مجدي جعفر - مقاربة نقدية في المجموعة القصصية ( مغارة المنجنيز الأسود ) لأحمد عبده بقلم / مجدي جعفر



( 1 )

عرفت الحياة الثقافية والأدبية الكاتب أحمد عبده قاصا مجيدا، وروائيا مقتدرا، و" مغارة المنجنيز الأسود " هي المجموعة القصصية السابعة له، فصدر له من قبل : الجدار السابع، نقش في عيون موسى، كلاب الصين، حفر في الباطن، حالة حرب، جنرال سيدنا الحسين، وصدر له أيضا ست روايات، وهي : مكاشفات البحر الميت، ثعالب في الدفرسوار، سُرة البلد، بنات 6 أبريل، من جراب الكنغر، المس العاشق.

وكتب للأطفال : في ظلال العنب، وأكتوبر يا أولاد يا أولاد أكتوبر.

وقد أثرى المكتبة السياسية والفكرية بثلاثة كتب وهي : ثورة يناير والبحث عن طريق، مصر تخلع النقاب، حاخامات الدم في الشرق الأوسط.

ومجموعته " مغارة المنجنيز الأسود " تضم سبع قصص، وتقع في ( 120 ) صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار الأديب للطبع والنشر والتوزيع في العام 2023م.

والمتابع لتجربة أحمد عبده القصصية والروائية، يجدها تتمحور حول محورين مهمين، وهما :

المحور الأول : أدب الحرب والمقاومة وهو ما سنقاربه في هذه المجموعة.

المحور الثاني : القرية المصرية وتحولاتها، وهو مبثوث أيضا في سرده لهذه المجموعة ويستطيع القارئ أن يتعرف على تعامله مع مفردات القرية ووعيه بها وبناسها.

وحرب أكتوبر التي انقضى عليها ما يزيد على نصف القرن، يعود إليها الكاتب، وهو أحد أبناء القوات المسلحة، وقد أتاح له هذا البُعد الزماني والبُعد المكاني أيضا " فقد أحيل إلى التقاعد منذ سنوات بعيدة "، أن ترق الأحداث في نفسه، وتشف، وأعاد النظر إليها من كل الزوايا، وقلبها على شتى المناحي، فخلت من المباشرة الفجة، عدوة الفن الأول، وقد نضجت تجربته واستوت، وجاءت لغته مُصفاة ومقطرة، لغة فنية بامتياز.

وأبطال المجموعة أشخاصا حقيقيين، خاضوا غمار معارك حروب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وقصر مجموعته على أبطال النُخب، أبطال الصاعقة، الذين قاموا بأعمال فدائية خارقة، فكانوا يتسللون خلف خطوط العدو، لتنفيذ بعض المهام، كتدمير موقع لهم، أو مخزن للوقود أو للذخيرة، أو ضرب احتياطياته ومنعه من تقديم المؤن والعتاد والسلاح لمقاتليه على الجبهة، أو عرقلة تقدمه بالالتحام المباشر معه، وإجباره على التقهقر والانسحاب، وقد فصّل الكاتب في تقديم هذه النماذج، راصدا :

التدريبات الشاقة لهم قبل الحرب وإعدادهم بدنيا ونفسيا، وكيف يقبضون على الثعابين ويذبحونها ويسلوخنها، ويتناولون لحمها إذا نفذ الطعام، ويتخذون من ماء بولهم بديلا إذا عزّ الماء.

ويقدم الكاتب الخطوط العريضة لمهام رجال الصاعقة، ويلقي الضوء على هذا السلاح ودوره في الحرب من خلال الشخصيات التي تناولها، والأداء البطولي لهم، ويعكس أحوالهم الاجتماعية من خلال أسرهم، ومعظمهم من أسر بسيطة من الريف المصري، وكما يتناول الحرب والمعارك التي تدور رحاها على الجبهة يتناول ما يدور في الداخل ( الجبهة الداخلية )، ويقدم آثار وجناية الحرب على الأم، الأب، الحبيبة، الإنسان خصوصا والوطن عموما، حتى الحيوانات تأثرت بالحرب وبجنايتها عليها، وشاركت أيضا فيها سلبا وإيجابا مثل الحمار الذي يجر العربة الكارو لنقل الجرحى والشهداء، والعنزة العشار التي يسوقها الجندي المتخفي في زي أحد المزارعين ليصطاد من خلالها جنود العدو، وعنزة البدوبة التي تذهب بها إلى الجنود المختبئين في المغارة ليقتاتوا من لبنها، والجمال والإبل والأغنام التي يسوقها البدو الذين يعملون لصالح الجيش المصري، ويرشدون الجنود الذين تاهوا في الصحراء إلى الطرق التي يجب أن يسلكوها ويؤمنون عودتهم، بعيدا عن العدو، والثعابين التي يتناولون طعامها بعد أن نفذ الطعام فتكون في أفواههم بعد شيها أشهي من الكباب والكفتة والجمبري والكافيار، وثعبان الطريشة الذي لم يسلموا من لدغاته المميتة والقاتلة، والخفافيش والوطاويط.

( 2 )

والكاتب يستهل مجموعته بقصته الماتعة ( أم الصاعقة ) ويهديها إلى خضرة ( أم إبراهيم ) إيمانا منه بدور المرأة المصرية البسيطة في الحرب، وأم إبراهيم شخصية حقيقية من ريف الإسماعيلية، وتعيش في قرية ( أبو عطوة ) التي دارت فيها واحدة من أشرس المعارك، في الساعات الأخيرة من مساء يوم 22 أكتوبر 1973م والحرب تقترب من نهايتها، فأعلنوا وقف إطلاق النار مساء هذا اليوم.

