أ. د. عادل الأسطة - عائدون... عائدون... عائدون

منذ كنا طلابا في مدرسة المخيم رددنا " عائدون ، عائدون ، عائدون " ولما صرنا نقرأ شعر عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) حفظنا منه ما استطعنا أن نحفظ ، وأخص قصيدته " سنعود " :
" خلعت على ملاعبها شبابي
وأحلامي على خضر الروابي "
في العام ١٩٦٧ قلنا إن العودة هي قاب قوسين وأدنى . في بداية الحرب تلك انتقلنا من مخيم عسكر القديم إلى البلدة القديمة في نابلس ظانين أنها أكثر أمنا . لم تمر أيام قليلة حتى عدنا ، لا إلى يافا ، بل إلى بيتنا في مخيم عسكر في مشهد لا يختلف عن مشهد عودة الغزيين اليوم من المواصي إلى شمال قطاع غزة . عدت وأمي وإخوتي مشيا على الأقدام وقطعنا ثلاثة كيلومترات رأينا في شارع عمان الجنود الإسرائيليين وبعض جثث أفراد من الجيش الأردني . كانت تلك العودة الأولى ، وكان البيت على حاله ، فقد حافظ الجيران في غيابنا عليه .
بعد أشهر من الاحتلال الإسرائيلي زرنا حيفا ويافا واللد ونتانيا . زرناها زيارة لا تختلف عن زيارة سعيد . س في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ١٩٦٩ . في تلك الزيارة لم يكن أبي معي ومع أخوي ليأخذنا إلى بيتهم في يافا حتى نراه ، ولكن أهل اللد الذين كانوا معنا في " الباص " اصطحبونا لزيارة بيوتهم . كانت بيوتا متواضعة بقيت على حالها مغلقة لا سكان فيها - أو هذا ما أتذكره الآن . لم تسحرني اللد قدر ما سحرتني حيفا وأنا أطل عليها من الكرمل .
كانت العودة لقسم منا فردية ، كأن يتزوج صديقنا راضي من قريبته في أم الفحم ليستقر في بلد أهله أو صديقنا ربحي من فتاة يافاوية ليقيم في بلد أبيه .
ونحن الذين لم نتزوج من هناك زرنا مدن آبائنا وأجدادنا زيارات عابرة ولطالما كتبت عنها " مدن في الذاكرة " . زرت عكا وزرت حيفا وزرت يافا و ... وكتبت كتابا من أجمل كتب " أدب الرحلات " على الرغم من أنه لم يجد ناشرا " القرد بعين أمه غزال " .
عندما عاد الفلسطينيون إثر اتفاق أوسلو ١٩٩٣ وكتبوا عن عودتهم ألفت كتابا عنوانه " أدب العائدين : قراءات وتساؤلات " ٢٠١٦ طبع طبعة أنيقة تليق بنتاجات الكتاب الذين كتبوا عن عودتهم : محمود درويش ومريد البرغوثي وفاروق وادي ومحمود شقير وغسان زقطان وأكرم هنية ويحيى يخلف وربعي المدهون وفيصل حوراني و ... و ... .
هل فرح العائدون يومها بعودتهم ؟
هل كانوا متفائلين أم أنهم عبروا عن خيبتهم ؟
في العام ١٩٩٧ تتبعت نتاجهم وكتبت سلسلة مقالات صدرت في كتاب " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " الذي احتفل به فصدرت منه طبعتان .
منذ الصباح وأنا أتأمل مشهد أبناء قطاع غزة العائدين عودة جماعية ولست متأكدا مما سيكتبون .
في كتاباتنا منذ العام ١٩٦٧ وقف أدباؤنا على الأطلال . زارت فدوى طوقان يافا وكتبت :
" على أبواب يافا يا أحبائي
وقفت وقلت للعينين :
قفا نبك "
وكتب محمود درويش بعد عودته في ١٩٩٥ شعرا حزينا " على محطة قطار سقط عن الخريطة ؟" .
الآن الآن الآن الآن يعود أدباء غزة إلى جباليا ورفح والشجاعية وغزة وبيت حانون ليقفوا على أطلال بيوتهم المدمرة كما رأيتها من خلال صفحة الناقد طلعت قديح والمثقف رزق مزعنن Rezek Muzaanin ولم أر حتى اللحظة ما ألم بمكتبة الدكتور محمود عبد المجيد عساف التي شاع ذكرها وكتب الكثير عنها .
منذ صباح اليوم وأنا أردد عناوين روايات وقصائد ظهر فيها دال " عائد " :
عائد إلى حيفا / غسان كنفاني
عائد إلى يافا / محمود درويش
عائد إلى القدس / عيسى بلاطة
و
هل سنقرأ عما قريب :
عائد إلى غزة ؟
ليس ثمة مواساة في نهاية هذا العمر سوى أسطر الشاعر العراقي سعدي يوسف :
" للبحر أنت تعود مرتبكا
والعمر تنشره وتطويه
لو كنت تعرف كل ما فيه
لمشيت فوق مياهه ملكا "
عقبال عودتنا إلى يافا وحيفا وعكا واللد والجليل و ... و ... ودولة واحدة من البحر إلى النهر ومن رفح إلى الناقورة وأكثر . دولة واحدة في بلاد الشام كلها .
خربشات عادل الاسطة
٢٧ / ١ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...