أ. د. عادل الأسطة - نعمة النسيان... لعنة النسيان: الشهيد أخ الشهيد

يبدو أن الذاكرة بدأت تشيخ ولا عجب ؛ فالهم الجمعي والهموم الفردية الكثيرة صارت تقتل الذاكرة شيئا فشيئا ، فكيف إذا اقترب المرء من السبعين ؟
وأنا أقرأ أمس عن شه،د مخيم عسكر القديم عبد الفتاح خروشة خلطت في الكنى ؛ خلطت بين الأب والابن الأكبر .
أبو إبراهيم خروشة اللاجيء الفلسطيني من اللد إلى مخيم عسكر القديم كان معروفا لأهل المخيم كلهم من خلال عمله بناء ونائبا لإمام الجامع " أبو بكير الخطيب " إن غاب ، ولطالما أم أبو إبراهيم فينا يوم كنت في الطفولة أذهب إلى الجامع لأصلي ، ولطالما أرسلتي أبي إليه كلما أراد أن يجري تغييرا في بناء بيتنا في مخيم عسكر ، عدا أن ابنه سميح الذي قتله جنود الاحتلال الإسرائيلي قبل الانتفاضة الأولى ( ١٩٨٧ ) بأشهر بدم بارد ، لا لسبب إلا لأنهم خافوا منه وشكوا في أنه يريد أن يدهسهم ، عدا أن ابنه سميح كان صديقي ، وما زلت أتذكر سنه الضحوك وميله إلى المداعبة والمرح والضحك .
أمس خلطت في الكنية بين " أبو إبراهيم " وابنه إبراهيم " أبو حسين " وأنا أعرف حسين جيدا أيضا . ظننت أن " أبو حسين " هو " والد سميح لا " أخوه .
إبراهيم هو الابن الأكبر وهو أبو حسين ، ولقد انشغلت أمس لفترة من الوقت أفحص ذاكرتي ، وعندما حدثت أخي خلطت ، فكان لا بد من أن أذهب اليوم أعزي وأتاكد من دقة معلوماتي .
اليوم كان الحداد في مخيم عسكر القديم ونابلس شاملا تماما . الحداد يعني محلات مغلقة وحركة سير خفيفة وشوارع شبه مهجورة ، وما أكثر أيام الحداد والإضراب في زمن الاحتلال .
لم أكن أعرف أن الشهيد هو الشقيق الأصغر لصديقي سميح الشهيد الأول في العائلة في حدود ما أعرف ، ولا أعرف إن استشهد لعائلة خروشة أبناء في نكبة ١٩٤٨ .
حاولت أمس أن أكتب شيئا فأخفقت ، ثم بحثت عن مادة قديمة أدرجها فقرأت شيئا عن شهيد تحت عنوان " مألوف حياتنا " .
الآن أتذكر صديقي سميح ؛ زميلي في المدرسة وصديقي في المخيم . كان فرحا بالحياة يحبها ، وكان مثل أكثر أهل اللد نشيطا جادا مجتهدا ولا أذكر لماذا فضل العمل على مواصلة الدراسة وكان ذكيا . ربما أصغر أبنائه الآن في السابعة والثلاثين من العمر ! ربما !
هل يتذكر الشهيد الجديد أخاه الشهيد جيدا . ربما كان يومها في الثانية عشرة من العمر ! ربما !
هذه هي حياتنا : الشهيد ابن الشهيد أخو الشهيد حفيد الشهيد وهلم جرا .
عندما استشهد خيري علقم عرفنا أن جده خيري أيضا استشهد برصاص ... إلخ إلخ .
حالة سيزيفية . حالة محزنة ولكننا حتى ونحن في بيوت الأجر ننظر إليهم على أنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
أهو قدرنا أن نحيا هذه الحالة السيزيفية ؟

خربشات عادل الاسطة
٨ / ٣ / ٢٠٢٣

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...