سوزى شكرى - الكتب الممنوعة

على مر العصور والأزمنة يتعرض الأدباء والشعراء والمثقفون للسجن والإبعاد والمطاردة بسبب خطاباتهم المعاكسة للمناخ الفكرى للدولة أو للجهات، صراع عبر العصور بين المثقف والمفكر وبين السلطة حول حرية التعبير، البعض يراها «حرية ولكن ..»، حرية محدودة ومنقوصة ومرتبطة بشروط عدم التعرض للمسلمات والثوابت، الحرية المتاحة لعالمنا العربى لا تكفى كاتباً ولا مبدعاً واحدا، وهذا ما جعل الصراع مستمرا بين المبدع وبين السلطات أو الجهات الرقابية أو أفراد وشخصيات تتقدم بدعاوى ومذكرات ويتهم من يجادل فيها بالإلحاد والكفر. فى هذا السياق قدمت الباحثة المغربية د.وفاء سلاوى كتابها بعنوان «الكتب الممنوعة بين الإبداع والمحاكم: الخطاب والتأويل» الذى جاء فى جزأين صدرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة حيث جمعت الكاتبة بين رؤيتين ثقافيتين، القانونية والأدبية، حتى تتمكن من تحليل وتفكيك بنية هذا الخطاب.
قدمت «سلاوى» قراءات حول محاكمات مجموعه من النصوص الأدبية والفكرية من خلال ما اشتهر بالمحاكمات الأدبية، والمصادرات القانونية للإبداع، ومن ثم قامت بتحليل وتفكيك بنية هذا الخطاب القانونى بدءا من البلاغ المقدم ضد العمل الأدبى والتحقيق والمرافعات ثم نص الحكم، ثم قامت بتقديم قراءات وتأويلا قانونية ونقدية تعتمد على فصول وأحكام، كما يتضمن الكتاب دراسة لغوية تأويلية لبناء لغوى قانونى يرسم تأويله وأحكامه على نص إبداعى .
تحدثت «سلاوى» عن كيفية ملاحقة المثقفين بتنوع توجهاتهم الفكرية والفلسفية وأن رؤاهم المختلفة والمغايرة للما هو يعد ثابت جعلتهم عرضة لمحن، ليصل بهم العمل الأدبى إلى القضاء ويحرك هذه القضايا الحاكم أو رجل السياسة أو رجل الدين أو مؤسسات ذات سلطة ما أو أفراد.
جاء فى مقدمة الجزء الأول من الكتاب كلمة للشاعر الراحل حلمى سالم تحدث فيها عن ضرورة الإبداع دون حواجز وأن يكون ضمير الكاتب هو الفيصل، ثم عبر ثلاث فصول درست المؤلفة فى الجزء الأول من كتابها المحاكمات القانونية السلطوية التى طالت الأدب والفكر من زوايا النص والمرجع ثم عناصر الخطاب وآلياته وأخيرا القراءة والتأويل.
أما فى الجزء الثانى من الكتاب فقد استعرضت «سلاوى» نماذج من الأعمال الأدبية التى تعرضت للمصادرة، منها كتاب « فى الشعر الجاهلي» لطه حسين صدر أول إصدار عام 1929، طرح من خلال كتابة أسئلة جديدة ارتبطت بما هو ثقافى فكرى ودينى سياسى من خلال ما قدمه بخصوص قراءه فى الأدب الجاهلى وأسلوبه المنهجى ورؤيته وتصوراته فى علاقة بما هو اجتماعى وسياسي، حاول فيه د.طه حسين الدفاع عن منهجه التطبيقى الذى قارب بالبحث والتحليل الشعر الجاهلى فى علاقته باللغة واللهجات وبالسياسة والدين والقصص متوقفا عند قضية الانتحال والشعوبية فى الشعر الجاهلي، وأنه لا يمثل الحياة الدينية والسياسية والعقلية والاقتصادية حسب بعض النتائج المتوصل إليها، غير أن ما أثارته هذه القضايا والتحليلات كان سببا فى إشعال فتيل نقاشات اتهمت طه حسين بتجاوزه حدود الدراسة الأدبية والمس بالمقدسات الدينية، وهو ما شكل محور العديد من البلاغات المقدمة ضده، وبذلك أثار الكتاب قضية كبرى شغلت الرأى العام بحيث نوقشت فى البرلمان المصرى وفى مجلس الوزراء، وبعد ذلك جاء دور رجالات الدين والدولة لتقديم بلاغات إلى النيابة العامة تتهم طه حسين بالطعن فى الدين الإسلامى فى مواضع أربعة من كتابه تتضمن الكذب ونسب الخرافة إلى القرآن ثم الطعن فى نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار أولية الإسلام فى بلاد العرب.