والكاتب يحتفي بنساء أخريات لهن دورهن في الحرب مثل أم رفاعي في فايد، وفاطمة زوجة علي أبو بركات في " أبو رديس "، وأم موسى ( سالمة شميط ) في وسط سيناء وغيرهن من النساء، وهن أيضا أسماء حقيقية لم يختلقها الكاتب.

وسنكتفي بأم إبراهيم ( أم الصاعقة ) والتي تحمل القصة اسمها أنموذجا للمرأة المصرية الفلاحة البسيطة في زمن الحرب.

فهي لا تملك غير عربة كارو، والحمار الذي يجرها، وقراريط قليلة جدا تفلحها، وتحمل عليها :

( أجولة البطاطس والسمسم وأقفاص الطماطم للناس بألأجرة إلى سوق القرية، أو إلى سوق المدينة في الإسماعيلية، كما تحمل عليها البرسيم لغنماتها ومعيزها ).

ومعركة أبو عطوة دارت رحاها بين أفراد قلائل من أبطال الصاعقة المصرية وبين قوات العدو الذي احتشد بجنوده ومدرعاته وطائراته التي تحلق في المنطقة، بحثا عن نصر في الساعات الأخيرة قبل وقف اطلاق النار، يبيض به وجهه، فقد تلقى هزيمة نكراء في الأيام الأولى للحرب، فلو تمكن من احتلال والسيطرة على قرية أبو عطوة سيتمكن من الدخول إلى الإسماعيلية واحتلالها بسهولة، ومنها إلى بور سعيد، ويضيع بذلك النصر العظيم، ولكن أبطال الصاعقة المصرية جعلوا من هذه القرية الصغيرة الصخرة التي تحطمت عليها أحلام العدو، وحققوا النداء الذي وجهه الرئيس السادات إلى قائدهم عبر جهاز اللاسلكي :

" من السادات إلى أسامة إبراهيم .. من السادات إلى أسامة إبراهيم .. من السادات إلى أسامة إبراهيم : احموا مدينة الإسماعيلية ولو على أجسادكم "

وكان الكاتب حاذقا في تنويع الرواة والأصوات الساردة داخل القصة، وهي سمة عنده في معظم قصص هذه المجموعة.

والرواة من الأبطال الحقيقيين، ولم يزلوا على قيد الحياة، فيقدم لنا صوت الملازم علمي حسين الذي يعود بنا لأكثر من أربعين عاما ليسرد لنا مكان وزمان ووقائع هذه المعركة :

( وكان معي هنا زملاء لي في الحرب، ومنهم من هو موجود معنا الآن، ومنهم من فر منه الموت هنا ليموت فيما بعد وسط أهله )

ويصف لنا حالهم وهم في وضع الاستعداد :

( أنا الملازم علمي حسين، من رجال الصاعقة، ومعي الآن القائد أسامة إبراهيم، والرائد إبراهيم الدسوقي، والقناص إبراهيم سعودي، والقناص أحمد البدري، والقناص محمد جاد، وباقي الأبطال كل واحد في خندقه داخل الجناين )

والملازم علمي حسين يبدأ في تقديم من نجا من الموت، ليقدم كل منهم تجربته وشهادته، وهي حيلة فنية لجأ إليها الكاتب، ليبعد عن قصته شبهة أدب المذكرات أو الاعترافات أو السيرة، وهذا يقودنا إلى العودة لبداية القصة القوية والعبقرية، فبعد سنوات طويلة على مرور الحرب، كان التفكير في إقامة متحف يضم ما تم تدميره للعدو من دبابات ومدرعات وعربات وخلافة بدلا من تركها في الصحاري وفي الجناين وحول مدينة الإسماعيلية وفي قراها، لتكون مزارا للأجيال الجديدة الذين ولدوا بعد حرب أكتوبر، وظُلم هذا النصر العظيم، أعظم انتصاراتنا في العصر الحديث، ويكاد يكون أُجهض بعد السلام مع العدو، والمتحف الذي سيضم هذه الأشياء سيعيد إلى الأجيال الجديدة الذاكرة الوطنية، واستضافة من بقى من أبطال أكتوبر على قيد الحياة ليتحدث كل منهم عن تجربته في حرب أكتوبر مباشرة مع زوّار المتحف.

ويتوقف الكاتب عند آخر ثلاث دبابات تم تدميرها قبل دقائق من وقف إطلاق النار مساء 22 أكتوبر 1973م، والتي وُضعت في المتحف على شكل مثلث قائم الزاوية، تحمل رؤوسه الأحرف أ، ب، ج، والحيلة العبقرية الأخرى التي لجأ إليها هي وضع العربة الكارو مع الدبابات الثلاث لتشكل مربعا وتأخذ الحرف ( د )، ووضعها مع الدبابات يثير الدهشة لدي الزائر، ويعلم الكاتب الدهشة التي يمكن أن تصيب قارئه، فيفرض فروضا، ويضع كل الاحتمالات الممكنة التي جعلت القائمين على المتحف يضعون العربة الكارو بهذا الشكل، وتشغل فروضه واحتمالاته مساحة كبيرة من الرواية، ويشعل خيال قارئه، ويرغمه على إعمال عقله، وتظل سرا مُلغزا حتى يكشف عنه القناص إبراهيم سعودي، فبينما هو يحاول انقاذ العريف محمد ربيع شاهين ضارب الأر . بي . جي، ويتعثر وهو يسير به بين أشجار الجناين الكثيفة :

