أ. د. عادل الأسطة - عبدالرحمن منيف -ملف- (1..4)

في ذكرى عبد الرحمن منيف

الثلاثاء الماضي حلت الذكرى الخامسة لرحيل الروائي العربي عبد الرحمن منيف، ولا أدري إن كانت جامعة عربية ما، أو مؤسسة عربية ما، أو مركز ثقافي عربي ما، أعد العدة أو احتفل بإحياء الذكرى. ولا أعرف أيضاً ماذا سنقرأ من مقالات تنجز عنه في هذه المناسبة.
وأنا أتجول في المكتبات أشاهد رواياته، فما زالت ذات حضور، وقد يستبد بي الفضول فأسأل صاحب المكتبة إن كان هناك إقبال عليها. لكن من يعرف أحوال الثقافة في العالم العربي يعرف الإجابة مسبقاً: ليس كما يجب. طبعاً منيف كان ذا خطوة، فقد طبعت رواياته مراراً، وكتب عنه دراسات وأبحاث ورسائل جامعية، أنا الآن أشرف على واحدة منها، ولقد خصصته بغير دراسة ومقال، لو لم يكن أسرني لما كتبت عنه، فأنا أكتب عن النصوص التي تروق لي، ولا مجاملة في ذلك.
وأنا أتجول في المكتبات، هنا وفي عمّان التي زرتها صيف 2007، اقتنيت أعمالاً جديدة لمنيف لم تكن صدرت في حياته. اقتنيت "أم النذور" (2005)، واقتنيت "أسماء مستعارة" (2006)، و"الباب المفتوح" (2006). الأولى "أم النذور" رواية، والثانية والثالثة مجموعتان قصصيتان. ولم ترق لي هذه الأعمال، كما راقت لي "شرق المتوسط"و"الأشجار واغتيال مرزوق" وروايات أخرى أصدرها المؤلف في حياته. وربما، بعد أن أنهيت قراءة هذه الأعمال وشكلت انطباعي عنها، ربما تساءلت: ألهذا لم ينشرها الكاتب نفسه؟ هل لم ترق له هو أيضاً؟.
الأعمال المذكورة، أعني التي صدرت بعد موته، هي باكورة نتاج الروائي. كتبها ولم ينشرها. لقد كانت تامة، وأنجزها قبل أن ينجز أياً من رواياته التي ذاع صيتها، ولكنه احتفظ فيها لنفسه، حتى نشرها ورثته. هل كانت هذه هي وصيته؟ لا أدري بالضبط، هل أراد أن يقول لنا، إن كانت هذه وصيته، شيئاً؟.
حين نقرأ أعمالنا الأولى، أكثرنا طبعاً، لا تروق لنا، وقد نسخر منها، ونتمنى لو لم ننشرها، وقسم من الكتّاب لا يدرجها ضمن أعماله الكاملة، حين يطبع أعماله الكاملة. يتنصل منها، لأنها لا ترضيه جمالياً وربما فكرياً وسياسياً. قد يخجل منها، لأنه يرى فيها طفولته الأدبية والسياسية التي لم يعد معجباً بها. عبد الرحمن منيف الذي بدأ حياته سياسياً، وفي فترة لاحقة تخلى عن النشاط السياسي لينشغل بالهمّ الثقافي، عله يصلح من خلاله ما أفسدته السياسة في العالم العربي، عبد الرحمن منيف لم ينشر أعماله الأولى في حياته، لأنها لم ترق له جمالياً. هل كان لا يريد أن يعطي قراءه انطباعاً سلبياً عن مستواه كاتباً، حتى لا يظل هذا الانطباع عالقاً في أذهان بعضهم، وحتى لا يؤثر سلباً على أعماله اللاحقة؟ ربما.
كثيرون منا يشكلون انطباعاً أولياً عن كاتب ما أو باحث ما أو دارس ما أو ناقد ما، ويظل هذا الانطباع يقبع في أعماقهم، وقد لا يبدلونه ويغيرونه، حتى لو اختلف الكاتب والباحث والدارس والناقد، وطوّر نفسه، وولد ولادات مختلفة. سأتذكر مقولة محمود درويش: ولدت على دفعات. لماذا لا يغير هؤلاء انطباعهم، ربما لأنهم لا يقرأون جديد الكاتب أو الباحث أو الدارس أو الناقد نعم ربما.
يقول النقاد إن الرواية الأولى للكاتب غالباً ما تكون أشبه برواية السيرة - أي إنها تتمحور حول حياة صاحبها. ويقول النقاد - أو بعضهم على الأصح: إن الروائي يكتب رواية واحدة في حياته هي سيرته. قد يكون هذا صحيحاً وقد لا يكون. وقد ينطبق على بعض الكتاب وقد لا ينطبق على كتّاب آخرين.
كانت الرواية الأولى التي أنجزها منيف "أم النذور" أشبه برواية السيرة، بل هي كذلك وإن اكتفت بالكتابة عن مرحلة الطفولة. وأنا أكتب هذا إنما اعتمد على السيرة التي كتبها منيف لمدينة عمان: سيرة مدينة (1994): "عمان في الأربعينيات"، وكان عاش في عمان وتعلم فيها وظلت عالقة في ذاكرته. ومن يقرأ "سيرة مدينة" و"أم النذور" فإنه سيذهب إلى ما ذهبت إليه.
سيكتب منيف في "أم النذور" عن الطفولة ومعلم الكتاتيب ونشأته المدرسية، وسيبرز صورة لمعلم ذلك الزمان، لمعلم الكتاتيب ومعلم المدرسة، وسيكتب عن الأثر السلبي للتعليم بالعصا. هل كان عبد الرحمن منيف هو ذلك الطفل الذي كره تعليم الكتاتيب والشيخ المعلم؟ ربما.
وحين أقرأ المجموعتين القصصيتين "أسماء مستعارة" و"الباب المفتوح" وأقارن بداياتي القصصية ببدايات منيف لا أخجل من طفولتي القصصية. الفرق أنني نشرت قصصي ولم ينشر هو قصصه في حياته. كان انبهارنا بمنيف من خلال روايته "شرق المتوسط" أسلوباً وموضوعاً. ترى لو كان منيف نشر "أم النذور" ومجموعتيه القصصيتين المذكورتين في بداية السبعينيات، هل كان سيلتفت إليه، كما التفت إليه حين نشر "شرق المتوسط" و"النهايات"؟ مجرد سؤال.

2008-02-11
عادل الأسطة

***

2- السجن في رواية عبد الرحمن منيف «شرق المتوسط»

قرأت رواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" في العام 1980، حين كنت طالب دراسات عليا في الجامعة الأردنية.
توفرت لي نسخة من طبعة أظنها صدرت في بغداد، ولما كنت أدرك أنها، لو أردت إحضارها إلى نابلس، ستصادر من الرقيب الإسرائيلي، فقد أهديتها إلى صديقة صديقتي المقيمة في إحدى مدن الجنوب في الأردن.
النسخة التي لدي من الرواية هي الطبعة السابعة (1989)، وقد صدرت عن المؤسسة العربية في بيروت، وقد اقتنيتها في 1992 وأنجزت عنها دراسة ومقالين، وفي ذلك العام قرأت الجزء الثاني من الرواية "الآن هنا.. أو شرق المتوسط مرة أخرى" (1991).
من 1980 حتى اليوم قرأت أعمالاً عديدة عن تجربة السجن، وشاهدت حلقات كثيرة تحدث فيها السجناء عن تجاربهم، ومرة وأنا أصغي إلى سجين مغربي في حلقة من "شاهد على العصر" بكيت حقاً، ولقد تذكرت رجب إسماعيل الشخصية الأساسية في رواية منيف "شرق المتوسط".
في أثناء قراءاتي لفتت نظري أعمال عديدة منها سيرة عائشة عودة في جزأيها، ومنها رواية مصطفى خليفة "القوقعة"، ومع إعجابي بهذه الأعمال إلاّ أن رواية منيف تظل تشدني حقاً.
كان السؤال الذي يراودني وأنا أقرأ الرواية هو: هل مرّ الكاتب نفسه بتجربة السجن، أم أن أوراق رجب بطل الرواية وصلت إلى المؤلف فقرأها واعتمد عليها في بناء روايته؟
وسأعرف أن الكاتب سجن فترة محددة، ولكنه كان يزور أصدقاء سجناء له، وأنه أصغى إلى مئات السجناء الذين ترددوا على بيته، ومن خلال قصة هؤلاء، ومن خلال تجربته كتب روايتيه، وعرفت أكثر من هذا: أن أم رجب في رواية "شرق المتوسط" لم تكن بعيدة عن أمه هو، وكانت هي من تغرس فيه ـ في المؤلف ـ قيم الرجولة. ببساطة: لقد استوحى شخصية أم رجب من أمه هو. وهنا يتذكر المرء مقولة نقدية مهمة: "ليس المهم الحكاية، بل كيف تروى الحكاية"، وبالتالي فإن "شرق المتوسط" حتى لو كانت تروي حكايات آخرين تظل رواية كاتبها، لأنه هو من أنجزها، في النهاية، بأسلوب فني من ابتكاره، وبلغة تعود إليه هو شخصياً.
حين يبحث المرء عن صورة السجن في الرواية فإنه يقف أمام صورة السجين، وهي متعددة، وأمام صورة السجان، وتكاد تكون واحدة، وهي صورة نمطية، وأمام العالم الخارجي وتأثير السجن عليه.
ثمة سجناء عديدون، فصورتهم ليست صورة نمطية، كما هي صورة السجّان الذي يبدو ساديّاً.
هناك سجين يعترف من أول لحظة، وآخر يصمد إلى حين، ثم ينهار من شدة التعذيب، ثالث يصمدُ حتى النهاية ويدفع حياته ثمناً دون أن يضعف أمام السجّان.
لم يكتفِ منيف بروايته في تصوير عالم السجن من الداخل: السجّان، السجين، الأقبية، حفلات التعذيب، الدم و.. و.. وإنما أتى على تأثير هذا العالم على العالم الخارجي، فصور معاناة أهل السجين: الأم والأخت وزوج الأخت وابنها. ببساطة إنّ السجن في الرواية لا يدمّر عالم السجين الشخصي، بل ينسحب إلى عالمه المحيط به: أسرته، ويدمّر العلاقات الأسريّة، أيضاً.
هذا الكلام الذي أكتبه كلام خاض فيه دارسو الرواية، وربما لم يأتِ بجديد، وقد يطالعه المرء بالتفصيل في كتاب د. سمر روحي الفيصل "السجن السياسي في الرواية العربية" (1981ط1، 1994ط2) وفي دراسات أخرى.
ولكن ما يلفت النظر هو عودة الروائي منيف إلى الخوض في الموضوع ثانية، ليس فقط من خلال إصدار جزء ثانٍ للرواية (1991) وإنما من خلال كتابته في العام 1998 مقدمة للطبعة الثانية عشرة.
وهذا يعني أن الرواية تبدو متميزة بين الروايات، فقد صدر منها أربع عشرة طبعة، عدا الطبعات المزوّرة. وهذا يعني أيضاً أن عالم السجن في العالم العربي، حتى 1998 ـ تاريخ كتابة التقديم ـ ما زال قائماً ومرعباً أيضاً.
يرى منيف في مقدمته أنه لم يقل "كل ما يجب أن يقال حول عالم السجن السياسي وما يتعرض له السجين من قسوة ومهانة في الزنازين الممتدة على كامل حوض المتوسط الجنوبي والشرقي، والتي تتزايد وتتسع سنة بعد أخرى، ما جعل الرواية توحي ولا تحكي، تشير ولا تتكلم".
ولهذا فقد عاد وكتب عن السجن مرة ثانية، ومع ما كتبه ثانية فإنه يرى أن الموضوع لا يزال "بحاجة إلى مساهمات الكثيرين". لماذا؟ "لأن عار السجن السياسي أكبر عار عربي معاصر، وقد يفوق الهزائم العسكرية، من بعض الجوانب، لأنه لا يمكن أن يواجه الهزيمة العسكرية، وحتى الهزيمة السياسية إلاّ مواطن حر".
هل كان منيف مُحِقّـاً في قوله؟
يأتي منيف في المقدمة على العنف والدكتاتورية وعدم تبادل السلطة، ويرى أن السجن سيؤدي إلى العنف، وهذا سينعكس بدوره على البلاد كلها.
توفي الكاتب بعد سقوط بغداد (2003) ولم يشهد الربيع العربي، ويخيل إليّ أنه كان صاحب رؤية بصيرة في استكشاف الآتي. لقد قاد القمع إلى ما يحدث الآن و.. و.. و.. .

