معاوية محمد الحسن - هل كانَ ابونُواس نرجِسياً؟ (حولَ مفهوم القراءة النفسيةِ للأدب)

لم يركن الأديبُ والعالمُ الكبير عباس محمود العقاد إلي تفسيرات القُدامي، ولا إلي تكهُناتِ المُحدثين بشأنِ شخصيةِ أبي نُواس التي أثارت جَدلاً واسعاً وما تزال في أوساطِ العامةِ والنُخبةِ من جمهرةِ الأدبِ علي حدٍ سواء ، فقد أذاعَ أوائلُ الإخباريين، كأبنِ منظور مثلاً، عن الشاعرِ الكبيرِ تُهماً عديدةً ليس إبتداءً بأنه ماجِنٌ، مُتَهتِكٌ، سِكِير وعربِيّدٌ ، وليسَ إنتهاءً بأنه متزندِقٌ وصاحبُ هويً للغِلمانِ والغُلاميات.

ولقد رَشحَ كلُ ما رشحَ عن سيرةِ النُواسيّ، إستناداً إلي ما رُوي عنِ شِعرهِ الذي عَكسَ صوراً عديدةً عن مباذِلهِ في عصر الإنفتاح العباسي، فهو القائلُ في مقامِ الردِ علي مجايلهِ أبي العتاهية حينما بذلَ إليه النُصحَ في أن يرعويّ عن غيِّهِ:
أ تُراني يا عتاهي
تارِكاً تلك الملاهي
أتراني مُفسِداً بالنُسكِ
بين المُردِ جاهيّ؟
وفي مفتتحِ بحثهِ عن أبي نواس يذهبُ العقاد إلي انّ شُهرةَ أبي نُواس، سيّما وسط العامة، تنبع بالأساس من كونهِ يمثلُ شخصيةً نموذجية، اي أنه بمعنيً أخر، يمثل نموذجاً إجتماعياً يعيشُ في كلِ زمانٍ، شانه في ذلك شأنُ شخصية عنترة العبسي في الشجاعةِ والناسُ بحسبِ العقاد مولعونَ دائماً بالتحدثِ عن الشخصياتِ النموذجيةِ والنمطيةِ، يضيفون وينسبونَ لها كل خبرٍ ليس من جِنسِ أخبارها ولا يري العقاد وفقَ هذا التصور شهرةَ أبي نواس وسطَ الأميين وأشباه الأميين علي نحوٍ خاصٍ، إلا لكونِه شخصيةً ذاتَ أخبارٍ وعلي هذا الاساس نري إخباريات ابي نواس ونَوادِرهِ تطغي علي إنتاجهِ الشعري، الذي لم يقتصر علي الغزلِ والخمرياتِ، بل تخطاه إلي الشعرِ المتفلسفِ الذي يقدم رؤيا فريدةً حول حقائقِ الحياةِ والوجود، بل نري أيضاً النواسيّ ينظمُ شعراً غايةً في الروعةِ والجزالةِ في الزُهدِ ولا يكاد المرء يقفُ في شعرِ الزُهدِ والتصوف علي ما هو أبلغُ من قولهِ:
الا يا رُبَ وجهٍ في الترابِ عتيقِ
ويا رُبَ حُسنٍ في الترابِ رقيقِ
ويا رُبَ حزمٍ في الترابِ ونجدةٍ
ويا رُبَ رأيٍ في التُرابِ وثيقِ
وما الناسُ إلا هالكٌ وابنُ هالكٍ
وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ
اذا إمتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشفت
له عن عدوٍ في ثيابِ صديقِ.
وقد قِيلَ، بهذهِ المناسبةِ، انّ الشاعر ابا العتاهيةَ قد بلغ بهِ الإعجابُ بهذه الأبيات حدَ أنه اسرّ يوماً إلي بعضِ جلساءهِ أنه يودُ لو أنه كانَ قائلها، ويذكرُ إبن منظور أن الخليفةَ المامون حين أُنشُدت هذه الأبيات في حضرته قال(واللهِ، لو سئلت الدُنيا أن تصِف نفسها، ما زادت علي ما قاله أبو نواس شيئاً)
ومع ذلك كله، لم يُعرف أبو نواس إلا كنموذجٍ في المجونِ والتَهتك ولا يتردد العقادُ هُنا في التشكيكِ في كثيرٍ مما وردَ عن اخبارِ النُواسيّ ونوادرهِ وهو لا يريَ في شهرتهِ التي فاقت شُهرة نظرائه من شعراءِ العصر العباسيّ، الا لتمكُنِ شهوةِ الكلامِ وسط العامة عن الرجل، فالنواسيّ لا يكاد يقفُ شاهداً علي عصرِ الاباحيةِ ايام مجدِ الدولةِ العباسيةِ وعِزها فحسب، بل إنه كذلك يفضحُ رغائبَ في اللذةِ و العهرِ والتهتك، كامنةً علي مستوي اللاوعيّ الجماعيّ وسط مجتمعاتنا التي تبحثُ بطريقةٍ لا واعية عن تحريرِ ما هو مكبوتٍ، ولذلك نراهم يجعلون أبا نواس شخصيةً نموذجيةً في اللهوِ والتهتك، يحيلونَ إليها كلَ تلك الرغباتِ المكبوتةِ في العقل الباطن.
