د. عبدالجبار العلمي - مفاهيم نقدية البنية والإيقاع (الجزء الأول: البنية)

سنحاول في هذه الدراسة عرض هذين المفهومين كما حددها الباحثون والمنظرون سواء في بعض المعاجم والدراسات الغربية أو العربية، وسنقسمها إلى جزأين: الأول نخصصه لمفهوم البنية ؛ والثاني لمفهوم الإيقاع باعتباره المكون الأساس في البيت الشعري والمرتبط ارتباطاً بنائياً بجميع مكونات الشعر الأخرى : الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية. إنه دال من الدوال الشعرية الأخرى التي يعبر الشاعر به عما يعتمل في أغوار نفسه من مشاعر وهموم وهواجس لا يستطيع التعبير عنها إلا بالإيقاع لتعقدها وتعقد الحياة من حوله.
الجزء الأول : مفهوم البنية
وضع المعجم السيميائي ( Sémiotique ) لصاحبيه «جريماس» و«كورتيس»() مصطلح
«البنية» في إطار اللسانيات البنيوية التي يريان أنها نجحت في منحه طابعا إجرائيا .
وورد في «معجم النقد الأدبي» () (Dictionnaire de critique littéraire) " أن البنيوية التي تنتسب إلى «كتاب دروس في اللسانيات العامة» لفرديناند دي سوسير . الصادر سنة 1916 ، تحاول أن تكشف داخل اللغة عن بنيتها. ففي البنية يمكن أن ندرك قانون تركيب نظام ما ، نظام يضم مجموعة مغلقة من العناصر مرتبطة فيما بينها ارتباطاً متيناً إلى درجة أنها شبيهة بعنصر واحد خفي".
ويذكر هذان الباحثان في معجمهما النقدي « أن حدود التحليل البنيوي تظهر بجلاء أكبر في حقل الشعرية البنيوية التي يمثلها بشكل خاص جاكبسون . يتعلق الأمر ببحث في النصوص الماثلة بمعنى أنه لا يهتم بالمعطيات الخارج ـ نصية ، بل إن ما يعتبره غاية اهتمامه هو إعادة النص إلى بنية عامة هي : الأدبية ». ومن المعلوم أن مفهوم «البنية» طرح لأول مرة في براغ سنة 1923 إذ « نظر إلى العمل الأدبي بوصفه نسقاً ، وطبقت عليه مناهج العلوم الألسنية ومعاييرها » (). ولقد أسهم (موكاروفسكي) Jan Mukarovsky (1891-1975) في المناقشة التي دارت حول هذا المفهوم ابتداء من سنة 1926 ، وهكذا نجده يعرف البنية بأنها « مجموع مركب من مكونات مترابطة ومتحققة بصورة عملية وجمالية في سلسلة متصاعدة ومعقدة يربط بينها على التوالي العنصر المهيمن على هذه المكونات ". ويؤكد البنيويون في حلقة براغ وجود علاقات داخلية للعمل الأدبي ، " فالوحدات الصوتية (Phonème ) والمكون الصرفي ( Morphological ) والمكون المعجمي ( Lexical ) والمكون النحوي التركيبي (Syntactical ) تتآزر فيما بينها داخل النص الأدبي ، فلا يصبح لأي مكون من هذه المكونات أي معنى في ذاته ، بل إنما يتحقق معناه من حيث علاقته بكل المكونات الأخرى للعمل نفسه ".ويقول أستاذنا أحمد اليبوري أن "يوري لوتمان "Iouri Lotman لدى مساهمته في ضبط مفهوم النص ، أشار إلى "أن للنص طابعاً بنيويا لا تُقدّم فيه العلامات عن طريق التعاقب بين حدين خارجيين ، بل هناك تنظيم داخلي خاص يحول النص على المستوى الأفقي إلى كل مبنين "()
إن المبدأ الذي يؤكد عليه البنيويون هو مبدأ العلاقة بين الأجزاء بوصفها أساساً لفهم بنية أي عمل فالمهم بالنسبة إليهم هو البحث عن الأجزاء أو العناصر بعضها ببعض بقصد الكشف عن النسق أو النظام الذي يؤدي إلى وحدة العمل " (). ويرى د.صلاح فضل" أن بعض المعاجم الأوروبية ، تضيف فكرة التضامن بين الأجزاء ، لأن المبنى ينهار إن لم يكن هناك تضامن بين أجزائه " () ومن هنا ، فإن النص عبارة عن بناء متراص يعضد كل عنصر فيه بقية العناصر الأخرى، فهو« بنية شمولية لبنى داخلية : من الحرف إلى الكلمة إلى الجملة إلى السياق إلى النَّص»() إن البنية عموماً تحمل معنى « المجموع» أو «الكل» المؤلف من ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه ، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلاَّ بفضل علاقته بما عداه ( ). وعلى الباحث أثناء قيامه بعملية التحليل أن يتوصل إلى النظام أو النسق الذي يحكم مجموعة العناصر التي تشكل العمل الأدبي.