أ. د. عادل الأسطة
2017-04-09

***

3- الشرق والغرب في رواية عبدالرحمن منيف "شرق المتوسط"

لم يهيأ لي الاطلاع على الدراسات كلها التي تناولت نصوص عبد الرحمن منيف الروائية، تماما كما لم تسنح لي الظروف بقراءة الدراسات التي أتى مؤلفوها فيها على ثنائية الشرق والغرب في الرواية العربية ، أو على جانب واحد منها - أعني جانب الشرق أو جانب الغرب.

ولقد لفت هذا الموضوع نظر دارسين كثر، فكتب فيه دارسون أوربيون مثل (روتراود فيلاندت) الأستاذة في جامعة (بامبرغ) في المانيا، والأستاذ خليل الشيخ المدرس في جامعة اليرموك، والناقد اللبناني جورج طرابيشي. ولم يأت أثنان من هؤلاء على معالجة رواية "شرق المتوسط" ، ولم أطلع على دراسة الشيخ لأعرف ان كان أتى عليها. وقد يكون السبب في اهمالها عائدا الى أن رجبا وأنيسة، وهما الشخصيتان اللتان تقصان، لم يأتيا على وصف الغرب الا لماما ، واذا ما أجرينا عملية حسابية فسنلاحظ أن ذكر الغرب لم يتجاوز خمس صفحات من صفحات الرواية البالغة مائة وستا وسبعين صفحة.

ولم يلتفت الدارسون الذين تناولوا رواية "شرق المتوسط" ، وهم كثر ومنهم محمود أمين العالم وجورج طراببيشي وكاتب هذه المقالة وعلي الراعي، الى الكتابة عن هذه الثنائية كتابة فيها قدر من التفصيل، ولا أعرف ان كانت ثمة دراسات ركزت عليها. وسوف أقف، في هذه المقالة، أمامها، وذلك لاعتقادي انها - أي ثنائية الشرق والغرب- عولجت من منظور مغاير كليا لكثير من الروايات التي عالج مؤلفوها فيها صورة الغرب وصورة الشرق، مثل رواية "عصفور من الشرق" (1937) وقصة "قنديل ام هاشم" (1944) ورواية "الحي اللاتيني " (1953) ورواية "موسم الهجرة الى الشمال" (1966).

لقد اختار الحكيم انسانا مثقفا هو الحكيم نفسه، ودارت احداث الرواية في باريس، في الثلاثينات من هذا القرن، ولم يأت، الا لماما، على ذكر الاوروبي بوصفه مستعمرا. وكتب يحيى حقي قصته عن طالب يخفق في الحصول على مقعد جامعي في بلاده، فيسافر، بناء على ذلك، الى اوروبا ليتخصص في طب العيون، وتتشابه هذه القصة مع رواية منيف في انها تقص عن الشرق وتخلفه اجتماعيا اكثر بكثير مما تقص عن الغرب الذي لا نعرف عنه الا من خلال استرجاع اسماعيل ، وهو عائد الى بلاده على ظهر السفينة، لحياته في لندن. ويقص سهيل ادريس ايضا عن مثقف لبناني يسافر الى باريس للحصول على شهادة الدكتوارة في الادب العربي يشجعه على ذلك رغبة ملحة للالتقاء بالمرأة التقاء بعيدا عن الرقابة الاجتماعية، ويتشابه الى حد ما مع بطل الطيب صالح الذي يحصل من لندن على شهادة الدكتوراة، وان اختلفا اختلافا بينا، حيث يتذكر مصطفى سعيد ما فعله المستعمرون في بلاده السودان بخاصة والشرق بعامة.

لقد أقام ابطال هذه الروايات في الغرب مدة طويلة تراوحت بين عام وسبعة، خبروا فيها حياة الغرب فتعرفوا على النساء وعاشروهن، وزاروا المحاضرات والتقوا بالاساتذة وساروا في الشوارع وشاهدوا المسرحيات. ولم تكن حياتهم في الشرق، اذا ما قيست بتجربة رجب اسماعيل في "شرق المتوسط" ، صعبة مريرة لدرجة لا تتصور. ولقد عاد هؤلاء الى بلادهم وانسجموا مع مجتمعهم، حتى لتبدو ثورة بعضهم على الشرق ثورة الشاب المحروم جنسيا حتى اذا ما روى ظمأه وغليله بدا له الشرق مجتمعا عاديا غير متخلف.

يختار منيف في روايته شخصية مغايرة لشخصيات الروايات المذكورة. فرجب لا يذهب الى الغرب من أجل اتمام تعليمه او ارواء ظمأه الجنسي، وإنما من أجل ان يتعالج هناك بعد أن أصيب، وهو في السجن، بالروماتيزم. وينفق هناك ثلاثة شهور يتعالج فيها، دون أن ينسى النظام رجبا، فيرسل في طلبه، ويعود ليواجه مصيره، ولتتواصل رحلة العذاب حتى يلقى حتفه.

يحضر الشرق في الرواية حضور تجربة رجب في السجن، تماما كما يحضر الغرب حضور رجب في الغرب. وكما ذكرت ابتداء فان قص رجب وأنيسه عن الشرق يحتل المساحة الأكبر. ثمة تواز بين مساحة الكلام والفترة الزمنية التي ينفقها رجب في كلا العالمين. وعلى الرغم من أن "شرق المتوسط" ليست اولى نصوص منيف التي تأتي على هذه الثنائية - اذ بدت في رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" (1973) ووقف عندها جورج طرابيشي في كتابه "شرق وغرب، رجولة وانوثة" (1977) وقفة سريعة عابرة عبور حضور الغرب فيها ايضا - إلا أنها كتبت عنها بطريقة مغايرة الى حد ما. لقد كتب منيف "الأشجار…" عام 1971 وكتب "شرق المتوسط" عام 1972، وهكذا لا يبدو ثمة فارق زمني كتابي كبير، وانعكس هذا بدوره على النغمة العامة للروايتين، بخاصة فيما يتعلق بنظرة بطلي الروايتين للشرق والغرب. لقد كتبت في 28/4/1987 مقالة نشرتها في جريدة "الشعب" المقدسية، وذهبت فيها الى ان زكي النداوي في "حين تركنا الجسر" ومنصور عبد السلام في "الأشجار واغتيال مرزوق" قد خرجا من معطف رجب اسماعيل، وان كانت "شرق المتوسط" نشرت متأخرة عن "الاشجار..". ويخيل الى ان منيف كان يفكر في الروايتين في آن واحد، حتى اذا ما فرغ من تدوين الاولى بدأ، مباشرة ، بكتابة الثانية.

