د. عبدالجبار العلمي - صراعُ الأَشْكالِ الشِّعْرية في الشِّعْرِ الْعَربي المُعاصِر

يرى الأستاذ أحمد المعداوي (المجاطي) في دراسته الموسومة بـ"موسيقى الشعر الحديث " ()، أن الواقع الشعري ، يثبت أن الإطار الموسيقي القديم، ما يزال يختزن طاقات إيقاعية من شأنها أن تستوعب كل تطور يقع في الشعر إن على مستوى اللغة أو على مستوى التصوير البياني ، وقد كان الشاعر العربي المعاصر واعياً بهذه المسألة ، وقد لجأ "بعض الشعراء المحدثين إلى الإطار الموسيقي التقليدي أثناء صياغة بعض المقطوعات من قصائدهم أو اختيارهم لهذا الإطار لكتابة قصائد بكاملها". ومنهم الشاعر عبد الوهاب البياتي أحد رواد الشعر العربي المعاصر الذي يستشهدُ المجاطي في دراسته بأبياته التالية من مجزوء الرجز:
عَديـدَةٌ أَسْلابُ هذا اللَّيْلِ في الْمَغـارَهْ
جَماجِمُ الْمَوْتى، كِتابٌ أَصْفَرٌ ، قيثارَهْ
نَقْشٌ على الْحائِطِ، طَيْرٌ مَيِّتٌ، عِبارَهْ
مَكْتُـوبَـةٌ بِالـدَمِ، فَوْقَ هذِهِ الْحِجـارَهْ
يذكر لنا الأستاذ المعداوي رأيين كانا سائدين في الساحة النقدية بهذا الخصوص، قبل أن يوضح لنا رأيه الخاص .
ـ الرأي الأول : يقول بضرورة التخلي عن عروض الشعر المعروف ليصبح لكل قصيدة عروضها الخاص ، ويعتبر أن موسيقى الوزن والقافية موسيقى خارجية لم تعد صالحة للشاعر المعاصر، وأن القصيدة المعاصرة ولدت ولادة جديدة بعد أن استنفدت القصيدة القديمة كل إمكانياتها، فكأن الشاعر المعاصر أتى بفتح جديد في مجال البنية الإيقاعية لصالح القصيدة العربية المعاصرة .
ـ الرأي الثاني: يقول بإمكانية "استعمال بحور الشعر العربي وتفعيلاته مفاتيح صوتية يمكن أن تركب منها معادلات موسيقية لا حصر لها، ويؤمن أصحابُه باستمرارية نظام التفعيلة وبقائه "أساساً موسيقياً لبنية الكلام" (). ينحاز المجاطي إلى صف أصحاب الرأي الثاني لأنه يعتبرهم "أكثر انسجاماً مع واقع التطور الذي أصاب الأساس الموسيقي للقصيدة الحديثة".
ومن الجدير بالملاحظة أن الآراء والأفكار التي كانت تنتصر للشعر الحر ( أو للشعر الجديد ) و"قصيدة النثر "، ظلت سائدة متحكمة في الأذهان والأذواق زمناً ليس باليَسير، وذلك نتيجة طغيان التيار الإيديولوجي في الأدب والنقد. والغريب أن شعراء في قامة محمود سامي البارودي أو أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم، سيظلون زمنا طويلا في الظل، خارجينَ عن مملكة الشعر في نظر الكثيرين من المتحمسين للنقد الإيديولوجي والحداثي ولحاملي معاول تحطيم الأصنام مثل عباس محمود العقاد. ولن يعودوا إلى حظيرتها الغَـنَّاء إلا بعد أن طفِق الناسُ يبتعدون شيئاً فشيئاً عن النقد الإيديولوجي، ويميلون إلى تبني مناهج نقدية حديثة تهتم بدراسة الأدب من الداخل، أي تهتم بأدبية النص وشِعْرِيته بغضِّ النَّظر عن الشكلِ الذي صيغَ فيه. ويبدو أن مشروع إحدى أهم وأكبر المجلات العربية المختصة بالنقد الأدبي: مجلة "فصول" المصرية يدخل في هذا الإطار، أي إعادة الاعتبار لشعراء عرب كبار شاءت الأهواء الإيديولوجية في زمن اتسم بالاندفاع والحماس لتبني كل ما هو جديد، أن يُتْرَكوا على رفِّ النسيان طويلاً، فقد جاء في أحد أعداد المجلة () ما يؤيد ذلك. يقول د. جابر عصفور في افتتاحية هذا العدد: «كان في تقديرنا يوم أن خطَّطْنا لإصدار هذه المجلَّة ، أن نُفْرِدَ بعضَ أعدادِها للبارزين من أعلام الشِّعر العربي الحديث، وذلك للكشف عن أدوارهم وقيمة إنجازاتهم من منظور نقدي ينطوي على تعدد المناهج وتنوع الرؤى والتفسيرات .. وكان من الطبيعي أن نبدأ من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم () بوصفهما الذروة التي وصلت إليها نهضة الشعر الإحيائي التي استهلها محمود سامي البارودي »().
