوجه.
ومن قبله كان جدّهُ نوراً، انطفأ في زوجه أيضاً.
وها هو أبو سامي في الانطفاء الآن.” ( الرواية، ص ٩٠ )
وكما هو واضح تماماً فإنّ الاتّصال الجنسيّ هنا يمتزج مع بلوغ النشوة وخمود الرغبة وانطفاء الحياة وتجدّدها في المولود الجديد في مشهد ملتبس ودالّ في آنٍ واحد.
أمّا في السطور الأخيرة من الرواية فإنّ مدلول” الانطفاء ” يأتي أكثر وضوحاً وجلاءً.
جاء في الرواية:
” قول أخير:
في اليوم الذي نام فيه سامي، بنى سريره فوق شجرة التفاح في فِناء البيت لينام هناك.
وقالوا: هو راقد هناك في مقبرة الأطفال النائمين، التي تمتدّ من أول التاريخ إلى آخر خيط للانطفاء، انطفاء الحياة.
هكذا دُوِّن في كتاب النائمين. “
( الرواية، ص ٢٦١ )
يتعلّق الأمر إذاً بانطفاء خيوط الحياة، كما ورد في ” كتاب النائمين” وهو المُستنَد الفنيّ الذي تستند إليه الرواية في معالجة مسألة الحياة والموت، مع سطوة واضحة للمناخ الأسطوريّ على تفاصيل المشهَد.

بالانتقال إلى الإهداء:
” نانو، حبيبتي…شكراً
أنتِ أجنحتي “
فإنّنا نرى أنّ الكاتب/ الروائي يخصُّ به إحدى شخصيات الرواية،وبصرف النظر عن جمال هذا الإهداء والقيمة الكبرى التي تمثّلها ( نانو ) للمؤلِّف، فإنَّ هذا التداخل بين العالم الخارجي وأشخاصه، وبين النصّ الروائي وشخوصه ( نانو ) يمثّل إحدى سمات الواقعيّة السحريّة.
إنّه تجاوزٌ واضح ومباشر لمبدأ أساسي يقوم عليه الفن القصصي بمفهومه الكلاسيكي، ألا وهو مبدأ ” الإيهام بالواقع ” الذي يعزل عالم النصّ عن العالم الخارجي الذي يعيش به الكاتب، ما يؤكّد نزعة الرواية إلى زعزعة قواعد المنطق، بل تجاوزها تماماً.
يلي هذا الإهداء مباشرةً اقتباسٌ منسوب إلى إلهة الحبّ والجمال عند الفنيقيين ( عشتار ) ننقله بنصّه؛ لأنّه
يمثِّلُ- فيما نرى- خلاصة بالغة الدّلالة للبنية الدلالية للرواية.
جاء في الاقتباس:
” أنا البغيُّ، وأنا القديسة
أنا الزوجة، وأنا العذراء
أنا الأم، وأنا الابنة
أنا العاقر، وكُثُرٌ هم أبنائي
أنا في عرس كبير ولم أتّخذ زوجاً
أنا القابلة ولم أنجِبْ أحداً
وأنا سلوة أتعاب حملي
أنا العروس وأنا العريس
وزوجي مَن أنجبني
أنا أمّ أبي، وأخت زوجي
وهو مِن نسلي “

هذا التداخل في الكينونة والصّفة والقرابة، ثمّ هذا التوحّد بين كلّ ذلك
بما ينسجم مع كثير من المعتقدات الصوفية عن ” وحدة الوجود ” وتعدّد تجليات هذا الوجود، يجد معادله الموضوعي والفنيّ في الملامح العامة لهذا العمل الروائي حيث تتداخل الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة والواقع والخيال بما ينسجم تماماً مع خصائص ” الواقعية السحرية” وبما يخدم الهدف الدلالي والفكري للرواية المتمثّل في بثّ الشكّ في كلّ المنظومات العَقَديّة والفكرية والاجتماعية التي تشكّل ركائز المجتمع .
ثمّ يختار الكاتب الآية الثالثة من ” سورة يوسف ” لتمثّل اقتباساً آخر متعدّد الدلالات:
” نحن نقصُّ عليكَ أحسن القَصَص بما أوحينا إليك… “
وهذا هو النصّ الكامل للآية:
” نحن نقصّ عليكَ أحسنَ القَصَصِ بما أوحينا إليكَ من القرآن، وإنْ كنتَ من قبله لَمِنَ الغافلين ”
( سورة يوسف، الآية ٣ )