يتجسد الكلام الذي يرد على لسان منصور فعليا في رواية "شرق المتوسط" وتبدو عبارته، وهو يخاطب الاوروبيين الذين يعمل معهم، : "الشرق موطن الاحتمال. لقد تحول الشرق الى حمار" (340) ورد راؤول عليه: "اذهب انت وشرقك الى الجحيم ، أليس عندك سوى هذه القصص المملة، ترددها دون تعب " السجن، التعذيب، البطالة، الاضطهاد، لقد سمعنا هذه القصص في كل الليالي، منذ أربعة شهور وحتى الان، والليلة نريد أن نتذكر نحن " باريس ، باريس الملونة التي تضج بالضحكات والقبل، باريس النساء. كل امرأة تعادل شرقك كله ! "تبدو عبارة منصور ملخصا لرواية "شرق المتوسط" التي استطردت في وصف الشرق المتحول الى حمار، وفيها يقرأ المرء بالتفصيل عن السجن والتعذيب والاضطهاد، وفيها ايضا يقرأ بإيجاز عن باريس.

حقا ان منصور عبد السلام يعاني وهو في الشرق مثله مثل رجب اسماعيل، وانهما يتشابهان ايضا في موقفهما من الشرق ومن الغرب، الا ان رحلتهما كانت معكوسة. عاد الاول الى الشرق بعد ان انهى دراسته في الغرب، وهو هنا يتشابه وابطال الروايات المذكورة آنفا، عاد ليكتشف بؤس الشرق ودكتاتورية حكامه، أما رجب فقد ذهب الى الغرب بعد ان رأى وخبر وانفق خمس سنوات من عمره في السجون لاقى، خلالها، من التعذيب أقساه وأوحشه. ولقد بدا الشرق لكليهما ذا بعد واحد: الشرق القمعي، وخلافا له بدا لهما الغرب: عالم الحرية.

ختلف "شرق المتوسط" اذن عن الروايات السابقة في منظور بطلها الذي كان ذا موقع فكري وسياسي مغاير، وبناء عليه عاش تجربة مغايرة لم يمر بها اي بطل غيره. ويختلف عنهم ايضا في انه كان ضحية لانظمة الاستقلال الشكلي، فليس في الرواية ما يشير الى استعمار اوروبي لاقطار شرق المتوسط. وهكذا، مدفوعا بتجربة السجن وبتجربة قصيرة جدا أنفقها في الغرب، تجربة لم يخبر فيها الغرب خبرة كافية، يقارن بين هذين العالمين.

ولا يحتاج المرء، حتى يظهر صورة الشرق، الى الكتابة عنها بالتفصيل، اذ ليس افضل من قراءة الرواية لرؤية تلك الصورة الموحشة المرعبة لدرجة الغثيان، الشرق الذي " لا يلد الا المسوخ والجراء"، الشرق الذي يبدو فيه الانسان "أرخص الاشياء، أعقاب السجائر أغلى منه". ويبدو الشرق عموما مجسدا في السجان والسجين، الجلاد والضحية، السادي والالعوبة. وخلافا له يبدو الغرب.

يخبر رجب الغرب، ابتداء ، وهو على ظهر السفينة التي تقله الى الغرب، حيث يقابل نماذج اوربية تقص عليه احيانا عن رحلتها، ومن ضمن النماذج امرأة "لها وجه الاطفال وجرأتهم، وفيها عنادهم" (82)، وتحاوره هذه بأدب جم، فيعرف انها مسافرة الى بريطانيا، وانها طالبة، ولا يقطع حوارهما سوى رجل ينضم اليهما ليبدي رأيه في الطليان الذين" اذا رأوا واحدا لا يعرف لغتهم سرقوه، ضحكوا عليه… انهم خبثاء" (83).

ويبصر رجب ، على ظهر السفينة ايضا، امرأة سويدية تحمل، من شاطيء المتوسط الشرقي، ثلاثة كناريات صفراء في قفص كبير، وتبتسم المرأة له حين تراه ينظر، بدهشة، الى طيورها ، فيما بدأ هو يقارن بين سلوك الانسان في "شرق المتوسط" وسلوكه في غربه: "أشيلوس، هل تقولين لهذه السويدية التي تنام الان في فراش دافيء وتحلم بطيورها، إني أكره كل الطيور، وان نظرات الأمس كانت تشفيا ملعونا ؟ هل تقولين لها يا أشيلوس ؟ "

"كنت اتمزق من الالم، كنت اريد ان أبكي، رأيتها ما تزال تقفز، هل كانت تقفز من الخوف، من الفرح ؟ كانت تقفز، تغرد …نورى (وهو السجان) يحب طيوره، يطعمها بيديه .." (ص 97).

ثمة عالمان متغايران، عالمان مختلفان اختلافا كليا. وكلما رأى رجب شيئا من عالم الغرب تذكر نقيضه في الشرق، حتى ليبدو الشرق شرا مطلقا والغرب خيرا مطلقا. "شاطيء المتوسط لا يلد الا المسوخ والجراء … سيظل ذاك الشاطيء يقذف كل يوم عشرات الجراء، مئات الجراء، وحتى لو وصلت أعدادهم الى الآلاف ، فستظل جراء تعوي في السراديب، أو تموت في المزابل ، لأنها تريد ذلك" (100). يتذكر رجب هذه الصورة للشرق، وحين يبصر الناس في الغرب يستغرب "كيف يضحك الناس، كيف يقفزون على رؤوس اصابعهم كأنهم الطيور الفرحة. المسنون .. الا يموتون هنا ؟ كل واحد منهم ، يحمل فوق كتفه مئات السنين. يحملها بقوة متباهية، ويسير بها وسط الثلوج والزحام، بلا خوف. وأنت يا بلاد الشاطيء الشرقي، بدءا من ضفاف البحر وحتى أعماق الصحراء ، لماذا لا تتركين بشرك يصلون الى سن الشيخوخة ؟ "(140).

يرى رجب أناسا فرحين ، يراهم على ظهر السفينة وفي مرسيليا وفي باريس، ويرى أمورا اعجب : "الأحزاب لها مراكز مكتوبة عليها الأسماء بوضوح. يدخلها الناس دون خوف. يدخلون دون أن ينظروا وراءهم، ويتكلمون في الشارع ، وبصوت عال .. أما الجرائد فانها تنشر كل شيء.. الافكار وحوادث القتل والطرق الحديثة في العلاقات الجنسية.. والناس يقرأون .. أما الكتب فلا بد أن الانسان يعجز عن معرفة ما يصدر منها، لكثرتها.

على ضفاف السين آلاف الكتب، ملايين الكتب .. كانت عيوني تمر على العناوين، وما تكاد تستقر على عنوان حتى أرتجف، أتلفت ، لا أريد أن يراني أحد " (155).

ويبدو السؤال : لماذا تنتاب رجب هذه الحالة ؟ ذا جواب واضح. إنه يرد على لسان رجب نفسه : "وجدنا لدى تفتيش بيت الموقوف "الأدوات الجرمية المرفقة … ويذكرون اسماء الكتب.." ويخاطب رجب اهل باريس : "آه يا أهل باريس، لو جئتم بكتبكم الى شاطيء المتوسط الشرقي، لقضيتم حياتكم كلها في السجون. سيأكلكم الندم، سوف تكفرون بكل شيء، واحذروا اكثر ان تفكروا في الاحزاب، لأن اية كلمة تجد من يلتقطها ويجعلها مؤامرة وتخريبا، وتدفعون ثمن كلمات حياتكم كلها في السجون الصحراوية، وهناك تصابون بالسل والتيفوس وتموتون" (155).

هذان العالمان المتباينان كليا يدفعان رجب الى التساؤل : "ولكن باريس التي أراها، هل ولدت هكذا ؟" (ص 156) ولا يترك لنا الاجابة عن هذا السؤال. يسترجع رجب ماضي باريس ويبين وجهها الاخر في ذلك الماضي: "باريس المشانق والمقاصل والحصار، باريس المقاومة، باريس الشهداء، هي التي صنعت الحرية". وهنا يصاب رجب بنزعة مازوخية مثل تلك التي أصيب بها زكي النداوي الشخصية المحورية في رواية "حين تركنا الجسر". ويقابل رجب بينه وبين الطبيب الذي يعالجه، الدكتور (فالي)، وهو الشخصية الثانوية في الرواية، ولكنْ الشخصية الاوروبية الوحيدة التي لها اسم، ويشعر رجب بالضآلة وهو يتعرف على ماضي الدكتور ونضاله، غير ان هذا يواسيه ويشجعه ويشعر معه: "أقدر الصعوبات التي واجهتها، لكن اعتبرك رجلا.. والرجال لا يسقطون. يجب ان تعرف أني الوحيد الذي بقيت من عائلتي. قتلوا اثنين من اخوتي، قتلوا أمي، ثم قتلوا زوجتي، كنت أسيرا وفررت. منذ اللحظة التي وصلت البندقية فيها ليدي، وحتى نهاية الحرب، لم أتركها".

ومع أن الدكتور فالي، كما تقول الرواية عموما، ليس حالة اوروبية وحسب، إلا أن نغمة الخطاب توحي لنا وكأنه كذلك. ثمة شخصية عربية توازيه هي شخصية هادي، ولكن رجب، وهو في الغرب، لا يستحضر، وبالتحديد حين يتحادث والدكتور فالي، هاديا.

ثمة صورة هامشية اخرى لكلا العالمين؛ عالم الغرب وعالم الشرق في الرواية، تكاد تغيب أمام الصورة الرئيسة الأساسية التي تعلق بذهن قاريء الرواية، وهي الصورة التي تبدو من خلال الحوار الذي يجري بين الفنان المهاجر عبد الغفور ورجب. وهذه الصورة ليست بغريبة اطلاقا عن تلك الصورة التي بدت في رواية الحكيم "عصفور من الشرق" ورواية سهيل ادريس "الحي اللاتيني". انها صورة الغرب الحضاري مقابل الشرق المتخلف.