في نفس الآن قدَّمَتْ " قصيدة النثر" نفسها على أنها البديل لقصيدة التفعيلة وغيرها منَ الأشكال الشعرية ، لكن رغم الضجيج الذي أثير بشأنها، ورغم تَحمُّسِ بعضِ النُّقادِ لها ومواكبتها بالكتابة عنها ، وتشجيع أصحابها باعتبارها موضة جديدة لا ينبغي التخلف عن مجاراتها () إلا أنها رَغْم كلِّ ذلك لم تلبث أن أبانت أغلب نصوصها عن ضحالتها وقصورها. وقد ارتفعت أصوات كثير من النقاد والمبدعين ، سواء في المشرق أو في المغرب ، مرددة صيحة الرفض الغاضبة التي أطلقها ابن الأعرابي قديماً :" إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل ". ونذكر من بين هؤلاء النقاد : الدكتور عبدالقادر القط ()، والدكتور علي عشري زايد ()؛ بل إننا لنجد شعراء ينتمي بعضهم إلى نفس جيل الحداثة المتحمسين لقصيدة النثر، يقفون ضد هذا الاتجاه ، أذكر منهم هنا الشاعر المصري محمد سليمان (). يقول في حوار أجرته معه أسرة الملحق الثقافي لجريدة "العَلَم" المغربية لدى زيارته بلادَنا: « ربما غَضِبتُ أحياناً على بعض ما يُكْتبُ أو يُـنْشر من قصائد النثر وهو غضب راجع إلى أني أضع يدي أحياناً على ضياع الحدود وتداخل النثري بالشعري ، وقناعتي أيضاً بأن العديد ممن يكتبون القصائد النثرية انتقلوا إلى هذه القصيدة بعد محاولات متواضعة وفاشلة في مجال قصيدة التفعيلة» (). صحيح أن الشاعر المصري "محمد سليمان"ُ قد فتح النار على قصيدة النثر كما جاء في العنوان الذي وُضِع لهذا الحوار، لكن ألا يقتضي الأمرُ في بعض الأحيان هذا النوع من المواقف الصارمة والحاسمة لقطع الطريق أمام "ذوي المواهب الضعيفة" () ممن يحاولون إلحاق الأذى بجمالية لغتنا وشعرنا؟ وهذا ما فعله الناقد المغربي نجيب العوفي أيضاً ، فقد واجه هذه الظاهرة التي تسربت إلى شعرنا المعاصر بغير قليل من الصرامة التي يتطلبها الموقف حتى لا يترك الحبل على غاربه لعبث العابثين بمصير القصيدة المغربية الحديثة، حيث يرى أن «النثرية هي التي أدت إلى اختلاط الأوراق واللغات وانفلات المعايير والمقاييس، سواء على مستوى الإنتاج الشعري أو على مستوى التلقي الشعري. بحيث ضاع أو كاد ذلك الميثاق الضِّمْني المُشترك بين الشاعر والمتلقي ، وتكاثرت ظباء الشعر على خِراش، فلا يدري أيها يصطاد.» () والناقِدُ لدى رصده للتَّحولات التي عرفتْها القصيدةُ المغربية على مدى عقود ثلاثة إِنْ على مستوى المَقولِ الشِّعْري أو على مستوى القَـوْل الشِّعْري ، يقيس « درجة هذا التحول الشعري ومداه انطلاقاً من رصد الجملة الستينية والسبعينية من جهة ، والجملة الثمانينية من جهة ثانية». ويَخلصُ إلى نتيجة مفادها أن التَّحول الذي حدثَ هو تحولٌ من التَّماسُك الأسلوبي سواء من حيث المُعجمُ أو التَّركيبُ أو الدِّلالةُ أو الإيقاع إلى السقوط في وِهاد النثرية. هو عموماً "تحول من الجملة "الشعرية" إلى الجملة "النثرية". والحقيقة أن نقد نجيب العُوفي قصيدةَ النثر نقدٌ موضوعي ليسَ فيه أي تجنٍّ على هذه التجربة الأدبية الجديدة ـ القديمة ، فهو يُصَرِّحُ أنه لا يَقفُ موقفاً مضاداً إزاءها، ذلك أن الإبداع في رأيه حريةٌ وتَجاوز ، ولكنه في نفس الآن محافظةٌ وحرصٌ شديد على شعرية الشعر وعلى بعض الثوابت الإبداعية والأدبية التي تميز القصيدة الشعرية عن هذا الهذر النثري.
ويذهب الشاعر حسن الأمراني إلى أن ثمةَ عنصرين أساسيين لابد منهما في الشعر : اللغة الشعرية بما تحمله من مجاز وانزياح عن اللغة العادية ، والموسيقى التي لا يقوم الشعر إلا بها. ().