وليس شذوذاً عن المتقدمينَ كإبن منظور، فإنّ المُحدثين راحَوا كذلك يُنمذِجونَ شخصيةٍ أبي نواسَ ويجعلونها نموذجاً في اللهو والفسق والاباحية.
وهكذا، سيطرت شخصية الشاعر العابثِ اللاهيّ علي إرثِ أبي نُواس وقُتلت بحثاً علي مدي زمانٍ طويل، وفقاً لمنظورٍ أحادي، لا يكاد يستندُ إلا إلي مباديء النقد السِيريّ biographical ctiticism الذي لا يريَ في إبداعِ الكاتبِ ومنتوجهِ إلا إنعكاساً مباشراً لحياتهِ الشخصيةِ، وهكذا راحَ أيضاً بعض الذين اساءوا النظر الي العمل الادبي بحسبانهِ تجسيداً لحياةِ صاحبه، يصورونَ شخصيةَ نزار قبانيّ في عصرِنا الحالي،كشخصيةٍ لاهيةٍ علي نحوِ ما راجَ في قصائدهِ وهم يجعلونَ كذلك شخصيةً أدبية شهيرةً مثل (مصطفي سعيد) في موسمِ الهجرةِ إلي الشمال إنعكاساً مباشراً وصورةً طِبق الأصلِ لحياةِ مؤلفها في لندن إبانَ خمسيناتِ القرنِ الماضي! .
نرجسية ابونُواس:مقاربةٌ نفسية محفوفةٌ بالمخاطر!
-----------------------------------------
هكذا حملَ العقادُ صليبه وراحَ يضربُ في شِعابٍ وعرةِ المسالكِ، محاولاً أن يختطُ سبيلاً اخر في بحثهِ عن شخصيةِ أبي نُواس، ومما يُحمد له أنه قد كان مِن اوائل الذين حاولَوا الافادةِ من نظرياتِ ومناهج علم النفس الحديث في حقلِ الدراساتِ الأدبية، حين كانَ بعض مجايليهِ ما يزالون يرزحونَ تحتَ وطأةِ إستبدادِ مناهج َونظرياتِ القراءةِ المنغلقة للنص الأدبي، وتلك مناهجٌ شديدةُ البؤسِ، بالغةُ العُقمِ إذ أنها تعتمدُ علي مبدأ إغلاقِ القصيدةِ مقابل فتحها أمام جملةِ مؤثراتٍ داخليةٍ تتعلق بالبيئةِ النفسيةِ للشاعر، وأخري خارجية تتعلقُ بالبيئة الثقافيةِ والخارجيةِ للمنتوج الأدبي والفني.
وليسَ هناك ما هو أدعيَ لرفضِ هذه المناهج المنكفئةِ حول النص كبنيةٍ مكتفيةً بذاتها، اكثرَ من كونها تُحِدُ كثيراً من حركةِ النص وتعطِلُ ديناميكتهِ في الدلالة الي حدٍ كبير، فالشاعر والناقدُ الانكليزي المعروف ماثيو آرنولد مثلاً كان يري أن حيويةَ النصوصَ الأدبية، تتراوحُ بين جدليةِ(الداخل/الخارج)، ثم قام بعد أرنولد رائدُ الحداثةِ الشعريةِ تي. اس إليوت،فراحَ يذمُ إغلاق النصوص ويدعو إلي مساءلتِها وفق أفقِ ما هو خارجٌ عنها في السياقات الثقافيةِ والاجتماعية وما تزال المعركة محتدمةً بين أنصار جماعة النقد الجديد New Criticism والشكلانيون Formalists وجماعة نظريات التلقي حول حدود سلطةِ النص ووحدتهِ واستقلايتهِ، وهذا حديث اخر ربما نسوقهُ في موضعٍ اخر.