يدرس عبد الغفور ، في مرسيليا، الفنون الجميلة منذ ثلاث سنوات، يسافر، خلالها، الى باريس ، مرة واحدة. ويكره عبد الغفور السياسة ولا يحب ان يتحدث فيها، وليست له اية صلة بالطلبة العرب في اوروبا، ويفضل ان يقضي وقته كله في المعهد، ثم بالمتاحف، وما يتبقى لديه من وقت يقضيه مع النساء" ص 161)، وحين يتحاور ورجبا عن الفن التشكيلي يشير الى لوحة بيكاسو ويقول مخاطبا رجبا :

- "أتعرف، لو أن رساما عندما رسم هذه اللوحة لضربوه بالحجارة ! أتعرف لماذا؟

- لا

- لأن الحضارة سلم ليس له نهاية، ويجب على الشعوب ان تبدأ من أول السلم، وشعبنا لم يكتشف بعد السلم ولم يسمع بشيء اسمه حضارة، لذلك فان كل محاولة لاقناعه بغير ذلك .. خطأ .." (161).

ويبدو هذا الحوار القصير غير شاذ، فقد جرى في الغرب ، وهو عموما جاء ليدعم الصورة الاساس الرئيسية، وما كان ليحتل مساحة في الرواية لو لم يزر رجب الغرب، مثله مثل صورة الغرب التي بدت أيضا مقنعة فنيا لا صورة مقحمة على الرواية التي اختار لها مؤلفها عنوان "شرق المتوسط" اذ كان قصده أن يكتب عن شرق المتوسط لا عن غربه، وربما لهذا السبب تحديدا، لم يلتفت الدارسون الى تناول هذه الثنائية في دراساتهم التي عالجت ثنائية الشرق والغرب في الرواية العربية.

***

4- عبد الرحمن منيف: كلام متأخر عن انتحال مفترض

مؤخراً تصفحت صفحة الفيس بوك التي تخص السيدة سعاد قوادري زوجة المرحوم الروائي عبد الرحمن منيف. ثمة كتابة بقلم الأستاذة سعاد تعقّب فيها على مقال نشر في صحيفة عربية تصدر في أوروبا يزعم كاتب المقال فيه أن الروائي عبد الرحمن منيف انتحل روايته «الآن هنا… أو شرق المتوسط مرة أخرى» (1991).

وجهة نظر كاتب المقال أن قسماً من الرواية هو تفريغ أشرطة معتقل سياسي عاش تجربة الاعتقال وأراد أن يدون ما مر به، وأن عبد الرحمن منيف لم يشر في روايته إلى اسم صاحب التجربة الحقيقي. ببساطة يريد صاحب المقال أن يقول إن الرواية رواية السجين لا رواية الكاتب، وأن الأخير انتحل الرواية. السيدة سعاد قوادري ردت على المقال الذي ادرجته على صفحتها مفندة ادعاءات المدعي، ومتسائلة في الوقت نفسه عن أسباب صمت صاحب الأشرطة هذه المدة الطويلة -تعني منذ العام 1991 حتى اليوم- ومتسائلة أيضاً عن السبب الذي لم يدفع بصاحب التجربة الإعلان عن الأمر أو الخوض فيه في حياة الروائي الذي توفي في العام 2003، أي بعد 12 عاماً من صدور الرواية.

تساؤلات السيدة سعاد قوادري تساؤلات مشروعة وهي في مكانها، ولو لم تثرها هي لأثارها قسم من القراء المتابعين. حقاً، لماذا تثار القضية الآن، ولماذا لم تثر يوم صدرت الرواية؟ ولماذا لم تثر في حياة الروائي؟ ولماذا تثار في صحافة تابعة للمملكة العربية السعودية؟

في رواية عبد الرحمن منيف «شرق المتوسط» (1975) يفكر رجب في كتابة رواية عن تجربته ويصمم لها شكلاً ويهرّب أوراقه من السجن إلى أخته أنيسة. لم نقرأ أوراق رجب وإنما قرأنا رواية عبد الرحمن منيف. وكان السؤال الذي يراود القاريء هو: هل الأوراق حقاً أوراق حقيقية أم أن الأمر لعب روائي؟ وكان هناك سؤال آخر يراود القاريء: هل سجن منيف فكتب عن أجواء السجن التي عاشها؟ وأين تحضر تجربته في الرواية وما هي حدودها؟ ماذا أضاف الروائي إلى تجربته وماذا حذف منها؟ وما مقدار حضور رفاقه السجناء وما نسبة كلامهم في النص؟

وسيرى قراء كثيرون ممن قرؤوا «شرق المتوسط» أن الكاتب لم يكتب عن تجربته وأن الرواية ليست رواية سيرية. بل إن بعض قراء الرواية من الكتّاب، ممن كتبوا عن أمكنة لم يعيشوا فيها ولم يزوروها ولم يعرفوها معرفة حقيقية، سيستشهدون بالرواية هذه لدحض آراء النقاد الذين عابوا عليهم الكتابة عن أمكنة لا صلة لهم فيها وسيقول الكتّاب: إن عبد الرحمن منيف كتب عن السجن رواية متميزة دون أن يكون سجينا. سأعرف أن الكاتب سجن 4 أشهر وأن كلام والدة رجب في الرواية هو كلام والدة الروائي. في الجدل القائم حول رواية «الآن هنا… أو شرق المتوسط مرة أخرى» يثير المرء أسئلة عديدة منها الأسئلة التي أثارتها السيدة سعاد قوادري.

من المؤكد أن البنيويين لن يكترثوا بالأمر اتكاء على مقولة "موت المؤلف" ومقولة أن كل كتابة هي كتابة على الكتابة وأن الأدب هو نشاط لغوي، وقد يرون في إثارة الموضوع ضرباً من العبث، وقد يرددون مقولتهم "ليس المهم الحكاية. المهم كيف تروى الحكاية "وعليه فإن الذي روى الحكاية وألّفها هو من كتبها وقدمها في شكلها النهائي. وهناك عشرات، إن لم يكن مئات، بل آلاف، الحكايات التي تتشابه، وحكاية صاحب الأشرطة قد تكون رويت عشرات الآلاف من المرات، وميزة رواية منيف عنها هو البناء الفني الذي أقيمت عليه. وعليه فإن الرواية، في النهاية، هي رواية من كتبها -أي رواية الروائي عبد الرحمن منيف- وقد يضيف أحدهم: "مع العلم أن المؤلف ما عاد الالتفات إليه مهماً". أذكّر بمقولة رولان بارت "موت المؤلف". أصحاب دور النشر سيسرون لهذا حتى لا يدفعوا حقوقه.

في النقد الأدبي العربي القديم غالباً ما كانت عبارة "ما أرانا نقول إلا معاداً مكرورا" غالباً ما كانت تجري على ألسنة المهتمين بالنقد. والذي يأتي بالجديد هو من يلتفت إليه. والجديد قد يكون على صعيدين: المحتوى والشكل. والسؤال هو: هل كرّرت روايتا منيف روايات سابقة على صعيدي الشكل والمضمون؟ ربما وجب أن تُدرّسا في ضوء منهج "برونتير" أيضاً. أين هما من روايات أدب السجن في العالم العربي؟

أنجزت روايات كثيرة قبل "شرق المتوسط" عن عالم السجن، ولكني لا أعرف رواية ضاهتها من حيث البناء الفني أو تصوير عالم السجن. وبعد صدورها سنقرأ سيراً ذاتية ممتعة لسجناء مروا بالتجربة مثل الفلسطيني معين بسيسو في «دفاتر فلسطينية» والأردني يعقوب زيادين في «البدايات» والمصري طاهر عبد الحكيم في «الأقدام العارية» وهذه تبقى سيراً ذاتية لا روايات وهي صوّرت عالم السجن من الداخل غالباً.

لدى الأديب الألماني غوتة القول الفصل، لا شك أن محبي عبد الرحمن منيف سيجدون في آراء غوتة ما يشبه الخبر اليقين. إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام. يأتي غوتة على علاقة اللاحق بالسابق وما يضيفه المتأخرون زمناً إلى المتقدمين زمناً، ويبدي رأيه في الأدباء الكبار-وعبد الرحمن منيف كاتب كبير- فيقول: "ليس الأدباء الكبار أدباء كباراً لأنهم أتوا بأشياء جديدة، وإنما هم أدباء كبار لأنهم أظهروا الأشياء كما لو أنها تظهر لأول مرة ". كما لو أن غوتة بنيويٌ. كما لو أنه يرى أن الكتابة كتابة على الكتابة. كما لو أنه يؤمن بأولوية الشكل.

اعتماداً على مقولات البنيويين ومقولات النقاد العرب القدامى، ورأي غوتة في الكتّاب الكبار، فإن الضجة التي تثار حول انتحال الكاتب عبد الرحمن منيف رواية «الآن هنا… أو شرق المتوسط مرة أخرى»، لا أهمية لها، ولن تقدّم في الأمر شيئاً، وهي عموماً ضجة أُثير مثلها الكثير، بل إن مثل هذه الضجة غدت حيلة أدبية يلجأ إليها روائيون كثر. من علي بدر في «مصابيح أورشليم» مروراً بيوسف زيدان في «عزازيل» وليس انتهاء برواية إلياس خوري الأخيرة «أولاد الغيتو… اسمي آدم».

كنت في العام 1997 لجأت إلى الحيلة نفسها في نصّي «خربشات ضمير المخاطب» وزعمت أن هناك من أعطاني أوراقه التي شكلت مادة النص، وحتى الآن ما زال كثيرون يرون أنني انتحلت الكتابة وأن هناك شخصاً آخر غيري هو صاحب الأوراق.