لا أدري ما هو السبب الكامن وراء عدم إكمال الآية موضِع الاستشهاد، ذلك أنّ معنى الآية لا يتكشّف بتمامه إلّا بذكرها كاملةً.
لن نخوض في تفصيل دلالة هذا الاقتباس؛ إذ إنّه ينفتحح على آفاق دلالية وعقدية كثيرة ومتشعّبة.
لكنّنا نشير باختصار شديد إلى ما قد يشير إليه الكاتب من استلهام لفن القَصّ في القرآن، مع كلّ ما يحمله ذلك من إشكالات وتناقضات لاتنتهي.
ثمّة سِمةٌ أخرى تؤكّد، منذ الصفحات الأولى للرواية، على طابعها الفني الخاصّ الذي بيّنّاه ألا وهو تأطير النّص بخاتمتين اثنتين: تقع الأولى منهما، وياللعَجب ، في مستهلّ الرواية، أي قبل بدء أحداثها، بينما تحتلّ الثانية مكانها الطبيعيّ عقبَ انتهائها، وذلك في تحدٍّ واضح لقواعد المنطِق.
وذلك بصرف النظر عن مضمون الخاتمتين واشتراكهما في كثير من الدلالات.
الرواية في سطور:
لا تنطوي الرواية على سلسلة متوالية من الأحداث المنسوجة في حبكة قصصية واضحة المعالم تؤدّي إلى غاية أو خاتمة محدّدة، كما هو الشأن في السرد القصصيّ التقليدي، بل هي أقرب ما تكون إلى لوحات من التأمّل والوصف والسرد والحوار تجمعها لوحة جدارية كبيرة تتناول بشكل خاص قضايا إنسانية ووجودية كبرى كالحياة والموت والدين والجنس بما يتناسب وخصائص ” الواقعية السحرية.
لذا ستعتمد هذه القراءة النقدية على
الخصائص الفنية التي اعتمدها النصّ الروائي في تناوله للقضايا المذكورة.