( فجأة ومن بين أشجار الجناين، ظهرت لنا امرأة من فلاحي القرية، كانت تقود عربة كارو بحمارها، العربة كانها تنقل الذبائح إلى السلخانة!، الدم يغطي سطحها، ويلطخ عجلاتها وعريشها، وما أن رأتنا الفلاحة، ولمحت الدم على أفرول ربيع ونحن نتعثر في المشي، انطلقت لتفول : سيبه لي يا بطل .. سيبه لي يا بطل، روح انت للحرب )

( يتضح لنا فيما بعد أن هذه المرأة كانت تنقل الجرحى بعربتها الكارو، ممن يسقطون بالقرب من قريتهم، أو على الطريق الذي تسير عليه، أو في قلب الجناين إلى المستشفى الميداني منذ اشتعال المعارك، كما تحمل الشهداء إلى المقابر المعدة لهم )

ولولاها لتجمعت الطيور الجارحة لتنقر جثث الشهداء، ولظل المصابون ينزفون دمهم حتى الموت.

ووضع العربة القديمة البالية بالمتحف بهذا الشكل لا يريح خضرة ( أم إبراهيم ) التي ماتت، وشبعت موتا، فتذهب إلى القناص إبراهيم سعودي في المنام، وتخبره بعدم رضاها عن وضع العربة الكارو بهذا الشكل، وتريد أن تستبدلها بالحمار، الذي ارتبطت به.

والرؤية المنامية لها حضورها في أكثر من قصة، وتصف له مكان دفنه :

( تأخذون عظامه، وتضعونها في فاترينة زجاجية، وتوضع رأسه / جمجمته قائمة بطولها كأنها تنظر للناس )

وتم تنفيذ وصية خضرة ( أم إبراهيم ) التي أطلقوا عليها ( أم الصاعقة ).

( 3 )

وقصة ( لحمنا المر ) أحد أبطالها المحارب إبراهيم سعودي، وهو أحد أبطال الصاعقة المصرية، وهو أحد الرواة في القصة السابقة ( أم الصاعقة )، وفي هذه القصة يسرد طرفا من تجربته وخاصة في معركة ( ابو عطوة )، ومهمة الاستطلاع التي قام بها، محتالا بارتداء ملابس الفلاح، ليرصد في غدوه ورواحه دبابات العدو، وتمركز جنوده، وتحركاته، وكل ما تقع عيناه عليه، يساعدهم في مباغتة العدو، وضربه حيث يتمركز، أو نصب الأكمنة إليه وجره إلى الجناين والاجهاز عليه، وتعرضه للضرب المبرح من قبل جنود العدو، واحتماله الضرب المميت، واصراره على أنه من الفلاحين، ويذهب إلى دارهم التي غادروها بسبب الحرب، ليطمئن على البهائم والأبقار، ويعلفها ويسقيها، ويطعم الطيور، ويأتي بدجاجتين لذبحهما، وأصبح يمر على جنود الاحتلال بعد ذلك أما مصطحبا عنزته العشار، المُعجب بها جندي العدو، أو حاملا حزمة برسيم، او دجاجة، ويرصد كل شيء كبيرا كان أو صغيرا، ويقدم الكاتب من خلاله مهام فرد الاستطلاع المُثلى، فوجودهم في الجناين بين أشجار المانجو الشاهقة والمتشابكة تحول بينهم وبين مراقبة العدو بالنظارات وبالأجهزة

فالكل يرفض هذا المحتل البغيض، حتى الدجاجات تقاومه :

( وفجأة سقط من أحد الدجاجات عنقود بيض، ظل يخرج من فتحتها حتى وصل إلى الأرض، انقطع، راحت الدجاجة تتفلفص من يدي، كأنها تريد أن تقول لي شيئا مهما، تركتها من بين يدي، راحت تنقر بيضة وراء أخرى، خرج من كل بيضة ثعبان، راحت الثعابين تجري وراء جنود الاحتلال! )

ويصر كل من باروخ وديفيد على الذهاب معه، ويجريان بينهما قرعة، فتكون من نصيب ديفيد، فيبتهج إبراهيم سعودي، فجاءت اللحظة التي ينتقم فيها لكرامته الشخصية حين انهال عليه ضربا مميتا، ويثأر أيضا للكرامة الوطنية، فكان في انتظاره هناك جندي الصاعقة أحمد البدري، وما أن دخلا الحوش حتى قفز البدري فوق رأس ديفيد وعلى كتفيه، وأوقعه أرضا، سحبا بندقيته، ونزعا خوذته، وحبساه في غرفة مظلمة :

تسرسبت الخفافيش من السقف ومن الجدران، راحت تحوم في غرفة حبس ديفيد :

( كانت الخفافيش تلتصق بجسده واحدا بعد الآخر، كمن يُمسك بقصعة بها طين اسود، ثم يكور منها قطعا في حجم حبة الطعمية، ثم ينهمك في قذفها على جسد تمثال، واحدة بعد أخرى، صار جسده منقوشا ببقع سوداء، ارتدى ماسكا من الوطاويط )

وكأن الوطاويط هي الأخرى تحارب المحتل، وتقاومه :

( كلبشت فيه الوطاويط، نشبت مخالبها في وجهه وعينيه ورأسه وقفاه وظهره، الجزء الأعلى من " أفروله " صار " سترة " مرصعة بالخفافيش، راح يدور ويتخبط في حوائط الغرفة كالمهووس، لا يستطيع الكلام ولا الصراخ، وربما لا يسمع أيضا )

( 4 )

