فوز حمزة - نافذة على الخريف... _ قصة قصيرة _

حدثَ هذا الأمر حينما أصبت بالإنفلونزا في تشرين هذا العام. غالبًا ما أُصابُ بها فيمثل هذا الوقت. من قبل، لم أعرف السبب، وبع د أن عرفته، لم يتغير شيء، لا زلت في بداية كل خريف أصاب بها.
حرارتي لا تزال مرتفعة، انتابتني غيبوبة هذيان، أخذَ جسدي يرتجف تحت الأغطية الثقيلة التي بللها العرق المتصبب بغزارة.
الكوابيس التي رأيتها سببت لي شعورًا بالضيق، وحالةٌ اكتئاب تلبستني، جعلتني أشعر برغبة شديدة في البكاء ٠٠ لم أستطع إبعاد هذا الإحساس حتى بعد تأكدي من أنها ليست سوى كوابيس المرض.
تركني زوجي في الغرفة وحيدة كما يفعل دائمًا، يشعرني بتصرفه هذا كأني علبة دواء انتهت صلاحيتها.
أغمضت عينيّ أحاول النوم، والتخلص من هذه المشاعر المؤلمة والأحاسيس الغريبة، وبدلاً من ذلك، ورغم البرد والمرض، نهضتُ من فراشي، وبخطواتٍ بطيئة، سرّتُ نحو النافذة.
توقفُ المطر عن السقوط، وهجرةُ الغيوم الرمادية من وجه الشمس، جعلا الحديقة تبدو كأنها ساحة معركة. أوراق الأشجار الذهبية الساقطة على الأرض تحت سيول المطر، غدت كأنها جيوش منهكة. فجأة .. عمَّ الهدوء إلا من صوت واحد قادم من خلف أسوارٍ عالية، أصغيتُ بكل جوارحي .. كان صوت ورقة شجرة اللوز معلقة بالغصن اليابس الذي بدا ممسكًا بالخيط الرفيع الرابط بينهما، خيّبَ ظنها حين لاذَ بالصمت وتركها وحيدة تواجهُ مصيرها.
بصعوبة رفعت جسدها النحيل، بدأت تدور كالمجنونة حول الشجرة، مرة لليمين وأخرى للشِمال، هوتْ على الأرض بعد أن نال منها التعب واليأس، بخشوعٍ وصوتٍ ذليل مرتجف قالت:
أمي، كيف تمكنتِ من فعلِ ذلك بيّ؟!
كيف انصعتِ لأوامر هذا الخريف القاسي الذي تلاعب بكِ وجردكِ من كل شيء ليترك أغصانكِ عارية ويابسة؟!
هجرتكِ الطيور، لا شيء يصد الريح عنكِ، هاهي تتلاعب بيّ دون أن تأبه لكِ. ما الذي تغير؟!
أليسَ القمر في السماء هو نفسه؟! أليستْ النجوم هي ذاتها التي أراها كل ليلة؟!
عهدتكِ رحيمة عطوفة!
اقتربتْ الورقة أكثر حتى التصقتْ بالجذع، فسالت دموعها عليه وهي تقول:
دعيني أذكّركِ يا أمي كيف كنت أتكئ على أكتافكِ والعالم كله أسفل مني، الآن أهربُ خوفًا من أن تطأني أقدامٌ البشر. رؤيتي مشوشة وطريقي ضيق، سنين حياتي لا تتحمل هذا الألم، مَنْ يقدر على وصف أحزان قلب طُرِدَ من جنتهِ؟!
أرجوكِ أجيبيني، كيف استطعتِ أن تتنزعيني منكِ؟!
هل نسيتي كيفَ كنا نتمايل معًا في الربيع الذي ظننا أنه لن يخذلنا أبدًا، والآن بعد جفّاف الماء في أوصالي وتيبس عروقي فيصلح لوني كلون الصدأ، تتخلينَ عني! لماذا تبتسمين؟! ماذا في الأفقِ البعيدِ تنظرين إليهِ؟ أيُّ سلام يسكنكِ؟! ما السّر الذي تخفينهٌ عني؟!
ابتسمتْ الشجرة الأم وكأنها تنظر لشيءٍ بعيدٍ وبصوتٍ ثابت ردّت:
- صغيرتي، لا تخافي. تعود الأشياءٌ حيث انبثقت أول مرة.. ارقدي بسلام!
- أمي أرجوكِ! تجمدت أحشائي بردًا وخوفًا!
كلماتها الأخيرة كانت بأنفاس بطيئة متقطعة.
ناديتُ بصوتٍ مبحوحٍ لأمنع طفلتي من أن تدوس على الورقة المحتضرة وتحولها إلى أجزاء متناثرة، لكنّني تأخرت!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى