محمد الأحمد - العالم رواية 14 الأسطورة الذاتية في رواية (ساحر الصحراء) للبرازيلي باولو كويلو

من منا لم تستدرجه أسطورته الشخصية إلى جمل البرازيلي المولود سنة 1947 في (ريّو دي جنيرو)، تلك الجمل الشفافة، المشحونة بالدفق الدافئ، وبقيت بعد الترجمة جمل صافية المقاصد توجته كاتباً معروفاً جدا في كل بقاع الأرض، وقد كان قبلها كاتباً مسرحياً، ومدير مسرح، ومؤلِّفَ أغانٍ شعبية لبعضٍ من أشهر نجوم الغناء في البرازيل، ومنهم (إيلي ريجينا)، و(راوُلسيكزاس). ولم يَطُلْ به الوقت بعد ذلك.. حتى أصبح صُحُفياً ومؤلفاً درامياً للشاشة الصغيرة.. وفي السنة 1988، صدر كتابه الثاني: (ساحر الصحراء)، هي الرواية الثانية التي كتبها (باولو كويلو)، والتي حقّقت نجاحاً عالمياً باهراً، بل جعلته من أشهر الكتّاب العالميّين إذ صار كتابه واحداً من أفضل عشرة مبيعات عالمية للعام 1998، ولم يسمع به أحد إلا وطلب الخيميائي من أجل أن يحقق فيها بحثه عن أسطورة الذات الشخصية، تلك التسمية المدونة داخل المدونة الروائية، فبات واحداً من أكثر الكتّاب المعاصرين قُرَّاءً، وظاهرةً جلية في عالم النشر، وحاز المرتبة الأولى بين تسعٍ وعشرين دولة. نُشرت مؤلفاته في أكثر من 150 دولة، وتُرجمت إلى 51 لغة، غير العربية، وبيع منها أكثر من 31 مليون نسخة، فكان ثاني أكثر المؤلفين مَبيعاً في العالم سنة 1998، بعد الفائز بجائزة نوبل في ذلك العام، وبقيت الرواية في ذهن من يقرأها تحدث عن راعٍ أندلسيّ شابّ يدعى (سانتياغو)، مضى للبحث عن حلمه المتمثّل بكنزٍ مدفون قرب أهرامات مصر، موطن أسرار الشرق العظيم. بدأت رحلته من أسبانيا عندما التقى الملك (ملكي صادق) الذي أخبره عن الكنز المرمز الحاوي على كمّ هائل من الموروثات. وانطلق في رحلة بلا توقف حتى عَبَرَ مضيق جبل طارق.. ذلك الممر السحري من الغرب إلى الشرق، ومن الشرق إلى الغرب، مارّاً بالمغرب وتونس، حتى بلغ مصر. وكانت تُوجّهه طوال الرحلة إشاراتٌ غيبيّة. إشارات باراسايكلوجية تؤكد رؤية من يرى ويخترق برؤاه الموجودات، ويبصر المستقبل مثلما يقرا في كتاب، وفي طريقه للعثور على كنزه الحلم، كنز المورثات العربية، أحداثٌ كثيرة تقع، كلُّ حدثٍ منها استحال عقبةً تكاد تمنعه من متابعة رحلته، ولكنه كان مصرا حتى النهاية إلى أن يجد الوسيلة التي تساعده على تجاوز هذه العقبة. حيث يُسلب مرّتين، ويضيع منه جزء من أحلامه في كسب الوقت، مما يضطره العوز للعمل في متجرٍ للبلَّور، ويضع لمساته السحرية ويضفي عليه جزءاً من انفتاحه، وعلمه فيزيد من زبائن المتجر بحسن ذوقه، وإخلاصه اللامتناه.. مما يجعل صاحب العمل يثق فيه بلا حدود، ويضع إمكانيته لأجل أن يساعده، وبكل ما يستطيعه، ليكمل الرحلة التي بدأها، ولكنه بنفس أبية، يختار خطوته… بعد ذلك يصادفه رجلاً إنكليزياً، يتبادلان الإعجاب، ويرافقه في البحث عن أسطورته الشخصيّة، يشهدُ حروباً تدور رحاها بين القبائل، إلى أن يلتقي (الكيميائي) عارف الأسرار العظيمة الذي يحثّه على المضي نحو كنزه. وكم من الكنوز المادية صادفته ولم يعبأ لها.. فالرحلة مدهشة للبحث عن الكمال الشخصي، لان من الصعب جدا أن يرضى الإنسان المتفتح عن نفسه، فهو دائم الجد لان يكون ما يودّ أن يكونه..
