بعيدا عن المفاهيم المتداولة للذكاء الاصطناعي، تنطلق هذه القراءة الهامشية من جدلية فلسفية وفكرية ثقافية، تتأتى في العلاقة بين الذكاء البشري (ونعني به العقل) والذكاء الاصطناعي باعتباره شكلا آخر للعقل (عقلا الكترونيا). لتدور أسئلة هذه القراءة دون التشكيك في قيمة العقل البشري وأهميته في إنتاج المعرفة، ولكن تساؤلنا يضع الذكاء الاصطناعي موضع المساءلة الفلسفية والفكرية، منطلقين من سؤال محوري:
هل الذكاء الاصطناعي جرح آخر في صرح الذات والعقل الإنساني؟.
إن المتأمل في التاريخ الإنساني يجد أن العقل منذ اللحظة الأفلاطونية الأولى شكّل محورا مهيمنا على تفسير الحقيقة؛ حيث وجّه أفلاطون الفلسفة نحو عوالم المثل والفضيلة، موكلا إلى العقل مهمة استكشاف العلاقة بين الميتافيزيقا والواقع. وقد ظل الإنسان مشدودا لهذه النزعة والسير في مدارها، إذ استعملها العصر الوسيط أو ما يسمى (بعصر الظلام)؛ حيث كانت الكنيسة مهيمنة على شؤون الحياة الإنسانية بتفسيراتها الميتافيزيقية، وأخضعت أنساق التفكير لهيمنة التفسيرات اللاهوتية التي رسّختها الكنيسة إلى غاية اللحظة الكوبيرنيكية (نيكولا كوبيرنيكوس) التي غيرت مرحلة التفكير الإنساني عامة، والغربي خصوصا بميلاد العقل العلمي كثورة مضادة على هذه التفسيرات اللاهوتية، مشكلة بنية العقل النهضوي الأول إزاء الطبيعة والواقع والإنسان، فلم يعد العقل مفسرا وحيدا للحقيقة، بل صار أداة نقدية تستكشف قوانين الطبيعة ضمن رؤية تجريبية مادية.
حين نزل العقل من البرج الأفلاطوني الميتافيزيقي إلى عالم الماديات الواقعي، بدأت سلسلة أخرى من الانقلابات الفكرية التي أحدثتها الثورة العلمية والصناعية باعتبارها حرجا حميدا في بدايته، ولكنها سرعان ما عمقت هذا الحرج وزادته إشكالية، حينما أعلن ديكارت فلسفته الشكية مؤسسا لقطيعة إبستمولوجية عبر مقولته الشهيرة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود".
لم تلبث هذه النهضة العلمية والثورة الصناعية حتى عمقت جرح هذا العقل من جديد عن طريق العلاقة القائمة بين الفلسفة والتكنولوجيا؛ ليأخذ هذا العقل الإنساني في البحث من تساؤلات الوجود إلى تساؤلات الإنوجاد، التي أفرزت لنا حداثة جديدة لم تكتف بتأسيس أنظمة معرفية، بل أنتجت أدوات الهيمنة والقوة تجلّت في القن/بلة الذرية، وغيرها من أدوات الغزو، وهو ما حدث بالضبط مع هوريشيما وناكازاكي، أو مع الهنود الحمر (السكان الأصليين لأمريكا)، فتساؤلات الانوجاد غيرت ملامح الوجود البشري لأنه كان انوجادا قصريا بالقوة والإبادة.
لم يقف الجرح عند هذا الحد، بل غار وازداد حين أعلن نيتشه فلسفته العدمية (موت الإله) منتقدا التصورات القيمية التقليدية، أما ماركس من خلال نظريته الماركسية التي أسقطت الوعي الفردي لصالح الحتميات الاقتصادية، ثم لتأتي نظرية فرويد النفسية معلنة سلطة اللاوعي ككينونة للإنسان لتجتمع هذه الثلاثية أو الرباعية (إذا أضفنا ديكارت) على إيلام العقل الإنساني وجرح صرحه العتيق.
نصل من خلال هذا الطرح هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي باعتباره هو الآخر ثورة علمية وصناعية وتكنولوجية جديدة أن يكون جرحا آخر في ظهر العقل الإنساني؟ أم أنه أداة علمية يستعين بها العقل على مداواة جروحه الفلسفية ؟.
لو تأملنا بشكل دقيق الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوم ستتجلى معالم الإجابة عند كل واحد منا، وهي إجابات متباينة تبعا لمنظوره الخاص وطبيعة استخدامه لهذه التقنية، ولا شك أن استخدام الذكاء الاصطناعي بات ضرورة حتمية في مختلف المجالات، غير أن مسألة التفريط فيه أو التمادي في الاعتماد عليه تبقى رهينة بالإطار الفكري والرؤية المعرفية التي يتبناها كل مجتمع تجاه هذه الثورة التقنية.
