أ. د. عادل الأسطة - محمود درويش.. ملف - الجزء الخامس - (41------52)

تابع (5)

41- كارول سماحة ومحمود درويش و"ستنتهي الحرب"

ثارت في الأسبوعين الماضيين مجددا الضجة حول نسبة الأسطر الآتية إلى الشاعر محمود درويش:
" ستنتهي الحرب ويتصافح القادة الأعداء، وتبقى تلك العجوز تنتظر ابنها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، واولئك الأطفال ينتظرون والدهم.
لا أعرف من دفع الثمن
ولكني أعرف من باع الوطن".
وكان محرك الضجة غناء اللبنانية كارول سماحة للأسطر، لا إعادة نشرها أو ترجمتها إلى العبرية كما كان السبب من قبل. لقد انتشرت الأغنية انتشار النار في الهشيم، إذ شاهد شريط الفيديو، خلال أسبوع ، مليونا مستمع.
كانت الأسطر منذ بضعة سنوات نشرت على صفحات التواصل الاجتماعي منسوبة مرة لمحمود درويش وثانية لجبران خليل جبران.
في ٢٧ / ٣ / ٢٠١٩ نشرها الدكتور نبيل طنوس على صفحته ونسبها لمحمود درويش. حظي النشر بتسعة تعليقات لم يشكك أي من أصحابها في نسبتها . لقد مدح المعلقون الأسطر وأشادوا بمضمونه.
في ٢١ / ٤ / ٢٠٢٢ نشرها الدكتور مترجمة إلى العبرية فحظيت ب ٥٧ تعلبقا و ١٩١ إعجابا و ٣ مشاركات . مدح المعلقون الترجمة والمضمون والنشر وأشاروا إلى تأثير الأسطر على القلوب والعقول وأشادوا بصدق درويش، وذهب معلقون إلى أن النص من أقوى ما قيل في الحروب ومدحوا حسن اختيار المترجم وألمحوا إلى من دفع الثمن ومن قبضه.
في ١٠ / ٨ / ٢٠٢٢ أعاد الدكتور نشر الترجمة، فحظي النشر ب ١٥ تعليقا و ٩٠ إعجابا، مدح المعلقون النص والترجمة ولكن الدكتور خضر توفيق خضر أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعات غزة تساءل عن صحة النسب وكتب:
" مرحبا دكتور نبيل النبيل . ما مصدر هذه القصيدة لمحمود درويش؟ لأنه يوجد خلاف أنها ليست له ، بل هي لجبران ، لذا أرجو أن تتكرم علينا بالمصدر حتى يتسنى توثيقها"، ولما سألني الدكتور نبيل عن رأيي كتبت في ١٤ / ٨ / ٢٠٢٢ الآتي:
" كثر على مواقع التواصل الاجتماعي إدراج مقطع يبدأ بالعبارة السابقة وينسبه كثيرون لمحمود درويش وقليلون لجبران. من من قراء الأديبين يمكن أن يوثق النص توثيقا علميا ويحيلنا إلى المرجع".
نال ما كتبت ٩٤ إعجابا وحظي ب ٥٦ تعليقا ، وفي ٢١ / ٨ / ٢٠٢٢ نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية مقالا عنوانه " العرس الفلسطيني : والدة الشهيد التي تنتظر ابنها " وحظي بتعليقات لافتة لأدباء وشعراء قرأوا درويش جيدا ، فذكر قسم منهم أنه يذكر ببعض مقاطع للشاعر منها مقطع من قصيدة " لاعب النرد " وأورده صاحب التعليق . وكتب آخرون الآتي:
- المقطع الأول قرأته في أعمال درويش.
- النفس والأسلوب أقرب إلى لغة درويش منه إلى جبران.
- أعتقد أنه ورد في إحدى قصائد الشاعر والكاتب المسرحي الكبير برتولد بربخت والله أعلم : " الأمهات وحدهن بكين هنا وهناك".
- لا توجد هذه العبارة في أي من كتب درويش النثرية.
- طعم الجملة لا يتسق مع نمط تركيبة الجملة لا عند جبران ولا عند درويش.
- من المعروف دوليا أن هذا النص ينسب إلى ناظم حكمت.
- الفقرة الأخيرة اظنها للشاعر أحمد مطر ، وربما المقطع الأول هو حاصل دمج لعبارات من مصادر مختلفة " .
واستثار التشكيك في نسبة القصيدة متابعي الشاعر ومؤسسته والنقاد والصحف وبعض الفضائيات ، وقد أعادت الإشكالية بعض دارسي الشعر العربي إلى قضية الانتحال فيه التي توقف أمامها ابن سلام الجمحي ومرجليوث وطه حسين وناصر الدين الأسد الذي أتى على آراء الدارسين في كتابه " مصادر الشعر الجاهلي " .
على مستوى شخصي فقد انشغلت بالأسطر حيث طلب مني - متابعا لأشعار الشاعر - إبداء رأيي ، وهكذا عدت من جديد أبحث في كتب الشاعر وطبعاتها ؛ ما حذف منها وما أجري عليه من تعديلات وما لم يدرج من قصائد في طبعات دواوين الشاعر المختلفة ، أو في أعماله الكاملة ، فظل يقبع في بطون الصحف والمجلات ، وهو كثير وغير متوفر كله لي ، وخلصت إلى أنه يجب على مؤسسة محمود درويش أن توفر ما كتبه كله في متحفه وتؤرشفه ، وخلصت أيضا إلى أنه حتى اللحظة لا يوجد نص مطابق تماما لما نشر في صفحات التواصل الاجتماعي وما غنته كارول سماحة التي أضافت إليه سطرا من قصيدة الشاعر " وعاد في كفن " .
لكن ما يجب أن يقال هو أن روح الأسطر وبعض جملها وردت حقا في قصائد للشاعر كتبها في بدايات ٧٠ القرن ٢٠ ، بل وروح قصائد كتبها شعراء عالميون تأثر درويش بشعرهم في تلك الفترة ، وهم الشعراء الذين أشار بعض المعلقين إليهم كناظم حكمت وبيرتولد بريخت ، بل وبابلو نيرودا الذي رثاه درويش بقصيدة لم يعد نشرها في مجموعاته الشعرية .
في مقالتي المنشورة في الأيام أتيت بنصوص تبرهن أن مضمون الأسطر المغناة ورد في كتابين نثريين لمحمود درويش " يوميات الحزن العادي " و " وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلام " ، وعندما عدت لاحقا أبحث عن عبارة " من باع الوطن " وجدتها في قصيدة " الكلمة الأخيرة في الحوار " التي ضمها ديوان لم يشرف الشاعر على إصداره " يوميات جرح فلسطيني " ، بل إن روح الفقرة التي وردت في القصيدة غير بعيدة عن روح الأسطر المغناة ، وانتظار الحبية حبيبها فكرة أساسية في قصيدة " الكتابة على ضوء بندقية " .
هل روح الأسطر حقا سطحية ويمكن أن يكتبها طالب توجيهي كخاطرة ولا يمكن أن تصدر عن محمود درويش كما زعم مقدم برنامج عن القضية في فضائية الجزيرة ؟
كما ذهبت فإن روح الأسطر قريبة من كتابات محمود درويش وهي تعبر عن قضية عميقة جدا ، ولقد شغلت بال الفلسطينيين ومن قبلهم الإسرائيليين ومن قبل هؤلاء وهؤلاء شغلت بال شعوب العالم التي اكتوت بنيران الحرب العالمية الثانية : تصافح القادة وهناك من قبض الثمن وما زالت أمهات الشهداء وزوجاتهم وابناؤهم ينتظرون . بل ولقد شغلتنا فكرة المصافحة وقبض الثمن ودم الشهداء ، نحن الفلسطينيين ، منذ حرب حزيران ١٩٦٧ وما زالت .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
الثلاثاء والأربعاء والخميس
٧ و ٨ و ٩ / ٣ / ٢٠٢٣ .

***

42- العـرس الفلسطيـنـي: والدة الشهيد التي تنتظر ابنها

انشغلت في الأيام الأخيرة بموضوعين يفضي أحدهما إلى الآخر، الأول هو التحقق من نسبة مقطع إلى جبران خليل جبران ومحمود درويش ونصه:
«ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ابنها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل»، وقد أدرجته على صفحتي ناشداً المهتمين بالإدلاء بدلوهم.
كان نبيل طنوس من المغار ترجم المقطع إلى العبرية ونسبه إلى درويش وطلب مني أن أتيقن من الأمر، فقد كتب أحد قرائه أنه ينسب إلى جبران.
وليست هذه هي المرة الأولى التي ينسب فيها قول إلى درويش دون التأكد منه.
توقف أمام الظاهرة صقر أبو فخر وكتب فيها «عن فبركة القصائد والوثائق والنصوص» (أنظر الأيام الفلسطينية ١٨/ ١٢/ ٢٠١٢) وهذا دفعني إلى كتابة مقال «فبركة القصائد» أتيت فيه على قصيدة «لهفي على القدس الشريف» التي نسبت إلى درويش وقصيدة «كفرت بإسرائيل التي نسبت إلى مظفر النواب» (الأيام الفلسطينية ٧/ ٤/ ٢٠١٣).
قبل أشهر سألني زياد خداش عن مقطع أدرج في وسائل التواصل الاجتماعي ونسب إلى درويش:
« كنت سأشتري لك البنفسج هذا الصباح
لكن الرفاق كانوا جياعا
فاشتريت لهم الخبز
وكتبت لك قصيدة حب»
وأنا أبحث عثرت على مقال كتبه درويش عنوانه «ناظم حكمت: النشيد الخالد» يرد فيه المقطع وقد اقتبسه درويش من ناظم (محمد خليل، محمود درويش: مقالات وحوارات١٩٦٠ - ١٩٧٠، ٢٠٠١ ص ١٠٢).
وحتى اللحظة لم أتأكد من صاحب النص الأول «ستنتهي الحرب..» على الرغم من أنني عثرت على معنى قريب منه ورد في مقال لدرويش «ذاهبان إلى البحر» ورد في كتابه «وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلم» (١٩٧٤) واقتبس فيه مقاطع من كتابه «يوميات الحزن العادي» (١٩٧٣) ومن كتاب لكتاب إسرائيليين «التقصير» ومن رسالة فدائي فلسطيني إلى أمه وهو ذاهب إلى المعركة.
فيما أورده درويش من اقتباسات من الكتاب الإسرائيليين كتابة عن الجنود الإسرائيليين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لبناء وطن وعن قادتهم وجنرالاتهم الذين قبضوا الثمن فازداد رأسمالهم وكبرت مشاريعهم، وتكرار دال الوطن في كتابات درويش الشعرية والنثرية وفي المقطع الذي نسب إليه أحد أسبابه هو تكرار هذا الدال في الكتابات العبرية، ولا ينفي هذا تكراره في الأدبيات الفلسطينية قبل ١٩٤٨، بخاصة في أشعار إبراهيم طوقان.
الكتابة عن العجوز التي انتظرت ابنها والزوجة التي انتظرت زوجها يذكر أيضا بكلمات أغنية مارسيل خليفة «أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهدا فبكت دمعتين ووردا ولم تنزو في ثياب الحداد» وهذا كله يذكر برواية السوري أديب نحوي «عرس فلسطيني» (١٩٧٠) وعززه في الأيام العشرة الأخيرة استشهاد إبراهيم النابلسي وزغاريد أمه في وداعه والجدل الذي ثار حول ذلك.
توقف شمعون بلاص في كتابه «الأدب العربي في ظل الحرب» (الترجمة العربية ١٩٨٤) مطولا أمام «عرس فلسطيني» التي تأتي على عرس الشهيد الفدائي وكتب عن احتفال الأب بعرس ابنه الذي استشهد ليلة عرسه، فقد عاد من عملية فدائية مستشهدا.
في يوم الأرض في ٣٠ آذار ١٩٧٦ استشهد ستة فلسطينيين فكتب سميح القاسم فيهم شعراً وردت فيه الزغرودة «يا أم الشهيد وزغردي كل الشباب ولادك»، وصار الفلسطينيون مع الأيام يحتفلون بنبأ استشهاد ابنهم بالزغاريد، وصار هذا الاستقبال موضع جدل وكتابة، وقد أثير الجدل مؤخراً يوم استشهاد إبراهيم النابلسي في نابلس، بخاصة حين كتبت فلسطينية تقيم في السويد هي نور هيثم عن ردود أفعال الصحافة الغربية التي أتت على موقف بعض الغربيين من موقف أم إبراهيم.
في قراءاتي لكتابات درويش حول الموقف من الاستشهاد قراءة تعاقبية لاحظت الآتي:
في «ذاهبان إلى البحر» من «وداعا أيتها الحرب..» يكتب عن اختلاف إقدام الجندي الإسرائيلي والفدائي الفلسطيني على القتال وما يعقب ذلك من نتائج «لقد مات شيء كثير في القلب الإسرائيلي الشاب.. مات شيء كثير..» رأيت شبابا يموتون، ولا أحد منهم يصرخ قبل أن يسقط «ما أجمل الموت في سبيل الوطن» أو «يعيش السلام والأمن». لقد بكوا كالأطفال، دون أن يعرفوا إذا ما حققوا «السلام والأمن».
لقد وقع الخلاف بينهم وبين «الوطن» الذي سرقوه من شعب آخر، وحين يموت المرء، دون أن يعرف لماذا يموت، أو حين يعرف أنه يموت من أجل سرقة، فإن موته يكون بلا مجد وبلا شهية. هذا ما مات فيهم، وهذا ما ازدهر في نفسية الشاب الفلسطيني العربي الذي يذهب إلى الموت كما يذهب إلى الزفاف، وهذا هو الفارق بين موتين.(١٢٠).
هل ظل الشاعر الذي اقتبس فقرة من رسالة فدائي قبل استشهاده يرد فيها «ما أجمل طعم الموت عندما يمتزج بالأرض ..
.. إنني أشعر بثقل المخيمات ينزاح عن صدري، ووحول الأزقة تتحول إلى طرق واسعة معبدة في وجه الشمس» هل ظل الشاعر يرى ما رأى؟
لا شك في أن هناك شبابا مقاومين كثرا ما زالوا يقبلون على الشهادة مثل هذا الفدائي صاحب الرسالة، وأن هناك أمهات عديدات يستقبلن نبأ استشهاد الابن بالزغاريد، ولكن الشاعر صار ينظر إلى حسرة الآباء، فترك الشهيد نفسه يتكلم. لنقرأ ما كتبه في «حالة حصار» على لسان الشهيد: «لا تصدق زغاريدهن، وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا». وكان والد إبراهيم حزينا ومثله كان والد محمد الشحام الذي اغتيل في بيته قبل أيام.
الكتابة تطول وتستحق النقاش والجدل.

عادل الأسطة
2022-08-21


***

43- ستنتهي الحرب وقد ينتهي النقاش: برتولد بريخت أم محمود درويش؟

ما زال النقاش حول كاتب الأسطر الشعرية التي غنتها كارول سماحة على أنها لمحمود درويش متواصلا، وقد ذهب إلى مساحات أبعد مما كنا نتوقع، فأعادني شخصيا إلى أدب ما بعد الحرب العالمية الثانية وأدب ما بعد حزيران وإلى كتب ربما ما عاد يتذكرها ويعود إليها إلا قليلون، بل وأعادتني الأسطر إلى مقولة الناقد الفرنسي (رولان بارت) «موت المؤلف» ومقولات نقدية مثل «الكتابة كتابة على الكتابة» و»كل لغة غير لغة آدم ليست خالية من لغات الآخرين، بل وأعادتني إلى قصيدة محمود درويش نفسه «تنسى، كأنك لم تكن» التي يقول فيها:
«أنا الطريق... هناك من سبقت خطاه خطاي/ من أملى رؤاه على رؤاي».
أعادتني الأسطر إلى مسرحيتي الكاتب الألماني الشيوعي (برتولد بريخت) «دائرة الطباشير القوقازية» و»محاكمة لوكللوس» وإلى بعض الأدبيات الإسرائيلية بعد حرب حزيران مثل مسرح (حانوخ ليفين) الساخر «ملكة الحمام» ورواية (يغآل ليب) «والله يا أمي إني أكره الحرب»، وإلى قصيدة معين بسيسو «نلقاكم على كشوف القتلى في قناة السويس» التي كتبها بعد أن قرأ ما كتبه بعض طلاب الجامعة العبرية على شهادات تخرجهم إبان حرب الاستنزاف: «نلقاكم على جبهة السويس»، وفيها يكتب معين عن الطيار دانيال الذي سيظهر اسمه في قائمة القتلى فيما يكون الجنرال يدندن في البانيو تحت الماء اسم دانيال في كشف القتلى في الجبهة:
«وسيغتسل الجنرال/ وسيسقط اسمك يا دانيال/ في البانيو رغوة صابون».
إنها ثنائية من دفع الثمن ومن قبضه التي كتب عنها (بريخت) في مسرحيته، ولأقتبس.
في مسرحية «محاكمة لوكللوس» يجري حوار بين القائد العظيم لوكللوس وبين بائعة السمك التي تنتظر عودة ابنها من الحرب:
«- لوكللوس: يا له من سؤال! هل كان علي أن أزحف بجيوشي لكي أقتنص كرسيا جديدا لبائعة السمك؟
- بائعة السمك: إن كنت لم تجلب لنا شيئا إلى سوق السمك، فقد أخذت من سوق السمك أبناءنا»
«- أنا أعترض على هذا الكلام. كيف يحكم على الحرب من لا يعرف شيئا عنها؟
- ولدي سقط في الحرب صريعا. كنت بائعة سمك في السوق عند (ساحة) الفوروم، وذات يوم قيل لنا إن السفن التي تحمل العائدين من الحرب في آسيا قد دخلت الميناء. أسرعت أجري من السوق ووقفت على شاطئ التيبر ساعات عديدة حيث كانوا يفرغونها، وفي المساء كانت السفن كلها خاوية ولم يظهر ولدي على سطحها». هي وابنها دفعا الثمن والقائد قبض الغنائم، أما في «دائرة الطباشير القوقازية» فنقرأ الآتي:
«- ابن الأخ: هل تريد أن تؤكد أن أمراء هذه البلاد لم يحاربوا؟ هذا توكيد فاضح.
- ازدك (القاضي): كلا، لقد حاربوا، حاربوا من أجل الحصول على عقود التوريد».
ونقرأ:
«والسبب هو أن الحرب خسرت ولكن ليس بالنسبة إلى الأمراء، فإن الأمراء قد كسبوا معركتهم. لقد دفع لهم مبلغ ثلاثة ملايين و٨٦٣ ألف قرش لخيول لم يوردوها.... إن الحرب لم تخسرها إلا جورجيا (الوطن) وهي غير ممثلة أمام هذه المحكمة» وتحضر في المسرحية العجوز التي خر ابنها في الحرب صريعا، وحين يحضر لها القديس قاطع الطريق صاحب الكرامات بقرة، تذكارا، ويطلب منها أن تهتم بها يخاطب كبار المزارعين القاضي بأن من أحضر لها البقرة هو اللص أراكلي أخو زوجها وسارق القطيع.
لم يخل الأدب الإسرائيلي الذي كتب بعد حرب حزيران، وقرأه درويش وتأثر به وكتب عنه، من الكتابة عن الحرب ومآسيها وسخرية بعض كتابها من الجنرالات والقادة وهو ما نقرأه في كتابات (حانوخ ليفين) الساخرة ومنها «أنا وأنت والحرب القادمة» ومقطوعات أخرى ترجمها أنطون شلحت إلى العربية مثل «الإخوة تشامبلولو» و»حين تقف بجانب قبري يا والدي العزيز» و»الأرملة فزحطي»، وهي مقطوعات تأتي على من ضحى ولم يعد وفقد الأب ابنه والأرملة التي فقدت زوجها وظلت تعيش مع ابنها.
وما أريد أن أخلص إليه هو أن تشابه التجربة يمكن أن يؤدي إلى تشابه الكتابة وأن اللاحق يأخذ من السابق ويتناص معه، وأن الذين عاشوا فترات الحروب، ممن هم ضد الحرب ولهم توجهات يسارية، قد تتشابه أفكارهم وملاحظاتهم، ومرة قال محمود درويش نفسه، إن قصائد شعراء الأرض المحتلة كانت تتشابه لتشابه التجربة والفكر.
إن أسطر «ستنتهي الحرب» ليست غريبة عن بريخت وأدب الاحتجاج الإسرائيلي وكتابات محمود درويش التي كتبت عن تلك الكتابات واقتبست منها، وربما ما يستحق مقالا هو نهاية رواية «يغآل ليب» المذكورة، وهي عن حرب حزيران ١٩٦٧.
الكتابة تطول والمساحة محدودة.