***

أ. د. عادل الأسطة - قراءة نقدية في رواية "شرق المتوسط"

يتناول عبد الرحمن منيف في روايته "شرق المتوسط" (1975ط1) موضوعا ذا حضور لافت في المنطقة العربية، وبخاصة في العقود الأخيرة من هذا القرن.
وليست الرواية رواية شخصية أو رواية فكرة بقدر ما هي رواية موضوع هو موضوع السجن. حقا ان شخصية رجب تعيش مع المرء طويلا، بعد أن يفرغ من قراءة الرواية، حتى ليزعم البعض، ومعهم بعض حق في ذلك، أن الرواية رواية شخصية أيضا، غير أنني، شخصيا، لا أذهب هذا المذهب، فهي تركز على فترة من حياة رجب، وبالتحديد السنوات الخمس التي أنفقها في سبعة سجون في شرق المتوسط، عانى خلالها ما عانى حيث يبدو أي وصف لمعاناته اعتمادا على الرواية، ما لم يقرأ النص الأصلي، قاصرا عن بلوغ الهدف مهما كان الواصف بارعا.
واذا كان العنوان، أساسا، يقتصر على بقعة جغرافية معينة فانه يفترض الطرف المقابل له: وهو غرب المتوسط الذي نعرف عنه من خلال النص، وبالتحديد من خلال ما يقصه علينا رجب اسماعيل ابتداء من اللحظة الأولى التي يقف فيها على ظهر الباخرة التي تقله الى المغرب ليتعالج هناك من الروماتيزوم الذي أصابه وهو في سراديب سجون شرق المتوسط.
موضوع القمع، اذن، وما يتفرع عنه هو الموضوع الرئيسي في الرواية، ولكنه ليس الوحيد، فالرواية، من خلال شخصيتي رجب وأنيسة، تأتي على جوانب أخرى أبرزها الجانب الاجتماعي، وتحديدا ما يتعلق بوضع المرأة في العالم العربي، وموضوع الشرق والغرب. وتقوم الرواية على ثنائيات عديدة أبرزها: السجّان والسجين، الماضي والحاضر، والرجل والمرأة، والواقع والحلم، والشرق والغرب أو عالم القمع وعالم الحرية، الشرق الذي، كما يقول رجب، "لا يلد الا المسوخ والجراء (ص100) الشرق الذي يتمنى رجب "لو ظل... بركة" للتماسيح ولو ظلت الكهرباء بعيدة .. لكن جاءت هذه اللعنة لكي تقتل البشر".أما الغرب فيصفه على النحو التالي: "الأحزاب لها مراكز مكتوبة عليها الأسماءبوضوح. يدخلها الناس دون خوف. يدخلون دون أن ينظروا وراءهم، ويتكلمون في الشارع، وبصوت عال...... أما الكتب فلا بد أن الانسان يعجز عن معرفة ما يصدر منها لكثرتها! "(ص155) ويتابع رجب متحدثا عن الشرق: "وجدنا لدى تفتيش بيت الموقوف، الأدوات الجرمية المرفقة.." ويذكرون أسماء الكتب. آه يا أهل باريس، لو جئتم بكتبكم الى شاطىء المتوسط الشرقي، لقضيتم حياتكم كلها في السجون (ص 155).
وتسير الرواية التي تشكلت من ستة فصول (ف 1 ،28ص ، ف 2 ،40 ص ف 3 ، 28 ص ،ف4 ،32 ص ، ف5 ،30ص ، ف6 ،6ص على النحو التالي :
1- نصغي في هذا الفصل الى رجب وهو على ظهر الباخرة حيث تعود به الذاكرة الى حياة السجن :
يتذكر لحظة ضعفه وتساقطه وخروجه ، ويمعن في تذكره ، فيصف ما كان يعانيه وهو داخل جدران السجن ويتحدث عن العلاقات التي كانت تسود بين السجناء الذين كانوا فيما بينهم ، مختلفين فمنهم المناضل الصلب ومنهم الخائن منذ اللحظة الاولى ، ومنهم الصامد إلى حين ، يتذكر السجان السادي ، ويتذكر أيضا حالته التي المت به بعد خروجه من السجن وذهابه الى بيت أخته أنيسه والحوار الذي دار بينه وبين أخته عن أمه وهدى .
2- نصغي في هذا الفصل الى أنيسه التي تصف كيف أنفق رجب ليلته الاولى ، وتعود الى الوراء قليلا فتتذكر أمها وسؤال رجب عنها ورغبته في معرفة كل شيء عنها . وتقص أنيسة على رجب الكثير عن الأم : موتها ومشاركتها في المظاهرات وبحثها عن ابنها، بعد اعتقاله، بحثا مضنيا. كما تأتي أنيسة على ذكر هدى الفتاة التي أحبها رجب قبل سجنه، وتصف تغير رجب بعد خروجه، رجب الذي كان يكتب الشعر قبل اعتقاله، رجب الصامد الذي أخذ يحدثها عن حياة السجن وبكاء الرجال.
3 - يعاود رجب، وهو أيضا على ظهر السفينة، الحديث: يخاطب السفينة ويطلب منها أن تبتعد عن شرق المتوسط حتى ينسى ما ألم به، وينظر الى الناس الفرحين يغنون دون أن يستطيع مشاركتهم.
وتعود به الذاكرة الى عالم السجن وحالة الصمت الذي كان يلجأ اليه ليقهر السجّان القاسي، السجان الذي يستخدم أساليب عديدة ليقتل السجناء بلا رحمة. يتذكر رجب هاديا المناضل وناجيا المتساقط، كما يتذكر القبو الذي زجوه فيه وحيدا فأخذ يحدّث النملة حتى لا يصـاب الجنون، وينتهي هذا الفصل بتذكره لحظة سقوطه الذي يبرره بضعف جسده.
4- تقص، في هذا الفصل، أنيسة بعد أن أصبح رجب بعيدا عنها. تصف ما ألمّ بزوجها حامد الذي كفل أخاها، وتتحدث باطناب عن علاقة رجب بهدى، فنعرف شيئا عن واقع الفتاة في مجتمع شرق المتوسط الأبوي الذي لا يترك للفتاة هامشا من الحرية يتمثل في اختيار شريك حياتها.
وتوضح أنيسة أن رجبا وهدى عالمان مختلفان كليا. كما تأتي على ذكر الرسائل التي تسلمتها من رجب؛ الرسائل التي توضح من خلال ما فيها وما تستثيره في ذهن هدى شكل العلاقة بين رجب وأمه، أمه التي ضحت بعد وفاة أبيه بحياتها حتى تربي أنيسة ورجب، وتأتي أنيسة على بداية اهتمام رجب بالسياسة والقراءة، وتسرد الممارسات التي تلجأ اليها السلطات التي اعتقلـت زوجها حامدا حتى يعود رجب من الخارج.
5 - يقص رجب، وهو في أوروبا، فيقارن بين الشرق وأوروبا، ويصف حالته النفسية وهو هناك: يجد رجب تفهما من الطبيب فالي وسخرية من الطلبة العرب الذين رأوا فيه متساقطا، ويقرر مواصلة النضال، من خلال الكلمة، لذا يفكر في كتابة رواية عن هادي، غير أنه يتراجع اذ لا يحق لمتساقط أن يكتب عن مناضل، وتستبد به حالة مازوخية حتى أنه يفكر في الانتحار. وتبدو ثنائية الشرق-الغرب في هذا الفصل أوضح ما تكون.
6 - تقص أنيسة في هذا الفصل، بعد ستة عشر شهرا من موت رجب واعتقال حامد، عن موت رجب واعتقال زوجها الذي ما زال، حتى لحظة السرد، في السجن. وتفكر في سلوكها في أثناء حيـاة رجب وبعد مماته لتكتشف أنها أخطأت دائما: أخطأت حيث بعثت لرجب كي يعود، وأخطـأت يوم منعت ابنها عادلا من تعبئة الزجاجة والقائها. وتقرر أنيسة أن تتبع خطى رجب وترى أن عليها أن تدفع الأمور الى نهاياتها عل شيئا ما يقع.

وسوف أتناول الآن، بشيء من التفصيل، أهم مكونات العمل الروائي وهي عنصر الزمن، وعنصر المكان وعنصر اللغة وعنصر اللغة والأسلوب المستخدم في الرواية وبعض القضايا التي أراها مهمة، وسوف أشير في النهاية الى بعض الدراسات التي تناولت هذه الرواية حتى يرجع اليها، لأنها تتناول بالتفصيل جوانب أخرى لم أقف عندها الاّ لماما.