وفي قصة ( الثعالب تغني ) يقدم الكاتب مجموعة تتكون من عشرة أفراد من فدائي الصاعقة، قاموا بتفيذ عملية خلف خطوط العدو، ودمروا موقعا استرتيجيا للعدو تدميرا كاملا، وأخرجوه من الخدمة، واختبأ في حفرة بدغل كثيف الحشائش ما بقى منهم على قيد الحياة، الضابط أحمد رجب قائد العمليه والفدائيان فرج أنس ومحمد الملقب، وانطلقت طائرات العدو تحلق في الجو، وعساكره يبحثون عنهم، أكثر من ثلاثة أيام والطائرات لا تكف عن القاء قنابلها ليلا ونهارا في كل بقعة وكل شبر في المنطقة المحيطة بالموقع المدمر، نفذ ما معهم من تعيين القتال، كانوا يمضغون الحشائش، واضطروا لشرب ماء بولهم بعد أن تشققت شفاههم وجفت حلوقهم، وكانت سعادتهم لا توصف بالقبض على ثعبان، تم توزيع لحمه على ثلاثتهم، ودوريات العدو منتشرة لليوم الخامس على التوالي للبحث عمن نجا منهم.

استخدم الكاتب في هذه القصة عدة تقنيات، منها أدب المذكرات، فراح الضابط أحمد رجب يقرأ عليهما من أجندته ما دونه عن هذه العملية من لحظة الصفر :

( وفي ساعة صفر، وكانت صُفرة النهار تسيطر على بياضه، انحدرنا إلى حافة القناة، نزلنا إلى المركب، وكنا قد وضعنا عليه شجيرة صغيرة تُعرش علينا للتمويه، سيظن العدو أنه مركب لصياد فقير أو شجيرة عائمة على وش القناة. خلع فرج أنس ملابسه ولف الحبل الطويل حول وسطه، وانطلق سابحا إلى الشاطئ الشرقي.. ، ..، قطع المئتي متر إلى الشاطئ غطسا وسباحة، دق الوتد، ربط فيه الحبل، صعد إلى قمة الساتر الترابي، أكثر من عشرين مترا، والمائل بزاوية 80 درجة، كان بحوزته قنبلة حتى لا يموت فطيسا إذا فاجأه العدو ).

واستمر في القراءة حتى وصل إلى :

( ..واصلنا السير والوثبات إلى موقع عمليتنا الكبرى، وصلنا الهدف بعد منتصف الليل بربع الساعة، رصدنا ثمانية دبابات لحراسة الموقع، مركز قيادة قوته لا تقل عن ستين فردا، ومخزنا كبيرا للذخيرة، وفنطاسا للوقود.

التعامل في البداية بالسلاح الأبيض، إلى أن تُطلق قوة الموقع أول طلقة، لحظتها تتولى القنابل الرد، والرصاص أيضا. مركز القيادة مليء بالجنود، ... )

وذكر الضابط أحمد رجب العملية بأدق تفاصيلها.

خرجوا من الحفرة وهم يتضورون جوعا وعطشا، وصادفهم في الطريق سيارة للعدو، أوقوفوها، وتعاملوا مع أفرادها بسناكي البنادق وبالسلاح الأبيض، وغنموا طعامهم وشرابهم وملابسهم.

= وقد استفاد الكاتب أيضا من توظيف الأغاني في النص توظيفا فنيا وموضوعيا، وخاصة الأغاني العبرية التي كان يحفظها الضابط أحمد رجب، فكان مؤمنا بالمقولة التي تقول ( اعرف عدوك )، وهذه الأغاني أنقذتهم، وجعلتهم يمشون في سيناء بزي جنود العدو الذي استلبوه، وكلما صادفتهم دورية للعدو أو جنودا له، راحوا يغنون بالعبرية الأغاني التي يحبونها، فيغنون معهم ويضحكون، ويتركونهم يمرون بسلام بعد أن أشاعوا في نفوسهم المرح وروح البهجة، فهم يظنون أنهم جنود يهود مثلهم!.

ووصلوا بسلام.

( 5 )

وتتوالى قصص أبطال الصاعقة وسرد بطولاتهم.

في قصة ( مغارة المنجنيز الأسود ) وهي القصة التي حملت المجموعة اسمها، يقدم لنا واقعا يفوق الخيال، فأكثر من مائتي يوما قضاها مجموعة من أبطال الصاعقة خلف خطوط العدو، أربع فقط هم من نجوا من الأسر والشهادة، وأوقعوا بالعدو خسائر فادحة في العدة والعتاد والأرواح، الآربع الناجون من الأسر والموت ساروا ليلا بضع كيلوات، ولكن دفعة رشاش من كمين للعدو تلقاها "عبدالرءوف حمعة عمران "اخترقت جنبه الأيمن، واستفرت في " حوض الميه "، حمله النقيب عبدالحميد خليفة، والجنديان " محمد عبدالرحمن " و" السيد داود "على أكتافهم وراحوا يهرولون به، والدم يتساقط على الأرض، ويلطخ أفرولاتهم، ورغم الألم الذي يعانيه عبدالرءوف يطلب منهم بإالحاح بأن يتركوه لمصيره، وينفدوا هم بجلوهم، ولكنهم يرفضون تركه، وفي الظلام لمحوا شبحا يدب على الأرض، أشهروا أسلحتهم، فكان النقيب " مجدي شحاتة " الذي كان يقاتل معهم ولكن في سرية أخرى، وصاروا خمسة، وراحوا يبحثون عن مغارة يهربون بداخلها، حتى يبرأ زميلهم، ويفكروا في وسيلة آمنة للعودة.

