بهجت العبيدي - مصر والجائزة الكبرى في مخطط الشرق الأوسط الجديد

على مر العصور، ظلت مصر بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثروات بشرية وطبيعية، هدفًا لقوى تسعى لإضعافها أو السيطرة عليها. واليوم، تبدو مصر في قلب مخطط يُعرف باسم "الشرق الأوسط الجديد"، مخطط خبيث يجعل من مصر "الجائزة الكبرى". هذا الأمر يعكس الدور المحوري الذي تمثله مصر في المنطقة، فهي عمود الخيمة الذي تستند إليه دول الشرق الأوسط، وإذا اهتزت هذه الخيمة، انهار البناء بأكمله. إن قوتها تعني استقرار المنطقة، وضعفها يعني فتح الباب واسعًا للفوضى.

لقد واجهت مصر عبر التاريخ تحديات شبيهة، حيث كانت دائمًا في قلب الصراعات الكبرى التي استهدفت المنطقة. مصر كانت وما زالت مقبرة للغزاة، فكل من حاول النيل منها اصطدم بجدار صلب من المقاومة الشعبية والوطنية. في التاريخ القديم، جاء الهكسوس إلى المنطقة محاولين السيطرة عليها، لكنهم وجدوا نهاية مصيرهم على يد المصريين الذين طردوهم بقيادة أحمس. وفي العصر الوسيط، تصدى المماليك بقيادة قطز وبيبرس للمغول الذين اجتاحوا العالم الإسلامي، واستطاعوا وقف زحفهم في معركة عين جالوت الشهيرة. وفي العصر الحديث، وقفت مصر أمام الحملات الصليبية، وحققت انتصارات كبيرة كان أبرزها معركة المنصورة التي أسر فيها الملك لويس التاسع. وفي القرن العشرين، كانت مصر حجر العثرة أمام مخططات الاحتلال الغربي والاستعمار، حيث قادت حركات التحرر العربية والإفريقية، وكان نصرها في حرب أكتوبر 1973 شاهدًا على قدرتها على استعادة الأرض والكرامة الوطنية.

إن المخطط الحالي المعروف باسم "الشرق الأوسط الجديد" ليس إلا امتدادًا لتلك المحاولات التي تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم مصالح قوى كبرى على حساب الأمن القومي العربي. ويظهر ذلك بوضوح في الضغوط المتزايدة على مصر، سواء من خلال محاولة فرض حلول غير عادلة للقضية الفلسطينية، كاقتراح توطين الفلسطينيين في سيناء، أو عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تهدف إلى إضعاف الدولة وإفقادها تماسكها. لكن مصر قيادة وشعبًا، رفضت كل هذه المحاولات، مؤكدة أن سيناء جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، وأن القضية الفلسطينية لها حل عادل يكمن في إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

إن استهداف الجيش المصري، الذي يعد أحد أقوى الجيوش في المنطقة، يمثل جزءًا من هذا المخطط، فهو الحصن المنيع الذي يحمي الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية. ومع ذلك، أثبت الجيش المصري عبر تاريخه الطويل أنه عصي على هذه المحاولات، ونجح في الحفاظ على دوره كصمام أمان للدولة المصرية.

اليوم، كما كان الحال عبر التاريخ، فإن الشعب المصري هو الركيزة الأساسية التي يمكنها إفشال هذا المخطط. فالتاريخ يعلمنا أن تماسك الشعب المصري ووقوفه خلف جيشه وقيادته السياسية كان دائمًا العامل الحاسم في مواجهة كل التحديات. يجب على المصريين أن يكونوا في حالة يقظة دائمة، وألا يسمحوا لأي محاولات للتشكيك في مؤسسات الدولة أو إثارة الفتنة بين أبناء الوطن.

وعلى القيادة السياسية أن تستمر في اتخاذ القرارات التي تعزز مناعة الدولة، مع العمل على التخفيف من الضغوط الاقتصادية على الشعب، بما يضمن استمرار تماسك الجبهة الداخلية. ومتى ما تحقق هذا التناغم بين الشعب والدولة، ستظل مصر عصية على كل المؤامرات، وستواجه هذا المخطط بنفس المصير الذي لاقته كل الحملات التي حاولت زعزعة استقرارها عبر التاريخ.

إن مصر ليست مجرد دولة؛ إنها قلب أمة بأكملها، واستهدافها يعني استهداف الشرق الأوسط بأكمله. لكن، وكما علّمنا التاريخ، فإن الشعب المصري قادر على تحويل المحن إلى انتصارات، وسيظل هذا الوطن حصنًا منيعًا لا يمكن لأحد اختراقه، بشرط أن تظل الوحدة الوطنية هي السلاح الأقوى في مواجهة كل التحديات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...