عنصر الزمن في الرواية:
صدرت الطبعة الأولى من الرواية (زمن النشر) عام 1975م. وكان عبد الرحمن منيف قد فرغ من كتابتها، دون أن يذكر متى بدأ في ذلك، في ربيع 1972/ (الزمن الكتابي). وليس هناك، في الرواية التي استغرق سرد أحداثها، منذ كان رجب على ظهر السفينة التي أقلعت من بيروت مغادرا، حتى اللحظة التي فرغت فيها أنيسة من قص الفصل السادس وتحدثت فيه عن اعتقال زوجها حامد بعد عودة رجب بأسبوعين حيث أنفق هذا ثلاثة أشهر في الغرب كما أنفق حامد في المعتقل، وما زال، ستة عشر شهرا، ليس هناك في الرواية التي استغرق سرد أحداثها (زمن السرد) تسعة عشر شهرا، حيث سرد رجب الفصلين الأول والثالث في ثمانية أيام، هي الأيام التي كان فيها على ظهر الباخرة، وسرد الفصل الخامس قبل عودته، من جديد، أي بعد ثلاثة أشهر من خروجه من السجن، أما أنيسة فقد سردت فصولها الثلاثة خلال 19 شهرا، ليس هناك ما يشير الى تاريخ محدد عاش فيه رجب. بمعنى آخر اننا لا نستطيع تحديد تاريخ معين لحياة رجب وما ألم بها (الزمن الروائي)، وان كانت هناك بعض أدلّة توضح أنّ ذلك تمّ بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا ما نلمحه بوضوح في الفصل الخامس من الرواية، من خلال الحديث الذي تمّ بين رجب والدكتور فالي في باريس. وكان الأخير شارك في مقاومة الاحتلال النازي لبلاده، وبناء على ذلك نستطيع القول ان أحداث الرواية تجري في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن (الزمن الروائي).
وخلافا لما هو الأمر عليه في الحكاية لا يسير الزمن، هنا، سيرا تقليديا.وهكذا لا نقرأ ، على التوالي، عن طفولة رجب فشبابه فدراسته الجامعية فسجنه فخروجه من السجن فسفره فعودته فموته. اننا نتعرف على رجب وهو على ظهر السفينة، أي منذ لحظة سفره، ويسير الزمن بعد ذلك سيرا غير منتظم. تقلع السفينة لمدة ثمانية أيام فيعود بنا رجب خلالها الى ماضيه في السجن وما قبل السجن، ويجري مقارنة بين ما يشاهده وهو على ظهرها وبين ما شاهده وعانى منه من قبل. ويبدأ الفصل الثاني من الرواية، الفصل الذي تصبح فيه أنيسة ساردا من لحظة أسبق من اللحظة التي بدأ فيها الفصل الأول، تسرد أنيسة لنا عن الحوار الذي دار بينها وبين أخيها بعد خروجه من السجن وحتى لحظة سفره، ويعودا معا بذاكرتهما الى الوراء فتقص عليه شيئا عن موت أمه وشيئا عن هدى.
وعلى الرغم من أنّ الرواية تأتي على ذكر طفولة رجب وشبابه الا أنها توجز ولا تطنب، فنحن لا نعرف الا أقلّ القليل عن الفترة التي أنفقها وهو في الجامعة حيث تختصر فترة السنوات الأربعة بعبارة أو عبارتين. وهنا نذهب الى القول: ان الزمن الروائي لا يتطابق والزمن الواقعي، فثمة اقتصاد واضح يختصر فيه الزمن الذي أنفق فيه رجب من عمره سنوات عديدة.
ويمكن لنا تتبع الصفحات الخمس الأولى من الفصل الأول لملاحظة حركة الزمن في الرواية:
يبدأ الفصل الأول ورجب على ظهر السفينة وهي تنطلق، ولكنه لا يصف لنا ما يحدث معه منذ هذه اللحظة، وانما يعود بنا الى الوراء ليتحدث عن لحظة خروجه من السجن فما قبل، وهكذا لا يسير الزمن سيرا تصاعديا، وسوف أوجز حركة الحدث على النحو التالي:
1- أشيلوس تهتز، تترجرج، تبتعد بحركة ثقيلة ... (ص7).
2- كان يوم الاربعاء 17 تشرين الأول (يوم خروجه من السجن) (ص7+8).
3- يتذكر ما قاله له، في ذلك اليوم، طبيب العيادة (ص8+ص9).
4- يتذكر ما حدث معه يوم الثلاثاء مساء 16 تشرين أول (ص9).
5- يتذكر ما حدث معه صباح الاربعاء 17 تشرين أول (ص11).
6- يسترجع لحظة خروجه من السجن وذهابه الى المنزل (ص11+ص12).
7- تذكر مزدوج: وهو في البيت يتذكر أيام السجن (ص13).
ويمكن رسم المخطط التالي لهذه الصفحات:
الحاضر المستقبل
16/10 17/10 18/10 19/10 20/10
2 1

4 3

5
6 7
وهكذا يبدأ الزمن من لحظة آنية ثم يرتد الى لحظة: أ سبق منها، ويعود الى اللحظة التي هو فيها الآن، أي وهو على ظهر السفينة، اللحظة التي تسير الى الأمام مع تقدم الرحلة، لنتعرف فيما بعد عمّا ألمّ برجب بعد سفره حتى نصل الى نهاية زمن السرد الذي أشرت اليه من قبل، وبالتالي فان المخطط السابق يتغير ليتجاوز 20/10 بتسعة عشر شهرا.

عنصر المكان في الرواية:
ليس في الرواية، عدا عنوانها الذي يتكرر في صفحات الرواية على لسان رجب، ما يشير الى مكان محدد في شرق المتوسط، وان كان يشير الى بلدان محددة في غربه: اليونان وايطاليا وباريس.
ويبدو أن منيفا أراد أن يكتب عن شرق المتوسط كله ،وكأنه لا يرى كبير فرق بين بلدانه كلها على اختلاف نظمها السياسية ، ولعله أيضا رمى ، من وراء ذلك ، الى أن الرواية ، حين لا تأتي على ذكر بلد بعينة ، لا تصادر ، فتوزع في غير بلد وقد يكون هناك سبب آخر يتمثل في أن منيفا نفسه لا يلقى ، حين يسافر من بلد الى آخر، من المضايقات ما يمكن أن يلقاه لو عيّن اسم بلد ما.
ويمكن للمرء، على أية حال، وبناء على بعض ما يرد في الرواية أن يحدد هذا لبلد الذي فيما أرى لا يتجاوز واحدا من ثلاثة هي العراق وسوريا والأردن، وان كانت الدولة الأخيرة مستبعدة روائيا لا واقعيا. يرد في الرواية أن رجبا وهو طفل كان يذهب مع خاله ليصطاد، في بحيرة، سمكا (ص99) وليست في الأردن بحيرة، ولكن تجربة رجب لا تختلف عن تجربة يعقوب زيادين في سيرته الذاتية"البدايات" ( ). وتقلع السفينة التي أقلّت رجبا من بيروت، ولهذا دلالته أيضا. ومما يرجح أيضا أن يكون المكان الذي عاش فيه رجب واحدة من تلك الدول ورود بعض المفردات والأسماء والعبارات التي تتكرر فيها، من ذلك: الآغا، راجي، "ولك مر علي مثلك"، " أمّك فاتحة مناحة"، "اسمع يا أحول والله لأرجعك ... أمّك".
ونستبعد أن يكون المكان مصرا، فرجب حين يكون في أثينا يكتب، لأخته أنيسة، رسالة يرد فيها: "صادفت عددا من الناس يتكلمون اللغة العربية، يتكلمونها بلهجة مصرية لذيذة" (ص107).
وعلى العموم فان رجبا يقص علينا الفصلين الأول والثالث وهو على ظهر السفينة التي تمخر عباب البحر المتوسط متجهة نحو غربه، المكان الذي يقص، وهو فيه، الفصل الخامس.

عنصر اللغة:
يلحظ القارىء للرواية أنّ هناك مستوى لغويا واحدا يسود في الرواية، منذ مبتدأها حتى منتهاها، بغض النظر عن اختلاف الشخوص ثقافة ووعيا، وبما أنّ الساردين في الرواية شخصيتان أساسيتان فلا يستطيع الدارس أن يميز بين لغة سارد قد يكون هو الكاتب نفسه، اذ ليس في الرواية ما يشير الى غير ذلك، ولغة شخصية تتناسب ومستواها الثقافي. ولو زعمنا، افتراضا، أن رجبا، في الرواية، لا يقل ثقافة عن عبد الرحمن منيف الكاتب، وذهبنا الى أن هناك تناسبا بين لغته، في الواقع، كتابة ولغة منيف، فكيف تكون لغة أنيسة وبقية الشخوص ممن نالوا حظا أقل، من رجب، تعليما ومطالعة، كيف تكون لغتهم مساوية للغة رجب ان تلم تكن لغة الكاتب نفسه.
يرد في الرواية ما يلي:
وعندما بدأ يقرأ، بدا مجنونا، كأنه اكتشف القراءة صدفة، واكتشفها وحده دون مساعدة أحد.
بدأ يقرأ دو ن توقف، وكلمات أمي، وهي تلح عليه أن يقوم ليأكل، أو أن يتوقف عن القراءة بعد أن صاح الديك ولم يبق أحد ساهرا، كانت كلماتها تذهب هباء .. ولم يكن يستجيب الاّ اذا خانه السهر أو انتهى الكتاب.
كان اذا انتهى من قراءة الروايات التي تسميها أمّي روايات اللصوص وقطاع الطرق، يلقيها بعيدا، وكأنه يتخلص من عار أو من شيء كريه، ويقول لي بصوت حالم:
- أنيسة .. هذه الرواية رائعة ويجب أن تقرأيها!
- ولماذا رميتها بهذا الشكل؟
- لأنها جيدة ولا أطيق أن تظلّ بين يدي!
- لماذا؟
...................................
ويمضي اليوم الاول ، ولا أقرأ الا صفحة أو صفحتين ، فاذا سألني أقول له : لم يبق الا صفحات قليلة .. ويبدأ يسألني .. وأخجل لانني لا أفهم شيئا مما يتحدث عنه ...( ص 124 ، ص 125 ) .
حقا ان المرء لا يفاجأ بهذا المستوى اللغوي المتميز عند رجب لاسباب واضحة منها ما بدا في النص السابق ومنها أن رجبا خريج جامعي وهو فوق هذا وذاك واحد من جيل الخمسينيات والستينيات هذا الجيل الذي كانت المطالعة خصيصة بارزة من الخصائص التي تمتع بها وامتاز فيها عن الاجيال اللاحقة . ولكن المرء يفاجأ بالمستوى اللغوي الذي يميز لغة أنيسة وغيرها . وما من شك في أن الكاتب نفسه هو الذي يتدخل هنا فيعيد صياغة عبارات شخوصة ، كما أنه ، أحيانا ينطقهم بما يفكر هو فيه ، ولنقرأ النص التالي لنلاحظ ذلك :
" تنحنح حامد ليشعرنا أنه اقترب . كان يحس بغريزته أن لحظات مثل هذه تجعلنا أقرب الى الحلم ، وكان يحرص أن يترك لنا الاستمتاع أو العذاب ، دون أن يتدخل .. ان الرجل الغريب ، أيا كان زوجا أو صديقا ، تبقى بينه وبين الايام البعيدة سدود من الغيوم السوداء ، الايام التي كونت طفولتنا وحياتنا الاولى ، ولا يستطيع أن يخترقها الا بعد فترة طويلة من الحياة المشتركة أو العذاب ، حتى اذا صارت ماضيا ، اتسعت آفاق الرؤية وبانت الحياة كلها وكأنها مقاطع من الحجارة الصلبة المتداخلة (ص74) .
ويتناسب الكلام السابق وثقافة رجب أو الكاتب أكثر مما يتناسب وشخصيته أنيسة التي لم تكن ، كما لاحظنا في النص الاسبق ، تفهم شيئا مما يتحدث عنه رجب .
ولا تختلف لغة الحوار ، الا قليلا ، عن المستوى اللغوي السابق ، فما يرد على لسان الام التي لم تنل حظا من التعليم لا يختلف عما يرد على لسان رجب أو السجان .
ومما سبق يمكن القول ان اللغة في الرواية لم تدون على الورق ، كما نطقها شخوصها في الواقع وانما دونت بعد أن تدخل الكاتب في صياغتها وفيما هو أبعد من الصياغة ، وأعني بذلك انطاق بعض الشخوص بأكثر مما ينطقون ، وتبقى اللغة على أية حال ، متينة قوية متوترة يشعر المرء وهو يقرأها ، وكأن نبض ناطقيها يسري فيها وينتقل ، من ثم ، الى قارئيها لتشدهم اللغة نحو الرواية شدا بينا واضحا .