من ضمن النماذج التى تعرضت للتضييق كتاب «فقه اللغة العربية» للكاتب لويس عوض فانه يمثل موسوعة فكرية ولغوية مكونه من 650 صدرت 1980 فى خمسة آلاف نسخة وقد نشرتها الهيئة العامة للكتاب، الكتاب هو ثمرة بحث واجتهاد وإعادة قراءة فى اللغة العربية والبحث عن جذورها وأصولها وفروعها مستخدما منهجا علميا مقارناً، زوج بين نظريات المدارس القديمة فى فقه اللغة وبين تطبيق العلوم الحديث الخاصة باللغة مثل الصوتيات والاشتقاق، أدى هذا البحث إلى استنتاجات قرنت بين البحث فى اللغة العربية وتاريخ العرب وأصلهم وحضاراتهم من خلال اثنى عشر فصلا درس فيه العرب ولغتهم ومشاكلهم ثم أدوات البحث العلمى الحديث تعرض الكتاب لتقديم بلاغ ضده من طرف مجمع البحوث الإسلامية بتهمه بعرض ونشر ما يمس القران الكريم وبعض أئمة العلماء ومايدعو إلى التناحر والفتنه بين المسلمين، وقد أحالت هذه التهمة للمساءلة القانونية وتقديمه لويس عوض إلى للمحاكمة عام 1983 والتى حكمت بمصادرة الكتاب، وتقول «سلاوى» أن منطوق الحكم نص مليئ بالمعطيات التى تفتح المجال للقراءة والتأويل، النص يعج بالأسئلة الراصدة لتحويلات المجتمع فى ظل المناخ وانعكاسها على المؤسسات القضائية وهما زاويتين، الأولى: أيدولوجية توفق بين المستجدات السياسية المواكبة للمشروع الثقافى فى تلك الفترة وتنفيذ رغبات السلطات العليا ممثله فى الأزهر، الثانى : زاوية علمية موضوعية تتجلى فى الكشف عن خلفيات نص الاتهام والحكم والتحقيق من الاتهامات الموجهة إلى الكتاب ثم مدى صحة الحكم علية بالمصادرة.
نموذج آخر .. كتاب «ألف ليلة وليلة» علامة بارزة فى المشهد الثقافى الإنسانى لتضمنه تشكيلا من الحكايات المتنوعة الغنية وثراء لغويا عبر عن البعد الإنسانى فى قوته وضعفه وهشاشته وابتذاله فى كل اللحظات والأزمنة واهم ما يميز هذا الكتاب هو المتخيل الجانح نحو أبعاد وعلاقات احتكت بالواقعى وبالغيبى وتناولت المثير والغريب مثلما قاربت قضايا ومتناقضات لامست دون تجريح بعض المحرمات والممنوعات الجنسية بل كشف الغطاء عن المسكوت عنه فى الثقافة العربية الرسمية بالوقوف على كل الأنماط المشروعة وغير المشروعة بين الجنسين، شكلت الموضوعات الإباحية واللغة الوصفية نقطة الاتهام الأولى ذلك أن اللغة فى حكايات «ألف ليلية وليلة» نسجت خيوطها على الأبعاد والرمز ثم المباشرة، لخص نص الاتهام أن التعدد اللغوى فى الإباحية والسوقية ويعتبر هذا الكتاب وثيقة مكتوبة تضمنت ألفاظا وعبارات تصويرية ورسوم إباحية ضد حرمة الآداب، وهذا ما تضمنه نص الاتهام عام 1981وتم تقديمه إلى مجلس الشعب بدعوى الترويج للإباحية والخلاعة، وكان الحكم فى الأولى غرامة 500 جنيه ومصادرة النسخ المضبوطة.
وتضمن الكتاب نصوص بعض المحاكمات والمصادرات فى القرن العشرين وتقول «سلاوى» يصعب حصر ممارسات المنع بعضها عرف وبعضها مازال خفياً ومغموراً فكم من كتب وصلت إلى حد الحرق ونفى أصحابها بتهم ملفقة تدور فى فلك الدينى والسياسى دون قوانين أو تشريعات حيث كانت فكرة أن النص يواجه الحاكم أو الجهاز الدينى الرسمى كما لو أن الأمر مسألة شخصية بينما باتت نصوص بين مثلث الدين والجنس والسياسية، ومن بين هذه المحاكمات، محاكمة على عبد الرازق على كتابة «الإسلام وأصول الحكم» صدر عام 1925، الكتاب يتضمن أفكار عن العلاقة بين الدين والسلطة، تم استدعاء الشيخ على عبد الرازق إلى الأزهر لمساءلته واتهم أن الكتاب كله ضلال فى ضلال وحكم بإجماع علماء الأزهر بالخروج من الأزهر ومحو اسمه وطرده من كل وظيفة وقطع مرتبه فى أى جهة وعدم أهليته للقيام بأى وظيفة عمومية دينية .
من ضمن القضايا المهمة أيضا قضية الكاتب نجيب محفوظ عن رواية «الحب تحت المطر» 1971، والكرنك عام 1974 ورواية «أولاد حارتنا «، «الحب تحت المطر» تعرضت للرفض والرقابة المشددة حيث نشرت بنصين مختلفين ذلك أن الرواية تقدم حاله الإحباط التى يعيشها الشباب الممزق أثناء حرب الاستنزاف، أما رواية الكرنك فرفض الأهرام نشرها وحذفت منها الرقابة بعض الجمل، أما رواية أولاد حارتنا التقرير للمحاكمة الرواية جاء فيه أن الكاتب كان يمكنه تقديم العمل بعيدا عن المقدسات والمعتقدات وأوصى بعدم النشر القصة والتقرير الثانى عام 1988 جاء فيه أن مجمع البحوث الإسلامية قرر حظر تدوالها أو نشرها بجميع أساليب النشر.
