بهجت العبيدي - التنوير العربي: رحلة متواصلة نحو العقلانية والعلم

عندما كتب الدكتور طه حسين كتابه الذي أثار جدلًا عاصفًا، والذي كان عنوانه الأصلي “في الشعر الجاهلي” قبل أن يصبح “في الأدب الجاهلي” بعد محاكمته الشهيرة، كان يمهد لمسار جديد في الفكر العربي، مسار يقوم على إخضاع التراث للنقد العلمي، ونزع القداسة عن النصوص التي لا ينبغي أن تُقدَّس. لقد جادل طه حسين، بمنهج صارم، أنه لا يمكن اعتماد النصوص الدينيّة كمرجع تاريخي مطلق، وهي الفكرة التي لم تكن لتُطرح حينها دون أن تُحدث زلزالًا فكريًا ومجتمعيًا.

ولا يمكننا أن ننسى هنا الموقف الشجاع لممثل النائب العام محمد نور، الذي لم يتعامل مع القضية بمنطق الدفاع عن الموروث فحسب، بل أبدى رؤية واسعة تعكس ثقافة رفيعة وحسًا بالعدالة، فانتصرت مرافعته للمنهج العلمي ولحرية الفكر. هذا الموقف، بكل أبعاده، كان مشهدًا من مشاهد الصراع بين القديم والجديد، بين الجمود والانفتاح، بين النصوص الجامدة والعقل النقدي.

في مرافعته، أشار محمد نور إلى أن ما قدمه طه حسين في كتابه لا يخرج عن كونه بحثًا علميًا يتناول موضوعًا أدبيًا، وأنه استخدم فيه منهجًا علميًا بحتًا، حيث قال: “إن المؤلف لم يثبت شيئًا ولم ينفه، وإنما عرض أقوالًا وناقشها، وإن ما جاء بالكتاب لا يعدو أن يكون بحثًا علميًا في موضوع أدبي”.

اليوم، وبعد أكثر من قرن على ذلك الجدل، نجد أن المساحات التي يكسبها التنويريون في العالم العربي تتسع يومًا بعد يوم. فما كان يستدعي محاكمات وعواصف اجتماعية وثقافية في زمن طه حسين، بات اليوم يُناقش في فضاءات أرحب، وإن ظل الجدل قائمًا. نجد، على سبيل المثال، عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس يصرح بوضوح أنه لا يوجد دليل أثري يثبت وجود بني إسرائيل في مصر كما ورد في النصوص الدينيّة، تصريح كهذا لم يعد يثير سوى ردود فعل متواضعة، غالبًا ما تكون مقالات صحفية أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا التقدم في مساحة الحوار، وإن بدا للبعض بطيئًا، هو نتيجة لما زرعه رواد التنوير الأوائل من أمثال طه حسين وسلامة موسى وفرح أنطون وغيرهم. لقد مهد هؤلاء الطريق لفكر يستند إلى العقل والنقد والتحليل العلمي، وهي الجهود التي سمحت لاحقًا لشخصيات مثل زاهي حواس وخزعل الماجدي وفراس السواح أن يواصلوا البحث في التاريخ والتراث بمنهجيات علمية، دون أن يخشوا السيف المُسلط على الرقاب.

ولعل المثال الأبرز الذي يمكن أن نستشهد به هنا هو ما يقوم به الباحث العراقي خزعل الماجدي، الذي يُخضع الروايات الميثولوجية والتاريخية للنقد الصارم، موضحًا أنها ليست إلا إسقاطات زمنية ومكانية لحضارات متعاقبة. وكذلك فراس السواح، الذي أعاد قراءة النصوص الدينية من منظور تاريخي-أنثروبولوجي، محاولًا فك شفراتها وتحليلها ضمن سياقها التاريخي بعيدًا عن التفسيرات التقليدية.

لكن، وإن بدا لنا أن الجدل الآن أقل حدة، لا ينبغي أن نقلل من أهمية وشجاعة ما قام به هؤلاء الرواد. لقد كانوا أشبه بمن يحمل شعلة تنير طريقًا مظلمًا مليئًا بالمخاطر. إن الجرأة التي تحلى بها طه حسين وأمثاله لم تكن مجرد فعل فكري عابر، بل كانت خطوة مفصلية غيرت مسار الفكر العربي، ودفعت بمفهوم التنوير ليصبح واقعًا، وإن كان مشوبًا ببعض العثرات.

اليوم، يواصل التنويريون العرب تلك المسيرة، مستفيدين من إرث فكري عظيم ومن واقع عالمي بات أكثر تقبلًا للنقد العلمي ولحرية الفكر. الطريق طويل، لكنه مليء بالإنجازات التي زرع بذورها الأوائل، وها نحن نرى ثمارها تتجلى في اتساع مساحة الحوار وقبول الاختلاف. إنها رحلة العقلانية التي ستظل تتقدم، وإن تعثرت في بعض محطاتها.

نحن مدينون لطه حسين ولرواد التنوير الأوائل بفضل كبير، فلولا جرأتهم لما كنا لنرى ما نراه اليوم من إنجازات فكرية وتاريخية تحرر العقول من قيودها، وتفتح أبوابًا جديدة للمعرفة. تلك هي ثمار التنوير، التي كلما مرت الأيام زاد إثمارها ونضجها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...