اكتشفوا مغارة عميقة ومظلمة، لايمكن أن يعرفها الجني الأحمر، وقبل دخولها لاح لهم بدويان يسوقان أمامهما قطعان من الأبقار، نصحوهما بعدم دخول هذه المغارة، فهي مليئة بثعابين الطريشة :

( ثعابين الطريشة عضتها تساوي خمسة الآف مرة من عضة الكلب، تهاجم من تراه، وتقتل أي كائن في حجم الجمل، تلتف على الرقبة فتخنقها، وعلى الجسد فتعصره )

لم يخيفهم كلام البدوي، فهو لا يعلم أن الثعابين طعامهم، وطلبوا منه قنينة ماء، لأن ماء بولهم لم يعد يرويهم، أعطاهم صفيحة ماء، فارتووا، وقاموا بتسوية مكان ليتمدد عليه زميلهم المصاب، وراحوا يطهرون جرحه بالميكروكروم ويربطونه بالشاش، فلم يبق في شدتهم غيرهما، ولا يعرفون كيف يخرجون الرصاص من جسده السفلي المهروس.

وعاد البدوي إليهم في الليل، ومعه ماء وطعام، وألبان، وراح يرش الشيح في المغارة، " مغارة المنجنيز الأسود " لطرد الثعابين، واخرج علبة بها دهان للمصاب حول الجروح، وأعشاب شجرة " البشام " التي تطفئ العطش، وعصارتها تعالج عضة الثعابين والعقارب، واعطى المصاب مسحوقا من قشرتها وأخشابها وطلب منه أن يواظب على شرابه بعد ان يذيبه بالماء، واهدى كل منهم فصا من العقيق الأحمر يضعه في البنصر اليمين، فالعقيق الأحمر يحمبهم من شياطين ظلام المغارة، ويطرد الثعابين، ويعصمهم من الاكتئاب، وصار البدوي ( علي أبو بركات ) صديقا لهم، وانصرف قائلا :

( بأنه سيرسل لهم الطعام كل ثلاثة أيام، وأنه سيتناوب في المجيء لهم هو وفاطمة زوجته وطفلتها ومعهما عنزة، .. ) سياتون مرة وهو مرة، وأيضا صبحي شقيقه سيدخل معهما في المناوبة، وتبرعت أم حميدة جارتهم الأرملة الخمسينية بأن تأتي مع فاطمة حاملة الأكل والشرب.

ويقدم لنا الكاتب وصفا دقيقا لصورة كابوسية عن معركة شرسة نشبت بينهم وبين ثعابين الطريشة بالمغارة، فالثعابين تريد أن يخرجوا من المغارة، وهم يريدون من الثعابين أن تغادرها إلى أي مكان آخر، وتنتهي المعركة بانتصار الأبطال الخمسة، والقضاء عليها، وهي بشارة بالانتصار على أولا الأفاعي وطردهم، كما أن الثعبان في الحلم يشير إلى العدو.

أكثر من مئتي يوما وهم بالمغارة، والبدوي علي أبو بركات وأسرته يقومون على خدمتهم، ويقدم صورة البدو الحقيقية، فعلي أبو بركات يعمل مدرسا للتاريخ، ووعدهم بأن يحكي لتلاميذ المدرسة بطولاتهم، وهو ينقل أخبار أبطال الصاعقة وأخبار العدو للمخابرات المصرية أولا بأول، وراح يرسم لهم طريق العودة، وما قد يصادفونه، ومن يمرون عليه ويساعدهم، ومن يتجنبونه، ونحر العنزة وقام بشيها، وأكلوا وشربوا، وقدم لهم كل ما يحتاجونه من مؤن في الطريق.

( 6 )

وفي قصة ( جمجمتي عند آخر عقدة ) يقدم لنا الكاتب صورة رائعة للشهيد، ويصور جناية الحرب على أسرته، وعلى الأم تحديدا، ويقترب اقترابا حميما من لوعتها، وعذاباتها النفسية، فشكري استشهد في اليوم الرابع للحرب، والخبر لم يأتي إلا في اليوم الثاني عشر، وعلى عادة نساء القرية ارتدت الجلباب ألأسود، ولكنها وضعت على رأسها طرحة بيضاء، فاستهجن النساء سلوكها، كيف تضع الطرحة البيضاء على رأسها؟

لم تنشغل بهذا، ولكنها انشغلت بمراقبة سلوكها وتصرفاتها، وحالاتها النفسية والمزاجية، في الأيام الواقعة بين يوم سقوط ابنها شهيدا ويوم معرفتها بالخبر، وراحت تسترجع دقائق وثوان التسعة أيام، هل ابتسمت خلالها أو ضحكت؟ هل أكلت الكنافة أو القطايف أو قمر الدين؟ كيف تأكل وتشرب وتفرح وتضحك وابنها مات ولا تحس به؟

( قتلوه في رابع أيام الحرب، والحرب كانت يوم السبت، يعني هو اتفتل يوم التلات، يوم التلات يا شكرية، يوم التلات، يوم التلات، آآآآآآآآآآآآه افتكرت، كان يوم ولادة ابنه هاني ساعة أدان العصر، لكن يا ترى هو انقتل قبل الآدان ولا بعده؟ ساعتها كنا فرحانين بهاني. الفرح كله، مش عيب عليك تفرح يا قلبي في اليوم اللي تموت فيه روحي؟ )

أقام الكاتب في داخل الأم صراعا عنيفا، صراع بين العقل والقلب والروح.