أ- الدِّين وقضاياه كما تناوله النصّ الروائي:
لا شكّ في أنّ ارتباط الدين بعالم الغيب والماورائيات يجعله قريب الصلة بالعالم العجائبي الذي يكتنف أجواء الرواية، لكنّ الأمر يتعلّق هنا بالكيفية التي تعاملت بها هذه الرواية مع الدين، ومن ثَمَّ بالدلالات المستمدّة منها؛ إذ إنّ هذه القراءة النقدية معنيّة بإظهار الخصائص الفنية للرواية في تعاملها مع الأفكار، وليس بتأييد أو إدانة هذه الأفكار، مهما كانت.
إنّ نظرة سريعة على المثال التالي تكشف بجلاء عن الوجه السلبيّ لهذا التعامل.
نقرأ في الرواية:
” أبي كان الحارس الأخير على الكتاب، وإنّا كنّا له حافظين”
(الرواية، ص١٥)
يتحدّث الراوي هنا عن ” كتاب النائمين” الذي كنا قد أشرنا إليه هنا بوصفه المستند الفنيّ الذي يرتكز إليه النصّ الروائي لتمرير الأفكار المُراد إبرازها، ومن الواضح أنّ هناك إشارة ضمنية مقصودة إلى إحدى آيات القرآن الكريم:
” إنّا نحن نزّلنا الذّكرَ، وإنّا له لحافظون” ( الحِجر، الآية ٩ )
حيث تم إثبات الجملة المقصودة بخط داكن، خلافاً لباقي الكلمات.
وهو نوع من التناصّ السلبي الذي لا تخطئهُ العين.
وكذلك هو الشأن في المثال التالي:
” قول: هي روح من نام تنقسم، تتشظّى، تُستنسَخ، أو تتقمّص في آخرين على قيد الحياة……………..
ومَنْ عمِل منهم مثقال ذزّة خيراً يرَه، ومَن عمِل منهم مثقالَ ذرّة شرّاً يرَه”
( الرواية، ص ١٦٧)
هنا أيضاً تناصّ سلبيّ آخر مع الآية:
” …فمنْ يعملْ مثقال ذرّةٍ خيراً يرَه(٧) ومَنْ يعملْ مثقال ذرّةشرّاً يرَه(٨) ” ( سورة الزّلزلة )
لقد لجأت الرواية إلى بعض الحِيَل الفنيّة لتمرير ما تحمله من قيمة سلبية، إذ تم إسناد الخطاب إلى جهة مجهولة ” قول ” -وهو أسلوب فنّي معتَمَد في معظَم فصول الرواية- كما تمّ إعادة صياغة الآية وتبديل زمن الأفعال من المضارع ( يعمل ) إلى الماضي ( عملَ ) ، على أنّ ذلك لمْ يؤدِّ إلّا إلى تأكيد التّوجّه السلبي للرواية إزاء الدين، الأمر الذي تأكّدَ أيضاً من خلال إقحام مدلول الآية القرآنية في سياق بعض العقائد التي لا تتناسب مع الدين- وهو هنا الإسلام – كالتناسخ والتّقمّص.
وهذا مثال أخير نختم به تحليلنا لخصائص ودلالات تعامل الرواية مع الدين.
جاء في الرواية:
” وعندما يترك أبو أيمن مجلسهم ويغادر، إذا به يجد عند باب الدّار خيوط العنكبوت قد سدّتْ بابه، وأنّ حمامتين عشّشتا هناك.
فيقول قوله الأخير الذي يأتي في كتب الأوّلين: سامي هو خاتم المحلّقين ” ( الرواية، ص ٢٠٩ )
من الواضح تماماً أن هذا المثال يشير إلى أمرين اثنين، الأول هو هجرة الرسول إلى المدينة ولجوئه مع أبي بكر إلى ( غار ثور ).
أمّا الأمر الثاني ففيه إشارة واضحة إلى اعتقاد المسلمين بكون الرسول خاتَم الأنبياء والمرسلين، لكن الإشارة هنا تأتي في سياق تهكّميّ فجٍّ ومكشوف.
وهنا أيضاً يتعانق العجائبيّ مع الدينيّ في سياق واحد؛ إذ إنّ ( سامي ) في كلّ مراحل تكوينه: جنيناً ومولوداً وطفلاً وميتاً، أو نائماً كما تذكر الرواية، كائن أسطوري، على الرغم من أصوله البشرية، التي تخوّله الدخول في علاقات إنسانية، كالصداقة البريئة مع بعض شخوص الرواية، وبخاصّة أبويه وأيمن ونانو،
وهذا ما يسمح لنا الانتقال إلى:

ب- الحياة والموت في النصّ الروائيّ:
نقرأفي الرواية:
” قال: ولِدَ سامي..جاء إلى الحياة، والكائنات ضياء من بعده……………..
قالت: كلّ الأطفال يأتون إلى الحياة من الرَّحِم ،كلُّهم، إلّا سامي تناسل من الروح…………………………………..
وعندما أطلتُ النظر إلى جسده بين يديّ، داهمتني دمعة لم تسقط.
رفعتُه برفق فوق كفّ يدي………….
جناحان صغيران ،غضّان، في طور التكوين، ذوا ريش خفيف، مثبّتان خلف عظمتي الظّهر أسفل الكتفين……………….بحركة لا إراديّة منّي، تباعدتْ كفّا يديّ عن جسد سامي وسقط……………………….
سقطة تجاوزتْ سقوط آدم وحواء على يد الخطيئة…………وتقوم من سقطتك………………………………….
هو السقوط حتميّ، والطيران، وأجنحتك التي رفرفتَ……………..
أم هي المفاجأة من مشاهدتي الثانية لمعجزة أتيت بها، وأرفضها بشدّة؟
أليس لي الحقّ في أن يكون لي ابن مثل باقي البشر، طبيعيّ، وبكامل أعضائه غير منقوصة أو زائدة؟”
( الرواية، ص.ص ١٣٩- ١٤٢ )
سامي، الطفل المعجزة، الذي يمثّل تتقاطع عوالم البشر والعجائب والأساطير والدين والنبوّة وآمال الآباء والأمهات وخيباتهم، إنّما هو رمز مكثّف للواقعيةالأسطورية كما تتجلّى في ” خيوط الانطفاء “.
وفي حوار واقعيّ يعزّز تداخل العوالم المتعدّدة في الرواية وتقاطعها، يستذكر أيمن ونانو حادثة سقوط سامي أثناء لعبه معهما في مرحلة الطفولة، فيكون هذا الحوار الفلسفيّ الدّالّ حول الموت والحياة:
” – أعطني سيجارة من علبتك، الموت هنا ليس موتي، بل موت من نحبّ، لحظة فراقه هو للحياة…أيضاً صوته الذي اندمج بالأثير من حوله، نظراته التي عانقت الأشخاص..أين ذهبتْ؟……….
– الموت لا يعرفه أحد، لم يكتشفه أحد……………..
– الموت انتقال من ولادة إلى أخرى، شكل آخر، إلى زمن آخر، مكان ذي بعد آخر. آينشتاين مثالاً “
( الرواية، ص ١٨٢ )

