محمد مندور - المذاهب الأدبية

في مصر الآن اتجاه عام نحو التفكير المذهبي، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الأدب. وهو اتجاه يبشر بالخير، أو على الأصح بالرغبة في الخير. وذلك لأنني لم أستطيع بعد أن أطمئن إلى أساس هذا الاتجاه. ومصدر عدم الاطمئنان هو أنني لا أكاد بعد أتبين وجود تفكير فلسفي يتشعب مذاهب مختلفة، فتستند إليه مذاهبنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية. ونقصد بالفلسفة وبالتفكير الفلسفي التفكير الإنساني الذي يتناول ملكات الفرد وآماله وآلامه وكافة روابطه بالحياة والمجتمع؛ وأما ما وراء الطبيعة والجدليات والمنطقيات، فذلك ما لي أمل تكرار القول في جدبه وعدم غنائه، لأنها لا تعدو أن تكون رياضة عقلية.

لسنا نملك إذن حتى اليوم فلسفات إنسانية متميزة، وهذا هو السر في أن تفكيرنا المذهبي في نواحي النشاط الفكري المختلفة لا يزال تقليداً للغرب لا يقوم على أصالة نفسية حقة، وأوضح ما تكون هذه الحقيقة في فهمنا لمعنى المذاهب الأدبية. فنحن نظنها طرقاً فنية يقصد إليها الكاتبون قصداً، فإذا بأحدهم كلاسيكي والآخر رومانتيكي. وإذا بهذا واقعي وذاك مثالي، عقلي أو عاطفي، اجتماعي أو فني، وما إلى ذلك من المذاهب والاتجاهات، وهذا فهم خاطئ؛ فمذاهب الأدب - كما يشهد التاريخ - قد كانت دائماً حالات نفسية عامة خلقتها الحوادث، وكيفتها الظروف، وإن لم يمنع ذلك الاتجاه العام من أن تتميز بداخله نفوس الشعراء والكتاب بسماتها الخاصة.

وفي تاريخ الأدب العربي ذاته أمثلة لتلك الحقيقة. فالشعر العاطفي، وبخاصة الغزل، كما ظهر في الحجاز في صدر العصر الأموي، والشعر العقلي، وبخاصة الهجاء، كما ظهر في العراق في ذلك العصر أيضا، والشعر الفني المصنوع، وبخاصة المدح، كما ظهر في الشام عندئذ، حيث كان مقر الملك، ثم تيار الشعر الإباحي، شعر الخمر والغزل بالمذكر، والتكالب على اللذات، كما عرفه العصر العباسي الأول، والشعر الفلسفي الذي بلغ قمته عند أبي العلاء، كل هذه الاتجاهات كانت في حقيقة أمرها حالات نفسية. وما أحب أن أعيد القول في انصراف أهل الحجاز عن الكفاح في الحياة والمناضلة عن مجد الإس عندما رأوا القيادة تنتقل إلى غيرهم، وإذا بهؤلاء الأشراف الذين رقق الإسلام قلوبهم يتغزلون غزلهم الساحر الجميل. وكلنا يذكر روح العصبية القبلية التي لم يستطع الإسلام أن يميتها في العراق، وما كان لتلك الحالة النفسية من تأثير في تأجيج الهجاء بين القبائل والأفراد. وقد عمرت أشعارها بملاحاة القيم والأنساب. وأما في العصر العباسي فتأثير الحضارة الفارسية بلذاتها وأنواع بذخها المختلفة. أوضح من أن يذكر في خلق الحالة النفسية التي صدر عنها الشعر الإباحي. وفي فلسفة الهنود واليونان، وفي ظروف الحياة السياسية والاجتماعية في العصر العلائي وما سبقه بقليل ما يوضح اتجاه الشعر نحو الفلسفة بحثا عن حقائق النفس ومصيرها، وآلام الحياة وآمالها. وهكذا جاءت نشأة المذاهب الأدبية عند العرب، أو على الأصح، الاتجاهات الأدبية في شعرهم وليدة لحالات نفسية طبيعية لم تصطنع، ولا قصد إليها، فهي تقوم على أسس نفسية إنسانية لم يكن منها مفر، ولا إلى غيرها معدل. وإن لم يمنع ذلك - ما قلنا - كل شاعر من أن يتميز من غيره بأصالته الخاصة.

والأمر في الأدب الغربي مثله في الأدب العربي، وإن تكن الحقائق هناك أوضح، لأن الأدب الغربي هو الذي عرف - وبخاصة ابتداء من عصر النهضة - المذاهب الأدبية بمعناها الفلسفي الصحيح. وقد صاحب ظهورها وعي نظري بها ومناقشة لأصولها، وتوضيح لمعالمها وقتال دونها: وتلك ظواهر لم تكد تتضح في تاريخ الأدب العربي. اللهم إلا أن يكون ذلك في معركة كبيرة واحدة يحدثنا عنها التاريخ الأدبي، وهي تلك التي قامت بين أنصار البحتري وأنصار أبي تمام، إذ ناضل الأولون عن عمود الشعر والصياغة التقليدية المرسلة، وكافح الآخرون عن مذهب البديع والتجديد في الصياغة. ومع ذلك فتلك معركة لم تمس حالات النفس في شيء لأن مدارها كان التباين في أسلوب التعبير، وأما موضوعاته فقد ظلت تقليدية حتى قال أحد النقاد: إن التجديد عندئذ لم يعد التطريز على ثوب خلق؛ وقال مستشرق: إنه كان رقصا في السلاسل.