( كنا فرحانين وغرقانين في الفرح، لغاية يوم الأربع في السبوع التاني، كان فات على قتله تسع أيام، يعني في اليوم لتناشر من بداية الحرب، هاني امتنع عن الرضاعة، وانتفخ صدر أمه باللبن، عشنا في هم وغم ونكد، صدرها هينفجر، وبعد ما سمعت خبر إن جوزها انقتل .. انفجر فعلا )

( الحاجة اللي بتغزغز في ضميري، إزاي أفرح وأعيش سعيدة؟! أشرب وآكل كنافة وقمر الدين وابني مقتول وشبعان قتل، وشربت مرة شوية كاكولا واتكرعت بعدها .. وأنا ما اعرفش )

وابنها شكري تلقى كما أخبر أصحابه على الجبهة دفعة رشاش، اكبر قطعة فيه كانت بحجم قرن الفلفل، فقط رأسه كانت سليمة، راحت تفر على الأرض مثل الكرة، يقول صديقه : دفنتها أنا والضابط حاتم، في المكان الذي استقرت ووقفت فيه.

وتصر شكرية على ضرورة استلام جثة ابنها، أو تعرف أين دُفن؟ ويذهب والده للقيادة العامة، يتم تحويله للشئون المعنوية، كان ذلك بعد الحرب بشهرين، ذهبوا معه للكتيبة التي كان يخدم فيها، لكن المكان ليس هو المكان، الكتيبة انتقلت من منطقة عملياتها الحربية في المزرعة الصينية إلى منطقة أم خشيب، الموقع التبادلي للكتيبة، الموقع القديم صار أرضا مهجورة، راحوا به إلى موقع الكتيبة القديم، البحث عن دفن رأسه كان بالتخمين، وفشلوا في تحديد مكان دفنها، فالمعالم قد تغيرت.

عام مر على الحرب، وعام آخر مر، ولم تزل الأم تهفو إلى رفات ابنها، فلن يقر لها جفن، ويهدا لها بال، حتى تحضن ولو عظمة منه، وتلح على زوجها أن يعاود الكرة من جديد، فهي لا تريد وظيفة لأخيه ولا تريد تلفزيون، فإذاعة القرآن الكريم تكفيهم، هي تريد أي قطعة من جسد ابنها، لتستريح.

ويأتي الحل في الحلم، فالأب والأم هما اكثر تعلقا بابنهما، وعاشا حياتهما كلها بعد استشهاده على أمل أن يحصلوا على شيء من رفاته، صفت أنفسهما، وشفت أرواحهما، ورأى الأب ابنه الشهيد في المنام، كما يرى الصوفي العارف :

( قل لهم يا والدي إن جمجمتي عند العقدة الأخيرة في سلك التليفون الميداني الأسود، وهو السلك الوحيد المتبقي هناك، ولا يزال كما هو، عليه تراب لكن فيه مسافات مكشوفة ظاهرة، يمشون مع السلك، من أول ملجأ القائد، مغروس في سطحه هوّاية، ماسورة تهوية هم يعرفونها، وعليه شكاير رمل، خطوات قليلة سيجدون عقدة، خطوات قليلة سينحني معهم السلك ناحية اليمين، خطوات قليلة سيجدون حفرة برملية، نصفها مردوم، على بُعد متر منها آخر عقدة في السلك، جمجمتي تحت هذه العقدة، وفوقها ستارة خفيفة من الرمل ).

( 7 )

وتأتي قصة ( بقايا بشر ) لتعيد الاعتبار لشهداء في حرب أكتوبر 1973م، وتم إبلاغ أهلهم بأنهم من المفقودين، وهي مهداة إلى الجنود التي عثروا عليهم أثناء حفر قناة السويس الجديدة عام 2014م، أي بعد مرور ( 41 ) عاما، وهؤلاء الجنود هم : محمد أحمد حسن عطوة مواليد 20 مارس 1945م، فُقد يوم 18 أكتوبر 1973م، سلاح المركبات من عزبة نعمان – قرية العرين – فاقوس شرقية، عبدالحميد محمد عبدالحميد عثروا عليه عند منطقة سرابيوم يوم 29 أغسطس 2014م، مواليد 1942م، محمد نجيب محمد السيد، تجنيد 17 مايو 1972م، عثروا عليه عند الكيلو 93 شمال معدية سرابيوم، وأقامت الدولة لرفاتهم جنازات عسكرية

قدم الكاتب مشهدين عبقريين في هذه القصة تشي بأنه كاتب كبير ومتمكن من فن القصة فنيا وموضوعيا، وقادر على التجاوز والاضافة، فالمشهد الأول تحاول الجثث أن تفلت وتزوغ من عمال الحفر، ولكنها تفشل، لإحكامهم السيطرة عليهم وإخراجهم، والمشهد الثاني والاخير، وانقله كاملا:

( جهزوا النعوش الثلاثة كي يتم لف كل منها بالعلم، كما جهزوا لكل نعش عربة خاصة، جنازة مهيبة سوف تتحرك فيها العربات الثلاثة لمسافة معينة حسب البروتوكول، وتضرب المدفعية واحدا وعشرين طلقة، لتتحرك كل عربة بنعشها إلى قرية كل شهيد أو مدينته، كي يدفن هناك، في مقابر عائلته، انتهزت الجماجم الثلاثة انشغالهم في إعداد المراسم، سوف تتصرف تصرفا فرديا، تعبر فيه عن نفسها، او ربما هي ستتصرف بالإنابة عن باقي أجزاء الرفات، قفزت من نعوشها، طارت في أنحاء الصحراء، لا تريد الهبوط كي تستقر في حفرة كما كانت، شاهدتها اليمامات والعصافير، رافقتها، أصرت أن تستضيفها في أعشاشها )

