د. عبدالجبار العلمي - "عشرة أدباء يتحدثون" للناقد المصري فؤاد دوارة .. القسم الثاني

القسم الثاني
.
8 ـ كان كتاب " عشرة أدباء يتحدثون " مرجعا أساسيا للعديد من الباحثين والأساتذة في إنجاز أبحاثهم ودراساتهم العليا في بعض الجامعات ومنها جامعة باريس. وأذكر هنا بالتحديد أستاذنا محمداً برادة في رسالته لنيل دكتوراه السلك الثالث الموسومة بـ " محمد مندور وتنظير النقد العربي " تحت إشراف الأستاذ المستعرب أندريه ميكل ( 1929 ـ 2022) التي تمت مناقشتها بتاريخ 19 يونيو 1973 ، و شارَك في لجنة المناقشة الأستاذُ جمال الدين بن الشيخ )1930 ـ 2005 ) والأستاذ تْروبُو . وقد أحال الأستاذ محمد برادة في الجزء الخاص بحوار محمد مندور (1907 ـ 1965 ) على هذا الكتاب في صفحات عديدة من أطروحته بلغت عشر إحالات في الصفحات التالية ( 25 ـ 40 ـ 43 ـ 54 ـ 93 ـ 97 ـ 101 ـ 145 ـ 161 ـ 167 ). لقد كان حوار الدكتور محمد مندور ( 1907 ـ 1969) غنياً ودقيقاً ومعبراً بصدقٍ عن حياته لدى دراستِه بفرنسا وبالمعارك الأدبية التي خاضها لدى عودتِه إلى مصر، ناهيك عن استعراضِه للمؤلفات النَّقدية في مختلف المجالات : النقد الأدبي قديماً: " النقد المنهجي عند العرب " ؛ وحديثا دراساته في النقد الأدبي المعاصر في مختلف الأجناس الأدبية : "مسرح توفيق الحكيم" الذهني ؛ "مسرح شوقي" الشعري ؛ "الشعر الحديث في مصر " ( 3 أجزاء ) ؛ " النقد والنقاد المعاصرون " وقد خصَّصَهُ لأبرز نقاد العصر أمثال حسين المرصفي والعقاد وميخائيل نعيمة وعبد الرحمن شكري والمازني ولويس عوض ويحيى حقي ؛ دراسات في " الأدب وفنونه " و"الأدب ومذاهبه" يُعرِّفُ فيهما تعريفَ الأستاذ العالم بالفنون الأدبية وباتجاهاتها المختلفة عند الغرب : الكلاسيكية ـ الرومانسية ـ الواقعية ـ الواقعية الاشتراكية ـ الطبيعية ـ السوريالية ـ الوجودية ـ العبثية ( مسرح العبث أو اللامعقول ) ؛ قراءاته في الأدب العالمي باحثاً عن شخصيات أعمال خالدة في كتابه المتميز" نماذج بشرية" بمقدمة مركز مفيدة لزوجه الشاعرة ملك عبدالعزيز ـ وغيرها من الكتابات الصحافية ذات الطابع السِّجالي مثل كتابه " معارك أدبية " ( كتاب الهلال ) ؛ أما الترجمة فله فيها أعمال ذات قيمة سواء على المستوى الأكاديمي : ترجمته لكتاب لانسون في اللغة والأدب الذي ألحقه بكتابه الباذخ عن النقد العربي القديم المنوه إليه أعلاه، أو على مستوى ترجمة الإبداع، وأهم ما قام به في هذا المجال الترجمة الرائعة لرواية "مدام بوفاري" لفلوبير التي تعتبر أجود ترجمة لهذا العمل الروائي الذائع الصيت عالميا إلى لغة الضاد. وما أظن أن أي ترجمة لهذه الرواية ، يمكن أن تتجاوز هذا الإنجاز المتقن المكتوب بيراع أديب فنان، يُتقنُ اللغتين الفرنسية والعربية. أما "الشعر المهموس" ، فكان أول من نبه إليه ، ودرس بعضَ نصوصه القيمة ومنها قصيدة " أخي " لميخائيل نعيمة في كتابه النقدي " في الميزان الجديد". يعتبر الحوار الذي أجراه فؤاد دوارة في هذا الكتاب القيم ، أطول حوار وأغناه بالمعلومات والآراء والمواقف