الشخوص في الرواية:
تتعدد الشخوص في الرواية وتنقسم الى رئيسة وأخرى ثانوية. ورجب هو الشخصية الرئيسة التي تظل محور الرواية حين تسرد عن ذاتها وحين تسرد أنيسة عنها، غير أنّ هناك شخصيات أخرى ذات حضور فاعل أهمها أنيسة وأم رجب اذ يمكن اعتبارهما شخصيتين رئيسيتين. فالأم تظل حاضرة وهي ميتة، وتصبح أنيسة بعد موت أمها أما ثانية لرجب، فهي تقص علينا الكثير الكثير عن رجب وعلاقته بها وبالآخرين. وكما يسرد رجب فصولا ثلاثة تسرد هي أيضا فصولا ثلاثة تتساوى حجما، باستثناء الفصل الأخير، مع الفصول التي يسردها رجب.
وهناك شخصيات ثانوية كثيرة العدد نعرف عنها من رجب وأنيسة، هناك رفاق رجب في التنظيم، وهناك السجان والدكتور فالي وعبد الغفور، وهناك هدى وحامد زوج أنيسة وعادل ابنها وليلى ابنتها، وهناك أسعد الأخ الأكبر لرجب ... الخ. ولا يعلق من الشخصيات هذه كلها، بعد قراءة الرواية، الاّ شخصية رجب وأمه وأنيسة وهدى وصوت السجان بشكل عام.
وتنقسم هذه الشخصيات الى نامية( دائرية ) وثابتة (مسطحة ) ويقصد بالشخصية النامية تلك التي تتطور مع تطور الاحداث وجريانها حيث لا تبقى على حال واحدة ، أما الشخصية الثابتة فهي تلك التي تظل على موقفها منذ بداية الرواية حتى نهايتها .
وشخصيات شرق المتوسط في معظمها ، شخصيات نامية : رجب والام وأنيسة وحامد وبعض السجناء وهدى . وخلافا لهذه الشخصيات تكون شخصيات السّجان وأسعد ثابتة.
يبدأ رجب مناضلا ويسجن فيصمد أولا ثم يضعف فيوقع على ورقة يستنكر فيها ماضيه ، ولكنه يعود ، من جديد ليواصل النضال . وتطلب الام من ابنها قبل سجنه ألا يقترب من السياسة ، ولكنها ، عندما يسجن تطلب منه أن يكون رجلا وأن يصمد حتى النهاية ، خلافا لانيسة التي كانت تدفع به الى السقوط ، من خلال ما تقصه عليه عن العالم الخارجي ، ولكنها في النهاية تتبع طريقته وترى أن عليها أن تدفع الامور الى نهايتها ويمكن قول الشيىء نفسه عن حامد . ويبقى السجان على حاله منذ بداية الرواية حتى نهايتها ، ويظل أسعد ، على الرغم مما ألم بأخيه وأمه وأخته ، بعيدا عن العائلة .
وفي الرواية شخصيات نمطية وأخرى نموذجية ، والشخصية النمطية هي الشخصية التي لا ملامح محددة لها ، فليس لها سماتها الخاصة أو تجربتها المتميزة التي تختلف عن سمات غيرها وتجربتها . انها الشخصية التي تعبر عن فئة تنتمي اليها أكثر مما تعبر عن ذاتها الفردية داخل هذه الفئة، وببساطة فهي تلك الشخصية التي تعبر عن رؤية الكاتب لطبقتها أكثر مما تعبر عن رؤيته لها فردا انسانيا له خصوصيته ، وغالبا ما تكون هذه شخصية مسطحة جامدة تبرز في كتابات أولئك الذين يحملون رؤى مسبقة عن الكون والناس ، رؤى يعتقدون بثباتها وصحتها دون غيرها ( المتدينون المتعصبون والماركسيون الجامدون والقوميون المغالون في قوميتهم ) . وعلى عكس هذه تكون الشخصية النموذجية ، هذه التي لها سماتها الفردية وتجربتها الخاصة المختلفة عن تجارب غيرها داخل الفئة نفسها أو العائلة نفسها .
ولتوضيح ما سبق يمكن التدليل ، من الرواية، على ذلك : هناك سجناء هم رفاق درب ، وهناك غير سجناء ، وهناك غير امرأة : الام والحبيبة والاخت ، وهناك الاخوة داخل العائلة نفسها . والشخصية النمطية الوحيدة التي تطالعنا في الرواية هي شخصية السجان ، فلا نلحظ أن هناك تباينا بين سجان وآخر ، كأن يكون أحد السجانين قاسيا والاخر أقل قسوة ، وغالبا ما تنسحب هذه الصفة ( القسوة) على شخصيات السجان في الرواية العربية . أما السجناء فيختلفون فيما بينهم : هناك المناضل الصلب (هادي) وهناك المناضل الذي يتساقط مع الزمن ( رجب ) وهناك المناضل الخائن منذ اللحظة الاول (سعد الدين) كما تطالعنا في الرواية غير صورة للام : أم رجب الصابرة المناضلة التي تحث ابنها على الصمود ، وأم السجين التي حين تلتقي بابنها تأخذ بالبكاء والعويل فتساهم باضعافه واسقاطه (ص54) وأنيسة نفسها التي لها غير موقف في الرواية : لقد أسهمت في اضعاف رجب ، ولكنها بعد موته أخذت تسير على خطاه. وليس أفراد عائلة رجب على الشاكلة نفسها ، ففي الوقت الذي يناضل فيه رجب سياسيا يتخلى عنه أخوه أسعد لانه اختار هذا الطريق .
- بنية الرواية :-
يفكر رجب في كتابة رواية ويعيش هذا الهاجس ، وبخاصة أنه في لحظات معينة من عمره يؤمن بأن الكلمة سلاح يمكن للمرء أن يحارب بوساطتها (146) ولكنه ، في آخر أيام حياته، بعد التعذيب الرهيب الذي ذاقه على أيدي الجلاوزة ، يفكر في تمزيق أوراقه وعدم نشرها ، فالسجان في شرق المتوسط ، ليس قاسيا وحسب ، انه شخص سادي : " لما أعطاني عبد الغفور الاوراق ، طويتها بعد أن ألقيت عليها نظرة سريعة ، ماتت في نفسي رغبة الكتابة .. اذا أتيح لي أن أكتب فسوف أفعل ، ولكن يبدو أن الوقت الآن أصبح متأخرا .. وكلمات الارض كلها لن تستطيع انقاذ سجين يتعذب ."(166ص)" لكن كما قال لي حامد ، وكما قال لي عادل الحكيم ، ما فائدة الكلمة ؟ من سيقرأها ؟ حتى ولو قرئت فما تأثيرها ؟ ....... لم تعد الكلمات كائنا حيا قادرا على أن يفعل شيئا .. والان وأنا أعود استغرب تلك اللحظات المرعبة ، التي تدفعني بقوة للأن أكتب ، أتصور أن الكتابة كفارة .. ولكن.. سأصمت .. سأضع الاوراق في مكانها ، وسأعود الى الوطن " . (169ص، 170ص ) .
ولم يكتب رجب وانما كتب عبد الرحمن منيف . فكيف تخيل شكل الرواية التي كان يحلم بكتابتها ؟ وهل من تشابه بين أسلوبهما وأسلوب رواية " شرق المتوسط" ؟
يفكر رجب في الكتابة ويتساءل لمن يكتب ومتى ؟ وهو يريد أن يكتب أشعارا وروايات ، فلديه تصور ما عن الشعر (134ص) والشىء ذاته بخصوص الرواية : " الشيء الذي لم أستطع أن أتوصل اليه الان ، كيف يجب أن تكون الرواية . أريدها أن تكون جديدة بكل شيىء : أن يكتبها أكثر من واحد ، وفيها أكثر من مستوى ، وأن تتحدث عن أمور هامة والأفضل مزعجة .. وأخيرا ألا يكون لها زمن .." (134ص) .
ويتابع مخاطبا أنيسة :
" اسمعي : أريد أن نكتب معا رواية ..... بل وأريد أن يكتب الصغار . لو كتب عادل بعض الاشياء وتركناها على بساطتها وصدقها ، ولو كتب حامد ..." (134 ص ) .
" وحتى لا نضيع في دوامة قد لا نخرج منها ، فمن الضروري أن نحدد موضوعا ونكتب فيه. التعذيب مثلا، كيف تتصورين الموضوع؟ كيف يتصوره انسان من الخارج؟ وليس أي انسان، انسان له علاقة بشكل ما، في مستوى ما" (ص 135).