وما بين مشهد البداية ومشهد الختام يسوق الكاتب المبررات، ويرصد التحولات التي طرأت على المجتمع نفسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وسائق الجرافة الذي يمني نفسه بالعثور على جثة ابن عمه الذي مات في الحرب :

( يا سلام لو عضمه يطلع في إيدي! زي اللي عمال ألاقيهم دول، لكن مين هيفرح أو يحزن من أهله لطلوع عضمه من تحت الأرض؟ زمن طويل فات على الحرب، مفيش حد منتظر أخباره، أو يفرح عشان لقيناه، أمه ماتت وأبوه مات، وأخوته كل واحد منهم مشغول في همه وهم أولاده، رغم أنهم بياكلوا في المكافأة اللي خصصها لهم الجيش، أبوه اشترى بها تلات فداديين اتوزعت عليهم )

الكاتب من خلال الأشياء البسيطة التي تم العثور عليها في حافظتهم، خطابات الأهل لهم أو خطاباتهم للأهل ولم يتمنكنوا من ارسالها لهم، قروشهم القليلة، صورة الأم أو الزوجة أو الحبيبة، استطاع أن يقدم صورة كلية لهؤلاء الجنود الثلاثة، كما استطاع أن يقدم صورة للمجتمع في زمن الحرب وما قبلها، وصورة له في الأني، والتحولات الرهيبة والخطيرة التي حدثت للمجتمع.

( 8 )

ومن أهم قصص المفقودين قصة ( أسد سيناء ) وهي القصة التي تم الكشف عنها بعد مرور ( 23 ) عاما على حرب أكتوبر، قصة البطل ( سيد زكريا خليل ) أحد أبطال الصاعقة المصرية، ويسوق الكاتب قصته على لسان أحد جنود احتياط العدو، ويتبادل الكاتب معه السرد، وأحيانا يتماهى الساردان، ويتداخل السرد بينهما، والكاتب في كل الأحوال يسد الفراغات التي يتركها السارد الاسرائيلي، ويفصل فيما يخص الجيش المصري والبيئة والمجتمع المصري، وضابط الاحتياط الاسرائيلي والذي شغل بعد الحرب منصبا بالخارجية الاسرائيلية في ألمانيا، يحتفظ بأشياء البطل سيد زكريا خليل، ونتنقل معه من مكان إلى مكان، ويريد أن يعرف العالم كله قصته :

( صنعت لها فاترينة خاصة من الزجاج، ملصق عليها كارت مكتوب عليه " أسد سيناء "، مرة باللغة العبرية، وأخرى بالعربية، وثالثة بالإنجليزية، ورابعة بالفرنسية، وخامسة بالألمانية )

( أشياء عادية جدا، وبسيطة، لو رأيتها أمامك في الطريق لن تلتفت إليها، كنت أرتبها على حوامل سلكية رفيعة ودقيقة داخل الفاترينة، كما يرتب الجواهرجي المصوغات والقلائد، أشياء جندي عدو لنا، حاربنا وقتل من زملائي الكثير، ... )

وهذا الجندي المصري لا يعرف أحد عنه شيئا :

( ثلاثة فقط هم من يعرفون كيف قُتل، واين قُتل، رفيقه أحمد الدفتار وقد خطفته أسيرا بعد أن نال رصاصة في قدمه، وأنا " قاتله " وجيفين المجندة معنا في الخدمة الطبية، لم يتبق غيرنا في ساحة المعركة، اصطدته ببندقيتي، .. )

ويصف لنا هذا الاسرائيلي المعارك الضارية، والالتحام المباشر مع هؤلاء الأشباح، الذين يخرجون لهم من حيث لا يتوقعوا، ويوقعون بهم الخسائر في الأفراد والمعدات، يذكر تفصيلا بطولات : أحمد الدفتار، وسيد زكريا خليل، وعبدالعاطي، ومحمد بيكار، وحسن السدّاوي، وأبو النور، والنقيب صفي الدين غازي قائد السرية، ويقول في شهادته عنهم :

( كانوا كأنهم مائة رجل يحاربوننا ، وليسوا سبعة مقاتلين فقط، يطلقون قذائفهم، يقفزون من صخرة إلى صخرة، ومن تل إلى منخفض، وينبطحون بجوار الصخور هربا من رصاصنا وقذائف دباباتنا، مشاهد لم تغادر ذاكرتي رغم مرور ثلاثة وعشرون سنة على هذه الحرب )

ويواصل :

( قتال غير متكافئ بيننا وبينهم، هم قوة محدودة من الكوماندوز المصري، ونحن فصيلة من المظليين، وفصيلة من المدرعات، تحرسها وتؤمن سيرها الهليوكوبتر المسلحة، كنا نقاوم شجاعتهم، وكنا نتمنى لو تنتهي المعركة سريعا، أو تنشق الأرض وتبلعنا أمام تضحياتهم بأنفسهم، نحن نريد أن نعيش، وهم يطلبون الموت، .. )

( حكيت لأولادي عن شجاعة تلك القوة الصغيرة، وكيف منعتنا من التقدم لإنقاذ قواتنا التي تستغيث في جبهة القتال على الضفة الشرقية لقناة السويس، .. )

وهذا الاسرائيلي الذي قتل سيد زكريا خليل، جرده من كل ما يميز شخصيته وهويته، فاخذ المحفظة من جيبه الملطخ بالدم، ولا يمكن أن يستدل على شخصيته، أشياء عادية وبسيطة، ولكنه ترك فيها روحه وخياله وشخصيته، وكانت زوجته تكره اتفاظه بهذه الأشياء :