محاكمة الكاتب نصر حامد أبو زيد وكتابة « الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجية الوسطية « نشر عام 1992 اتهم بالتكفير والردة والعداوة لنصوص القرآن والسنة إلى حد حمل النصوص كل أوزار الأمة الإسلامية وأوضاعها المتخلفة وحيث أن المرتد يحتم أن تطبق فى شانه أحكام الردة حسبما استقر علية القضاء، ذكر « ابوزيد « فى كتابة : «آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها بل من كل سلطة تفوق مسيرة الإنسان فى عالمنا علينا أن نقوم بهذا الآن قبل أن يجرفنا الطوفان»، واستغرقت القضايا فى المحاكم سنتين وكانت كلها دعاوى حسبة،
الشاعر الراحل احمد فؤاد نجم عاش مهموما بقضايا مصر وعانى محنه السجن سنة 1972 وعام 1974 وعام 1977 وعام 1978 والمتابعات القضائية وأجهزة الأمن حيث كانت كل قصيدة يكتبها إلا وتجاوب معها الشارع المصرى فى حين تطالبه الأجهزة بالتوقف عن الكتابة .
الكاتب مصطفى محمود وكتابه «الله والإنسان» عام 1956، منع هذا الكتاب بحم قضائى رغم أن الكتاب عبارة عن مجموعه من المقالات الفلسفية أكثر منها قصص قصيرة أثارت جدلا فى الأوساط الدينية التى طالبت بمصادرته واعتباره كتابًا ضد الإسلام وان مؤلف الكتاب كافر وحين انتقلت القضية إلى المحكمة تم حظر الكتاب.
الكاتب سيد القمنى وكتابه «رب الزمان»، حيث أصدرت المصنفات قرارها بجمع كتاب « رب الزمان « وقدمته إلى النيابة ثم إلى المحكمة بناء على طلب تقدم به بعض علماء الأزهر وقالت أن أفكاره تدعو لفتنه، رغم أن النيابة حكمت بالبراءة إلا أن الفتاوى ظلت تحاصره وتحرض على قتله هو وأولاده .
فى ابريل 2001 قام محام مصرى بتقديم بلاغاً الى النيابة العامة يتهم فية الكاتبة نوال السعدوى بازدراء الدين وإنكار فرائضه من خلال التجاوز لحد إنكار المعلوم من الدين بالضرورة ومهاجمة الآيات القرآنية القطعية، الدلاله المعنى وذلك عن مقالة نشرتها عن الحج ومناسك الحج وعن حجاب المرأة انه ليس له علاقة بالإسلام.
الشاعر نزار قبانى عن قصيدة «خبز وحشيش وقمر» أثارت هذه القصيدة الكثير من الضجيج وأوصلت الشاعر إلى المجلس التأديبى وطرده من بلاده.
يوسف ادريس أيضا عن رواية «البيضاء» عام 1959والتى نشرت فى جريدة الجمهورية ولم تصدر فى كتاب إلا عام 1970، تعرضت الرواية لوقف النشر اكثر من مرة من طرف رئيس التحرير وقتها، لم يسلم أيضا الكاتب يوسف القعيد وروايته «يحدث فى مصر الآن» عام 1977 القصة تروى عن الفساد وتفاوت القوى الاجتماعية فى الريف المصرى حيث تكشف عنها أحداث زيارة الرئيس الأمريكى لهذه المنطقة وتقديم المعونة إليها، الرواية تروى بصورة ساخرة عن سوء استخدام السلطة والتهكم من سياسية السادات الخارجية ذات التوجه الأمريكي، وهذا ما سبب إزعاج لمكتب الرقابة ومنعت الرواية بقرار رسمى ومنعت طبعها 1975 واتهم انه يروى أحداث أكتوبر بطريقة مهينة.
الكاتب صنع الله إبراهيم عن كتابة «تلك الرائحة» عام 1966 تعرض لرقابة مستمرة حيث أعطى أمر بمصادرتها أثناء نشرها سنة 1969 وأعيد نشرها بعد أن خضعت لحذف أجزاء كثيرة من قبل الرقيب كما نشرت مرة أخرى عام 1968 ولكن غير كاملة، ثم حذفت منها أسماء شخصيات حتى يسهل ترويجها حيث إن الشخصيات تقترب من واقع البعض.
الكاتب إبراهيم عبد المجيد ورواية «فى الصيف السابع والستين» عام 1974، رفضت الرقابة إعطاء الإذن بطبع الرواية حيث تعرضت لرقابة المباحث العامة بدعوى أن الرواية تناول وصف الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية فى علاقتهما مع مصر إضافة إلى تضمنها الرواية إشعار الشاعر الحلاج على اعتبارها أنها ضد الإسلام ولم تنشر الرواية إلا عامى 1979 وعام 1989.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...