بهجت العبيدي - فرحة بمرض نتنياهو أم هروب من مواجهة الواقع؟

عانى العالم العربي لعقود طويلة من حالة متواصلة من الاتكالية والتواكل، حيث تُعلَّق الآمال على أحداث غيبية أو معجزات لا تتناسب مع قوانين الكون وسننه. إن هذه العقلية، التي تفتقر إلى عمق الفهم للواقع، قد جعلتنا نغفل عن الأهمية الحقيقية للعمل الفعلي الذي يتطلبه بناء الذات وتعزيز التعليم وتطوير الاقتصاد ودعم المقاومة بشتى الأشكال. إن واقعنا اليوم يفرض علينا أن نكون المبادرين في مسيرتنا نحو تحقيق الحقوق وإرساء العدالة.

كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز” (رواه مسلم). هذا الحديث يُذكّرنا بضرورة الاعتماد على الجهد والعمل الدؤوب، بدلاً من الاستسلام للإحباط أو انتظار النصر من غير جهد. وفي هذا الإطار، يُعتبر الشعور بالشماتة تجاه مرض شخصية معادية مثل نتنياهو تعبيرًا عن غضب شعبي مكبوت، ولكنه في الوقت ذاته يظهر أن هذا الغضب لا يُترجم إلى فعل حقيقي يمكن أن يؤثر على موازين القوة أو يُعيد الحقوق المفقودة.

إن الفرحة بمرض نتنياهو قد تُخفف من وطأة الإحباط النفسي، لكنها لا تسهم في معالجة جذور المشكلة. إن الفرح بمعاناة شخص واحد في سياق معاناة شعب كامل يُعَد بمثابة إلهاء عن التحديات الأكبر التي نواجهها. وعلينا أن نُدرك أن الشعارات والمشاعر العابرة لن تُعيد الحقوق، بل إننا بحاجة إلى توجيه طاقاتنا نحو بناء مجتمعات قوية، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج، وتصحيح الأخطاء التي نعاني منها، والعمل على تكوين قوة ذاتية مستدامة.

إن التاريخ بطبيعته يحمل في طياته دروسًا قيمة يمكن أن نستفيد منها. فعندما سُئل الحكيم الصيني كونفوشيوس عن سر النصر، قال: "ابدأ بإصلاح ذاتك، ثم بيتك، ثم مجتمعك، فستجد النصر قد جاء من تلقاء نفسه". هذه الحكمة تُظهر أن النصر الحقيقي يبدأ دومًا من الذات، ومن ثم يتوسع ليشمل من نحبهم ومن نعيش معهم. ففهمنا لمكانتنا في العالم يتطلب منا أولاً إدراك نقاط قوتنا وضعفنا، والعمل على إصلاحها.

ليس من العيب أن نشعر بالفرح عند رؤية ظالم يُصاب ببلاء، ولكن يجب أن نضع في اعتبارنا أن الأحوال لا تتغير بالمشاعر السلبية وحدها. فالنصر الذي ننتظره لن يأتي إلا بالجد والاجتهاد، وبالتزامنا بقيمنا الإنسانية وأخلاقنا التي تُعزز لدينا الشعور بالكرامة والسيادة. إن العمل الفعلي هو السبيل إلى تجاوز الفجوات التي تُعيق تقدمنا، وتجهيز الأجيال القادمة لمواجهة التحديات بكل قوة وثبات.

وكما قال أمير الشعراء:
“وما نيل المطالب بالتمني… ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا”

لذا، ينبغي علينا أن نعمل بلا كلل أو ملل على بناء مستقبل يتناسب مع طموحات أمتنا وتطلعاتها. فعلى الرغم من الأزمات الحالية، يجب أن نُحضر أنفسنا لمواجهة التحديات بروح من التعاون والعمل الجماعي. إن اللحظات العابرة من الفرح، الناتجة عن المرض أو الفشل في الشخصيات المعادية، لا تساهم في حل مشكلاتنا، بل قد تُعزز أحيانًا من حالة التراخي التي تردينا إلى الوراء.

فلنستمد العبرة من كل ما مررنا به، ولنُخطط لخطواتنا بعزيمة. إن الطريق إلى النصر لا يتطلب فقط الأمل، لكن يتطلب المثابرة والرؤية الواضحة، والعمل المدروس الذي يُدفع بأهداف نبيلة. فلنتعاون جميعًا، ولنُعزز قيم التعاون والمثابرة داخل مجتمعاتنا، لنُعيد بناء ما أُهمل، ولنُحقق التكامل الذي نحتاجه لاستعادة مكانتنا.

إن السؤال الهام الآن: هل نحن مستعدون، اليوم، لتجاوز عواطفنا السطحية والتوجه نحو العمل الذي يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا؟ سيكون الجواب بالتأكيد هو البداية الحقيقية للنهضة. فلنعمل بجدٍ، ولنجعل من كل تحدٍ فرصةً للنمو والتطور، ونُؤسس لمستقبل يليق بأمتنا، مستقبل قائم على القوة والوحدة، يُعيد إلينا حقوقنا كاملة، ويضع حداً للظلم الذي عانته شعوبنا على مرّ السنين.

إن التعلق بانتظار الأحداث العابرة وتحويلها إلى انتصارات وهمية يُعد خطوة للخلف، حيث يجعلنا نغفل عن أهمية العمل الجاد والتخطيط للمستقبل. لقد حان الوقت للتغيير الحقيقي، وللعمل الفعلي الذي يضمن لنا مستقبلًا أفضل. فالتحديات متعددة، ولكن الأمل، إذا تم توجيهه بالشكل الصحيح، قد يصبح وقودًا لتحقيق المعجزات التي نُصدق وقوعها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...