وعلى العكس من ذلك مدلولات المذاهب الأدبية في الغرب، فهنا نجد الحالات النفسية بأوسع معاني اللفظ. فالكلاسيكية التي ظهرت في القرن السابع عشر في فرنسا بنوع خاص ليست إلا نظاما عقلياً خاصاً في تناول حقائق النفس البشرية وصياغتها. وأساسها العام هو تنحية الكاتب لشخصه عما يكتب، وتسليطه ضوء العقل على ما يريد عرضه. ولهذا كان مظهرها هو الشعر التمثيلي. وأما الشعر الغنائي الشخصي فذلك نوع لم يزدهر إلا في القرن التاسع عشر تحت جناح الرومانتيكية، والكلاسيكية قسط واعتدال فلا إسراف في إحساس ولا مبالغة في عبارة ولا تصنع في أداء ولا شذوذ في أسلوب. وهي نتاج عقلي يخضع لأصول مرعية ويسير على مبادئ مقررة، وهي أصول ومبادئ قَّنن لها النقاد فقالوا في المسرح بالوحدات الثلاث ونادوا بفصل الأنواع فلا تجاور الفصول المحزنة فصول مضحكة في المسرحية الواحدة ولا يختلط نوع بنوع.

وجاءت الثورة الفرنسية فشتتت أفراداً وفجرت آمالا، وهاجر من هاجر وأقام من أقام وتجددت بفضلها مشاعر البشر. وأمعن الناس في مصائرهم. وولت الثورة نابليون الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، حتى أثار في نفوس الشبيبة أنواعا لا تحصى من الطموح وقد أصبح مثلهم المحتذي. ومنذ الأزل كان لشهوة المجد سحرها العجيب. وتنكر القضاء لنابليون فانهار مجده وتحطمت بانهياره النفوس، فإذا بمرض اجتماعي ينتشر بين الناشئين هو المعروف (بمرض العصر) وما هو في الحقيقة إلا إحساس الفرد بعجزه عن الملاءمة بين قدرته وآماله، وبين شخصه ومجتمعه، وبين واقعه ومثله الأعلى، وتلك حالة نفسية تنشأ دائما عندما تجد أحداث أو تنهار شخصيات تدعو إلى أن يدب اليأس في الطموح. ولا أدل على صدق هذه الحقيقة من أن تجد الرومانتيكية التي ظهرت عندئذ، عامرة بالشكوى من الحياة، والإحساس إحساسا عميقا بجمال الأطلال ثم بصمت الطبيعة. ولكم يروعك عندئذ أن تستمع إلى شاتوبريان أحد أجداد الرومانتيكية الأوائل يفاضل بين الديانة اليونانية القديمة والديانة المسيحية، ويؤثر الأخيرة لأنها قد طردت من الطبيعة ما ملأها به الإغريق من ربات وحوريات وآلهة، لترد إليها ذلك الصمت الخالد الذي يعثر فيه الإنسان على الله عندما يعثر على نفسه. وهذه حالة تتطلع إليها النفس عندما تستشعر الحاجة إلى الاستجمام وترتد عن صخب الحياة وحركتها الدائمة وأهدافها المترامية مؤثرة التأمل الباطني على رقص الحوريات وأعياد الحياة. وعن هذه الحالة النفسية العامة صدرت الرومانتيكية التي تغلب عليها العاطفة والغناء الشخصي بالآلام والآمال غناء لا يخضع لقاعدة ولا يتقيد بأصل وهو أقرب إلى التشاؤم وشكوى الحياة منه إلى الرضى واطمئنان المصير وأفاقت النفوس من صدمتها. وتقدمت الأبحاث العلمية ونما الإنتاج المادي وأخذ المفكرون يكشفون عن الحقائق النفسية العميقة فإذا بالأدب يتجه نحو الإمعان في الواقع. ولما كان ذلك الواقع أمر مما يتخيل الشعراء وأميل إلى الدكنة فقد تولدت حالة نفسية جديدة هي الواقعية، التي تسيء الظن بالبشر وترى خلف دوافعه البراقة ظلاما كثيفا. وعلى إضاءة هذا الظلام توفر جهدها، فالكرم قد يكون مباهاة خاوية، والمجد قد يخفي طموحا شخصيا بل والعبقرية ذاتها قد تختلط بالتهريج الرخيص، على نحو ما تجد في الكثير من روايات بلزاك. ولم يكن هذا الاتجاه قاصراً على الأدب بل امتد إلى النحت والتصوير والموسيقى وغيرها من أنواع النشاط الروحي، لقد كانت الواقعية كما كانت الكلاسيكية والرومانتيكية حالة نفسية سائدة وتلك هي الحقيقة العامة التي أربد أن نتدبرها عندما نأخذ في الحديث عن ظهور مذاهب أدبية بيننا، فإذا لم تجد الحالة النفسية التي تستند إلى فلسفة إنسانية عميقة كنت في حل من أن تصف ما ترى بأنه لا يزال في دور المحاكاة.

محمد مندور



مجلة الرسالة - العدد 608
بتاريخ: 26 - 02 - 1945

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...