عادل الأسطة
2023-03-19

***

44- ستنتهي الحرب: "والله يا أمي إني أكره الحرب"

لم تعدني الضجة التي أثيرت حول المقطع الذي نسب إلى محمود درويش ، فترجمه نبيل طنوس أولا ، وغنته كارول سماحة ثانيا ، إلى بعض أدبيات الحرب العالمية الثانية وحسب ، بل أعادتني إلى أدب الحرب الإسرائيلي .
بعد حرب حزيران ١٩٦٧ ترجم ابن الناصرة الصحفي لطفي مشعور الذي أصدر لاحقا جريدة " الصنارة " ، ترجم رواية لفت عنوانها " والله يا أمي إني أكره الحرب " الانتباه أكثر مما لفته اسم كاتبها ( يغآل ليب ) الذي لم تترجم له فيما بعد ، في حدود معرفتي ، أعمال أخرى ، فغاب اسمه في زحمة حضور روائيين إسرائيليين حظوا باهتمام بارز جعل من أسمائهم وعناوين بعض رواياتهم جزءا من ثقافة الأديب الفلسطيني ، فكتب عنهم وعن رواياتهم وتتبع بعض الدارسين صورة العربي واليهودي فيها ، بل إن بعض مثقفينا مثل سلمان ناطور و وأنطون شماس تجادلوا مع بعض المثقفين الإسرائيليين اليهود .
صارت لنا أسماء مثل " عاموس عوز " و " ا .ب . يهوسع " و " ديفيد غروسمان " و " عاموس كينان " و " يورام كانيوك " مألوفة ومكنتنا الترجمة من قراءة رواياتها التي حضر فيها العربي .
لقد كتب ناطور مثلا في جريدة " الاتحاد" ومجلة " الجديد " عشرات المقالات التي جمعها لاحقا في كتابيه " كاتب غضب " و " من هناك حتى ثورة النعناع : سبع سنوات من الحوار مع الكتاب العبريين " ، وفي الأخير كتب تحت عنوانين لافتين " على خط المواجهة " و " الأدب والحرب " ، ما يعني أن موضوع الحرب حضر في الأدب العبري حضورا لافتا .
كانت رواية ( ليب ) أول رواية قرأتها ، وكان ذلك بعد ترجمتها مباشرة في بداية ٧٠ القرن ٢٠ ، وتأتي على حرب الأيام الستة في ١٩٦٧ ، ولقد تذكرتها وأنا أبحث عن قائل الأسطر المنسوبة لدرويش، والمغناة ، وعدت إلى الرواية من جديد أقرأ بعض فصولها ووصف كاتبها الحرب ، ولفت نظري الفصلان ١١ و ١٢ : " النعي " ( ص ١١١ - ١١٥ ) و " لماذا لم تحرسه ؟ " ( ص ١١٦ - ١٢١ ) .
إن كانت ( ياعيل دايان ) في كتابها السيري " يوميات جندي / مذكراتي الحربية " كتبت مشاهداتها على الجبهة المصرية في سيناء في حرب حزيران ١٩٦٧ ، فإن السارد في رواية ( يغآل ليب ) يروي عن مشاركته في الحرب على الجبهة الأردنية واحتلال القدس والضفة الغربية وصولا إلى نهر الأردن . يروي السارد عن نفسه وعن الجنود ؛ الذين شاركوا في حرب سيناء في ١٩٥٦ ، والذين يشاركون لأول مرة في الحرب الجديدة ولا تتجاوز أعمارهم الثالثة والعشرين ومنهم من يتطلع إلى الحرب ثم يخر فيها صريعا .
يبدأ الفصل ١١ بالفقرة الآتية :
" أربكتنا أورشليم . عند بوابة مندلباوم المغلقة بسلاسل من رجال الشرطة ، وقف أبناء أورشليم يصفقون لنا ويهتفون :" يعيش الأبطال .. يحيا جيش الدفاع.. " كنا مرتبكين .
هكذا عبرنا لأول مرة ، منذ اندلاع الحرب ، الحدود القديمة ، وعدنا إلى دولتنا القديمة .
وقف الزملاء في سيارات الكومندكار يلتهمون فرحة الشعب ، ويتقبلون الأزهار الكثيرة وضحكات العيون ، والفتيات يقفزن إلى السيارات يقبلن الجنود ويصرخن كالأطفال ، أما النسوة فكن يبكين . كل هذا دار تحت غمامة من الضحك .. "
ولكن الفرحة لم تكتمل ، فهناك من لم يتسلم خبرا عن مصير ابنه " لقد امتزجت فرحة الأب والأم بقلقهما على ابنهما ... وبالنسبة لايتسيك فإن الحرب لم تنته بعد ، فالانتظار مستمر .. " والمرأة التي يشارك زوجها في الحرب وتنتظره تقرر استقبال جندي عائد والاحتفال به فرحا بنتيجة الحرب ، فتتركه يستحم في بيتها ويرتدي ملابس زوجها الذي تنتظر عودته، فتأتيها ورقة رسمية مكتوب فيها:
" وزير الدفاع ينعى لك ، بأسف شديد ، موت زوجك " .
أرادت هذه المرأة أن تشترك في فرحة استقبال الجندي العائد إلى بيته فرحة لا تقاس إلا بتوجع امرأة تنتظر . لقد انتظرت لكن الموت ربض على الباب " .
مثل الزوجة أيضا والدة الجندي الشاب رامي الذي قتل في الحرب ، فقد وصلتها منه رسالة كتبها قبل موته استطاع السارد أن يقرأ من بعيد سطرا واحدا منها فقط : " والله يا أمي إني أكره الحرب.." .
إنها فكرة الانتظار في أدب الحرب ؛ انتظار الزوجة زوجها والأم ابنها وعدم عودة الغائبين ، وفي المقابل هناك المسؤولون الكبار الذين يحصدون النتيجة ويكتفون بالمواساة ويبقون وزراء " وزير الدفاع ينعى لك ، بأسف شديد ، موت زوجك " . هل اختلف انتظار الأم ابنها عن اختلاف انتظار بائعة السمك في مسرحية ( برتولد بربخت ) " محاكمة لوكللوس " ؟ وهل اختلف ( لوكللوس ) كثيرا عن وزير الدفاع الإسرائيلي الذي أرسل برقية النعي وظل وزيرا ينعم بحمام ساخن وهو يقرأ الكشوف بأسماء القتلى على جبهة السويس ؟
وربما تعود بنا الفكرة المجردة لانتظار المحاربين الغائبين إلى الاسطورة الاغريقية التي وظفها محمود درويش في أشعاره المبكرة ، حيث تنتظر ( بنيلوب ) زوجها . ولمحمود درويش نفسه قصيدة مبكرة وردت في ديوان " عاشق من فلسطين " عنوانها " في انتظار العائدين " يقول فبها " وأنا ابن عوليس الذي انتظر البريد من الشمال " و " أصوات أحبابي تشق الريح ، تقتحم الحصون :- يا أمنا انتظري أمام الباب . إنا عائدون " .
المساحة محدودة والكتابة تطول .
الأربعاء والخميس ٢٢ و ٢٣ / ٣ / ٢٠٢٣

( مقال+
اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ٢٦ / ٣ / ٢٠٢٣ )
عادل الاسطة الأسطة

***

45- الحرب والانتظار في الأدب السوفيتي: وحدة الأدب العالمي.

هل صحيح أن أسطر " ستنتهي الحرب ويتصافح القادة وتبقى تلك العجوز تنتظر ابنها " ساذجة وسطحية ؟ وهل البحث عن قائلها مضيعة للوقت وغير مجد؟
أثار الكاتب فراس عمر حج محمد في مقاله " كأن محمود درويش لا يقول شعرا رديئا ( ١٠ / ٣ / ٢٠٢٣) ، وقبله مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية ( العرس الفلسطيني : والدة الشهيد التي تنتظر ابنها ، ٢١ آب ٢٠٢٢ ) والفقرة التي نشرتها على الفيس بوك حولها ، جدلا حول مدى عمقها ، فقد رأى بعض المعلقين أنها لا يمكن أن تكون لمحمود درويش وأن صاحبها ليس أكثر من طالب توجيهي يتدرب على كتابة موضوع إنشاء ، وهذا ما لم أره ، إذ أعادتني إلى أعمال أدبية يمتاز كاتبوها بالعمق تمحورت بعض نصوصهم التي غدت عالمية حول موضوعات الأسطر وهي الحرب والانتظار والتضحية بالنفس وجني المكاسب ، وهذا ما توقفت أمامه في مقالاتي في الأسابيع الثلاثة الأخيرة ( ١٢ و ١٩ و٢٦ / ٣ / ٢٠٢٣ الأيام الفلسطينية ) ، وقد أنفقت الشهر الماضي أبحث في الكتب وفي غوغل علني أصل إلى نتيجة.
هكذا عدت من جديد باحثا وباحثا لا يكل ولا يمل حتى ضجر بعض القراء مما أكتب متسائلين عن جدوى ما أقوم به ، ناسين أو متناسين أنه البحث عن الحقيقة ونبش الذاكرة والعودة إلى المصادر والمراجع وعدم إطلاق القول على عواهنه، إذ من غير المعقول أن يدرج أستاذ جامعي متخصص في الأدب الحديث الأسطر في صفحته في الفيس بوك دون أن يتأكد، حتى لو كنت أنا شخصيا.
أعادني بحثي إلى مقولة الأديب الألماني (غوتة) "وحدة الأدب العالمي" وإلى أحد معاني كلمة بنية " التجريد والتعميم والنموذج : من البنية الثابتة في أعمال مؤلف واحد إلى البنية الثابتة لأعمال مؤلفين مختلفين في عصر واحد وكذلك من البنية الثابتة لأعمال أدبية مختلفة في لغة واحدة إلى لغة ممتدة في الثقافة"، وهذا ما يلحظ في نصوص الحرب في الآداب العالمية المختلفة. إننا سنلحظ مثلا فيها كلها الموتيفات الآتية:
- فكرة الانتظار .
- فكرة الوطن والتضحية في سبيله .
- فكرة الجندي المضحي بنفسه والقائد الذي يجني المكاسب .
ولقد بحثت عنها في كتب " موتيفات الأدب العالمي وأفكاره " وتحت عنوان الحرب " Krieg / War " يقرأ المرء عن الاعتداء وصراع الإخوة ، ولقد بحثت أيضا في كتب المقاومة والحرب وما أكثرها وتوقفت أمام كتاب شاكر نوري " المقاومة في الأدب السوفييتي : دراسة ومختارات ١٩٣٩ - ١٩٤٥ " ( د . م و د. ت ) وكتاب حنا مينة ونجاح العطار " أدب الحرب " ( دار الآداب ١٩٧٦ و ط ٢ في ١٩٧٩ ) وكتاب غالي شكري " الماركسية والأدب " المؤسسة العربية للدراسات والنشر ١٩٧٩ ) وكتاب رفيف رضا صيداوي " النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية ١٩٧٥ - ١٩٩٥ " ( الفارابي ٢٠٠٣ ) لأقرأ فيها ولأجد أنها لا تخلو من المعاني التي كثفتها الأسطر .
يمكن في هذه المقالة الاقتباس من كتاب شاكر نوري وغالي شكري مثالا .
في كتاب الأول نقرأ قصيدة ل ( قسطنطين سيمنوف) يقول فيها :
" ماذا يمكن أن نقول لهم ؟ كم بائسة هي دموعهم
لكن المرأة العجوز أدركت لم نكن بهذه القساوة
إنها قرأت حزننا وأجابت :
" اذهبوا الآن يا أعزائي ، وسننتظر عودتكم "
آه ! سننتظر ... وحقول القمح تتموج .. وتتمايل
الغابات تصرخ :" ننتظر عودتكم!"
ويتحدث إلى حبيبته قائلا :
" انتظريني وسوف أعود إلى البيت
لكن يجب أن تنتظري طويلا " ( صفحة ٩٣ وقد تذكرها أيضا د.محمد شقير )
وقد وردت القصيدة نفسها في كتاب العطار وحنا مينة ( صفحة ١٦٤ ) . وقد أورد الدكتور يحيى الشعار Shaar Yahia في تعليقاته على الموضوع قصيدة " الأم " ل ( أندريه ديمنتيف ) وتصف أما انتظرت ابنها المشارك في الحرب ثلاثين عاما .
وماذا عن تصافح القادة ؟
هل تصافحوا في نهاية الحرب العالمية الثانية ؟
لا أريد أن أخوض في هذا لإشكاليته ، ولكن حتى القادة الذين توخت شعوبهم منهم الخير وأملت أن يقودوها إلى الحرية سرعان ما تحولوا إلى عبادة ذواتهم تحتل صورتهم الأمكنة كلها في حين أهملوها - أي الشعوب - وتسلطوا عليها .
في كتابه " الماركسية والأدب " يتوقف شكري أمام المقطع الآتي من قصيدة ( يفتشنكو ) " سوق سمبرسك " :
" أما الفلاحة فقد استلقت في الوحل !
كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق
لنصب تمثال جديد لشخص ما
أما الفلاحة السكرى فقد استلقت في الوحل " ( صفحة ١٣٤ ) .
بل ذهب بعض القراء ( سامح يوسف و Abdalla Takash ) إلى ربط أغنية كارول سماحة بأغنية ( Marlene Dietrich )
" Sag mir : Wo Die Bluemen Sind "
( قل لي : أين توجد الأزهار ؟ )
" Tell me : Where the flowers are ?"
ومارلين ديتريتش ممثلة ومغنية ألمانية وقفت ضد هتلر وشجعت الحرب عليه وتبرعت ببعض أموالها في سبيل ذلك ، وتأتي كلمات أغنيتها على الفتيات اللاتي حملن باقات الأزهار ل لإهدائها للرجال الذين ذهبوا إلى الحرب وصاروا جنودا ولم يعودوا فقد استقروا في القبور التي صارت تئن لصوت الرياح ، بل إن بعض القراء ( Ibrahim Ghabeish ) ذكرني بأغنية "
Are you going to Scarborough "
ل ( غارفيلد ) وهي عن جندي مات في الحرب - وكان الجنرال طلب منه أن يطلق النار - ويطلب من زملائه أن يذهبوا ويخبروا حبيبته التي صنعت له وشاحا ويسلموا على الزعتر والبقدونس وووو ... .
هل أخطأ ( غوتة ) وهل أخطأ البنيويون فيما ذهبوا إليه ؟
٢٦ و ٢٨ و ٢٩ و ٣٠ / ٣ / ٢٠٢٣
الأحد والثلاثاء والأربعاء والخميس .
( مقالة الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢ / ٤ / ٢٠٢٣ )

عناوين مقالاتي السابقة :
١ - العرس الفلسطيني : والدة الشهيد التي تنتظر ابنها .
٢ - كارول سماحة ومحمود درويش وستنتهي الحرب .
٣ - ستنتهي الحرب : برتولد بربخت ومحمود درويش .
٤ - ستنتهي الحرب : والله يا أمي إني أكره الحرب .

***

46- إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجاً (ملف/6)

إشارة :
بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتاب والقراء للمساهمة فيه بالمقالات والصور والوثائق. تحية لروح شاعر فلسطين والعروبة في عليّين.

المقالة :

إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجاً
اد. عادل الأسطة
تمهيد :
ترمي هذه الدراسة الى متابعة التغيرات التي يجريها محمود درويش على شعره، وبالتحديد تلك التغيرات التي تتم بناء على تغير في الموقف السياسي للشاعر(1)، أو بناء على إشكالية سياسية تثيرها القصائد التي يكتبها أو بناء على بعض المفردات التي ترد فيها. وهي بذلك تلقي الضوء، إلى حد ما، على علاقة الشاعر بالسياسي في الأدب الفلسطيني (2) .وكان شاكر النابلسي في كتابه “مجنون التراب: دراسة في شعر وفكر محمود درويش قد وقف إزاء هذه الاشكالية وقفة متأنية لا أرى ضرورة لتكرارها(3).
وتعد هذه الدراسة مكملة لبحث عنوانه “ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية” نشر في مجلة النجاح للأبحاث عام 1995، وقد نشر جزء منه على صفحات مجلة تابعة للجبهة الشعبية، تصدر في الأردن، في صيف 1993، تحت عنوان “محمود درويش .. هل يبحث عن مجد شخصي؟ ”
وما دفعني، مجددا، الى الكتابة في هذا الموضوع، النقاش الذي دار بيني وبين الشاعر، في اللقاء الذي عقدته وزارة الثقافة الفلسطينية، في مقرها، في رام الله، بتاريخ 9/5/1996. وقد كرر الشاعر، يومها، مقولة الناقد الاسرائيلي (حاييم غوري): “الشعر لا يكذب” التي أوردها (غوري) في نقده قصيدة درويش المشهورة: “عابرون في كلام عابر” (1988).
وكما هو معروف، فقد أثارت القصيدة، في حينه، ضجة كبيرة (4) .

منهج الدراسة :
يوظف الدارس هنا مصطلحي نقد الرواية “الزمن الكتابي (الابداعي)” “والزمن الروائي” لقراءة القصائد، ويستخدم الأول كما هو، قاصدا به زمن كتابة القصيدة، ويستخدم الثاني للاشارة الى الزمن المصوغ شعرا، مستبدلا كلمة الروائي بكلمة الشعري. وكما هو معروف فان المقصود بالزمن الروائي هو الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية(5) .
ويحيل الدارس النص الشعري إلى ما هو خارجه، فيقرأه بما يعرفه عن كاتبه وبما كتب عنه أيضا، وان كان هذا يجعل من الدراسة دراسة أدبية سياسية في الوقت نفسه.
ويفيد الدارس من قراءاته للمنهج البنيوي في أثناء قراءة النصوص. وهو بذلك يربط بعضها ببعض لملاحظة الصلة بينها. حقا إنه لا يبحث عن بنية النص وصلتها ببنى النصوص الأخرى- كما فعل (ريفاتيري) الفرنسي حين درس قصيدتين لـ (بودلير) الفرنسي قاصدا تتبع بنية كل منهما لملاحظة التشابه بين بنيتيهما (6) – ولكنه يحاول استنطاق النصوص باحثا عما يدور بخلد الشاعر ولا وعيه، من أجل تعزيز ما يذهب الدارس اليه.

موقف النقاد من هذه الاشكالية في حالة محمود درويش :
يقول الدكتور غالي شكري في دراسة له عن محمود درويش :
” ليس من شاعر ظلمته السياسة قدر ما ظلمت محمود درويش، فقد لعبت في حياته دور الغمامة التي حجبت احيانا وجهه الشعري الأهم.. فبالرغم من نبالة القضية الفلسطينية وشرف الانتماء اليها، الا أن درويش صاحب الموهبة الاستثنائية كان يدرك الحدود الفاصلة بين الابداع والموقف السياسي. كان يعطي ما لقيصر لقيصر وما للشعر للشعر، فإذا تطلب الكفاح من أجل القضية حزبا أو أيديولوجية أو سجونا أو معتقلات لا يتردد في اتخاذ الموقف الصحيح الى جانب شعبه. أما الابداع فشيء آخر لا يخلط بين متطلباته ومقتضيات السياسة، حتى ولو كان في السياسة ما يغري بالجماهيرية والذيوع وسعة الانتشار”.
ويتابع :
“لذلك كان شعره من قبل أن يغادر الأرض المحتلة الى اليوم بحاجة الى رؤى لاعادة التقييم في ضوء الشعر لا تحت أضواء السياسة” (7) .
ومطلب غالي شكري هو مطلب محمود درويش الملح. يقول محمود درويش في مقابلة أجريت معه على إثر نشر قصيدته “أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي” :
“لقد ركز بعضهم على عبارة “معاهدة الصلح” وأضاف: “ولو كنت أعرف أن هذه العبارة سوف تسرق اهتمام القارئ الحديث أو المراقب الصحفي والمجتمع السياسي العربي الى هذا الحد لكنت تخليت عنها. وسأسمح لنفسي، في أية طبعة جديدة، بتغييرها، ليس تنصلا من المدلول، ولكن حرصاً مني على إبقاء القارئ في الحقل الإجمالي والتاريخي والثقافي للقصيدة بأسرها، وليس لعبارة واحدة سمح التأويل بتحويلها الى لافتة أو شعار” (8) .
ويتساءل المرء، ومعه حق في ذلك، ان كان قارئ محمود درويش يستطيع ان يفصل فصلا مطلقا بين شعره ومواقفه السياسية من ناحية، وبين محمود الشاعر ومحمود السياسي من ناحية ثانية، ويعتمد في ذلك على أمور عديدة أبرزها :
أولا : لقد اختلط في أشعار الشاعر الأولى الخطاب الشعري بالخطاب السياسي، ونظر الى محمود على أنه شاعر وسياسي معا. وقد وصل الأمر ببعض دارسيه الى إسقاط الواو دون إسقاط ما بعدها.
ثانيا : واستمرت هذه النغمة في أشعار الشاعر التي كتبها حتى فترة متأخرة تقريبا. ولا يستطيع أي قارئ لديوان “حصار لمدائح البحر” إغفال ذلك، وتحديدا في قصائد “بيروت” و”مديح الظل العالي” و “اللقاء الاخير في روما”.
وقد نعت درويش قصيدة “مديح الظل العالي”، في طبعة المجلد الثاني من أعماله الصادر عام 1984 عن دار العودة، نعتها على انها “قصيدة تسجيلية”.
ثالثا : لم يبتعد درويش في فترات حياته عن الساحة السياسية، فقد قبل، لفترة من الزمن، عضوية اللجنة التنفيذية لـ م. ت . ف، وكتب غير مقالة تدرج تحت باب الأدب السياسي.
وفوق ذلك كله لا يخفى على غالي شكري ومحمود درويش معا أن النص هو، في نهاية الأمر، مثير يستجيب له القراء استجابات متعددة. ولا أعتقد أن درويش قادر أن يبقي “القارئ في الحقل الجمالي والتــاريخي والثقافي للقصيدة بأسرها”. وهو إن فعل ذلك فانما يحيل القراء جميعا إلى زمن اخر، زمن واحـد، وهو ما لا يستطيع عليه أي شاعر، فزمن القارئ، كما هو معروف، زمن متعدد بتعدد ثقافات القراء في الزمن نفسه.
ويذهب الدارس الى ما هو أبعد من ذلك. لم يستطع درويش حتى وهو يقرأ من ناقد أديب مثقف، هو ادوارد سعيد، أن يبقيه “في الحقل الجمالي والتاريخي والثقافي للقصيدة بأسرها”، ولنقرأ ما يكتبه ادوارد سعيد حول القصيدة :
“القصيدة المترجمة في هذا العدد “أحد عشر كوكبا على الأندلس” كتبت ونشرت في عام 1992. ولقد انبثقت من ثبات مناسبات متباعدة: الذكرى الـ 500 للعام 1492 [سقوط غرناطة، رحلة كولومبوس]، سفر درويش إلى اسبانيا للمرة الأولى، وأخيرا قرار م. ت. ف الاشتراك في عملية السلام تحت رعاية روسية – أمريكية وانعقاد مؤتمر مدريد في تشرين الأول 1991″.
ويتابع :
“والحق أن هذه المقطوعات الشعرية تنطوي على نغمة الكلل وهبوط الروح والتسليم بالقدر، والتي تلتقط – عند العديد من الفلسطينيين – مؤشر الانحدار في أقدار فلسطين التي، مثل الأندلس، هبطت من ذروة ثقافية كبرى إلى حضيض قطيع من النقد، على صعيد الواقعة والاستعارة معا. لكن هذا يفسر جانبا واحدا من جوانب القصيدة. فالعنوان في الأصل العربي هو ببساطة “أحد عشر كوكبا” ولقد أضيفت عبارة “على الأندلس” لايضاح الخلفية المعاصرة للقصيدة” (9).
ولا يستغرب القارئ، بعد قراءة رأي سعيد، أن يرى القارئ العربي أو المراقب الصحفي أو المجتمع السياسي العربي أن درويش يعبر في القصيدة عما يجري، الآن، على الساحة الفلسطينية.
وثمة قضية أخرى يجدر، الآن، الإشارة إليها، لأنها ستوضح نقطتين سيؤتى على ذكرهما بوضوح أكثر وهما: تأثير النص على القارئ واستجابة الأخير له، وصوت المتكلم في القصيدة وأعني بذلك: من هو المتكلم في القصيدة ؟.
لقد كتب محمود درويش في عامي 86/1987 العديد من القطع الشعرية الساخرة، ونشرها على صفحات مجلة “اليوم السابع” الصادرة، في حينه، في باريس، تحت عنوان ” من خطب الدكتاتور الموزونة”، ولم يجمعها، حتى الآن، في كتاب (10).
وقد التفتت إلى إحداها بعض الصحف العربية ونشرتها على صفحاتها، دون أن تلتفت إلى تاريخ كتابتها أو تحديد الشخص المتكلم فيها. وقدم معيد نشرها إليها بما يلي:
“الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الذي استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لـ م. ت. ف احتجاجا على الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي كتب قصيدة جديدة بعنوان “خطاب السلام” عبر فيها عن موقف الرافض من اتفاق غزة أريحا بأسلوب تهكمي لاذع”(11) .
وقد قرأ حسن عبد الله المحرر الأدبي في جريدة “كنعان” القصيدة، دون أن يلتفت أيضا إلى زمن نشرها ولسان المتكلم فيها، وعقب عليها قائلا :
“أعرب محمود درويش كبير الشعراء الفلسطينيين عن موقفه الرافض لاتفاق غزة اريحا خلال قصيدته الأخيرة” خطاب السلام” التي تهكم فيها على الحكم الذاتي، ونسج من حروفها وشاح المرحلة السوداء…”
وتابع : “وقد تضمنت القصيدة مفارقات غاية في الغرابة، تستند إلى معرفة دقيقة لطبيعة التفكير القيادي الذي لم يكن درويش بعيدا عن أجوائه” (12) .
وقد عقب الشاعر على سوء الفهم الناجم عن قراءة النص، وأوضح أن الخطاب ليس ذا صلة إطلاقا بالاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي. وأكد “أن اجتزاء بعض تلك الخطابات والادعاء بأنها كتبت بعد اتفاق أيلول يفتقد إلى النزاهة، وينبغي الإشارة إلى سياق الخطاب وزمنه، وبعكس ذلك يصبح تزويرا” (13)
وعلى الرغم من أن ما يقوله الشاعر صحيح إلا أن نشر النص وفهمه يعكسان، بوضوح أهمية المقولات النقدية السابقة. فقد استجاب له القراء استجابات مختلفة (14) وترك زمن القراءة أثره عليه. وهو فوق ذلك يلقي بالظلال على نفسية الشاعر.
لقد رفض درويش اتفاقيات (كامب ديفيد)، في حينها، وسخر من أنور السادات سخرية مرةً . وهو برفضه هذا كان يرفض الحكم الذاتي الذي وافق عليه الفلسطينيون، فيما بعد، واستقال درويش، على إثر قبوله، من عضوية اللجنة التنفيذية لـ م. ت. ف.
والسؤال الذي يثار هنا: ما الذي يحدو بدرويش، إذن، رفض نشر الخطاب “خطاب السلام” الآن؟
رضوخ الثقافي للسياسي :
ذهبت بعض الدوريات(15) إلى أن قصيدة “للحقيقة وجهان والثلج أسود” أثارت غضب السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لـ م. ت. ف ، في حينه، وأنه، تبعا لذلك، استدعى الشاعر الذي كان يقيم في باريس ليستفسر منه عما يقصده في القصيدة.
ولا يستغرب المرء، ما ذكر أعلاه، فقد أبدى الشاعر استعداده لحذف كلمات من القصيدة واستبدالها بأخرى، وهو ما لاحظناه في عبارته السابقة. وهذا ما أقدم عليه درويش فيما بعد. وهكذا يرضخ الثقافي للسياسي.
وقد يرد الشاعر على هذا الرأي، ويذهب إلى أنه يفعل ذلك دائما. وثمة ما يؤكد ذلك. فمن يقرأ بعض قصائده التي نشرها على صفحات “شؤون فلسطينية” أولا ثم أعاد نشرها، فيما بعد، في مجموعات شعرية، يلحظ أن الشاعر يفعل ذلك دون ضغط من أحد. وخير مثال على ذلك قصيدة “بين حلمي وبين اسمه كان موتي بطيئا” التي نشرت في ديوان “محاولة رقم 7” (1974). لقد نشرها الشاعر على صفحات “شؤون فلسطينية” تحت عنوان “حوار مع مدينة” (16) ولم تبد في الديوان كما ما بدت على صفحات المجلة. ثمة تغيير واضح يلحظه المرء، وهو ما يبدو أيضا في قصيدة “الرمل” التي نشرت على صفحات “شؤون فلسطينية” ثم أعيد نشرها على صفحات ديوان “أعراس” (1977).
ويتكلم المرء، هنا، عن ثلاثة أنواع من التغيير في أشعار الشاعر. التغيير الجمالي والتغيير السياسي والتغيير الديني، وما يهمنا هنا هو الثاني، وان كان في هذا ظلم للشاعر(17).
ومن يقرأ قصيدة “للحقيقة وجهان والثلج أسود” في الطبعة الصادرة عام 1994 عن دار الآداب، ويقارنها بطبعات ديوان “احد عشر كوكبا”، يلحظ أن الشاعر أبر بوعده.
فما هي مواطن التغيير ؟ وما دلالة ذلك؟
أولا : يلاحظ الدارس لدواوين الشاعر في طبعاتها المختلفة أن هناك اختلافا في طبعتي ديوان ” أحد عشر كوكبا” الصادرتين في الأرض المحتلة. وكانت إحداهما تصويرا عن طبعة صدرت في المشرق العربي، وثانيتهما تصويراً عن طبعة صدرت في المغرب العربي. ويبرز موطن الاختلاف في السطر الخامس عشر من القصيدة المذكورة “للحقيقة وجهان..” إذ يرد السطر في طبعة دار العربي (18).
“إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار”
في حين يرد في طبعة دار الجديد (19):
“إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار”
ثانيا : تختلف الصيغة الواردة في طبعة دار العودة عنها في الطبعتين المذكورتين ويصبح السطر الناص
“… يتلو علينا” معاهدة الصلح ” يا ملك الاحتضار”
على النحو التالي :
” … يتلو علينا ” معاهدة اليأس” يا ملك الاحتضار”
ويصبح السطر الناص :
” فلماذا تطيل التفاوض، يا ملك الاحتضار؟ ”
على النحو التالي :
“فلماذا تطيل النهاية، يا ملك الاحتضار؟ ”
وتلتزم طبعة دار العودة بما ورد في طبعة دار العربي – أي طبعة المغرب العربي – في السطر الناص:
“إن هذا الرحيل سيتركنا حفنة من غبار”.
ثالثا : تجدر الاشارة في هذا السياق إلى أن الشاعر أعاد نشر قصيدة “عابرون في كلام عابر” في كتاب يحمل عنوان القصيدة، ويحتوي على مقالات نثرية فقط، منها ما له صلة بالقصيدة، ومنها ما لاصلة له بها.
وقد تيسر لي، مؤخراً، الاطلاع على الطبعة الثانية الصادرة عام 1994 عن دار العودة التي لم يشر صاحبها إلى تاريخ الطبعة الأولى. وبناء على ذلك فإنني لا أستطيع أن اجزم إن كان الشاعر اطلع على الدراسة المنشورة عام 1993، والمشار إليها في بداية هذه الدراسة. ومع ذلك يظل سلوك الشاعر موضع سؤال، ويحتاج إلى دراسة. فما معنى أن ينشر قصيدة شعرية في كتاب نثري؟ وليست القصيدة هذه هي الأسوأ فنيا في شعر الشاعر. وهي لا تختلف في لهجتها ووضوحها عن قصيدة “مديح الظل العالي” وعن قصائد أخرى كتبها الشاعر تحت وطأة لحظة زمنية قاسية مرعبة.
وهنا يتساءل الدارس : ما هي الإشكاليات العديدة التي تثار جراء تغيير الشاعر بعض المفردات واستبدالها بأخرى ؟

يثير التغيير، كما يرى الدارس، عدة إشكالات أهمها :
أولا : تبعية الأديب للسياسي والرضوخ لأوامره.
ثانيا : تخلي الشاعر عن مواقفه والتراجع عما يراه ويعتقده. ويقوده الرضوخ: إلى تعزيز ظاهرة الشاعر التابع وتقويض ظاهرة الشاعر الشهيد؛ الشاعر الملتزم بالكلمة. وتصبح المقولة التي كررها “الشعر لا يكذب” مقولة مفرغة من محتواها، وتحتل مكانها مقولة أخرى هي: “أجمل الشعر أكذبه”، وتحيلنا هذه العبارة إلى تفسيرات محمود درويش المبهمة لها:
“إذا كذب الشعر أو الشاعر فهو كذب جمالي يقدم مبررات جمالية لوجود مهدد أحيانا. قول العرب القديم الذي قابلناه بسخرية: “إن أعذب الشعر أكذبه” يجب ألا نتعامل معه تعاملا بسيطا، فالكذبة الجمالية ذات ملابسات ومبررات أعمق بكثير من الكذبة الأخلاقية لارتباطها بطبيعة الإبداع الخاصة، لأن كل صورة شعرية،إذ قارنا بينها وبين الواقع فهي كذبة أو هي واقع محور.
وقد نقول أيضا “إن أعمق الشعر أصدقه”، فالصدق هنا له معنى آخر غير المعنى الأخلاقي. الشاعر في هذه الحالة لم يكذب. لا الشاعر كذب على القصيدة، ولا القصيدة كذبت على الشاعر، ولا الشعر كذب على الشعر”(20).
ثالثا : ويتحول الأديب هنا إلى سياسي يتعامل مع الراهن، فيتغاضى عن الحقيقة ويتجاهل ذكرها ولا يجرؤ على إشهارها، وذلك من أجل تسيير أموره، وهو الحلقة الأضعف في عالم يقمع فيه السياسي كل من يخالفه الرأي مباشرة. وهكذا يرضخ من لا يملك سوى الكلمات إلى من يملك المسدس والمال. ويؤكد هذا الرأي – بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل رغبة الشاعر في التنقل من مكان إلى آخر وحصوله على إقامة في هذا البلد أو ذاك – عدم جمع خطب الدكتاتور الموزونة، حتى الآن، في كتاب، وعدم ضم بعض المقالات النثرية المهمة، مثل المقال الذي نشره درويش تعقيبا على خطاب الملك حسين بعد فشل التنسيق مع م. ت. ف في النصف الثاني من الثمانينيات، إلى ما نشره نثرا في كتاب(21).
وأقف الآن عند نقطة مهمة كانت موضع جدل مع الشاعر في أثناء حديثه، في اللقاء المذكور، وهي أنه لم يكن، في قصيدته “أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي”، يعبر عن الواقع الراهن.
لا يذهب كثير من الدارسين النقاد، وبخاصة الآن، إلى الأخذ بالمقولة النقدية القديمة “المعنى في بطن الشاعر”، معتمدين على مقولات نقدية معاصرة أبرزها ما ذكرته، ابتداء، من أن النص مثير والقارئ متعدد، وأن المعنى غير مغلق، بمعنى آخر: ليس هناك تفسير نهائي لنص من النصوص (22).
وتقتضي الضرورة، هنا، التركيز على مصطلحي الزمن الكتابي والزمن الشعري.
يكتب درويش نصه الشعري، عام 1992، عن سقوط غرناطة الذي تم قبل 500 عام. وهو يكتب ما يكتبه وفق رؤية معاصرة اعتمدت على ما كتب حتى هذه اللحظة. ومن المؤكد أن النص ما كان ليكون على ما هو عليه لو كتب قبل 500 عام. وهذا ما يؤكده لنا شكل القصيدة الذي ينتمي إلى ما بعد عام 1947. ويعزز ذلك أيضا ظهور مفردات ما كانت معروفة عام 1492 مثل (كولومبوس، لوركا، غيتار). وان كان (كولومبوس) عاش في ذلك العام، إلا أنه، على ما يرجح، لم يكن معروفا للشعراء العرب، في حينه .
واذا كانت هذه المفردات قد سقطت، في القصيدة، سهوا، فلماذا لا تسقط ايضا رؤية الشاعر لما يجري الآن في فلسطين على ما جرى، من قبل، في الأندلس؟ ويعتبر محمود درويش واحدا من كثيرين يرون في فلسطين أندلساً جديدة (23) .
ويمكن أن يوضح الدارس هذا من خلال قراءة لقصيدتين وردتا في ديوان “لماذا تركت الحصان وحيدا؟” (1995) هما: “من روميات أبي فراس” و “خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس” . وكما هو واضح فان القصيدتين تتمحوران حول شخصيتين تاريخيتين تنتميان إلى العصر الجاهلي والعصر العباسي. وهكذا يختلف فيهما الزمنان: الكتابي والشعري. فهل استطاع درويش فيهما أن يتمثل العصرين تمثلا كليا ليعبر عن الشخصيتين دون إسقاط رؤية معاصرة، هي رؤيته الخاصة ؟
يدرج الشاعر قصيدة “من روميات أبي فراس” مع قصائد آخر تحت عنوان فرعي هو “غرفة للكلام مع النفس”، وتأتي في المرتبة الثانية بعد قصيدة “تدابير شعرية” لتليها، على التوالي، القصائد التالية: “من سماء الى أختها يعبر الحالمون” و “قال المسافر للمسافر .. لن نعود كما ” و “قافية من أجل المعلقات” و “الدوري كما هو، كما هو”.
وليس اختيار العنوان اختيارا عشوائيا، ويمكن قول الشيء نفسه عن إدراج القصائد تحته. ولا يخطئ حســين حمودة الذي قرأ الديوان حين كتب عنه “تستقل، ظاهريا، كل قصيدة، وكل قســـم، من قصائــد الديوان وأقسامه، بملامح خاصة، ولكن هذا الاستقلال الظاهري ينطوي على عالم فني واحد، يربط هذه القصائد والأقسام في سياق متصل، إذ تلتف كلها حول دلالات الغياب، وحول مستويات الوعي به.. (24).
” تتردد هذه العناصر والمفردات، خلال القصائد، وتتكرر تكرارا لافتا، لتسهم في صياغة “أسطورة” خاصة بالشاعر، خفية، كامنة، متجذرة في قصائد الديوان جميعا، مما يجعل من عوالم هذه القصائد عالما ممتدا، ومن نصوصها نصا متصلا، برغم تنوع هذه القصائد، وبرغم تباين مراحل الغياب التي تلتقطها وترصدها على مستويات الوعي والذاكرة والزمن جميعا.. (25).
وبناء عليه يشير أيضا إلى ترابط قصائد “غرفة للكلام مع النفس” واتصالها فيما بينها. وأرى أن ثمة رابطاً يربط بين قصائد هذا القسم، فدرويش، في القصيدة الأولى، يكتب، وفي الثانية ينطق شاعرا أسيرا، ويصور، في الثالثة، الفراشة المتنقلة بلا قيود، ويطلب المسافر، في الرابعة، من المسافر أن يكتب حكايته، وأتي، في الخامسة، على ذكر المعلقات التي ينبغي أن يخلفها نثر الهي لينتصر الرسول، في حين يشكل الدوري، في السادسة، النقيض للمتكلم الجالس في منزله مأهولا بالوقت. ويبدو فضاء القصائد فضاء واحدا: تنتظم القصائد الستة حالة واحدة للمتكلم/ الشاعر هي “غرفة للكلام مع النفس”.
وبناء على ما سبق تبدو أية قراءة لأية قصيدة منعزلة عن بقية القصائد، قراءة ناقصة غير مكتملة، وان بدت “من روميات أبي فراس” ذات خصوصية معينة، إذ يستحضر درويش فيها شاعرا عربيا عاش في القرن الرابع الهجري، ويتقمص شخصيته، ليعبر من خلالها، عما يجول في خاطره، وهو في منفاه في الأسر – أي الحمداني هنا -، بطريقة يكتب فيها الشاعر العربي المعاصر الذي ينتمي إلى ما بعد عام 1947، عام بزوع القصيدة الحديثة الشكل.
ولا يرى المرء كبير فرق بين حالتي الحمداني ودرويش: كلاهما يعيش منفيا عن وطنه، وإن اختلف سبب النفي: الأسر في حالة الأول، والهجرة في حالة الثاني، وهي هجرة بدت طوعية، ولكنها سرعان ما أصبحت قسرية، فقد أصبح الشاعر في وضع لا يستطيع فيه العودة إلى مسقط رأسه، إن رغب في ذلك. ويسترجع درويش، وهو في منفاه، بعض ماضيه في حيفا، وبخاصة تجربته في السجن، وهنا تتشابه تجربته وتجربة الحمداني.
ويثار، في أثناء قراءة هذه القصيدة التي صيغت بضمير المتكلم، سؤال مهم هو: من هو المتكلم في هذه القصيدة؟ هل هو الحمداني أم هو محمود درويش؟ ويتلو هذا السؤال سؤال أخر هو: عم يتكلم ؟ (26).
إذا قيل ان المتكلم في قصيدة “من روميات أبي فراس” هو الحمداني، فهناك ما يؤيد ذلك، وهناك ما ينفيه أيضا. يستحضر “أنا المتكلم” مفردات تاريخية ارتبطت بأبي فراس وتجربته، ووردت في أشعاره:”الحمامة وحلب وابن عمي وروميات، و فإما أميرا وإما أسيرا وإما الردى، والخيل والغزوات”. ولكن المتكلم يورد كلمات لا تنتمي إلى عصر الحمداني. وورودها – إن أصر الشاعر على أن الناطق هو أبو فراس – يجعل في النص مفارقة تاريخية تتمثل في وضع شيء في غير زمانه الصحيح (استعمال يوليوس قيصر التلفون أو ركوبه الطيارة)، وهو هنا، في حالة أبي فراس، وجود القطار وشكل القصيدة.
ومن يقرأ النص، مستعينا بما هو خارجه، أي بناء على معرفته لحياة محمود درويش وما مر فيه من تجارب، وما قاله هو شخصياً بهذا الخصوص، يعرف أن درويش، في القصيدة، يعبر عن ذاته.
وتبين النصوص المقتبسة من القصيدة تأثير الزمن الكتابي على الزمن الشعري، وتشير الى أن أنا المتكلم هو درويش لا الحمداني(27).
يرد في القصيدة :
ثمة أهل يزورننـا
غدا في خميس الزيارات . ثمة ظل
لنا في الممر . وشمس لنا في سلال
الفواكه ثمة أم تعاتب سجاننا :
لماذا أرقت على العشب قهوتنا يا
شقي ؟
و :
وزنزانتي اتسعت، في الصدى، شرفة
كثوب الفتاة التي رافقتني سدى
الى شرفات القطار، وقالت : أبي
لا يحبك. أمي تحبك . فاحذر سدوم غدا .
يكتب الشاعر نصه الآن (1995) عن شاعر عاش في القرن الرابع الهجري، حيث لم يكن القطار موجودا، ولم تكن القهوة مكتشفة. وهنا يبدو تأثير الزمن الكتابي على الزمن الشعري واضحا. ويعزز هذا ما يذكره الشاعر في المقابلة التي أجراها معه عباس بيضون :
” وأنا في السادسة عشرة من عمري زارتني أمي في السجن، وحملت لي قهوة وفواكه، واحتضنتني وقبلتني” (28).
ويقول أيضا :
“أحببت مرة فتاة لأب بولندي وأم روسية. قبلتني الأم ورفضني الأب. لم يكن الرفض لمجرد كوني عربيا. ذلك الحين لم أشعر كثيرا بالعنصرية والكره الغريزي. لكن حرب 1967 غيرت الأمور “(29).
ونعود إلى عبارة الشاعر التي فسر فيها إقدامه على استبدال كلمات بأخر: “ولكن حرصا مني على إبقاء القارئ في الحقل الجمالي والتاريخي والثقافي للقصيدة بأسرها”، فهل نجح الشاعر في ذلك؟ وهل سيقرأ القارئ القصيدة وذهنه منصرف إلى ما حدث، في حينه، في الاندلس؟ أم أنه سيرى سقوط فلسطين في سقوط غرناطة. وهذا ما رآه ادوارد سعيد؟
هنا يمكن أن نقف عند قصيدة “خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس” فقد تسعفنا قراءتها في الاجابة عن السؤال وتوضيح فكرتنا، أكثر مما تسعفنا القصيدة السابقة، وذلك لأنها ذات بعد سياسي واضح.
لا تختلف هذه القصيدة عن السابقة وعن قصائد أخرى عبر فيها الشاعر عما يجول في خاطره من خلال قناع، أبرزها – أي القصائد – “رحلة المتنبي إلى مصر” التي كتبها عام 1978 ونشرها في مجموعة “حصار لمدائح البحر”(30).
وتشير ظاهرة اللجوء إلى قناع للتعبير من خلاله، بوضوح، إلى إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني بخاصة، وفي الأدب المكتوب في ظل أنظمة قمعية بعامة. وهي في الأدب الفلسطيني ذات بعد خاص، وذلك لأن الشعر الفلسطيني في جانب منه كان شعرا سياسيا وكتب تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يحارب الشعر المعادي للسلطة الإسرائيلية، ولم يكن الأمر، على هذه الشاكلة، فيما يخص الشاعر والمؤسسة الفلسطينية لأن الانسجام بينهما، إلا في حالات نادرة، كان كبيرا. وهو في حالة درويش خير دليل على ذلك، فالعلاقة بين القيادة السياسية وبينه علاقة جيدة عموما، ولم تعتورها إشكالات الا في حالات قليلة هي التي سنقف عندها، وأشار اليها محمود درويش أحيانا (31) .
ويدرج الشاعر قصيدة “خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس” مع قصائد أخرى هي “شهادة من برتولت بريخت أمام محكمة عسكرية 1967” و “متتاليات لزمن آخر” و “عندما يبتعد “يدرجها تحت عنوان فرعي هو : “أغلقوا المشهد”.
ويتساءل القارئ عن الضمير في أغلقوا وعن المشهد الذي أغلق. ويجد الإجابة عموما من خلال القصائد الأربعة معا (32)، وان بدت الإجابة أوضح ما تكون في قصيدة “خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس”.
ويوصل تحليل القصائد والبحث عن الثنائيات الأساسية فيها، يوصل القارئ في النهاية إلى أن هناك رابطا بينها، والى أن الشاعر يرمي، في النهاية، إلى التعبير عن المشهد الشرق أوسطي. وأن بريخت، مثله مثل امرئ القيس، ليس سوى قناع يختفي وراءه شخص محدد . وكما هو معروف، فإن (بريخت) الألماني، وهو كاتب مسرحي مشهور، توفي عام 1956، ولم يشهد حرب 1967، ليكون شاهدا عليها.
تقوم قصيدة “شهادة من برتولد بريخت أمام محكمة عسكرية 1967” على ثنائية الضحية التي تحولت إلى جلاد والضحية الجديدة – أي عرب فلسطين. وليس المتكلم في النص، وهو، كما يشير العنوان، (برتولد بريخت)، سوى قناع للشاعر الذي يشهد عما جرى في حرب 1967، ويدلي، بناء على ذلك، بشهادته أمام المحكمة التي هي محكمة عسكرية. وتعبر القصيدة عما يفعله الإسرائيليون بالعرب الفلسطينيين.
لقد بدأ المشهد، في الديوان كله الذي أرى أنه كتاب متكامل، باطلالة الشاعر المنفى على ما يريد، وبتأريخه لمأساته – مأساة شعبه منذ التهجير عام 1948. وبدأ المشهد في “أغلقوا المشهد” بحرب حزيران 1967 وانتهى بتوقيع الصلح وبغناء الشاعر لزمن آخر “متتاليات لزمن آخر”. وعاد الشاعر – المتكلم في نص “خلاف، غير لغوي … ” إلى غده ناقصا، وهي عبارة وردت على لسان محمود درويش في الكلمة التي ألقاها، في حيفا، في تأبين الراحل إميل حبيبي (33) بتاريخ 4/5/1996. وهكذا إذا استعنا بما هو خارج النص لنفهم النص أدركنا أن صوت درويش هو المسموع في القصيدة :
” … ثم انحنينا نسلم
أسماءنا للمشاة على الجانبين. وعدنا
إلى غدنا ناقصين”
وتقوم قصيدة “خلاف …” على ثنائية المنتصر والمهزوم. الأول الذي أخذ ما يريد والثاني الذي لم يجد نجمة للشمال ولا خيمة للجنوب، ولم يتعرف على صوته أبداً.
وتبرز هذه الثنائية، بوضوح، في قصيدة “عندما يبتعد”، إذ لا يختفي الشاعر فيها وراء قناع، وبالتالي فان القارئ لا يتساءل عمن يكمن وراء القناع.
يقول درويش فيها :
“للعدو الذي يشرب الشاي في كوخنا
فرس للدخان … ”
“لن تنتهي الحرب ما دامت الأرض
فينا تدور على نفسها !
فلنكن طيبين إذا . كان يسألنا
أن نكون طيبين. ويقرأ شعرا
لطيار “ييتس” : أنا لا أحب الذين
أدافع عنهم، كما أنني لا أعادي
الذين أحاربهم” .
والكلام الذي يرد على لسان الطيار هو كلام صديق الشاعر الذي عرفه قبل حرب 1967 (34) .
ونعود لنثير السؤال من جديد: من هو امرؤ القيس في القصيدة؟ وما هو موقف المتكلم منه حقيقة؟ ومن هم أيضا الذين أغلقوا المشهد ؟ ومن هم الذين عادوا إلى غدهم ناقصين؟
تتكون القصيدة من خمسة مقاطع، تبدأ ثلاثة منها بعبارة ” أغلقوا المشهد” وهي المقاطع 1، 2،4، ويقابل الضمير (هم) الضمير (نحن). والضمير الأول (هم) الفاعل القوي في حين أن الضمير (نحن) يمثل المهزومين الذين سمح لهم العودة إلى غدهم ناقصين. وهم، في المقطع الثاني، الذين انتصروا، وهم الذين عبروا أمسنا كله. وينتهي المقطع الأول بهزيمة النحن، في حين ينتهي المقطع الثاني بانتصار (هم) بعد أن غيروا جرس الوقت. ويركز المقطع الثالث على اعتذار (النحن) عن المفردات التي اهترأت مثل وصف حرية لم تجد خبزها ووصف خبز بلا ملح حرية. ويقول المقطع الرابع ما أصبحوا (هم) عليه: لقد انتصروا وصوروا ما يريدونه من سماوات الـ (نحن) نجمة نجمة حاصلين على ما يريدونه. ويكثف المقطع الخامس شعور الـ (نحن) بالهزيمة، فقد خسر(نا) كل شيء ولم نعد كما كنا (لم نتعرف على صوتنا أبدا). ويوجه الخطاب الى امرئ القيس الذي اتكأ، يوم وقع، على لغة بعثرت قلبها عندما غيرت دربها – أي تغيير الدرب الثوري الى درب الاستسلام – ، وتنتهي القصيدة بالمقطع التالي :
لم يقل أحد لامرىء القيس : ماذا صنعت
بنا وبنفسك ؟ فاذهب على درب
قيصر، خلف دخان يطل من
الوقت أسود، وحدك، وحدك، وحدك
واترك لنا، هــهنا، لغتك.
وقد يقول محمود درويش هناك من قال للقيادة التي وقعت: ماذا صنعت بنا وبنفسك؟ وأن ياسر عرفات لا يجيد اللغة ليتركها لنا. والجواب واضح: لم يقل من يسير في فلك القيادة للقيادة ما يخالف رأيها، ومن قال وخالف عاد وسار في الركب. وليس بالضرورة، هنا أن يكون المقصود باللغة اللغة الفصيحة، فقد تكون اللغة الثورية التي سمعها الشاعر من القائد قبل توقيع الاتفاق. وعدا ذلك فالخلاف، كما يقول عنوان القصيدة، ليس خلافا لغويا.
ويتساءل المرء: أليس ذهاب امرئ القيس على درب قيصر موازيا لذهاب القائد على درب (كلينتون) ؟
الخلاصة :
يتوصل المتأمل لعلاقة الثقافي بالسياسي إلى النتيجة التالية :
تظل هذه العلاقة علاقة تصالح ما دام الثقافي والسياسي يسيران معا فكرا وممارسة، فإذا ما اختلفا وجب على الثقافي أن يختار أحد الحلول التالية: المواجهة وما يترتب عليها من قمع وسجن واضطهاد وربما القتل، أو الخضوع وما يترتب عليه من تذويب الذات الثقافية في الذات السياسية وترداد خطاب الثانية وهي لا تؤمن به، أو المحافظة على وضع فيه قدر من التصالح مع الذات والآخر، وهنا لا يلجأ الثقافي إلى التعبير، عن وجهة نظرة، بأسلوب مباشر وإنما يحاور ويناور ويرتدي قناعا يختفي وراءه، أو العيش في المنفى، وهنا يتصالح المرء مع الذات فقط، وينجم عن ذلك حالات قد تكون أقسى من البقاء في الوطن مثل الغربة والاغتراب والوحدة، أو الصمت.
وإذا كان ما سبق ينطبق على المثقف الذي يعيش في ظل أنظمة دكتاتورية، وهو عموما ما لم يعرفه المثقف الفلسطيني، من قبل، إلا نادراً، فإن المرحلة الحالية، مرحلة تحول الثورة إلى سلطة، قد تضع المثقف أمام واحد من الخيارات السابقة، وهو ما لا نأمله، وان كان ما حدث مع محمود درويش، وما جرى، مؤخرا، من منع كتب ادوارد سعيد، يشير إلى أننا نسير في الاتجاه نفسه الذي سارت فيه العلاقة بين الثقافي والسياسي في العالم العربي ودول العالم الثالث وربما أيضا بعض دول العالم الأول .
([1]) ثمة إشكالية أثارها دارسو محمود درويش يوم صدرت مجموعته الشعرية الكاملة عن دار العودة خالية من بعض المفردات مثل “الشيوعية” في عبارة “يحبون الشيوعية” . واختلف الدارسون إن كان الحذف من الشاعر أو من دار العودة نفسها. حول ذلك انظر: حسين جميل البرغوثي، أزمة الشعر المحلي، القدس، 1979. ص 51 وما بعدها. وانظر دراستي “ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية” مجلة النجاح للأبحاث ، آيار 1995.
(2) حول ذلك انظر مقالتي “الابداعي والسياسي” في كتاب “تأملات في المشهد الثقافي” نابلس 1995. ص 67 – ص 73. وانظر ما نشرته مجلة “مشارف” في العدد السابع وبخاصة افتتاحية إميل حبيبي، (آذار 1996) وفي العدد الثامن تحت “ملف العدد” (نيسان 1996). وقد خاض أكثر من كاتب فلسطيني في موضوع هموم السياسي وهموم المبدع ، ونشرت الاراء في أعداد مشارف التالية: العدد الثامن، نيسان 1996، والعدد الثاني عشر، تشرين الثاني 1996، والعدد الرابع عشر، شباط 1997، والعدد الخامس عشر، آذار ونيسان 1997.
(3) أنظر الفصل الأول من كتابه المذكور، وتحديدا الصفحات 29-66. وما تنجزه دراستي هذه يكمن في انعكاس العلاقة بين السياسي والشاعر على النص الشعري مباشرة، وهي تتجاوز تتبع مواقف درويش السياسية والتغيرات التي تطرأ عليها، كما تبدو من خلال المقالات النثرية السياسية، والمقابلات التي يجريها الصحفيون معه .
(4) حول القصيدة وما آثارته انظر دراستي “ظواهر سلبية”، ص 255، وتحديدا احالات هامش (40)، و ص248 إحالات هامش 21.
(5) حول مصطلحات الزمن في الرواية انظر دراسة عبد العالي بوطيب “إشكالية الزمن في النص السردي” مجلة فصول، صيف 1993. ص 129 وما بعدها .
(6) حول ذلك انظر : مارين جريزباخ، مناهج الدراسة الآدبية، توبنغن، 1985 ط 9 ، ص 104 (بالألمانية) .
(7) غالي شكري، القاهرة، العدد 151حزيران 1995. ص 9. (محمود درويش : عصفور الجنة أم طائر النار).
(8) مجلة “تكوين”، عكا، 1993. ص 15. وقد صدر عدد واحد من المجلة .
(9) ادوارد سعيد، تلاحم عسير للشعر وللذاكرة الجمعية، مجلة القاهرة، العدد 151 حزيران 1995. ص 22 وما بعدها.
(10) لا أدري اذا كان الاستاذ طلعت الشايب اطلع على دراستي هذه، وهي دراسة أنجزت قسما منها في تموز 1996، وأنهيتها في ايلول 1996، وقدمتها لتنشر في مجلة النجاح للأبحاث، وللحصول على جائزة توفيق زياد التي تمنحها وزارة الثقافة ، وبناء على ذلك عمل على جمع خطب الدكتاتور الموزونة ونشرها في مجلة أدب ونقد المصرية، عدد 141، آيار 1997.
(11) جريد النهار المقدسية ، 6/1/1994.
(12) جريدة كنعان، 11/1/1994.
(13) النهار، 26/1/1994 نقلا عن الدستور الاردنية.
(14) عادل الاسطة، نابلس (جريدة نابلس)، 4/2/1994.ر
(15) حول ذلك انظر دراستي “ظواهر سلبية ..” .
(16) شؤون فلسطينية، العدد الخامس عشر، تشرين الثاني، 1972. ص 58 وما بعدها .
(17) ثمة مقاطع قليلة جدا في أشعار الشاعر، كتبت في فترات عصيبة، يبدو فيها ضرب من التمرد على الذات الالهية، ومنها ما ورد في قصيدة “مديح الظل العالي” التي نظمت إثر الخروج الفلسطيني من بيروت عام 1982، ومما ورد في نصها الأول :
“الله أكبر
هذه آياتنا، فاقرأ
باسم الفدائي الذي خلقا
من جزمة أفقا.”
وقد غير الشاعر السطر الأخير ليصبح المقطع في الطبعة الصادرة عن دار العودة عام 1994 (الأعمال الكاملة، المجلد الثاني) على النحو التالي :
” الله أكبر
هذه آياتنا ، فاقرأ
باسم الفدائي الذي خلقا
من جرحه شفقا”
وحول الصيغة الأولى للنص أنظر: محمود درويش ، حصار لمدائح البحر، دار الاسوار، عكا، 1984، ص 130.
(18) عكا، 1993. عن طبعة المغرب العربي .
(19) د . م ، 1993. عن طبعة المشرق العربي في بيروت .
(20) أجريت المقابلة في باريس ، ونشرتها رفيف فتوح على صفحات مجلة “الوطن العربي” الصادرة في باريس. وأعيد نشرها، هنا، على صفحات جريدة “الشعب” المقدسية في 12/8/1986.
(21) انظر جريدة “الشعب” المقدسية 21/3/1986. وأرى أن شاعرا كبيرا مثل محمود درويش يستحق أن تطبع أعماله كلها، شعرها ونثرها، دون انتقاء، وذلك لأنها لم تعد ملكا شخصيا له. وانظر ملاحظة 9 من هذه الدراسة.
(22) حول ذلك انظر حسن ناظم، مفاهيم الشعرية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم، بيروت، 1994. ص 133 وما بعدها .
وانظر أيضا : كمال أبو ديب، الواحد / المتعدد، البنية المعرفية والعلاقة بين النص والعالم، مجلة فصول، المجلد 15، العدد 2، صيف 1996، ص 40 وما بعدها. وتحديدا المقطع الثالث في الصفحتين 42 و 43 حيث يناقش مقولة المعنى الواحد وتعدد المعنى ويقف أمام مقولات الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني بهذا الخصوص.
(23) انظر دراستي “ظواهر سلبية ..”، ص 239. وانظر مقالة ادوارد سعيد المشار اليها في هامش 8. وانظر ايضا مقالة فخري صالح، لماذا تركت الحصان وحيدا: عن اللحظة الفلسطينية الملتبسة، مجلة “فصول” المصرية، المجلد 15، العدد 2، صيف 1996. حيث يرى أن درويش ينطق المحرومين في نصوصه “في محاولة لخلق تعبير مواز وغير مباشر عن التجربة الفلسطينية” (ص 243) . ويعترف محمود درويش بأن قصيدته “أحد عشر كوكبا” التي تصور سقوط غرناطه، قصيرة تستوحي مرحلة تاريخية” وتتسرب منها دلالات الى الراهن، فلا بد لفكرتها أن تنفضح، لكنني أحسب أن بنية القصيدة تحتمل ذلك” (انظر : مشارف، عدد3، تشرين أول 1995، ص 92).
(24) حول ذلك انظر دراسة حسين حمودة “مسار النأي، مدار الغياب” مجلة القاهرة، حزيران 1995. ص 44.
(25) السابق ص 45 وما بعدها .
(26) حول ذلك انظر مقالة (إيفا هورن) في كتاب “مدخل الى علم الأدب” إعداد (ميلتوس بشليفانوس) وآخرين، شتوتجارت، 1995. ص 299 وما بعدها .
(27) يقر الشاعر بأن مجموعة “لماذا تركت الحصان وحيدا؟” هي محاولة لكتابة سيرته الذاتية شعرا، وعليه ، إذا أحلنا النص الى ما هو خارج النص، فان درويش كان يتخفى وراء أبي فراس، وأن الاخير ليس سوى قناع، حول ذلك أنظر اللقاء الذي أجرته معه رلى الزين ونشرته جريدة الأيام بتاريخ 26 و 27/5/1997.
وكان درويش ، من قبل، قد ذهب الى هذا، وذلك في اللقاء الذي أجراه معه عباس بيضون. انظر مشارف 3، تشرين 1995، ص 109. وفي اللقاء المذكور يوافق درويش بيضون من أن “لماذا تركت الحصان وحيدا” ليس سيرة فرديه له وحسب، بل سيرة شعرية، ويرى أن قصيدتي “شهادة برتولت بريخت” مكتوبة بلغة الستينات ، وكذلك تقفيه القصيدة عن أبي فراس الحمداني. “اذن تجد هذا المستوى من السيرة الشعرية الذي يرافق السيرة الذاتية، لقد عدت الى ماضي ذاتي، ماضي في الكتابة، ذاتي الشعرية”.
(28) مشارف، العدد 3، تشرين الأول، 1995. ص 72.
(29) السابق ، ص 75.
(30) محمود درويش، حصار لمدائح البحر، حيفا وعكا، 1984.
(31) محمود درويش وسميح القاسم، الرسائل، حيفا، 1990. ط2. رسالة “حاضر سابق” ص 93.
(32) حسين حموده، مسار النأي، ص 50 وما بعدها .
(33) مشارف، العدد 9، حزيران 1996. ص 32. ويقول درويش في ص 34 :
“واغفر لنا يا معلمنا ما صنعت بنا وبنفسك. اغفر لنا أننا سنعود بعد قليل الى أنفسنا ناقصين”.
(34) مشارف، العدد الثالث ، تشرين الأول، 1995. ص 76. يقول محمود درويش :
“في قصيدتي” جندي يحلم بالزنابق البيضاء” كتبت عن هذا الصديق الذي جاءني بعد الحرب ليقول لي انه قرر أن يغادر البلاد نهائيا. لأنه لا يستطيع أن يبقى ترسا في آلة حربية. كانت انسانيته عالية، وتربيته قائمة على التعدد والانفتاح على الاخر. جاء الى اسرائيل وفي باله مشروع انساني فوجد ان الحقيقة غير ذلك. لذا هاجر ورحل….” .
*عن مؤسسة القدس للثقافة والتراث

***

47- تخليص الشعر مما ليس شعراً

حين يقارن المرءُ الصيغة الأولى لقصيدة محمود درويش "نشيد إلى الأخضر" التي ظهرت، ابتداءً في مجموعة "أعراس" (1977) بصياغتها التي ظهرت في طبعات المجموعة نفسها اللاحقة، مثل طبعة "دار العودة" الخامسة الصادرة عام 1993 أو طبعة "الأعمال الكاملة" الصادرة عام 1996 (4)، يلحظ المرءُ خلو القصيدة من الأسطر الشعرية التالية:

"وأنا أكتب شعراً، أي: أموت الآن، فلتذهب أصول الشعر ليتضح الخنجر ولينكشف الرمز: الجماهير هي الطائر والأنظمة الآن تسمّى قتلة".

وإذا ما اعتمد المرءُ على المقابلات التي أجريت مع الشاعر لإيجاد تفسير لهذا الحذف، فإنه يكرر مقولة الشاعر التي وردت في المقابلة التي أجراها معه عباس بيضون، وكانت نشرت في العدد الثالث من مجلة "مشارف" الصادرة في حيفا في تشرين الأول من عام 1995، وفيها يقول درويش: "ليس للشاعر أن يقدم برامج سياسية للقارئ". وهذا التمييز يسمح لي باعادة النظر في قصائد كتبتها وقصائد أكتبها الآن. بإعدام قصائد كاملة بحثاً عما أسميه الخلاص الجمالي من الأزمة التاريخية المعاصرة (ص 92).

وليست هذه هي المرة الأولى التي يقول فيها درويش هذا، فلقد كتب، من قبل، مقدمةً لأعماله الكاملة الصادرة عام 1987 عن دار العودة، أتى فيها على ظاهرة الحذف في أشعاره، ومما ذهب إليه: "لا أخجل من طفولتي الشعرية، ولكن الطفولة شيء، والمراهقة شيء آخر، وهذا هو المبرر الوحيد لإقدامي على قطع بعض أجزاء من جسدي الشعري…" ( كل شاعر يرتكب الكثير من الحماقات) (ص 8).

ويتضح أن درويش أخذ في فترة لاحقة يخلص الشعر مما ليس شعراً، لأنه لا يريد أن يقدم برامج سياسية للقارئ. فيم كان، من قبل، يقتطع أجزاء من جسده الشعري لأنه رأى فيها حماقات، وليس بالضرورة أن تكون الحماقات حماقات سياسية، فقد تكون أيضاً حماقات شعرية. ومن يطلع على الأشعار التي حذفها درويش يدرك أن الحذف لم يكن دائماً ذا أسباب سياسية. لقد كان تخليه عن مجموعته الأولى "عصافير بلا أجنحة" (1960) يعود لأسباب فنية جمالية، فيما حذف أكثر قصائد "أوراق الزيتون" (1964) لأسباب جمالية وعقيدية سياسية، وأخذ في فترة لاحقة يتخلص من القصائد التي يكون فيها للشعار السياسي حضور بارز، وهذا ما يقوله هو مراراً، وما قاله بوضوح في المقابلة التي أجراها معه عباس بيضون:

"لم أدرج عابرون في كلام عابر في مجموعة شعرية لحرصي كما قلت دائماً على تخليص الشعر مما ليس شعراً. أعني مما ليس في صلب العملية الشعرية. وتمييز النص الشعري مما يرسم له من وظائف اجتماعية، أي تخليص الشعر من السياسة المباشرة، دون أن ننسى أن ليس في الوسع قراءة نصي الشعري، بشكل عام، من دون الرجوع إلى مستوى سياسي، فهو مستوى أدافع عنه ولا أعتذر عنه".

وكلام درويش هذا صحيح وغير صحيح. صحيح حين يقرأ "عابرون في كلام عابر" معزولة عن بقية شعره، وحين ينظر أيضاً في الأسطر الشعرية المقتبسة في بداية هذه المقالة، وغير صحيح حين يمعن المرءُ النظر في الأعمال الكاملة التي أشرف الشاعر على طباعتها، وصدرت في طبعاتها الأخيرة، ومن يقارن "عابرون في كلام عابر" والأسطر المحذوفة من "نشيد إلى الأخضر" بقصيدتي "بيروت" (1980) "ومديح الظل العالي" (82/1983) يلحظ أن المستوى السياسي في الأخيرتين ذو حضور لافت للنظر، حضور يفوق الحضور السياسي في "عابرون في كلام عابر" والحضور السياسي في الأسطر الوارد اقتباسها. فهل تخليص الشعر مما ليس شعراً هو الدافع إلى حذف "عابرون…" والأسطر الثلاثة؟ ولماذا حذف الشاعر هذه الأسطر ولم يدرج "عابرون…" في أعماله الكاملة، علماً بأنه أدرجها في كتاب نثري واختار عنوانها عنواناً له؟ ذلك هو السؤال الذي يثار، ويقدم درويش، باستمرار، إجابات توضح سبب عدم إدراجه نصه في أعماله الكاملة، وسبب كتابته هذه القصيدة وآخر الإجابات تلك التي وردت في المقابلة التي اجراها معه (يعقوب بيتسر) والشاعر حمزة غنايم، وفيها يقول درويش:

"هذه القصيدة لم تكتب كقصيدة. هي قصيدة كتبت بدافع من الغضب اللامحدود. عندما شاهدت في التلفزيون الفرنسي كيف يقوم جنود اسرائيليون بتحطيم عظام فتية فلسطينيين بالحجارة. هذه أشهر صورة في العالم، وهي ترمز إلى ما نتعرض له من قمع. كتبت ذلك النص كاحتجاج، كما لو كانت حجراً، لكنها لم توجه ضد اليهود الإسرائيليين، إنها ضد المحتلين. هذه قصيدة انتفاضة، وهي لا تعكس صوتي الخاص، بل هي الصوت الجماعي لشعب غاضب ومقاوم للاحتلال، ومن الطبيعي أن يطالب المحتل بالإنصراف". (مجلة الشعراء، عدد 8، ربيع 2000، ص 292).

ولا أريد أن أناقش خطورة هذا الكلام الذي لا يعد درويش فيه نفسه فلسطينياً، قدر ما أريد أن أشير إلى أنه كتب قصيدة "بيروت" وقصيدة "مديح الظل العالي" في ظروف مشابهة. كانت بيروت تدمر، وكانت الطائرات الإسرائيلية تقصفها بالقنابل الفراغية، وكان هذا أيضاً أمام عدسات التصوير، فلماذا إذن لم يحذف هذه من أعماله الكاملة؟ أعني "مديح الظل العالي" التي عاد وأضاف إلى عنوانها الرئيس عنواناً فرعياً هو "قصيدة تسجيلية"، ولماذا لم يدرج "عابرون…" ويكتب أمامها "قصيدة انتفاضة" وهذا ما أشار اليه في المقابلة المقتبس نصٌ منها قبل أسطر؟

قراءة القصيدة:

من حق درويش أن يغيّر ويبدل في بناء قصيدته، وهو حين يفعل ذلك إنما يتبع سنة سنّها الشعراء العرب الأقدمون منذ الجاهلية، وقد أشار إلى ذلك أحد الشعراء القدامى حين قال:

نُثِّقفها حتى تلين متونُها
فيقصر عنها كل ما يُتَمثَّل

ومن حق الدارس أن يتوقف أمام هذه الظاهرة. ومن حق هذا أيضاً أن يثمن موقف الشاعر الذي لا ينكر ما يقدم عليه. ودرويش، حين يفعل هذا، إنما يمكننا من تطبيق مناهج نقدية أخرى إضافية لم يطبقها الذين درسوا أشعاره، وأعني هنا تطبيق المنهج التكويني الذي يدرس النص في مراحله العديدة، منذ مرحلة تشكله في ذهن صاحبه حتى صيغته النهائية التي ارتضاها الشاعر، وقد يفيد هذا في دراسة البنية الأولى والنهائية للنص، والفقرات المحذوفة وأسباب حذفها، وحالة الشاعر النفسية في أثناء الصياغة الأولى وحالته النفسية في أثناء الصياغة النهائية، ولغة الشاعر والتطور الذي طرأ عليها، وبخاصة حين يكتب نصه بعد سنوات، ومواقف الشاعر الفكرية وما ألم بها من تغيرات.

في كتابه "معايشة النمرة وأوراق أخرى" يأتي جبرا ابراهيم جبرا على رسائل الأدباء وضرورة الاهتمام بها، ويرى أن دراستها مهمة جداً، ويبدي بعض الأسباب لذلك، ومما يورده "يكتب الأديب رسائله مدفوعاً بحماسات اللحظة الآنية، أو حاجاتها، أو ضروراتها، دون أن يفكر بأن ما يكتبه لصديق أو قريب أو حبيب سيجد طريقه يوماً إلى النشر. أي أن معظم ما يكتبه الأديب من رسائل يحمل النبرة الشخصية الآنية، ونحن كقراء ودارسين فيما بعد نجد في هذه الأكتوبات الذاتية، وا لتي قد تكون في الأكثر عجالات لم يعطها صاحبها الكثير من التأني والروية، قيمة عامة بما تتكشف عنه من إشارات ومفاتيح ودقائق تساعدنا على المزيد من فهم الفترة التي عاشها الأديب، وفهم الوشائج الخفية وغير المنطوقة بين يوميات حياته وتفاصيل إبداعاته" (ص 215).

والعبارة المهمة هي تلك الناصة: "أي أن معظم ما يكتبه الأديب من رسائل يحمل النبرة الشخصية الآنية"، وهي عبارة يمكن أن نفيد منها ونحن نقف أمام ظاهرة الصيغ العديدة للنص الدرويشي، وهنا تحديداً نص "نشيد إلى الأخضر" إن الصيغة الأولى، الصيغة التي وردت فيها الأسطر الثلاثة التي حذفت فيما بعد، هي صيغة ذات نبرة آنية. لقد كتب الشاعر قصيدته عن حدث عاشه لحظة كتابته، وكان شاهداً عليه. لقد تطابق الزمنان الكتابي والشعري- أقصد هنا الزمن المكتوب عنه في النص- أي زمن الأحداث- وقد أشار الشاعر إلى هذا، حيث أن زمن كتابة الشعر كان يتزامن وزمن الموت والدمار "وأنا أكتب شعراً: أي أموت الآن"، فيم أعاد النظر في القصيدة في زمن آخر، زمن كان يسمح له بإعادة النظر في النص بتمعن وتأمل وروية، زمن لا حضور للموت فيه، زمن يمكنه من تخليص الشعر من السياسة حيث لا تطغى هذه عليه، وهي لا تشعره بأنه قد يموت، الآن، بانفجار أو قذيفة. وهنا لا يتزامن زمن الكتابة والزمن الشعري انتهى الثاني ومرّ دون أن يموت الشاعر موتاً بيولوجياً، وإن كان مات موتاً نفسياً في حينه. لقد حل محل الزمن الكتابي وما كان يجري فيه زمن آخر يمكن الشاعر من التفكير بشيء آخر غير الموت، زمن يمكنه من التفكير بالجمال، وهكذا حذف الشاعر أسطره.

وليس هناك من شك في أننا ونحن ندرس القصيدة نأخذ بالحسبان الزمنين، زمن الكتابة الأولى وزمن اعادة الصياغة، وهذا يجعلنا نخوض في تفاصيل عديدة.

شهد زمن الكتابة الأولى الحرب الأهلية في لبنان، وكان الشاعر هناك، في بيروت، قريباً من الفدائي الذي يقاتل، وكانت الأنظمة العربية صامتة على ما يجري. أما الشاعر الذي لم يكن يحمل السلاح، ولم يكن قادراً على إيقاف المجازر، فلم يقوَ إلا على كتابة الشعر، وإنجاز هذا أمام الفعل النضالي ليس إلا ضرباً من الموت النفسي. ولأن الفدائي إنسان بسيط، وقد تكون ثقافته محدودة، فليس أمام الشاعر إلا أن يكتب شعراً واضحاً يقول فيه الحقيقة علّ الفدائي بترداده يواصل الدفاع والمقاومة، وهذا ما لا ينجزه الشعر الرمزي، ومن هنا صرخ الشاعر: فلتذهب أصول الشعر ولينكشف الرمز. ولم يكن أمام الشاعر في حينه، وهو في بيروت، إلا الانحياز للثورة وقول الحقيقة كما تبدت له. ولم يكن الزمن الذي أعاد الشاعر فيه النظر في القصيدة مشابهاً للزمن الأول، ولم يكن في حالة مواجهة ساخنة تدفعه إلى قول ما قال يوم كانت الثورة تحاصر وبيروت تدمر ومخيم تل الزعتر يباد أمام سمع الدنيا وبصرها.

ولأن المرء لا يعرف بالضبط متى أجرى الشاعر التغيير، ومتى حذف الأسطر، فإن المرء لا يستطيع أن يتمادى في تفسيره ويتهم الشاعر بأنه مالأ النظام العربي وهادنه حتى يسمح له هذا النظام بالدخول إلى بلده. ولأن المرء لا يعرف أيضاً ان كانت أشعار الشاعر تخضع للرقابة وتمنع من دخول هذا القطر العربي أو ذاك لعبارات كهذه، فإن المرء لا يستطيع أن يتهم الشاعر أو الناشر بالنفعية، وأنهما إنما أقدما على ما أقدما عليه حتى يسمح بتسويق الديوان في الأقطار العربية. وكتب درويش عموماً تحفل بعبارات تهاجم النظام العربي، عبارات أقسى من هذه المحذوفة وأشد وقعاً. ومع ذلك يبقى السؤال قائماً: لماذا أقدم الشاعر على حذف هذا المقطع؟ ألأنه أراد أن يخلص الشعر مما ليس شعراً؟ إن قال المرء نعم، فقصائد درويش التي اختارها لتشكل أعماله الكاملة ما زالت تحفل بعبارات مثل هذه!!

فيما أنجزته من دراسات عن الشاعر حول ظاهرة الحذف والتغيير، في السنوات السبع الأخيرة، توقف أمام هذه الظاهرة، توقف فيه قدر من المساءلة، ومع ذلك فإنني أعتقد أنني لم أقل كل شيء، وان كان ما كتبته يشكل أساساً مهماً للخوض في هذا الشأن، ولعل دارسين آخرين يكملون ما يرونه نقصاً.

***

48- اغتيال محمود درويش نقدياً : شعرية المكان في ديوان محمود درويش

اغتيال :
في يومياته "أثر الفراشة" قصيدة عنوانها "اغتيال" يأتي فيها درويش على علاقته بالنقاد وتأويلاتهم له وما يريدونه منه.
يريدون القصيدة ذاتها والاستعارة ذاتها، ولا يريدون له، هو الشاعر، أن يمشي شارداً على طريق جانبي.
إنه إن فعل هذا فقد خان، في رأيهم، الطريق. وإن كتب عن عشبة طلبوا منه أن يكتب عن عناد السنديان، والشيء نفسه إن رأى، في الربيع، الورد أصفر.
إنهم يريدون قصيدة حمراء بلون الدم. وإذا ما كتب عن الفراشة بعيداً عن المجاز بحثوا عن المجاز فيها، وحركوا المعنى بملعقة الحساء، هذه المرة ليس بملعقة الشاي. و.. و.. وينهي درويش قصيدته قائلاً:
"يغتالني النقاد أحيانا
وأنجو من قراءتهم
وأشكرهم على سوء التفاهم
ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة".
كأن الشاعر هنا ناقد تفكيكي: كل قراءة هي إساءة قراءة، وهكذا تكون القراءات التي يغتاله النقاد بها سوء تفاهم. هذا حسن وجميل منه لا شك.
قراءة عن قراءة تفرق:
هل يقصد الشاعر، حين ينجو من قراءة النقاد الذين يغتالونه، القراءات كلها أم تلك التي يسيء الناقد فيها التأويل، فنص درويش قابل لتأويلات عديدة هو مسؤول عنها، وبالتالي قد يكون مسؤولاً عن سوء التفاهم، فهو ما عاد يكتب قصيدة تحتمل تأويلاً واحداً كما بدأ حياته الشعرية "قصائدنا بلا لون، بلا طعم/ إذا لم يفهم البسطاء معانيها"؟
هناك قراءات نقدية يختلف المرء معها، ولكنه يحترم أصحابها ووجهات نظرهم، وهناك قراءات نقدية لا يستطيع المرء إلاّ أن يقف أمامها ويوضح لأصحابها أخطاء وقعوا فيها كان يمكن تلافيها لو أنعموا النظر جيداً في أشعار الشاعر وعاشوا معها فترة طويلة.
وأعتقد أن كثيراً من الدراسات التي أنجزت عن الشاعر ولم يتفق أصحابها فيها مع الشاعر فترة طويلة، ولم يتابعوا مسيرته متابعة حثيثة، أعتقد أن كثيراً منها فيه من الأخطاء ما فيه، ومرة كتبت في "أيام الثقافة" مقالاً عنوانه "قراءات أشعار محمود درويش: ملاحظات" (4/9/2001) أتيت فيه على بعض تلك القراءات.
منهج ومنهج :
أي المناهج يمكن أن يكون مناسباً لدراسة الشاعر وأشعاره، هو الذي بدأ شاعراً عادياً لفترة قصيرة، ثم انتمى لحزب يساري كتب ما لا يقل عن تسع سنوات في صحافته، وآمن بطروحاته، وانطلق في كتابته منها، وبرز ذلك في أربعة دواوين لاحقة لديوانه الأول، وظل طيلة مسيرته الشعرية غير قادر على الانفكاك كلياً من فكرة الالتزام، حتى أنه، حين زار حيفا قبل وفاته ليقرأ فيها أشعاره، كتب في قصيدة "أنت، منذ الآن، أنت" ما يلي:
"كل ما كان منفى يعتذر، نيابة عني، / لكل ما لم يكن منفى" و "أعبر من شارع واسع إلى جدار سجني/ القديم، وأقول: سلاماً يا معلمي الأول في/ فقه الحرية. كنت على حق: فلم يكن الشعر/ بريئاً!". نعم : لم يكن الشعر بريئاً. كان ذا رسالة وكان درويش طيلة مسيرته شاعراً رسولياً ذا رسالة، حتى وإن تخلى، في بعض قصائده، عن هذه المهمة.
أعتقد أن هناك غير منهج يمكن أن تدرس فيه أشعار الشاعر، ولكن المنهج الذي لا ينبغي التنازل عنه هو المنهج الاجتماعي الذي لا يغفل اللحظة الزمنية لكتابة القصيدة: ما من زمن منزوع لذاته، يقول الماركسيون، وكان (تين) ركز في دراسة الأدب على عناصر ثلاثة هي : الزمان والبيئة والعرق. وقد نأخذ بالزمان والبيئة، ونغفل العنصر الثالث.
إن كثيراً من دارسي أشعار درويش الذين أغفلوا زمن كتابة القصيدة وقعوا في أخطاء شنيعة، آمل أن أبينها في دراسة مفصلة.
شعرية المكان في ديوان محمود درويش: مقاربة نقدية: شعرية المكان هو كتاب صدر في العام 2012 في نابلس عن دار الأعلام، وعليه شعار مؤسسة محمود درويش، وكاتبه هو الدكتور خليل قطناني الحاصل على دكتوراه في شعر الانتفاضة من جامعات السودان، وهو شاعر وموجه للغة العربية في مدينة نابلس.
وقد كتب الناقد د. حسين حمزة مقدمة للدراسة التي ضمت العناوين التالية: مدخل ابستمولوجي، استقبال النقاد للمكان، وفصلين الأول: شعرية المكان الطفولي، والثاني المكان المعادي واستلاب الذات.
وأول ما يلحظه القارئ على الدراسة أن صاحبها غالباً ما اعتمد على مراجع لا تمت لموضوعه المدروس بصلة، مراجع ليست رئيسة وأساسية لدراسة موضوع المكان، فأوقعه هذا في أحكام ليس لها في أشعار درويش حضور (ص34 خير مثال) و(ص67 أيضاً).
وثاني ما يلحظه القارئ للدراسة هو الأخطاء القاتلة الناجمة عن إغفال اللحظة الزمنية لكتابة القصيدة، وما كان يعاني منه الشاعر فيها. (ص64 وص65). في ص25 يكتب الدارس ما يلي تحت العنوان: "شعرية المكان الطفولي في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً"؟ الديوان الذي نشره درويش في 1995: "يمتد المتن الشعري عبر مساحات واسعة من مساحات الوطن، ويشمل مراحل متعاقبة من مراحل القضية، اختار الباحث أن يقارب ـ جمالياً ـ المكان الطفولي في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً؟" فقد صدرت الطبعة الأولى منه أواخر 1995، ويمكن الاستدلال أن تاريخ كتابة قصائد الديوان كان قبل ذلك العام بالتأكيد، وفي هذا إشارة دالة على مرحلة سياسية فارقة في تاريخ القضية، وأعني بها مرحلة (أوسلو) 1993 وما ترتب على ذلك من استقالة الشاعر من تنفيذية (م.ت.ف) هذا من جهة، ومن ناحية أخرى يؤرخ الديوان إلى عودة الشاعر الناقصة إلى أرض الوطن المزور، ويمثل من ناحية ثالثة نتاج زيارة الشاعر لقريته البروة سابقاً 1996...".
الطبعة الأولى من الديوان صدرت في 1995، ويضم الديوان قصائد كتبت في العام 1996 حيث يؤرخ إلى عودة الشاعر الناقصة، ويمثل من ناحية ثالثة نتاج زيارة الشاعر لقريته البروة سابقاً 1996.... والسؤال هو: كيف ضم الديوان الذي صدر في 1995 قصائد كتبت في 1996. وأما القصائد التي كتبها درويش عن عودته فقد ظهرت في ديوان "لا تعتذر عما فعلت" (2002)، وأما "طللية البروة" فقد كتبها في 2007، وظهرت في ديوان "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي" الذي صدر بعد وفاته.. أي بعد 2008.
في ص 64 يكتب الدارس ما يلي عن ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً": "كل ذلك ممكن غير أن الباحث يعتقد أن السبب الرئيس والمركزي يعود إلى الصراع الذي عاشه الشاعر بعد عودته إلى أراضي السلطة الفلسطينية مع الواقع السياسي وإحساسه باليأس والاحباط والتوتر..." وحين كتب درويش ديوانه كان يقيم في باريس لا في مناطق السلطة. هل يختلف الأمر في صفحات لاحقة؟
في ص142 و143 يأتي الدارس على قصيدة "رحلة المتنبي إلى مصر" التي كتبها درويش في 1980، ويشير إلى أن الشاعر كتبها بعد خروجه من بيروت 1982، وسأكتفي بهذه الملاحظات، لأكتب عن بقيتها لاحقاً في دراسة مفصلة في الموضوع.

عادل الأسطة
2013-12-01

***

49- محمود درويش بعد خمسة عشر عاما من الغياب :