"طبيعي يجب أن يكون للموضوع امتدادات كثيرة ومتباينة: الذكرى، الأحاسيس، العلاقات وغير ذلك. وطبيعي أيضا أن ننظر من زوايا مختلفة. هذه الزوايا المختلفة ضرورية لكي نرى الشيء من جميع جوانبه، فاذا ارتبط الموضوع أيضا بالأزمان العديدة، أصبح شيئا جديدا. مثلا: كيف يتصور عادل، وكيف يتصرف، وماذا يتفرع عن ذلك؟ وحامد وأنت وأنا. اذا نجحنا في أن نحاصر موضوعا معينا، من هذه الزوايا، يمكن أن يكون موضوعا ناجحا، لست متأكدا ولكن هذا ما أتصوره، أو بالأحرى ما أطمح اليه". (ص135).
"... لو كانت أمّي موجودة لاستطاعت أن تقول شيئا مهما ولكان الموضوع في النهاية مجنونا ورائعا ". (ص135).
"الكتابة هل تحتاج اى انفعالات؟ الى غضب؟ ليس ضروريا أن أسأل الدكتور فالي لأن المحاولات التي قمت بها حتى الآن أدت الى تنتيجة واحدة: سيل من الانفعالات الحاقدة والغاضبة.. ولا صفحة واحدة من الكتابة التي أطمح اليها.." (ص 155).
"حامد لم يكتب لي شيئا، سوى كلمة كبيرة في منتصف صفحة بيضاء.. كتب: الكلمة آخر سلاح يمكن أن ألجأ اليه..
وعادل .. ماذا تتصورين أن عادل كتب اليّ؟ كتب رسالة قصيرة، قال فيها: انه لم يسمع بقائد انتصر بالكلمة.. السيف وحده هو الذي يحقق النصر، هكذا قال لهم معلم التاريخ عندما حاول أن يسأله بمكر لكي يستعين باجابته في الكتابة الي" (ص 168، 169).
"أنت يا أنيسة كتبت أكثر مما قدرت وأكثر مما ينبغي. فتّحت لي جروحا كانت قد انطفأت، منذ وقت طويل. استغربت كيف تتذكرين حوادث، تبدو لي صغيرة متوارية، بحيث يعجز الانسان عن تذكرها" (169).
"لو كان رجب حيا لكتب لكم رواية أو شيئا آخر تستمتعون وأنتم تقرأونه. لكن رجب رحل منذ وقت بعيد، ولا أجد الآن تكريما لذكراه الاّ أن أهرّب الأوراق التي عاد بها الى وراء الحدود وأنشرها كما هي" (171).
فهل تختلف الرواية التي قرأناها، بنية، عن المخطط الذي اقترحه رجب؟ وهل يكون رجب سوى قناع منيف اختفى وراءه؟
لا ينكر منيف أن الكاتب الروائي لا بد وأن يختفي، أحيانا، وراء شخصياته.
فهو يقول: "الرواية وعلاقتها مع الراوية علاقة شديدة التعقيد، بمعنى أن الكاتب يخلق عددا غير محدود من الشخصيات لكن يحملها مقدارا متفاوتا من آرائه وقناعاته. وهذه الآراء والقناعات ليست بالضرورة تلك التي يرويها البطل أو تتصل بالبطولة الخارقة أو الحكمة. قد تقال على لسان المعتوهين أو الشخصيات الثانوية، وقد تقال رمزا أو بسرعة" (الكاتب والمنفى، ص 194 وانظر الصفحات 192، 193، 194).
ويمكن، بناء على ما سبق، أن نربط بين رجب ومنيف ولنا أيضا غير دليل:
- شارك رجب في النشاط السياسي وكان عضوا في خلية، وهذا ما فعله منيف نفسه فقد كان مستغرقا في السياسة والعمل السياسي "ولكن رأيت أن هذا كله خدعة كبيرة" (الكاتب والمنفى، ص 163).
- كان رجب يفكر في كتابة الأشعار: "يبدو لي أن الشعر لا يمكن أن يكتبه الاّ انسان واحد، لأنه سيل من الأحاسيس الداخلية، في لحظات هاربة، فاذا لم يستطع الانسان السيطرة على هذه اللحظات توارت وانتهت. هذا ما توصلت اليه" (ص 134، الرواية). ويرد منيف على سؤال سلوى النعيمي: ألم تكتب الشعر؟ قائلا: "لا، ولكننا كنّا نجتمع، شلة من الشباب، لنظم الشعر في هجاء الأساتذة والسلطة. وأحيانا لكتابة قصيدة بذيئة" (الكاتب والمنفى، ص 162).
- لا يختلف موضوع رواية "شرق المتوسط" عن الموضوع الذي فكّر فيه رجب موضوعا لروايته، والشيء نفسه يمكن قوله عن فكرة الزمن في الرواية وجدة موضوعها وطريقة كتابتها. فلقد كان الزمن في "شرق المتوسط" غير محدد، كما شاركت أنيسة، الى جانب رجب، في سرد أحداثها وكتب كل من حامد وعادل بعض الرسائل.
- حقا ان رجب مات قبل أن يحقق المشروع الروائي، غير أن أنيسة، بعد وفاته، لم تلتزم بوصيته، فقد هرّبت أوراقه الى الخارج لتنشر وراء الحدود، عدا أنها، في الرواية، سردت أكثر مما تقدر عليه.
- ولم يكن لأنيس تجربة في الاعتقال، وانما كانت على صلة بأخيها وزوجها من بعد، وبالتالي فقد لامست الموضوع من الخارج، كما لامسه رجب من الداخل.
- تشكل الرسالة في "شرق المتوسط" جزءا من بنية الرواية، وكان رجب يفكر في هذا، فقد طلب من أخته أن تكتب له ردا على رسائله، كما طلب منها أن تحث حامدا وعادلا على الكتابة، وهذا ما فعلاه.
- لقد تجاوز عادل في الرواية، وكذلك والده حامد، حدود الكتابة وحققا واقعيا ما آمنا به فكريا. فعادل لم يسمع أن هناك قائدا انتصر بالكلمة وانما بالسيف، وهذا ما يقدم عليه في نهاية الرواية، اذ يعبىء زجاجة ليقذفها على السجن.
وختاما فليس هناك، حين يريد المرء أن يتحدث عن بنية الرواية في شرق المتوسط، أفضل من أن يستعير ما كان رجب نفسه يخطط له، حين فكر في كتابة الرواية ليتحدث عن بنية الرواية التي كتبها عبد الرحمن منيف، هذه الرواية التي فيها جدّة في الأسلوب وفي الموضوع وهكذا حقق منيف ما كان حلم به رجب: لقد فضح أنظمة القمع وكتب رواية جديدة تعتمد المواصفات التي حلم رجب بها.
ملاحظات:
1- كتبت حول الرواية العديد من الدراسات وقد اطلعت على التالي منها:
1) د. علي الراعي، الرواية في الوطن العربي: نماذج مختاره، القاهرة 1991. (ص 457-ص 463).
2) جورج طرابيشي ، الادب من الداخل ، بيروت 1978. ( ص51 - ص 79 ) . وكنت قرأت ، من قبل ، مقالة كتبها د. كمال ابو ديب ونشرها في مجلة الناقد الصادرة في لندن ( عام (90/1991). كما أذكر أن د. سمر روحي الفيصل كتب عنها في كتابه "أدب السجون في العالم العربي"، وهناك دراسة عن عبد الرحمن منيف، لم يتيسر لي الاطلاع عليها، كتبها شاكر النابلسي.
2 - يمكن الاستعانة أيضا بكتاب أعده الناقد محمد دكروب تحت عنوان "الكاتب والمنفى: عبد الرحمن منيف، دار الفكر الجديد، لبنان 1992. وهو مجموعة مقالات كتبها منيف ومقابلات أجريت معه: ويأتي فيها على ذكر رواية "شرق المتوسط":
مثلا حول المكان في الرواية يقول منيف: (ص167)
"انّ عدم تحديد المكان .. لم يكن هروبا، ولكن تشابه الوضع في البلاد العربية، من حيث سجونها والتعذيب فيها، يحوّل كل تعميم الى تخصيص، لأن كل بلد عربي معني بالموضوع. وكثيرون حاولوا اقناعي بأن حوادث الرواية جرت في المغرب العربي بالذات ولم تجر في مشرقه، وأن تسميتها "شرق المتوسط" محاولة هرب من تسمية الأشياء بأسمائها، أو الأماكن بأسمائها".
"وشرق المتوسط هو كل بلد عربي ... التحديد الزائد لا يعني التحديد الحقيقي، وعدم التحديد لا يعني عدم التسمية. وفهمي أنا للمكان قد يكون ضمن رؤية مختلفة عن بعض الكتاب الآخرين". (ص167).



========================
1- في ذكرى عبد الرحمن منيف
2- السجن في رواية عبد الرحمن منيف «شرق المتوسط»
3- الشرق والغرب في رواية عبدالرحمن منيف "شرق المتوسط"
4- عبد الرحمن منيف: كلام متأخر عن انتحال مفترض

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...