يتوضح التبادل المعرفي، من الرجل العاقل إلى الرجل العاقل، تتلاقح التجارب، والأفكار، و النوايا.. في الوقت نفسه يلتقي (فاطمة) المرأة المسلمة ذات السحر العربي الخلاب، وصارت حبَّه الكبير، والوحيد؛ فيعتمل في داخله صراعٌ بين البقاء إلى جانب حبيبته، جوهر أسرار قلبه الذي مال إلى (الشرق) بكل جوارحه، ومتابعة الرحلة بحثاً عن الكنز المعرفي، غايته الكبرى. لكنه يكتشف بان الحب جزءا من كنزه، الذي يبحث.. لأجل صيرورة عقل خرافيّ مدهش. فـ(ساحر الصحراء) ليست سيرة إنسانية وحسب، بل إنها كناية عن حياة كل فرد، فكل من يقرأها يجدها تحكي عن نفسه. فلم تكن عابرة تلك السيرة الفكرية، وقد أخذت بقوة حضورها الإنساني البليغ ما تستحقه، وقد حيَّاه النقاد المعاصرون بتحيةٍ خصُّوا بها أسلوبه الشعري الواقعي الفلسفي، إذ تتلخّص بؤرة هذه الرواية بجملة قالها الملك لسانتياغو: (إذا رغبت في شيءٍ، فإن العالم كله يطاوعك لتحقيق رغبتك). في هذه الرواية، يستعيد (كويلو) موضوع رحلةٍ موغلةٍ في القِدَم، بدأها كلُّ الذين فتّشوا عمّا يجعل الحياة أجمل، وأكمل. فلا حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة.. قد كانا كافيان بإغراء الإنسان المعاصر الذي يحمل روحه على كفه كفدائي، ويمضي قدما.. حيث لا معدن الذهب ذريعة للبحث عن كنوزٍ أخرى؟ وهل تكون أسطورتنا الشخصيّة اكتشافنا لحقِّنا في السعادة؟.
رواية (ساحر الصحراء) خرافة أخّاذة عن القدر، والتحدي عندما تكتمل قناعة الإنسان بقضاياه العادلة.. لان (باولو كويلو) يمتلك قدرة فائقة، على التصوير الدقيق كما امتلك قدرة الساحر على تحويل الممكن إلى ما يريد، وبقي يتمتع بشفافية عالية تجعل كتابته أشبه بجدول نقيٍّ يجري عبر غابة خصبة، أو أشبه بطريق تتجلّى فيها طاقة خصبة تقود القارئ، سهواً، لاكتشاف نفسه، والاقتراب من ذاته الغامضة القصيّة. وصفت فصول (ساحر الصحراء) كزُمُرّدة صغيرة تلمع مثل لافتة فضّية في الصحراء ونورها يشير إلى اتجاه الواحة والكنوز، و أيضا: (كتابٌ ضخمٌ ومثيرٌ يعالج قضايا خطيرة بأسلوب ذكي وبسيط)، وعن باقي كتبه قالوا بأنها أصبحت بعد ساحر الصحراء (تمتلك تأثيراً سحريّاً على ملايين الناس)، فان الأسئلة التي يطرحها أبطال (باولو كويلو) معاصرة جداً لقد مزج الخيميائي مادته الأصلية المستخلصة ببساطة من عمق الإنسان الذي في عمقنا،و جعلها تسفر عن الأوجاع الإنسانية كلها، وتتحدى أعتى القوى إن أرادت الظلم والجبروت (إنها تجربة جديدة يقدّمها (كويلو)، حيث تتجلّى نبرة الكاتب الخافتة، وطرحه للمسائل الأساسية بطريقة حساسة جداً).
بقية كتب (باوْلُو كْوِيلو) الأخرى، أربعة صارت اليوم مطلوبة مثل (ساحر الصحراء) التي اشتهرت باسم (الخيميائي)، وقد أبدل اسمها المترجم بهاء طاهر، وصدرت عن سلسلة روايات الهلال المصرية –يوليو عام 1996م.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...