بهجت العبيدي - ما الذي يدفع العقول المتعلمة إلى رفض العلم لصالح الوهم

في مجتمعاتنا، يثير الدهشة أن تجد إنسانًا متعلمًا، وربما يحمل أعلى الدرجات العلمية كالدكتوراه، يقف بعناد أمام حقائق علمية راسخة، متشبثًا بنظريات مؤامرة لا سند لها. إن هذا المشهد، رغم غرابته، يتكرر كثيرًا، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الفكر والعقل لدى هؤلاء الذين يفترض أنهم ينتمون إلى النخبة المثقفة.

إننا نجد بعض هؤلاء يتحدثون بثقة عن أن وكالة ناسا قامت بتدليس صور نزول الإنسان على القمر، مستندين إلى جملة مبتسرة من هنا أو هناك، أو إلى تفاصيل سطحية قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها تثير الشكوك. لكن، ما إن يتعمق المرء في الأمر، يجد أن تلك الشكوك مبنية على انتقاء مغرض للمعلومات، وإغفال متعمد للسياق الكامل. ولعل الأسوأ من ذلك أن من يحمل هذا المعتقد ليس أميًا بسيطًا، بل شخصًا قد يمتلك شهادة علمية رفيعة.

يتكرر الأمر مع قضايا علمية كبرى مثل كروية الأرض. فتجد من يرفض الفكرة برمتها، ويتهم مئات السنين من البحث العلمي بالخداع. وبينما يهاجم هؤلاء المؤسسات العلمية الكبرى التي كرست حياتها لفهم الكون، تراهم يتمسكون باقتباسات مبتورة أو آراء قديمة تجاوزها العلم منذ عقود طويلة. والأمر لا يتوقف عند رفض الحقائق، بل يصل إلى صناعة روايات بديلة، تعتمد على نظرية المؤامرة لتبرير هذا الإنكار.

إن الأمر يزداد غرابة حين يتناول قضايا مثل نظرية التطور. فبالرغم على أن ما يقرب من 98% من العلماء حول العالم يؤيدون هذه النظرية، بناءً على أبحاث مدعومة بآلاف الأدلة العلمية، يرفض البعض هذا الإجماع رفضًا قاطعًا. فيركز هؤلاء على ما يعتبرونه فجوات في النظرية، وهي فجوات علمية طبيعية في كل مجال معرفي، لكنها تصبح في أيديهم ذريعة لتفكيك النظرية بأكملها. إنهم يبدون وكأنهم يصارعون العلم نفسه، متشبثين بمواقف متناقضة لا أساس لها إلا رفض كل ما يهدد قناعاتهم المسبقة.

وفي خضم هذا الإنكار، تتجه الأنظار نحو علماء عرب يساهمون بجهود كبيرة في نشر الحقائق العلمية، مثل الدكتور هشام سلام، أحد أبرز علماء الحفريات في العالم العربي. إن الدكتور هشام، الذي لا يتردد في إعلان أن نظرية التطور حقيقة علمية مدعومة بالأدلة، يتعرض لحملة هجوم شرسة على صفحته الشخصية على موقع فيسبوك. المفارقة أن معظم الهجمات تأتي من متعلمين أو حاصلين على شهادات علمية، يرفضون قبول الحقيقة العلمية، ويحولون نقاشًا أكاديميًا رصينًا إلى ساحة للتجريح الشخصي.

وقد يحتج البعض على هذه الظاهرة في مجتمعاتنا بالقول إن هناك في الغرب أيضًا من يؤمن بنظرية المؤامرة، أو يرفض كروية الأرض، أو ينكر نظرية التطور. ونحن لا ننكر وجود هؤلاء، لكننا نشير إلى أنهم في الغرب يمثلون عددًا قليلًا للغاية، لا يُعتد به مقارنة بالأغلبية الساحقة التي تتبع العلم والمنهج العلمي. أما في مجتمعاتنا، فالأمر يختلف بشكل ملحوظ، حيث يبدو أن الإنكار والتشبث بنظريات المؤامرة أصبح ثقافة واسعة الانتشار. ومن يحتج بمثل هذه الحجة إنما يسلك نفس مسار الذي يبحث عن رأي شاذ في أي نظرية علمية، متجاهلًا كل الأدلة المدعومة التي يقدمها العلماء.

ولا يتوقف المشهد عند حدود العلوم الطبيعية، بل يمتد إلى التاريخ وعلم الآثار. إذ كيف يمكن لشخص يحمل درجة علمية أن يرفض نتائج أبحاث أثرية رصينة فقط لأنها لا تتماشى مع الروايات التاريخية التي نشأ عليها؟ فنجدهم يهاجمون علماء مثل زاهي حواس، الذي أكد أن علم الآثار لم يقدم حتى الآن أي دليل يثبت وجود بني إسرائيل في مصر، ويهاجمونه بشراسة تفوق أي نقاش علمي منطقي.

ولعل أكثر ما يدعو للأسف أن هذا الهجوم لا يقتصر على غير المتعلمين أو هواة النقاش، بل يصدر أيضًا عن أشخاص يُفترض أنهم علماء أو باحثون. إن هؤلاء، بدلًا من أن يكونوا قدوة في تقبل الحقائق والبحث عن المعرفة، يتحولون إلى رموز لثقافة الإنكار والتمسك بالأساطير.

كيف لإنسان عاقل، يحمل لقب عالم أو باحث، أن يهاجم زملاءه العلماء لمجرد أنهم يقدمون أدلة لا تتماشى مع آرائه؟ كيف لعقل يُفترض أنه متفتح أن يغلق أبوابه أمام كل ما توصل إليه العلم، متشبثًا بآراء شاذة لم تُثبت يومًا، أو بنظرية مؤامرة تُعفيه من عناء التفكير النقدي؟

إن الأمر ليس مجرد جهل أو نقص في التعليم. إنه يتعلق بثقافة أكبر، ثقافة ترى في العلم تهديدًا للموروثات، وتجد في نظريات المؤامرة ملاذًا آمنًا يحمي الفرد من مواجهة تعقيدات الحقيقة. إن هؤلاء لا يدركون أن العلم ليس عدوا، بل هو رحلة مستمرة لفهم هذا العالم الذي نعيش فيه. إنه طريق مليء بالتساؤلات والشكوك، لكنه يعتمد دائمًا على الأدلة، وليس على الافتراضات.

ربما كان من الأسهل على هؤلاء أن يعيشوا في عالمهم الخاص، حيث كل شيء بسيط وواضح، وحيث تكون المؤامرة هي التفسير الوحيد لكل ما لا يفهمونه. لكن الحقيقة تظل حقيقة، والعلم سيبقى هو الطريق الوحيد لفهمها، مهما رفضه الرافضون أو هاجمه المنكرون.

إن ما يدفع العقول المتعلمة إلى رفض العلم لصالح الوهم ليس نقص المعرفة بقدر ما هو فقدان الثقة بالعقل والمنهج. إن هؤلاء ينسون أن الشك في العلم لا يعني نفيه، وأن الحقيقة العلمية، وإن لم تكن مطلقة، تظل أفضل ما توصلت إليه البشرية في رحلتها لفهم هذا العالم. ولعل أعظم إنجاز للعلم أنه يعلمنا التواضع، ويذكرنا دائمًا بأن الطريق إلى المعرفة لا ينتهي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...