والحقيقة أنَّ «البنيةَ» سواء في اللغة اللاتينية أو في لغتنا العربية تعني البناء ، أو الطريقة التي يتم بها البناء والتشييد والتركيب . وإذا كان فنُّ المعمار يستخدم هذه الكلمة منذ منتصف القرن السابع عشر . فإن لغتنا العربية ونقدنا العربي عرف هذا المصطلح قبل ذلك بكثير، وإذا كان د. صلاح فضل يؤكد أن كلمة «بنية» وردت في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة بصيغ مختلفة «بنى» ؛ «بناء» ؛ «بنيان» ؛ «مبنى» ، ولكنها لم ترد فيه ولا في النصوص القديمة بهذه الصيغة: «بنية»، فإن الأستاذ محمد أوراغ قد أثبت ورودها بكثير من الحجج والأدلة والشواهد في بحثه العلمي الدقيق الذي رصده لمصطلح البناء / البنية في النقد الشعري العربي القديم (). فقد ورد في هذا البحث أن كلمة « بانياً » جاءت في كلمة للعجاج الراجز المخضرم وأن مصطلح البناء كان متداولاً ومنتشراً بشكل واسع. فالبناء صناعة ، والباني صانع والشعر صناعة: مثله مثل سائر الصناعات تتطلب مهارة وثقافة .. وواضح هنا أن النقد الأدبي العربي اقترض بعض مصطلحاته من المجال الصناعي. وعملية البنيان لها وظيفة تتمثل في تخليد الآثار ، والشعر يقوم بنفس هذه الوظيفة. ويرى الباحث أن هذه الكلمة انتقلت من المعنى اللغوي إلى المجال الاصطلاحي حيث تصاحب معها بعض دلالاتها وصفاتها الخاصة . فقد ذكر ابن رشيق كلمة « الأبنية ». وذكر بشار كلمة البنية في قوله : « إن بنيتها أعرابية وحشية ». وأثبت الباحث كذلك « أن أول استعمال دقيق لمصطلح البنية نجده عند قُدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر" . كما أكد ورود لفظة الِبُنَى ( بضم الباء وكسرها ) وهي جمع بنية عند السكري في شرحه لديوان الحطيئة ( انظر: ديوان الحطيئة ، دار صادر، بيروث ،ص:41 ) . غير أن استعمالها كمصطلح كان من طرف قدامة حيث ورد في كلامه : « أن بِنْيَةَ الشِّعر إنما هو التسْجيع والتقفية». ويثبت الباحث أن قُدامة في استعماله لهذا المصطلح قد توخى ترسيخ دلالات محددة ومتداولة للكلمة. فهي الهيئة التي بني عليها الشيء وهي تعتمد التأليف والتركيب بين العناصر المختلفة ، بين الدال والمدلول ، بين اللفظ والمعنى ..».
ويرى الأستاذ محمد أوراغ أن بنية الشعر تبرز عند قُدامة أيضاً في اعتماد قواعد العروض واحترام قوانينه ، فأي إِفراط في تكسير الوزن بالزحافات المتعددة قد ينتج شعراً رديئاً. وهكذا يتحول مصطلح البنية في عمل قٌدامة ـ كما يرى الأستاذ أوراغ ـ إلى وسيلة إجرائية تساعد في تحليل النص الشعري لأنها تنصب على أخص مميزاته كالوزن والقافية . أما ابنُ رشيق فيرد هذا المصطلح عنده مقترناً بعنصر الحد ، فقد خص فصلاً مستقلاً في كتاب العمدة للبحث في حد الشعر وبنيته، فإذا كان حدُّ الشعر هو : « اللفظ الموزون المقفى الدال على معنى » ، فإن بنيته كامنة في التأليف الخاص لهذه العناصر والعلاقات التي يحدثها التأليف . ويتبدى من خلال هذا البحث القيم أن النقد العربي عرف مصطلح "البنية" ، وكان واعيّاً بمسألة العلاقة الجدلية بين اللفظ والمعنى ، ويؤكد د. زكريا إبراهيم ذلك بقوله : « إن أهل اللسان العربي حين يفرقون في اللغة بين " المعنى " و " المبنى " ، فإنهم كانوا يعنون بكلمة " مبنى " ما يعنيه اليوم بعض علماء اللغة بكلمة " بنية "» (مشكلة البنية ص : 32).
ومن الجدير بالذكر، أنَّ مفهومَ "البِنية" قد عرف عدة تحديدات في النقد العربي أو في مجال الدراسات البنيوية المعاصرة عند كل من دي سوسير() وليفي شتراوس وجاكبسون () وتروبتسكوي وجان بياجيه وجان بيير ريشار، وكلُّها لا تخرج عن دلالة النسق أو النظام ، فهي كما يرى ليفي اشتراوس «تحمل ـ أولا وقبل كل شيء ـ طابع النسَق أو النظام ، فالبنية تتألف من عناصر يكون من شأن أي تحول يعرض للواحد منها ، أن يحدث تحولاً في باقي العناصر.


بقلم عبد الجبار العلمي

يتبع



===============
دراسة حول بعض المفاهيم النقدية : البنية والإيقاع / آلجزء الأول : البنية . وهي جزء من مهاد نظري لبحث حول البنية الإيقاعيّة في الشعر العربي الحديث. الدراسة منشورة في جريدة " الشمال " ، عدد يوم السبت 22 / 02 / 2025 .



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...