وحين ننطلق من فرضية أن الذكاء الاصطناعي حل محل الذكاء البشري سنصل إلى أنه جرح آخر في صرح العقل الإنساني، بكونه لا يختلف عن التصورات الآنفة الذكر، بل يذهب إلى أخطر من ذلك، لأن سيلغي عقلانية الإنسان، ومهمته وفاعليته في بناء المعرفة، ليجد الإنسان نفسه -ربما- في بداية النهاية.
هل الذكاء الاصطناعي جرح آخر في صرح الذات والعقل الإنساني؟.
إن المتأمل في التاريخ الإنساني يجد أن العقل منذ اللحظة الأفلاطونية الأولى شكّل محورا مهيمنا على تفسير الحقيقة؛ حيث وجّه أفلاطون الفلسفة نحو عوالم المثل والفضيلة، موكلا إلى العقل مهمة استكشاف العلاقة بين الميتافيزيقا والواقع. وقد ظل الإنسان مشدودا لهذه النزعة والسير في مدارها، إذ استعملها العصر الوسيط أو ما يسمى (بعصر الظلام)؛ حيث كانت الكنيسة مهيمنة على شؤون الحياة الإنسانية بتفسيراتها الميتافيزيقية، وأخضعت أنساق التفكير لهيمنة التفسيرات اللاهوتية التي رسّختها الكنيسة إلى غاية اللحظة الكوبيرنيكية (نيكولا كوبيرنيكوس) التي غيرت مرحلة التفكير الإنساني عامة، والغربي خصوصا بميلاد العقل العلمي كثورة مضادة على هذه التفسيرات اللاهوتية، مشكلة بنية العقل النهضوي الأول إزاء الطبيعة والواقع والإنسان، فلم يعد العقل مفسرا وحيدا للحقيقة، بل صار أداة نقدية تستكشف قوانين الطبيعة ضمن رؤية تجريبية مادية.
حين نزل العقل من البرج الأفلاطوني الميتافيزيقي إلى عالم الماديات الواقعي، بدأت سلسلة أخرى من الانقلابات الفكرية التي أحدثتها الثورة العلمية والصناعية باعتبارها حرجا حميدا في بدايته، ولكنها سرعان ما عمقت هذا الحرج وزادته إشكالية، حينما أعلن ديكارت فلسفته الشكية مؤسسا لقطيعة إبستمولوجية عبر مقولته الشهيرة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود".
لم تلبث هذه النهضة العلمية والثورة الصناعية حتى عمقت جرح هذا العقل من جديد عن طريق العلاقة القائمة بين الفلسفة والتكنولوجيا؛ ليأخذ هذا العقل الإنساني في البحث من تساؤلات الوجود إلى تساؤلات الإنوجاد، التي أفرزت لنا حداثة جديدة لم تكتف بتأسيس أنظمة معرفية، بل أنتجت أدوات الهيمنة والقوة تجلّت في القن/بلة الذرية، وغيرها من أدوات الغزو، وهو ما حدث بالضبط مع هوريشيما وناكازاكي، أو مع الهنود الحمر (السكان الأصليين لأمريكا)، فتساؤلات الانوجاد غيرت ملامح الوجود البشري لأنه كان انوجادا قصريا بالقوة والإبادة.
لم يقف الجرح عند هذا الحد، بل غار وازداد حين أعلن نيتشه فلسفته العدمية (موت الإله) منتقدا التصورات القيمية التقليدية، أما ماركس من خلال نظريته الماركسية التي أسقطت الوعي الفردي لصالح الحتميات الاقتصادية، ثم لتأتي نظرية فرويد النفسية معلنة سلطة اللاوعي ككينونة للإنسان لتجتمع هذه الثلاثية أو الرباعية (إذا أضفنا ديكارت) على إيلام العقل الإنساني وجرح صرحه العتيق.
نصل من خلال هذا الطرح هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي باعتباره هو الآخر ثورة علمية وصناعية وتكنولوجية جديدة أن يكون جرحا آخر في ظهر العقل الإنساني؟ أم أنه أداة علمية يستعين بها العقل على مداواة جروحه الفلسفية ؟.
لو تأملنا بشكل دقيق الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوم ستتجلى معالم الإجابة عند كل واحد منا، وهي إجابات متباينة تبعا لمنظوره الخاص وطبيعة استخدامه لهذه التقنية، ولا شك أن استخدام الذكاء الاصطناعي بات ضرورة حتمية في مختلف المجالات، غير أن مسألة التفريط فيه أو التمادي في الاعتماد عليه تبقى رهينة بالإطار الفكري والرؤية المعرفية التي يتبناها كل مجتمع تجاه هذه الثورة التقنية.
وحين ننطلق من فرضية أن الذكاء الاصطناعي حل محل الذكاء البشري سنصل إلى أنه جرح آخر في صرح العقل الإنساني، بكونه لا يختلف عن التصورات الآنفة الذكر، بل يذهب إلى أخطر من ذلك، لأن سيلغي عقلانية الإنسان، ومهمته وفاعليته في بناء المعرفة، ليجد الإنسان نفسه -ربما- في بداية النهاية.