( ..، تعاتبني بشدة، فكيف أقتني أشياء الجندي المصري الذي قتل شقيقها، ...، كان أخوها ضابطا احتياطيا في فصيلة المظلات مثلي، قُتل في تلك المعركة، معركة " وادي غرندل ورأس ملعب، .. )

( لقد قُتلوا جميعا ما عدا الأسير، كانوا مجموعة من الأسود، لكن سيد زكريا خليل، وهو يحاربنا كنت أشعر بأنه يجمع بين الأسد والفهد والنمر والذئب في شخص واحد )

وينقل لنا الكاتب ما كتبه الاسرائيلي عن شجاعته النادرة في الصحيفة الألمانية " زود دويتشي "، والصحيفة الإسرائيلية " يدعوت أحرونوت "

( تحيتي العسكرية له، وإطلاق الواحد وعشرين طلقة، وحفر حفرة لدفن جندي من أعدائنا المصريين، كل هذا السوك لا يتوفر في زملائي من جنود وضباط جيش الدفاع، وهو ليس من ثقافة عسكريتنا، .. )

وهذه الأشياء هي : بطاقة الهوية، بطاقة عسكرية فيها صورة فلاح مصري، قرص معدني من الألمونيوم بسلسلة في رقبته، محفور عليه : اسمه، فصيلة الدم، رقم الكتيبة، وقرص آخر مثبت في " القايش "، ورقة من فئة الجنيه المصري، وثلاث ورقات من فئة العشرة قروش، حوالة بريدية مرسلة لأهلة بمبلغ 18 جنيه وخمسين مليم، إيصال بتاريخ 27 سبتمبر1973م، مكتوب به اسم المرسل إليه وهو والده زكريا خليل، وعنوان المرسل إليه : الأقصر – أبو الحجاج – نجع الخضيرات، خطاب لأخيه محمود – المجند أيضا في الجيش، من أيام حرب الأيام الستة، خطاب آخر لأخيه محمود، أرسله قبل الحرب بيومين، ويسرد الكاتب نص الخطاب، تصريح من الوحدة العسكرية باسم العريف سيد زكريا خليل بالنزول إجازة في المدة من 18 سبتمبر ينتهي يوم 25 سبتمبر، تلغراف من الوحدة العسكرية إلى العريف مجند سيد زكريا خليل بقطع الإجازة فورا، وتسليم نفسه لوحدته صباح يوم 24 سبتمبر، خزنة ذخيرة فارغة، محفظة جلدية مخططة بالأبيض.

ومن خلال هذه الأشياء البسيطة استطاع الكاتب أن يكمل قصة سيد زكريا خليل التي قدمها الإسرائيلي وبها فراغات كثيرة، وهي ملحمة لبطل شهد له العدو قبل الصديق، وفي لحظة صفاء نفس وتألق روح لهذا الإسرائيلي، قرر أن يمنح هذه الأشياء للسفير المصري في ألمانيا، فيخشى أن يموت، وتضيع هذه الأشياء، فأهله ووطنه أولى بها :

( السفير المصري هنا في ألمانيا، هو خير من يُؤتمن عليها، أخرجت الأشياء من الفاترينة الزجاجية، وضعتها في الحقيبة الشفافة الأنيقة، ملصق عليها كارت مكتوب عليها " أسد سيناء " باللغات الخمس، ركبت سيارتي ترافقني زوجتي، تكاد تطير من الفرح، رحنا إلى مبنى سفارة مصر، وفي مكتبه قلت للسفير : " أنتم أحق بهذه الأشياء "، وأعطيته نسخة من الصحيفة الألمانية، ونسخة من الصحيفة الإسرائيلة، نشرت فيهما قصة الجندي الأسطورة.

( 9 )

في ثنايا السرد، والحوار، نجح الكاتب أن يقدم معلومات كثيرة عن حروب مصر التي خاضتها مع العدو، وكيف تم خداع العدو، وكيف كانت المفاجأة والخدعة في حرب أكتوبر 1973، والجهود التي بُذلت لوضع خطة خداع تحقق المفاجأة، التي تفاجأ بها العدو وانطلت عليه.

وأشار أيضا إلى ابتكارات المهندسين المصريين لعبور المانع المائي، وتحطيم الساتر الترابي.

واحتفي بجندي المشاة المصري، وكيف تم التغلب على التفوق التكنولوجي لمدرعات العدو وكفاءتها العالية في شق طريقها بسهولة عبر الصحراء، وكيف تم استحداث أساليب قتاية جديدة، وكان الحل هو جندي المشاة المسلح بصواريخ مضادة للدبابات، والآر . بي . جي.

ومع الحرب استطاع جندي المشاة أن يجعل الدبابات الإسرائيلية رهينة في يده.

المجموعة تستحق كل الحفاوة والتقدير، ونتمنى أن تُنشر على نطاق واسع، ليقرأها أولادنا الذين بعدت الشقة بينهم وبين أعظم انتصاراتنا، فالكاتب يقدم لهم نماذج حقيقية من ثرى أرضنا الطيب، وهذه النماذج المشرفة، يجب أن تكون هي القدوة، شكرا جزيلا لكاتبنا الكبير، الذي يستحق – وفقا لجودة إبداعه، أن يكون في صدارة المشهد القصصي والروائي.

.........................................................

مجدي محمود جعفر

ورقة نقدية لمناقشة المجموعة القصصية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب يوم الخميس الموافق أول فبراير 2024م ، بملتفي الفكر والإبداع – بلازا " 1 " )

تعليقات

شكرا جزيلا أستاذنا وكاتبنا الكبير محمد عبدالله الهادي، شهادتك وسام على صدري
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...