في كتابه ( من ص : 169 إلى ص : 226 ). وقد تنبَّهَ الأستاذ الناقد المغربي محمد برادة إلى أهمية مُنجَزِ هذا الناقدِ الكبير ، فاختاره مجالاً لبحثهِ الجامعي ( دكتوراه السلك الثالث ) كما تمَّتْ الإشارةُ إلى ذلك سابقاً ، ونشرهُ بعنوان " محمد مندور وتنظير النقد الأدبي " / ط.1 ،منشورات دار الآداب ، بيروت ، 1979 . وقد كان الكاتب الصحفي المصري إيهاب الملاح مُحِقاً حين قال عن هذا الحِوار : " كان حواراً تسجيلياً وتأريخياً من طراز رفيع؛ ولا أتصورُ مهتمّاً أو باحثاً أو دارساً لسيرةِ محمد مندور وأثرِه لمْ يتوقفْ عندَ هذا الحِوار، ولَمْ يُفدْ منه؛ ولقيمتِه وما قَدَّمهُ من بيانٍ وكشفٍ ليسَ لهما مثيلٌ في حياة مندور ." ( عشرة أدباء يتحدثون ، أن تكون محاوراً ذكياً )، إيهاب الملاح ، مجلة الشروق ، الجمعة 6 مارس 2020 )
9 ـ في حوار المؤلف مع فتحي رضوان ( 1911 ـ 1988)، يدور الحديث عن علاقة الأدب بالسياسة، باعتباره أحد الخائضين غمارَها إلى جانب ممارسته الكتابة الأدبية في أجناس متنوعة. من أرائه : " أن مجال النشاط السياسي والعمل الأدبي هو في حقيقة الأمر مجالٌ واحد ، وهو حرية الإنسان. " ـ وأن الأديب لا يعلو قدرهُ إلا إذا كان له موقف من السلطة في بلده ، وذلك بنقد سياستها ونظامها في الحكم،( انظر ، ص : 229 ) ، وأنه يؤمن بدور الكلمة في المساهمة في تغيير مصائر الشعوب ، إلى جانب الفعل ، وليس عبثاً أن تقول التوراةُ : " في البدء كانت الكلمة " ( ص : 230 ). ثم ينتقل بهما الحديث إلى مرحلة النشأة في حي السيدة زينب ، حيث كان يقطن هنالك علي الجارم وتوفيق الحكيم ، ولا ينسى أن يذكر ارتفاع مستوى التعليم العمومي في مصر وجودته عهد ذاك. بعد المرحلة الثانوية يُحدث محاوره جواباً على أسئلته المركزة عن التحاقه بكلية الحقوق التي كان يؤمها معظم الحاصلين على البكالوريا ، وذلك لتحقيق أمنيته في أن يكون محامياً . وفي مرحلة دراسته بالكلية ، نشر بعض مقالاته في مجلة " المصري" لسلامة موسى . كما يحدثنا عن التحاقه بالمحاماة ، إلا أنه انقطع إلى العمل السياسي في حزب " مصر الفتاة "، وتعرض خلال عمله الحزبي عدة مرات إلى الاعتقال. أما عن مصادره الأدبية والإبداعية ، فتتمثل في تأثره بالأدب الروسي وفكره ،وخاصة الروائي الكبير ليو تولستوي ، فقد استهواه منه الجانب الفلسفي ، لأنه يقوم على " فكرتين أو ثلاث هي: فكرة الحب وعدم العنف ـ القضاء على الملكية الزراعية ، أما الثالثة ، فهي الطهارة في العلاقات العاطفية " ( ص : 242 ) ، كما تتمثل في أفكار غاندي الدَّاعية إلى المقاومة السلبية للاستعمار الإنجليزي. ولإعجابه بشخصيته، كتب عنه كتاباً سنة 1934 . ثم أخيراً يدور الحوار حول أهم جنس أدبي كتب فيه الكاتب وهو المسرح ، ومن المسرحيات التي يذكرها : " شقة للإيجار " ـ دموع إبليس ـ " عشر شخصيات تحاكم مؤلفاً " و" أخلاق للبيع " و "إله رغم أنفه " .وهذه المسرحيات كما يرى فؤاد دوارة تعالج قضايا فكرية تكاد تكون الامتداد الوحيدَ في أدبنا المعاصر للمسرح الذهني لتوفيق الحكيم. (ص: 249 ).