ج- الجِنس في النصّ الروائي:
تشغل العلاقات الحميمة حيّزاً واسعاً في الفضاء النصيّ للرواية، على أنّه يتقاطع مع العجائبي والأسطوري والدينيّ للتأكيد على الواقعية الأسطورية التي تغلّف أجواء الرواية، وتكاد العلاقة الملتبسة بين أيمن ونانو عبر اختلاط الأزمنة والأمكنة في الرواية تستأثر بمعظَم فصولها.
جاء في الرواية:
” بعد قليل خرجت نانو من الحمّام عارية تماماً، وقد كانت قطرات الماء لا تزال عالقة على جسدها المتين، المتماسك الأبيض…………………….
نانو كم أحبّ تفجّرَ بياض بشرتك الموشّى بالأحمر الوردي، موحش وشرس ويناديني بوداعة مغوية أيضاً……………………………………….
تهدأ الرياح في الغرفة…… ونحن نائمان، متوسّدة ذراعي، مغمضة العينين…وأنا أناديها نانو..نانو أين أنتِ الآن؟
– أيمن…هل سنغادر الآن لنشاهد باقي معالم مصر القديمة؟……….
– أجل مارلين، بالطبع…………………..
هي الذاكرة الحوشية المتداخلة الدّغلة الكثيفة……………..
اللعنة على الذّاكرة..”
( الرواية، ص.ص ٢٤٢- ٢٤٤ )
تتداخل، إذن، في غرفة ما في أحد فنادق القاهرة، الأزمنة والشخوص ( نانو ومارلين ) لتعزّز الطابع الإشكاليّ لأحداث الرواية بما ينسجم مع نهجها الفنّيّ.

على أنّ السطور الأخيرة في الرواية، قبل الخاتمة، تأتي لتخلط الأوراق حول كلّ ما سبق ذكره فيها، بما يؤكّد الطابع الفنيّ لها، بوصفها عملاً إبداعيّاً يمتُّ بكلّ خصائصه الموضوعية والفنيّة إلى تيّار الواقعية السحريّة.
جاء في هذه السطور:
” قول: كما كَتَبَةُ الأناجيل قالوا ما لم يقلْه عيسى المسيح.
ومفسّروا القرآن أتوا بما لم يأتِ على ذكره الله في كتابه الحكيم.
كلّ هذا القول لم يقلْهُ سامي…
وهذه الأفعال لم يأتِ بها سامي.
وما هو إلّا شُبِّه لهم.
ما هو إلّا الانطفاء وخيوطه.
ما هي إلّا آخر أمل يتعلّقون به أمام مقبرة الأطفال النائمين”
( الرواية، ص ٢٤٠ )

-كلمة أخيرة
قد لا يلقى هذا اللون من الفنّ الروائي القَبول والترحاب لدى كثير من القرّاء، بل حتّى من النقاد، وذلك نظراً لتعقيده الفنيّ وغياب معظم ملامح السرد الحكائي المنطقيّ والغائيّ المعنيّ بتسلسل الأحداث ووصولها إلى نهاياتها المرسومة .
لكنّنا لانستطيع أنّ ننكر على الروائي أيمن مارديني خياره الفنيّ الذي قاده إلى إبداع نصّ روائيّ منسجم مع طموحه الفنيّ وانتمائه الأيديولوجي الذي قد لا نوافقه على كثير من حيثياته ومقدّماته ومآلاته، لكنّنا لانملك إلّا أنْ نُعجبَ بإقدامه على مثل هذه المغامرة الإبداعية الجميلة والشّاقة في آنٍ واحد، فَلَهُ منّا كلّ التقدير.

••• ••• •••

*- أيمن مارديني، خيوط الانطفاء، رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت،٢٠٢٠م.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...