بهجت العبيدي - حوار حول مستقبل سوريا: بين التفاؤل والتشاؤم

في مساء اليوم، والذي هو شتوي بارد، اجتمعتُ مع صديقين سوريين في مقهى هادئ بمدينة ليوبن النمساوية، حيث كانت رائحة القهوة تعبق في الأجواء. الأضواء الخافتة أضفت جوًا من الألفة، والأنفاس الدافئة تنساب مع كل رشفة من فناجين القهوة. جلست بين رفيقيَّ، وهما ابنا وطن واحد، لكنهما يحملان رؤى مستقبلية متباينة عن سوريا، تمزج بين التفاؤل والشعور بالقلق.

سألتُ: كيف ترون الوضع في سوريا الآن؟

أجاب الصديق الدمشقي، وهو يتأمل فنجانه بشغف: "أخيرًا، زال النظام الجاثم على صدورنا! أشعر بسعادة غامرة؛ هذه فرصة ذهبية لبناء سوريا جديدة ومزدهرة."

ثم أضاف الصديق الكردي، وعلى ملامحه يلوح شعور من التحفظ: "زوال النظام لا يعني انتهاء المعاناة، بل أعتبر ما نراه الآن بداية فصل أكثر ظلمة."

ابتسمتُ، محاولًا إدخال بعض التوازن إلى الحوار، فوجهت حديثي نحو الصديق الدمشقي لأستمع إلى رؤيته عن المستقبل القريب.

فقال الصديق الدمشقي: "نحن على أعتاب عهد جديد. إن الحكم الإسلامي قد يكون الحل المناسب، حيث أرى أنه سيحترم تنوع سوريا كبلد غني بالطوائف، وسيعمل على تحقيق العدالة التي قمنا بالحنين إليها طويلاً."

لكن الصديق الكردي قاطع حديثه بحدّة: "هل تظن أن الإسلاميين سيكونون أقل قمعًا من النظام السابق؟ إن تاريخهم يا صديقي يؤكد عكس ذلك، إذ ستحكم عقلية الإقصاء، ولن يتمكن أحد من المشاركة في السلطة."

ثم التفت الصديق الدمشقي إليّ، متسائلًا: "وهل يمكنك أن تتخيل إمكانية تشجيع ما حدث في سوريا للناس في مصر للخروج على قيادتهم السياسية؟"

أجبت بيقين وبصوت ثابت: "الوضع في مصر يختلف كليًا عن الوضع في سوريا وغيرها من دول المنطقة. فعلى الرغم من المعاناة الاقتصادية، التي يعول عليها أعداء مصر والجماعات الكارهة لها، فإن الشعب المصري يعلم حجم التحديات التي تواجه الدولة والمنطقة. وكما هو معتاد دائمًا، فإذا خُيِّر الشعب المصري بين المعاناة وكيان الدولة المصرية ومؤسساتها الوطنية، فسيضع، قولا واحدا، مصلحة الدولة العليا قبل مشاكله الاقتصادية."

أضفتُ: "الشعب المصري يعرف أن الدولة المصرية العصرية تحت قيادة الرئيس السيسي تمر بمرحلة بناء تحقق فيها الكثير من المشاريع التنموية والاستثمارية والقومية العملاقة، بالإضافة إلى وقوف الشعب خلف قواته المسلحة التي تعمل فقط بعقيدة وطنية وتنتمي انتماءً مطلقًا للشعب المصري، وتعلي مصلحة مصر فوق كل اعتبار."

انتقل الحديث إلى القوى الإقليمية. سألتُ: كيف تقيمون دور القوى الإقليمية مثل تركيا في الأوضاع الراهنة؟

أجاب الصديق الدمشقي، وقد سكنت عواطفه قليلاً: "لا يمكن إنكار أن تركيا لعبت دورًا في دعم المعارضة. وحتى إسرائيل، رغم تاريخ العداء، يبدو أنها تتعاون مع بعض الفصائل، ربما عبر وساطة تركية."

بغضب، قال الصديق الكردي: "تركيا ليست صديقًا لأحد! هدفها الحقيقي هو القضاء على الأكراد في شمال سوريا. وإننا أؤكد لك لن نتخلى عن سلاحنا، وسنواصل المقاومة لتحقيق حقوقنا."

تداخلت النقاشات، ولكنني قررت أن أعود بالنقاش إلى معاناة الشعب السوري.

قال الصديق الدمشقي بحزن عميق: "لا يمكن وصف حجم القمع الذي شهدناه. لقد كانت قوات الأمن، في ظل النظام البائد، ترتكب الفظائع، تخيل أنها اغتصبت النساء أمام أعين عائلاتهن لترهيب الجميع. بالإضافة للمعاناة اليومية لقد كان النقص يعم في كل شيء؛ بداية من البندورة "الطماطم" إلى الكهرباء، وصولًا إلى أبسط مقومات الحياة."

رد الصديق الكردي بلهجة أكثر هدوءً: "وهذا لا يعني أن النظام الجديد سيكون أفضل. إننا كأكراد، عانينا كثيرًا وسنظل نواجه تحديات، ما دامت القوى الإقليمية والدولية تتصارع على أرضنا."

بينما كنتُ أسجل هذه الملاحظات، أدركت أن هذا الحوار يشكل مرآة تعكس حالة من الأمل واليأس في آن واحد. حيث يرى الصديق الدمشقي في سقوط الأسد بداية جديدة للحرية، في حين يخشى الصديق الكردي أن تفتح الثورة الباب لاستبداد جديد.

لكن النقاش لم ينتهي عند هذا الحد. فقمت بسؤالهما عن دور الدول العربية في الأزمة.

قال الصديق الدمشقي: "يجب على الدول العربية أن تتحرك لدعم وحدة سوريا وإعادة إعمارها. لا يمكن ترك سوريا فريسة للصراعات الدولية."

ورد الصديق الكردي: "إذا أرادت الدول العربية أن تلعب دورًا إيجابيًا، فعليها أن تكون حيادية، وأن تحترم حقوق الأكراد وجميع الأقليات."

مع نهاية اللقاء، شعرت بمزيج من التفاؤل والحزن. فالحقيقة الواضحة كل الوضوح هي أن سوريا تواجه تحديات هائلة، ولكننا نتمنى أن تكون إرادة شعبها أقوى من كل الصراعات. إن علينا أن ندعو لهذا البلد العظيم بالاستقرار والوحدة، وعلينا أن نحتفي بصوت السوريين في رفع لواء العزيمة والتمسك بحقوقهم.

ومع كل ما تحدثنا عنه، اتفقنا جميعًا على فكرة واحدة: إن سوريا تستحق أن تعود كما كانت، قلب العروبة النابض. كانت القهوة تحتسى بأيدينا، وكأنها تجمعنا على مائدة تركت أثرًا عميقًا في نفوسنا، تحت سماء ليوبن، لنستشرف معًا أهدافًا جديدة لأجل وطن يحتاج إلى شغف أبنائه وإصرارهم على بناء غدٍ أفضل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...