10 ـ ننهي جلساتنا الأدبية والفكرية مع عبقري الرواية العربية نجيب محفوظ. وقد دار هذا الحوار قبل 23 سنة من نيله جائزة نوبل ( سنة 1988 ) . كان غرض فؤاد دوارة تحقيق هدفين: ـ تكريم نجيب محفوظ بمناسبة بلوغه الخمسين من عمره / كونه بات يمثل وقتذاك قمة شامخة في الأدب العربي الحديث. يقول : " " هي قمة حية متطورة نستطيعُ أن نباري بها قممَ الأدب الغربي ( ص : 266 ). وقد تحقق فعلاً ما قاله، فقد كان أول أديب عربي ينال هذه الجائزة العالمية، بل يضيف الكاتب إلى الهدفين السابقين هدفاً ثالثاً هو أن يقدم للقراء وللشباب المتأدبين قدوة تُحْتذى في الاجتهاد والمثابرة والعمل الشاق، فالقمم الأدبية السامقة لا تبلغ إلا بالكفاح المرير ، والقراءات الجادة ، والتثقيف الذاتي الدائم. يدور الحوار في هذا الحديث الشيق حول قراءات نجيب محفوظ الأولى في طفولته وصباه : الروايات البوليسية ـ مرحلة المنفلوطي و" ما أدراك ما المنفلوطي وأثره الخطير في تهذيب النفوس " ( ص : 268 ) ـ مترجمات الأهرام ، وهي روايات تاريخية ـ بعد ذلك المرحلة التي يسميها نجيب محفوظ بمرحلة اليقظة المتمثلة في قراءاته لطه حسين والعقاد وسلامة موسى والمازني ، ثم بعد ذلك مرحلة قراءاته لتيمور وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ، ويسمي الكاتب هذه المرحلة بمرحلة التحرر من السلفية ،والالتفات إلى الأدب العالمي . وفي حديثه عن مصادر تكوينه لا ينسى أن يذكر قراءاته في التراث العربي وقراءاته أمهات الكتب والمصادر المعروفة. في الجامعة درس الفلسفة وكان يعقد العزم على التخصص فيها . أخذ في الاطلاع على الرواية العالمية منذ سنة 1936 ، فقرأ لأشهر كتاب الغرب وأشهر كتب روسيا, والملاحظ أنه كان يزاوج بين القراءات الأدبية والفلسفية ، كما اهتم بالفنون التشكيلية والنحت والعمارة عملاً بنصائح العقاد وتوفيق الحكيم . ( ص 282 ) . تطرق الحديث إلى مواضيع أخرى تتعلق بهوايته العزف على القانون ، وإلى تحمل عدة مسؤوليات وظيفية أهمها العمل في الرقابة السينمائية. والمعروف نجيب محفوظ ، كان يقرأ الأعمال الأدبية الكبرى في لغتها الأصلية : اللغة الإنجليزية أو الفرنسية. ويذكر أنه تأثر بالكتاب الذين أحبهم حد العشق : شكيبير وتولستوي ودستويفسكي وتشيكوف وبروست وابسن وغيرهم من الأدباء الكبار.أما الكتاب العرب ، فيذكر أنه تأثر بفكر سلامة موسى والعقاد وذلك لارتفاع هذا الأخير بالفن إلى مستوى الرسائل المقدسة ( انظر : 286 ) ، ثم يُحَدِّثنا جواباً على أسئلة المحاوِر المتنوعة التي لم تكن تخضع لأي ترتيب أو نظام، بل كانت تصدر عنه بكيفية عفوية ، عن بداياتِ كتابته وتدربه عليها ، حيثُ كان يقرأ كتباً ويُعيد كتابتها ، ثم يضعُ اسمه عليها باعتباره مؤلفها. بدأ كتابته بالمقالة قبل القصة والرواية. وكانت أولى روايته التي حظيت بالنشر هي رواية " عبث الأقدار " التي نشرها له أستاذه سلامة موسى سنة 1939 ، ثم نشر له عبدالحميد السحار "رادوبيس " ، ثم ألف روايتين أخريين هما "كفاح طيبة" و"القاهرة الجديدة ". ويذكر الكاتب فضل عبدالحميد السحار الذي حل مشكلة النشر سواء بالنسبة إليه أو غيره من أدباء جيله. وكانت رواية " القاهرة الحديدة " هي الرواية الأولى التي كان لها صدى في العالم العربي ، ثم " خان الخليلي " وزقاق المدق ". ويرجع نجيب محفوظ سبب استمراره في الكتابة إلى اعتباره الفن حياة لا مهنة ( انظر ص : 280 ) ، وإلا لتوقف عن الكتابة كصنيع صديقيه عادل كامل صاحب ارواية " مليم الأكبر" و أحمد زكي مخلوف مؤلف رواية " نفوس مضطربة " ( انظر ص : 278 و 290 ) . وتجدر الإشارة إلى أمرين أثارهما المحاور في حديثه إلى نجيب محفوظ: 1ـ تأثره في كتابته الروائية بدراسته الفلسفة، ويتبدى ذلك في كثير من أعماله مثل "أولاد حارتنا " و" اللص والكلاب " / 2 ـ التزامه اللغة الفصحى في كتابة الحوار في رواياته وقصصه ، ويعتبر العامية مرضاً من الأمراض التي يعاني منها المجتمع ، فهو بالنسبة إليه مثل الجهل والفقر والمرض .. ويرى أن الذي وسع الهوة بين الفصحى والعامية عندنا هو عدم انتشار التعليم في البلاد العربية، ويوم ينتشر سيزول الفارق ... وأنا أحب أن ترتقي العامية ، وأن تتطور الفصحى لتتقارب اللغتان " ( ص : 287 ). وكان هذا هو رأي طه حسين الذي كان ضد استخدام العامية .
ومن الجدير بالملاحظة أن حوار فؤاد دوارة مع نجيب محفوظ أثار أهم القضايا في تجربته الروائية إلى حدود سنة 1965. وقد توالت الحوارات في فترات متلاحقة أهما وأشملها كتاب " نجيب محفوظ / صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته" للناقد رجاء النقاش. يبقى أن نقول : إن هذا الكتاب صغير الحجم ، عظيم الفائدة ، قدم لقراء العربية صورة دقيقة الملامح عن عشرة أدباء ذوي شأن في أدبنا العربي المعاصر . واللافت لنظر القارئ أن فصول الكتاب تتفاوت في الطول ، وأن أطول حوار وأكثره غنى بما يقدمه من مواد أفاد منها الباحثون في دراساتهم الجامعية العليا، هو حوار الدكتور محمد مندور ، ويشتمل على 55 صفحة. وقد تمت الإشارة إلى كثرة إحالات الأستاذ محمد برادة على هذا الحوار في أطروحته لنيل الدكتوراه " محمد مندور وتنظير النقد العربي ".


الهوامش :
1 ـ ترجمة وتقديم ، عمر حلي ، المركز الثقافي العربي ، ط. 1 ، الدار البيضاء ـ بيروت ـ لبنان ، 1994 .
2 ـ نفسه ، ص : 13 .
3 ـ نفسه ، ص : 22 .


* " العلم الثقافي" يومه الخميس 19 يناير 2023 .






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...