- ماذا بقي من محمود درويش بعد ١٥ عاما من الغياب ؟
ما شغلني في الفترة الأخيرة ليس السؤال السابق بل الآتي :
- ما الإشكالات التي أثيرت حوله في السنوات الخمس الأخيرة ؟ هل هي إشكالات تمس موضوعات شعره وجوهره وجمالياته أم أنها تمس شخصه وبعض أسطر التبست على جمهور وسائل التواصل الاجتماعي وبعض من غنوا جزءا منها ؟
أكثر ما كتب عن الشاعر في الفترة المحددة تمحور حول الآتي :
- علاقته بناجي العلي ونص المحادثة التي أوردها شاكر النابلسي في كتابه " أكله الذئب " ، ومقالة سليم بركات حول سر ادعى أن درويش باح له به ، وألبوم كارول سماحة الذي غنت فيه أغنية " ستنتهي الحرب ويتصافح القادة " ، وعلاقته بريتا وتناقل صورة قديمة له مع فتاة يهودية ، وبداياته الشعرية وأسباب شهرته ، عدا كتابة أصدقائه عن صلتهم به مثل نبيل عمرو وزياد عبدالفتاح .
وكنت في زاويتي كتبت مطولا عن قصيدة " ريتا والبندقية " وتناسلها في الرواية الفلسطينية ، وعن أغنية كارول ، كما كتبت عن مقال سليم ، وعقبت مرارا على نص الحوار بينه وبين ناجي ، تماما كما كتبت عن بداياته الشعرية والقصائد التي حذفها وعن أسباب شهرته .
في السنوات الخمس الأخيرة صدرت الكتب الآتية عنه : د. إبراهيم السعافين : شعر محمود درويش ، تحولات الرؤية .. تحولات اللغة( ٢٠١٨ ) وامتياز دياب ، ميلاد الكلمات ( ٢٠١٩ ) وحسن خضر " مقالات اليوم السابع "( ٢٠١٩ )وبسام قطوس " درويش على تخوم الفلسفة: أسئلة الفلسفة في شعره " ( ٢٠١٩ )وسيد محمود : محمود درويش في مصر، المتن المجهول ، نصوص ووثائق تنشر لأول مرة ( ٢٠٢٠ ) وراشد عيسى " الباشق الذهبي " ( ٢٠٢٠ ) ومحمد عبيدالله " بلاغة المنفى " ( ٢٠٢١ ) ومحب جميل : اسمي العلني والسري ، محمود درويش ، حوارات مختارة ١٩٧١ - ١٩٨٢ ( ٢٠٢٢) وخليل الشيخ : سفر التكوين ، قراءة في بدايات محمود درويش الشعرية ( ٢٠٢١ ) وحسين حمزة : هندسة البدايات ، القصائد المحذوفة لمحمود درويش سنوات حيفا ( ٢٠٢٣ ) ، وقبلها ومنذ وفاة الشاعر تحديدا صدرت عشرات الكتب والدراسات ولا أعرف إن كان متحف الشاعر رصدها وأرشف نتاج الشاعر وما كتب عنه .
سأتوقف أمام السنوات الخمس الأخيرة تحديدا ، فعدا كتاب السعافين الذي تناول دواوين الشاعر تعاقبيا موجزا وكتاب قطوس الذي توقف أمام أسئلة الفلسفة ، توقفت الكتب الأخرى أمام بدايات الشاعر أو جمعت بعض مقالاته من بطون الصحف ، أما الموضوعات الأخرى فلم يصدر عنها أي كتاب ، إذ اقتصر تناولها غالبا في الصحف ، وهنا أستثني دراسة خليل الشيخ فقد تناول فيها علاقة الشاعر بريتا ليس في قصائد البدايات وإنما أيضا في قصيدته اللاحقة " شتاء ريتا " ( ١٩٩١ ) .
لم تغفل بعض الموضوعات السابقة من قبل ، ولكن التركيز عليها بدا لافتا في السنوات الخمس الأخيرة أكثر وأكثر ، فقصائد البدايات لفتت انتباهي وكتبت عنها كتاب " جدل الشعر والسياسة والذائقة "، وجمع ما كتبه من مقالات وما أجري معه من حوارات لفت انتباه محمد خليل فأصدر في ٢٠٠٤ كتابه " محمود درويش : مقالات وحوارات ١٩٦٠ - ١٩٧٠ ، وموضوع ريتا كتب عنه دارسون كثر ؛ من عبدالله الشحام إلى بسام قطوس إلي شخصيا في كتاب " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ، وجاء الاهتمام بما ينسب للشاعر من مقاطع ، وببعض القضايا الشخصية ، بعد أن غنت كارول سماحة مؤخرا أغنية " ستنتهي الحرب " وبعد أن نشر بركات مقاله عما أباح له الشاعر به - طبعا على ذمته .
وإذا كانت أشعار الشاعر الأولى هي ما لفت أنظار الدارسين ، فتوقفوا أمام ظاهرة حذفها ورصدوها ودرسوا أهم موضوعاتها وموتيفاتها وأهميتها في مسيرة الشاعر وقارنوا بين صيغها المتعددة ، فإن جمهور وسائل التواصل الاجتماعي لم يهتم بقصائد كاملة للشاعر بقدر ما اهتم بسطر أو مقطع شعري من أشعاره وجعله شعارا له نقشه على بروفيل صفحته ، وهذا ما لفت نظر الروائي عباد يحيى في روايته الأولى " رام الله الشقراء " ( ٢٠١٣ ) فكتب مقاطع جميلة لافتة عن الظاهرة تحت عنوان " في استغلال الغياب " . إن أسطر مثل " ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " و " انتظرها " و " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " و " فكر بغيرك " وأسطر من " لاعب النرد " انتشرت انتشارا لافتا ؛ في المحلات وفي الإذاعة وفي الشارع وفي السيارات وفي .. وفي .. .
ما تجدر ملاحظته هو أن الاهتمام اللافت بدرويش ، بعد وفاته ، كان من أساتذة الجامعات الأردنية ، فعدا الأسماء المذكورة كتب عنه محمد عصفور " درويش ، السياب ودراسات أخرى " ( ٢٠١٧ ) وأحمد الرحاحلة " تجليات الشعرية عند محمود درويش: دراسات أسلوبية في الديوان الأخير " ( ٢٠١٧) وعماد الطراونة " حكاية محمود درويش في أرض الكلام "( ٢٠١٦ ) وشكري عزيز الماضي " شعر محمود درويش : ايديولوجيا السياسة وأيديولوجيا الشعر " ( ٢٠١٣ ) ، واهتم به في فلسطين نبيل طنوس وفراس حاج محمد وحسين حمزة وغيرهم .... ، وما تجدر ملاحظته أيضا إصدار مختارات شعرية من أشعاره كتلك التي اختارها فخري صالح " على هذه الأرض " ( ٢٠٢٢ ) .
في السنوات الخمس الأخيرة أصدر الروائي إلياس خوري الجزأين ؛ الثاني والثالث من " أولاد الغيتو " وقد حضر محمود درويش فيهما ، كما في الجزء الأول ، حضورا لافتا ، حضر أكثر ما حضر في الحديث عن علاقته بريتا وجماليات قصائده والمثنى فيهما .
وفي ختام المقال أتساءل : هل كل ما بقي من الشاعر علاقته بناجي العلي وريتا اليهودية وبعض أسطر هي المذكورة بالإضافة إلى " سجل أنا عربي " و " عابرون في كلام عابر " ؟
مجرد تساؤل !!
انتهى المقال .
×××××××××××××××××××××
أنظر عادل الأسطة :
- بين ريتا وعيوني ، في كتاب " أدب المقاومة .. " ١٩٩٨ .
- محمود درويش : حذف البدايات وقصائد أخرى / ١٩٩٩ - ٢٠٠٠ .
- محمود درويش عصافير بلا أجنحة ، الأيام الفلسطينية ١٢ / ٨ / ٢٠١٢
- رام الله الشقراء .. النص في سياقه التاريخي ، ٢٠ / ١ / ٢٠١٣ .
- محمود درويش ووليد سيف : التأثر والتأثير ، ٢٥ / ١٢ / ٢٠١٦ .
- القمر سقط في البئر لوركا ودرويش وسيف ، ٨ / ١ / ٢٠١٧ .
- امتياز دياب ومحمود درويش وميلاد الكلمات ، ٢٩ / ٩ / ٢٠١٩ ، مدار نيوز .
- حول كتاب راشد عيسى ينظر مقالي في الأيام الفلسطينية ١٧ / ١٠ / ٢٠٢١ .
- حول كتاب حسن خضر ينظر مقالي في موقع " عرب ٤٨ فسحة ثقافية " ١٢ / ١٢ / ٢٠١٩ .
- زياد عبد الفتاح وصاقل الماس ، الأيام الفلسطينية في ١٥ / ١٢ / ٢٠١٩ .
- حول المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني ، أنظر مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية في ١٢ و ١٩ و ٢٦ حزيران ٢٠٢٢
- حول أسطر أغنية كارول سماحة " ستنتهي الحرب " أنظر مقالاتي في جريدة الأيام الفلسطينية في ١٤ /٨ / ٢٠٢٢ و ١٢ و ١٩ و ٢٦ / ٣ و ٢ و ٩ / ٤ / ٢٠٢٣ .
( ملاحظة : أورد دكتور شكري عزيز الماضي في كتابه الصادر في ٢٠١٣ قائمة بعناوين كتب صدرت عن محمود درويش تقارب ٨٣ عنوانا ، وبعد إمعان النظر فيها لاحظت غياب الكتب الآتية :
- فاروق مواسي ، محمود درويش : قراءات في شعره ، ٢٠٠٩ .
- خليل قطناني ، شعرية المكان في ديوان محمود درويش ، مقاربة نقدية ، ٢٠١٢ .
- ليانة بدر ، تغريدة الشاعر ، أثر المكان على الهوية في أعمال محمود درويش ٢٠١٣ ( رسالة ماجستير في جامعة بير زيت )
- عائدة فحماوي ، في حضرة غيابه : تحولات قصيدة الهوية في شعر محمود درويش ، ٢٠١٣ .
- مها عتماوي ، البحر في شعر محمود درويش
- محمود مرعي ، التجريب وتحولات الإيقاع في شعر محمود درويش ، ٢٠١٢
- عبد الرحيم الشيخ ، رسالة ماجستير في جامعة بير زيت ، الآخر في شعر محمود درويش
- عاطف أبو حمادة ، الصورة الفنية في شعر محمود درويش ، غزة ، ١٩٩٨ .
- محمد صلاح أبو حميدة ، الخطاب الشعري عند محمود درويش ، ٢٠٠٠ .
- عبدالله رضوان ، الآخر في شعر محمود درويش ، ٢٠١٢
- حسين حمزة ، معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش ، ٢٠١٢ .
- صفاء عبد الفتاح محمد المهداوي ، الأنا في شعر محمود درويش : دراسة سوسيوثقافية من ١٩٩٥ - ٢٠٠٨ ، ٢٠١٣ .
- سليمان جبران ، الإيقاع في شعر محمود درويش : نظم كأنه نثر ، ٢٠١٧ .
- نبيل طنوس ، اقتفاء أثر الفراشة : دراسات في شعر محمود درويش ، ٢٠١٩ .
"
الاثنين ٣١ / ٧ / ٢٠٢٣
الأربعاء ٢ / ٨ / ٢٠٢٣

***

50- أمنية : محمود درويش

إلى إخوة محمود درويش ؛ البيولجيين وغير البيولوجيين ، وإلى أقاربه الأقربين والأبعدين ، وإلى معارفه وأصدقائه ومحبيه وكارهيه ، وإلى من سمعوا باسمه ومن لم يسمعوا باسمه ايضا
إليهم جميعا أتوجه بهذه الأمنية كدارس أدب ومهتم بشعر الشاعر وشعر غيره ؛ دارس أنفق أكثر من ستين عاما يقرأ الأدب والدراسات التي تكتب فيه وعنه - أي الأدب ، وكناقد مطلع على المناهج النقدية وملم بها إلماما لا بأس به ، يعرف المناهج النصية والمناهج غير النصية ؛ تلك التي تقرأ الأغنية فقط وتلك التي تقرأ الأغنية والمغني معا :
رجاء لا تكونوا أوصياء على حياة الشاعر أو على شعره ، فتحللوا وتحرموا ، ما يجوز وما لا يجوز ، ولكم أن تبدوا آراءكم بعيدا عن الشتيمة كيفما تريدون ، لكم أن تبدوا آراءكم وعليكم الدليل أو الاجتهاد والتأويل وهذا حق فثمة منهج نقدي اسمه منهج التأويل ولكنه يتطلب الدليل العلمي من خلال قراءة النصوص قراءة دقيقة تأتي بالشاهد .
رجاء ألا تكونوا أوصياء ! رجاء !
وأعتقد أننا لا نهرف بما لا نعرف وحين ينقصنا الدليل نميل إلى الظن والترجيح وهذا غير ملزم وليس كلاما دامغا . إنه اجتهاد ليس أكثر و
مساء الخير
خربشات عادل الاسطة
١٠ / ٨ / ٢٠٢٣ .

***

51- الباشق الذهبي : أسرار شهرة محمود درويش

" الباشق الذهبي ، نوافذ على سماء محمود درويش " عنوان الكتاب الصادر حديثا ( ٢٠٢٠ ) عن منشورات خطوط في الأردن للشاعر الدكتور راشد عيسى ابن مخيم عسكر القديم المستقر حاليا في الأردن بعد رحلة عمل مدرسا وكاتبا في السعودية وأستاذا جامعيا في الأردن .
يبحث الفصل الأول من فصلي ° الكتاب في أسباب شهرة محمود درويش الغني عن التعريف ، ويكتب المؤلف في الموضوع بلغة تمتزج فيها لغة الشاعر والباحث معا ، وبقدر من التعاطف الكبير اللافت ، بل وبأسلوب كتابة المتيم حد الوله ، فتحار وأنت تقرأ إن كنت تقرأ حقا بحثا عن أسرار شهرة محمود درويش أم كتابة شعرية تحفل بالاستعارات والمجازات والتشابيه لشاعر ، وقد جمع الدكتور راشد في حياته بين البحث وكتابة الشعر ، وكتب شعرا غنائيا يتوحد لحظة إنشاده مع ما تقوله القصيدة ذات الطابع الغنائي الذي ميز شعر درويش لدرجة أنه قال في " الجدارية " :
" .... يشبهني كثيرا
كل ما حولي ، ولم أشبه هنا
شيئا . كأن الأرض ضيقة على
المرضى الغنائيين ، أحفاد الشياطين
المساكين المجانين الذين إذا رأوا
حلما جميلا لقنوا الببغاء شعر
الحب ، وانفتحت أمامهم الحدود ... " .
ولغة راشد في كتابه تذكر بلغة درويش ، ودفقه في الكتابة يذكر عموما بدفق درويش في جداريته ، وقد تخرج بعد قراءة " الباسق الذهبي " بأن درويش هو أعظم شاعر عربي بعد المتنبي ، وكما شغل الأخير الناس وملأ شعره عالمهم وتردد على ألسنتهم ، فإن درويش كما يراه المؤلف لا يختلف عن المتنبي في هذا الجانب ، وكثيرا ما وازن المؤلف ، وهو يكتب عن أسباب شهرة درويش ويعددها ويشرحها ، بين الشاعرين .
الكتابة عن أسباب شهرة محمود درويش عموما تعود إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، فقد خاض فيها المرحوم الشاعر فاروق مواسي في كتابه " محمود درويش : قراءات في شعره " ( ٢٠٠٩ وعلى صفحة الكتاب الداخلي ٢٠٠١ ولكن المؤلف صحح التاريخ في النسخة المهداة إلي) وكتب خمس صفحات تحت عنوان " الماليء الجديد للدنيا والشاغل للناس ، محمود درويش - المتنبي الآخر "( ص ٥ إلى ٩ ) وكتب تحت عناوين هي " تحرر محمود من المواقف السياسية / عدم تقيد محمود بالتيارات الشعرية/ الكاريزما أو الجاذبية/ الغربة وتأثيرها/ الخلق والخلق ( بفتح و بضم ) / الأداء الشعري / اهتمام السياسيين بشعره " وهي عناوين كتب الدكتور راشد عيسى تحت قسم منها مثل كاريزما محمود درويش واستقلاليته وجماليات الإلقاء والبيئة الحاضنة ولكنه أضاف أسبابا أخرى تخص غنائية قصيدة درويش وبنية معمارها وسعيه نحو التفرد . ثمة تقاطعات في العناوين ، ولكن هناك اختلافا في أسلوب الكتابة وحجمها ، فما كتبه مواسي في خمس صفحات كتبه عيسى وأضاف إليه وتوسع فيه في ٤٩ صفحة أخرى ، وهنا يتذكر المرء رأي الشاعر الألماني غوتة في اختلاف اللاحق عن السابق المتمثل في أن كبار الأدباء ليسوا كبارا لأنهم أتوا بأشياء جديدة ، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أظهروا الأشياء كما لو أنها تكتب لأول مرة .
في كتابه يتوقف عيسى أمام قلة دارسي شعر الشاعر الذين تناولوه تناولا سلبيا ، فمن ضمن ما لا يقل عن مائتي كتاب ورسالة جامعية وآلاف الأبحاث ، وليس في هذا مبالغة ، يذكر عيسى أسماء أربعة باحثين ودارسين فقط تناولوا شعر درويش مبرزين ظواهر سلبية فيه . طبعا هناك غير الأسماء الأربعة التي ذكرها وأخص هنا دراسة يوسف الكحلوت التي حاكمت شعر الشاعر من منظور إسلامي متزمت جدا كان القاضي الجرجاني في كتابه " الوساطة بين المتنبي وخصومه " رفضه - أي المنظور ، وهو الربط الآلي بين الدين والشعر وقراءة الثاني في ضوء الأول . ولسوء حظي أن عيسى ذكر اسمي بين الأربعة ، غير مشير إلى عشرات الدراسات والمقالات ذات الطابع الإيجابي التي دفعت أحد شعرائنا لكثرة ما كتبت عن أشعار الشاعر ولكثرة اقتباسي في مقالاتي وخربشاتي منها إلى اتهامي بتصحير الشعر الفلسطيني ، كأنه لا شعراء غير درويش .
كتابة عيسى عموما هي كتابة مشروعة في النقد الأدبي تعرف باسم " النقد المتعاطف " أو " النقد المنحاز " وينطبق عليها قول الشاعر العربي :
" وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساوئا " .
مثلا حين يناقش عيسى فكرة خروج محمود درويش من فلسطين في العام ١٩٧٠ وعدم التزامه بما قاله قبل الخروج ، وتوقف النقاد أمام هذا الموضوع ناقدين الشاعر ، نقرأ لعيسى الرأي الآتي :
" وأحسب أن الشعر لا يحتمل تقييمه على أساس الحقائقية التي لا يمكن أن تكون معيارا لنقد الشعر تحديدا ؛ لأن الشعر يستحضر الحقيقة بالوهم " ، وينسى الكاتب أن هناك نقدا أخلاقيا وايديولوجيا أيضا للشعر .
الكتاب الذي يعد بالدرجة الأولى دفاعا مستميتا عن درويش لا يخلو أحيانا من آراء قابلة للنقاش ومن هفوات قليلة ، من ذلك مثلا وضوح أشعار الشاعر وغموضها وكتابته شعرا واضحا في بداية حياته وسبب ذلك وهل درويش شاعر صفوة أم شاعر جماهير ؟
إن اندفاع الكاتب في الكتابة جعله أحيانا يقع في هفوات كما في الأسطر الأربعة الأخيرة من الصفحة ٣٠ " تمسك اللاجيء بأرضه " و " سجل أنا عربي ورقم بطاقتي عشرون الف " لا خمسون الف .
الجمعة والسبت
١٥و١٦ / ١٠ / ٢٠٢١

***

52 - درويش وأثر الفراشة.. العمى والبصيرة


قيم هذا النص إضافة صفحة
إلغاء المتابعة
وضع إشارة مرجعية
1- دال الفراشة:

سيسألني شاعر صديق قرأ بعض مقطوعات كتاب الشاعر محمود درويش الجديد "أثر الفراشة" (2007) الذي آثر صاحبه أن يصنفه تحت جنس "يوميات"، سيسألني عن دال العنوان ومدلوله – أي عن المعنى لكلمة فراشة وأثرها.

ماذا تعني كلمة أثر وماذا تعني كلمة فراشة؟ والأثر، أثر الشيء، كما نعرف، بقاياه، ما يخلفه فعل ما، شيء ما. وحين تجمع على آثار ينصرف الذهن إلى تخصص جامعي في علم الآثار، البقايا، المخلفات، ما ورثناه، وإلى ما يتركه كاتب ما ويخلفه وراءه، ويقوم ناقد ما، جهة ما، مؤسسة ما، بجمعها والإشراف عليها وطبعها ورعايتها أيضا. وهناك أثر الجريمة، وأثر التدخين- أي ما يخلفه ويدل عليه. وأما الناقد الأدبي، وقارئ (جاك دريدا) الناقد التفكيكي، فقد ينصرف ذهنه إلى كلمة (أثر) بمعناها ( Trace ): "إن الأثر الأصل هو الإمكانية التكوينية لما يعرف عادة بالاختلاف" (دليل الناقد الأدبي، سعد البازغي وميجان الرويلي، ص58-60 من ط2، سنة 2000).

وأما الفراشة بمعناها القاموسي، فهي حشرة توصف بالحمق "أحمق من فراشة" لأنها تقترب من النار فتحترق وتموت. ولا يستخدم درويش هذا الدال "الفراشة" في أشعاره بمعناها القاموسي. إنه يرى فيها دلالات رمزية عديدة، وليس هو أول من رأى ذلك. لقد توقفت مطولا أمام هذا الدال في أشعار درويش، في دراسة عنوانها "محمود درويش ولغة الظلال" (2000) نشرتها في غير مكان، وأتيت على مدلول هذا الدال، وقدمت اجتهادي، ولا أدري إن كان درويش رأى فيه سوء تفاهم، سوء قراءة. وكما يقول التفكيكيون، فإن كل قراءة هي إساءة قراءة. ربما لهذا شكر درويش النقاد في إحدى يومياته الجديدة "اغتيال"، مع أنه نجا من قراءتهم، ورأى فيها اغتيالا وسوء تفاهم. لقد رأيت في دال الفراشة في أشعار درويش المدلولات التالية: المرأة، المدينة، الكتابة، الفدائي،....، الخ، ولما عدت إلى معجم الرموز "لـ(مانفرد لوركر) (بالألمانية) قرأت أن المسيحية رأت في الفراشة رمزا للبعث، وأما المصريون القدامى فقد قالوا إن روح الميت، بعد خروجها من جسده، تتحول إلى فراشة. وذهب المكسيكيون إلى أنها رمز للهيب المتوهج، رمز لنار الله، وجاء في القرآن الكريم ان الناس حين يبعثون يوم القيامة نراهم كالفراش المبثوث. فأي المعاني يقصد درويش؟

نص المقطوعة هو: [اليومية]:

أثر الفراشة:

"أثر الفراشة لا يُرى/ أثر الفراشة لا يزول/ هو جاذبية غامض/ يستدرج المعنى، ويرحل/ حين يتضح السبيل/ هو خفة الأبدي في اليومي/ أشواق إلى أعلى/ وإشراق جميل/ هو شامة في الضوء تومئ/ حين يرشدنا إلى الكلمات/ باطننا الدليل/ هو مثل اغنية تحاول/ أن تقول، وتكتفي/ بالاقتباس من الظلال/ ولا تقول../ أثر الفراشة لا يُرى/ أثر الفراشة لا يزول".

في قصيدته "لا تصدق فراشاتنا" (ورد أقل) وضح درويش مدلول الفراشة في القصيدة نفسها، حين قال: "لا تصدق إذن صبر زوجاتنا".. الفراشة هي الزوجة. وفي "من سماء إلى أختها يعبر الحالمون" (لماذا تركت الحصان وحيدا؟) ترتبط مفردة الفراشة بدال الكتاب: "لولا كتاب الفراشة من حولنا". إن جناحي الفراشة مثل صفحتي كتاب مفتوح، وإذا كنا نلاحظ نقاطا سودا على جناحي الفراشة البيضاويين، فإننا نرى فيها الحروف على صفحتي الكتاب. كأنها الكتاب. إنه خيال درويش المذهل على أية حال الذي جعلنا نرى هذا. والخيال لا غنى عنه للشاعر.