ويؤكد الباحث أن الدَّعْوةَ إلى تجديدِ الشِّعر العَربي الحديث في بدايتها قد قامت على الموسيقى باعتبارها مدخلاً أساسياً إلى تلك الدعوة، ويرى أن هذا المدخل الموسيقي « هو الباب الذي دخل منه شعراء الحداثة بدعوى أن "القصيدة العمودية" تحجب على الشاعر آفاق الرؤية ، وتَقُصُّ من أجنحَة الخَيال ، وتجعلُه يرقص في السلاسل ». ولذلك أخذوا يدعون إلى ذلك "الشكل الهجين" الذي يدعى بـ "قصيدة النثر" وإلى التخلي عن كل لون من ألوان العروض الخليلي . وينتهي الباحث في انتقاده قصيدةَ النثر إلى نتيجة مفادها أن لا أحد يختلفُ حول ضرورة الموسيقى في الشِّعر ، حتى أكثرَ زعماءِ الحداثةِ تطرفاً » ولكنهم يتحدثون عن الموسيقى الداخلية أو الباطنية أو موسيقى اللفظ والحروف إلا أنه لا أحد استطاع حتى الآن أن يصل إلى قواعد مضبوطة لكل ذلك الخليط، ولم يتجاوز أحد ما نَبَّه عليه القدماءُ من الألوان البلاغية المتصلة بالموسيقى بالرغم من استعارة بعضهم أنماطاً إيقاعية غريبة عن الشعر العربي كالنَّبْر وغَيْرِه". والحقيقة أن الشاعرَ حسن الأمراني الذي يُعْتبر أحد أبرزِ شعراءِ سنواتِ السبعين في المغرب، الذين كانت تجربتهم الشعرية تمثل ثورة على نظام القصيدة العمودية، متبنين قوانين القصيدة المعاصرة القائمة على أساس التفعيلة في بنائها الموسيقي، يعود عودة واعية في المرحلة الأخيرة من تجربته الشعرية الغنية إلى الكتابة على الشكل العمودي إلى جانب كتابته قصيدةَ التفعيلة. وقد نشر بعض قصائده العمودية في "الملحق الثقافي" لجريدة العَلَم، وآخرها كانتْ قصيدة " الحُلمُ والأَسْوار" المؤرخة بـ11دجنبر 2024 ،عدد الخميس 19 دجنبر 2024 ، وذلك إيماناً منه بغنى هذا الشكل الموسيقي العتيق وبقدرته على استيعاب كل التجارب والقضايا التي يريد الشاعر المعاصر التعبير عنها. ( وقد قال القصيدة بمناسبة إطلاق سراح الأديب السوري عبدالله الطنطاوي من سجون النظام الاستبدادي البائد في سوريا ). نورد فيما يلي بعض الأبيات منها، وهي من بحر البسيط :
شَآمُ يــا جَنَّةَ الدُّنْيَــا وَبَهْجَتَهـــالَوْلا جِهادُ اللَّيالي الصُّبحُ ما انْبَثَقَا
هَذا كِتابُكَ، عَبْدَ اللهِ، صرْحُ هُدَى في الْجامِعِ الأُمـَوِيِّ الْيَوْمَ ما غُلِقاَ
وَهَبْتَنِي الْحُلْمَ والأَسْوارُ شاهِقَةٌ فَزَلْزَلَ الْحُلْـمُ مـا يَعْلُـو ومـا شَهقا
وكأنني بالشَّاعِر الأمراني يريد أن يؤكد ـ إن كان الأمر يحتاج إلى تأكيد ـ لدعاة الحداثة الشعرية وبعض كتاب قصيدة النثر ، أن التجاءهم إلى ذلك الشكل إنما هو نتيجة قصور وضعف على المستوى اللغوي وعدم امتلاك الأداة القمينة بكتابة شعر على أساس موسيقي سليم. إن الشاعر حسن الأمراني في ممارسته الشعرية الأخيرة ، ينطلق من وعي بأهمية الموسيقى كعنصر أساسي لا غنى للشعر عنه لكي يكونَ جديراً باسمَ الشِّعر ، ويؤكد بالملموس قدرة الشكل العمودي على الصمود في وجه الزمن ، وعلى اقتحام كل القضايا التي يطرحها العصر الراهن على اعتبار أن الأمر ليس أمر شكل قديم أو شكل حديث ، وإنما الأمر في الواقع يتعلق بما يتوفر في هذا الشكل أو ذاك من عناصر فنية تجعَلُ منهُ نصّاً أدبياً يسمو إلى مستوى الفن الشعري الرفيع الخالد.
وهكذا يتبدى لنا أَنَّ الشكلَ الشِّعريَّ الجدير بالانتصار في هذا الصِّراع، هو الذي تتوفرُ فيه مظاهر "الشعرية"، ويبتعد عن النَّظْم ولا يَنْزلُ بأجنحته إلى النثرية، سواء كان قصيدةً عمودية أو قصيدةً تفعيلية أو قصيدة نثر .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...