إن إمعان النظر في دوال الكلمات في نص "أثر الفراشة"، وهي جاذبية، غامض، معنى، إشراق [إشراق العبارة لدى الصوفيين]، اقتباس، تومئ، كلمات، باطن [باطن وظاهر أيضا مصطلح مرتبط بالكتابة وأيضا لدى الصوفيين]، أغنية، تقول، ظلال [ظلال الكلمات]، إن إمعان النظر في الدوال السابقة، وهي تشكل أكثر القصيدة، يجعلنا نذهب، دون تردد، إلى أن الشاعر هنا لا يقول المعنى بأسلوب مباشر. أعني إنه لا يقصد الفراشة لذاتها، وإنما لمعانيها الرمزية، لا كلها وإنما لبعض منها، وهي هنا الكتابة.

تترك الكتابة أثراً لا يرى، ولكنه أيضا لا يزول. وقديماً قال العرب: جرح اللسان أنكى من جرح السنان، فإذا كان أثر الثاني قد يزول، فإن أثر الأول لا يزول، وإن كان لا يرى، خلافا لجرح السنان الذي يُرى. هل ما ذهبت إليه هو اغتيال ناقد لشاعر؟ ربما. سأشكر درويش على شكره لسوء التفاهم، وسأذكره بمقولة التفكيكيين: كل قراءة هي إساءة قراءة.

2- يغتالني النقاد:

في كتابه الأخير "أثر الفراشة" (2007) الذي سيصدر بعد أيام، يكتب درويش أيضا واحدة من يومياته تحت عنوان "اغتيال"، يأتي فيها على ما يريدون من قصيدته الجديدة، وما يريدونه هم يختلف عما يريده هو. لا يقول درويش هذا بلغة مباشرة وشعارية، وإنما بقدر من التلميح. وهو لا يهاجم النقاد، إذ يكتفي بعرض الأمر، ويعتبر عدم اندماج الأفق بينهم وبينه، عائدا إلى أنه يريد أن يأتي بجديد لم يعتادوا عليه. وربما يكون درويش هنا على اطلاع جيد على نظرية التلقي الألمانية ومقولات (هانز روبرت ياوس). فالأخير يناقش مصطلح اندماج الأفق والمسافة الجمالية بين المبدع وقارئه، ويقول إن هم الأول يكمن في أنه يريد دائما أن يأتي بشيء جديد، حتى لا يكرر نفسه، وهذا الشيء الجديد قد لا يعجب كثيرين ممن اعتادوا على شعر ما أو نثر ما. إنه قد يخالف أفق توقعاتهم. وقليلون هم من يكونون ذوي عقل مرن، فيتقبلون الجديد، ويعودون أنفسهم عليه، ويأخذون به، لأنهم يشعرون أنه أضاف إليهم شيئا جديدا.

وعموما فإن قارئ المقابلات التي أجريت مع الشاعر، منذ خروجه من الأرض المحتلة في العام 1970، وإعلانه عن ضجره من القراء والنقاد الذين يطالبونه بقصائد على غرار "سجل أنا عربي"، وبحثه المستمر عن قصيدة جديدة، يلحظ- أي القارئ- أن درويش لا يتخلى أبدا عن نظره إلى نفسه على أنه مبدع. وقارئ آراء (ياوس) يتفهم الشاعر جيدا، ويقدر له إصراره على ضرورة تطوير نفسه وعدم تكرار قصيدته. وإن كان القارئ يدرك أن كثيرين من البشر لا يتقبلون كل جديد بسهولة، وأن هناك قواعد ومقاييس وضوابط وروابط وأنظمة سادت منذ مئات السنين، ولم يكن من السهل التخلي عنها. ودرويش نفسه كان يدرك هذا، وكان يجيب بهذا، حين كان يسأل عن قصيدة النثر، هو الشاعر الغنائي الذي يأسره الإيقاع. بل إنه عبر عن هذا شعرا في جدارية، حين اعتبر نفسه آخر الشعراء الغنائيين أو كأنه. ويبدو أن اقترابه من النثر، في "أثر الفراشة" يعود إلى ما غدا عليه، فدرويش الآن/ ابن السادسة والستين عاما، الذي عانى من مرض القلب، ما عاد ابن الثلاثين أو ابن الأربعين. إنه لم يعد يتحمل الانفعالات والهزات، ويوصيه الطبيب بذلك؛ يوصيه بالهدوء، خوفا على قلبه. هل يكون هذا هو السبب في غلبة النثر الهادئ، على الشعر الصارخ الإيقاع، في كتابه الجديد: "أثر الفراشة"؟

يكتب درويش في "كقصيدة نثرية":

"لولا حاجتي الغامضة إلى الشعر لما كنت في حاجة
إلى شيء- يقول الشاعر الذي خفت حماسته
فقلت أخطاؤه. ويمشي لأن الأطباء نصحوه
بالمشي بلا هدف، لتمرين القلب على لا مبالاة ما
ضرورة للعافية. وإذا هجس، فليس
بأكثر من خاطرة مجانية".

إبداء درويش رأيه في شعره وفي النقاد ليس جديدا عموما. لقد أنجزت دراسة مطولة، نشرتها في الأسوار في عكا في العام 2003، تحت عنوان: الشاعر، من خلال شعره، منظرا للشعر "تناولت فيها نظرة درويش للشعر منذ ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" (1960). ومنذ "حالة حصار" (2002)، وربما قبل ذلك بقليل، بدأ درويش، في أشعاره، يتوجه بالخطاب إلى الناقد. لقد شغل الأخير، فيما يكتبه عن أشعار الشاعر، بل وعن الشاعر نفسه، تفكير درويش. وإذا كان غلاف "حالة حصار" يبرز صورة لرجل يدير ظهره لغيره، فإن قصائد الديوان تقول غير هذا وعكسه، كأن الصورة لا تنطبق على درويش، فهو يفكر في الناقد والقاتل والشهيد والسجان والسجين، بل ويكتب عن هؤلاء كلهم. ولعل درويش يدرك هذا جيدا، ويدرك أنه من دون هؤلاء، ومن دون القراء فإن أشعاره تبقى حبرا على ورق. حقا إن هاجس القصيدة في بنائها وفكرتها يشغله، ويشغله أن تكون جديدة، وربما تشغله القصيدة أكثر مما تشغله تفسيرات النقاد وآراؤهم، لكنهم- أي النقاد- حاضرون في ذهنه أيضا، حضور كينونة القصيدة الجديدة، وإن قال:

"يغتالني النقاد أحيانا
وأنجو من قراءتهم،
وأشكرهم على سوء التفاهم
ثم أبحث عن قصيدتي الجديدة"

ربما كان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي أكثر الشعراء العرب هجاءً للنقاد في قصائده. درويش لا يهجوهم، ولكنه يعبر عن رأيه فيما يكتبون عن أشعاره. في "اغتيال" شيء من هذا. يوضح ما يريدون من قصيدته، وكيف تكون. ويوضح أيضا ما يفعله وما يكتبه. إنه يشكرهم لسوء التفاهم، ولا يلتفت إلى قراءتهم، لأنه يبحث عن قصيدته الجديدة، معنى وشكلا. هذا هو هاجسه. والسؤال هو: هل نقاد درويش كلهم على الشاكلة التي صورهم هو في قصيدته عليها- على الشاكلة؟ ربما ينطبق ما يقوله درويش على بعض النقاد، ولكن هناك نقاد قدموا لقصيدته خدمة كبيرة جدا لولاها لما كان لشعره هذا الانتشار والتقبل أيضا. حقا إن هناك ألقا وبريقا تحققه قصيدته ذاتها، ولكن تقديم النقاد لها كان له دور أيضا. وربما يوافقني محمود درويش على هذا! ربما!.

3- درويش وإرباك النقاد

رأى درويش، كما لاحظنا، في تأويلات النقاد لنصوصه، تأويلاتهم التي لم ترق له، سوء تفاهم بينه وبينهم. ولم يقل لنا عن تلك التأويلات التي راقت له وأعجبته، ولم يقل لنا رأيه في أصحابها: هل كانوا الأطباء الذين أعادوا له الحياة، بعد اغتيال من أساء تأويله له؟

والسؤال الذي يثيره المرء، بعد قراءة رأي درويش في النقاد، هو: من هو المسؤول عن سوء التفاهم؟ هل هو النقاد أم الشاعر أم نصه؟

لنبدأ بالشاعر نفسه. كان درويش في بداية حياته الشعرية يكتب القصائد الواضحة التي كانت تخلو من تعدد القراءات، ومن إشكالات القراءة. وكان هو يفخر بهذا، فلم يكن يكتب للنخبة أو لنقاد الأدب وقرائه فقط. كان يريد لقصائده أن تحمل المصباح من بيت لبيت، وأن يفهم البسطاء معانيها، وإلا فإنه سيذريها ويخلد هو للصمت. ولم يعد، فيما بعد، يفعل هذا. لم يعد يكتب شعرا واضحا خاليا من الرمز، منذ آخر الليل (1968)، وقد لاحظ هذا رفاقه الشيوعيون في الحزب الشيوعي، من إميل توما إلى توفيق زياد، وكتبوا رأيهم ونشروه. لكن الشاعر لم يخضع لهم، وواصل كتابة الشعر الذي احتمل تأويلات عديدة، وحين هاجر إلى العالم العربي، وتخلص من تأثير العقيدة عليه، تأثر بأدونيس وبغيره، ولم يعد يقرأ الشعر إلا أمام النخبة، وأراد فوق هذا أن يختلف وألا يكرر نفسه، وتأثر بمدارس أدبية أخرى غير الواقعية الاشتراكية التي نما في أحضانها، وكتب اعتمادا على ما كانت تذهب إليه: شعبية الفن وجماهيرية الشاعر وشعره. وما بين فترة وفترة كان درويش يُسائِلُ نفسه عن طبيعة شعره، عن عباراته ومفرداته ولمن يتوجه، فهو إذا ترك الحزب الشيوعي، فقد غدا شاعر الثورة التي لا بد لها أيضا من شاعر يكتب لفدائييها وعنهم وللأخضر وعن الأخضر: "نشيد إلى الأخضر".

لكن درويش، مع تقدمه في السن، وتراجع الثورة وتقدم مفاوضات السلام، والهدوء النسبي الذي عاشه الفلسطينيون ما بين 1994و 2000، وقراءته المستمرة لمدارس نقدية جديدة حول الشعر والالتزام وطبيعة اللغة الشعرية، ومخيلته العجيبة التي تمنح المفردات والأشياء أبعادا رمزية، وهذا ما أقر به شخصيا في كتابه "في حضرة الغياب" (2006)، لكن درويش مع ما سبق ما عاد يكتب النص الذي يحتمل تأويلا واحدا، ولقد قال هذا، غير مرة، في المقابلات التي أجريت معه: إنني ما عدت أكتب النص الذي يحتمل قراءة واحدة أو تأويلا واحدا.

هل هو درويش إذن المسؤول عن سوء التفاهم؟ هذا احتمال وارد، بل ووارد جدا، والشاعر يقر بهذا ويعترف به أيضا، حين يصرح بأنه ما عاد يكتب القصيدة التي تحتمل تأويلا واحدا.

لكن إلقاء اللوم على الشاعر نفسه وحده، دون غيره، أمر لا تقر به النظريات النقدية الحديثة، ولا طبيعة الشعر نفسه، عدا أن الأمر ليس بدعة في الشعر العربي منذ امرئ القيس. هناك اللغة نفسها، فلغة الشعر لغة انزياح. وحسب تعبيرات البلاغة العربية هناك المجاز والاستعارة والكناية. ولم يكن القراء كلهم، دائما، يفهمون الكلام الذي يسمعون، وكان لا بد من شراح ونقاد، وقد يختلف هؤلاء فيما بينهم. ألم يقل المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر القوم جراها ويختصم

وهناك أيضا النص الذي تشكل من مجموعة نصوص، وكل واحد منها كان يحفل بتجارب صاحبه وتجارب من قرأ لهم كما فهمها هو.

وبالإضافة إلى قصد الشاعر وطبيعة النص هناك القارئ الذي أخذت النظريات النقدية الحديثة تركز عليه، وتقول إنه لا يتأثر بالنص فقط، بل إنه يؤثر فيه، وقد يمنحه تأويلات لم تكن خطرت على بال صاحبه- أي الشاعر. وأنه- أي القارئ- قد يتأثر بمعطيات زمانه، ويقرأ النص في ضوئها. وأظن أن هذا ينبغي ألا يغيب عن ذهن درويش.

تقدم لنا نصوص "أثر الفراشة" ما يدعم ما ذهبنا إليه، بل وتقدم لنا أيضا ما هو لصالح النقاد، لا ما هو لصالح درويش، في موقفه منهم. هل أقول إذن إن درويش هو الذي يغتال النقاد، لا هم هو الذين يغتالونه؟ لعلني، ولكني سأشكره كما شكرهم، لا على سوء التفاهم، وإنما لأنه يقدم لنا دائما نصوصا جميلة تحرضنا على القراءة والكتابة.

كما ذكرت، ابتداء، تحت عنوان: "يغتالني النقاد"، فإن درويش يوضح ما يريده من قصيدته، وما يريده النقاد من شعره. هناك اختلاف فسرته اعتمادا على مقولات (ياوس) بخصوص المسافة الجمالية بين الشاعر وناقده، وعدم اندماج الأفق بينهما دائما. لكن درويش نفسه، حتى في الديوان الواحد أو في الكتاب الواحد، كما في "أثر الفراشة" يبدو قلقا متناقضا، يريد ولا يريد، يحبها ولا يحبها، ويقصد الشيء لذاته ويغويه المجاز، ولا يبين لنا أين قصد الشيء لذاته وأين أغواه المجاز. لو كان فعل ذلك، لما كان هناك سوء تفاهم بينه وبين نقاده، ولربما ما اغتالوه ونصه. ربما

في "لون أصفر" يغويه مجاز التأويل، وفي "كقصيدة نثرية" تغري البلاغة بالتشبه بأفعالها الماكرة، وفي "مكر المجاز" يقول مجازا أيضا: مجازا أقول: انتصرت، مجازا: أقول خسرت..." ولكنه في "البعوضة" التي لا يعرف اسم مذكرها يقول عنها: "ليست استعارة ولا/ كناية ولا تورية. إنها حشرة تحب دمك/ وتشمه عن بعد عشرين ميلا ولا سبيل/ لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة:/ أن تغير فصيلة دمك".

تارة يقول لنا درويش كلاما مجازيا، وطورا يرفض أن يُؤَولَ شعره تأويلاً مجازيا، ولقد قال في المقابلات التي أجريت معه القولين. هل يحق لنا نحن النقاد أن نقول له: حتى لا يحدث بيننا سوء تفاهم، وسوء قراءة، نرجو من حضرتك، أن تكتب لنا، بداية كل قصيدة أو في نهايتها عبارة: قصيدة مجازية، أو قصيدة ليست مجازية، أو حين يستخدم دال الأم مثلا يكتب في نهاية القصيدة: دال الأم هنا حقيقي لا مجازي أو العكس.

أحيانا كثيرة يربك درويش، عن قصد أو عن غير قصد، نقاده، ما يدفعهم لتأويلات عديدة يرى في بعضها اغتيالا. وربما يجدر أن أنهي هذه المقالة بقول درويش في إحدى يومياته التي جاءت تحت عنوان "أنت، منذ الآن، أنت" إذ يرد فيها:

أداري نقادي، وأداوي جراح حسادي على
حب بلادي.. بزحاف خفيف، وباستعارة
حمالة أوجه.

الجمعة: 07/12/2007

***
==============================

1- أتذكر السياب
2- ظلال الشاعر: محمود درويش وإلياس خوري
3- شتـاء ريتـا الطـويـل...
4- عكا ودرويش وأنا!..
5- يا شاعري محمود.. وداعاً
6- امتياز دياب ومحمود درويش: "ميلاد الكلمات" ٢٠١٩
7- أدب العائدين: حيرة العائد/ محمود درويش ثانية..
8- أحلام مستغانمي ومحمود درويش
9- محمود درويش والسجن
10- صورة الفنان في شبابه: محمود درويش كما صوره معين بسيسو

***

11- محمود درويش .. امرؤ القيس والمتنبي وأبو فراس "في ذكرى ميلاده"
12- شتـات: كل ما كان منفى
13- محمود درويش: مفهوم جديد للبطولة
14- سقط الحصان عن القصيدة سقط القطار عن الخريطة
15- سقط الحصان عن القصيدة (2) صهيل الخيول على السفح
16- طللية البروة... طللية الوطن
17- "لا القوة انتصرت ولا العدل الشريد"
18- هل قرأ الشاعر محمود درويش القاصة سميرة عزام؟
19- محمود درويش والقدس وسؤال المجندة
20- القدس ثانية… وماذا بعد؟… ماذا بعد؟

***

21 - صدق فراشاتنا… لا تصدق فراشاتنا..
22- إشكالية القراءة ... إشكالية النص قراءة في سطر شعري لمحمود درويش
23- حسن خضر ومقالات درويش في "اليوم السابع"
24- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الأول
25- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الثاني
26- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الثالث
27- رنا قباني ومحمود درويش.. القسم الرابع
28- زياد عبد الفتاح: "محمود درويش... صاقل الماس"
29- هوامش لنهاية العام
30- العودة إلى قراءات محمود درويش

=================

31- محمود درويش و ( بابلو نيرودا ) :
32- حزيران.. واتساع رقعة المنفى محمود درويش في نزل على بحر
33- قصيدة نزل على بحر محمود درويش
34- محمود درويش و( نيتشة) وتمجيد الحياة فوق الأرض
35- محمود درويش ونيتشة:
36- محمود درويش و زرادشت ونيتشة
37- في ذكرى محمود درويش: تناسل ريتا في رواية "على شواطئ الترحال"
38- "صورة الفنان في شبابه: محمود درويش كما صوره معين بسيسو"
39- محمود درويش ومراحله الشعرية : ( المقالة كاملة )
40- محمود درويش و(يفتشنكو)

***

41- كارول سماحة ومحمود درويش و " ستنتهي الحرب"
42- العـرس الفلسطيـنـي: والدة الشهيد التي تنتظر ابنها
43- ستنتهي الحرب وقد ينتهي النقاش: برتولد بريخت أم محمود درويش؟
44- ستنتهي الحرب: "والله يا أمي إني أكره الحرب"
45- الحرب والانتظار في الأدب السوفيتي: وحدة الأدب العالمي.
46- إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجاً (ملف/6)
47- تخليص الشعر مما ليس شعراً
48- اغتيال محمود درويش نقدياً : شعرية المكان في ديوان محمود درويش
49- محمود درويش بعد خمسة عشر عاما من الغياب :
50- أمنية : محمود درويش
51- الباشق الذهبي : أسرار شهرة محمود درويش
- درويش وأثر الفراشة.. العمى والبصيرة
***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...