َوبالعودةِ إلي ما ذكرهُ العقاد حولَ شخصيةِ أبي نُواس في كتابهِ(ابو نُواس/الحسنُ بن هانيء)(1)، فإن العقاد قد إنتهى به الأمر إلي أن يجعلَ شخصيةَ أبانواسَ شخصيةً نرجسيةً، والنرجسيةُ كما ورد ذلك في وصفِ الجمعيةِ الاميركيةِ للطبِ النفس (APA(2، هي شخصيةٌ متمركزةٌ حولَ الذاتِ أو منشغلةٌ بها، وتتميزُ بجملةِ خصائصٍ من بينها مثلاً ان صاحبها شديدُ الولهِ بذاتهِ ولذلك فهو.دائماً بحاجةٍ إلي إعجاب الاخرين والحصول علي تقديرِهم َوثناءهم ، كما إن النرجسيُ ايضاً ينزعُ نحو الإعتقادِ بأنه صاحبُ قُدراتٍ تفوقُ قدراتِ الاخرين وأنه اكثر اهميةً منهم، ولعل اخطرَ صفاتِ النرجسي، بحسبِ وصف الجمعيةِ الاميركيةِ للطِب النفسي، انه دائمُ الانشغالِ بمظهرهِ الجسدي وبجاذبيتهِ الجِنسيةِ.
يبني العقاد فرضيتهُ حول نرجسيةِ ابي نُواس إنطلاقاً من شعرهِ وقصائدهِ أكثرَ من إخبارياتهِ ويوردُ جملةً من خصائصِ الشخصيةِ النرجسيةِ ويستقي من شعرِ النواسي ما يُلائمُ تلك الصفات ثم يحدثنا في ثقةٍ بالغةٍ َوهو يُشيرُ إلي ابي نواس وكأنه يوميء قائلاً:
(الم أقل لكم انَ الرجل كان نرجسياً؟)
ومِن بينِ الخصائصِ النفسيةِ للشخصيةِ النرجسيةِ التي يرمي بها أستاذنا العقادُ أبا نواس، لازمةِ العرض exhibition ولازمةُ التوثين الذاتي auto-fetishism ولازمةُ الاشتهاء الذاتي auto-erotism ويرميهِ كذلك بلازمةٍ اخري هي لازمةُ الإرتداد او النكوص Regression، والعقاد يجعلُ من هذهَ المتلازمات محورَ شخصيةِ ابي نواس ويزعمُ انها جميعاً تُمثلُ جِماعَ شخصيةِ الرجل في خلائقها التكوينيةِ والتبعيةِ معاً، نافياً عنه صفةُ الشذوذ الجنسي homosextuality ونراه كذلك يُندِدُ بفهمِ العامةِ وانصافَ المتعلمين حول طبيعةِ شخصيةِ ابي نُواس.
ولا يكاد العقاد يفرغُ من شرحِ لازمةٍ من اللوازمِ المرضيةِ للشخصيةِ النرجسيةِ، حتي يهرعُ إلي شعرِ النواسي َ فياتي بدليلٍ علي ما يقول، فعندما يتحدثُ علي سبيلِ المثال عن لازمةِ العرض، يخبرنا ان النواسيّ النرجسي العتيد، كان يُجاهرُ بفواحشهِ ويتباهي بها امام الخلق، متحدياً إياهم وساخِراً من ريائهم ونِفاقهم ومما يوردهُ العقادُ هُنا بيت الشعرِ الاكثر شيوعاً لابي نواس:
(الا، فاسقني جهراً وقل ليّ هي الخمرُ
ولا تسقيني سِراً إن أمكنَ الجهرُ)
وليس بعيداً عن هذا المعني قولهُ ايضاً:
(الحمدُ للهِ، أني علي حداثةِ سِنيّ
فقتُ المحبينَ طُراً ببعضِ ما شاعَ عني)
وعندما يتحدثُ العقاد عن لازمةِ اخري كلازمةِ التلبيس ideantfication، لا ينسي ان يورد دليلاً علي صحةِ زعمهِ والدليلُ الذي يقدمه العقاد هُنا، ابياتاً للنواسيّ قالها في عِشقِ غلامٍ الثغَ وقد كان أبو نواس نفسهُ ألثغاً، حسبَ ما وردَ في سِيرتهِ، والابيات هي:
وبأبي، ألثغَ لاججتهُ
فقالَ في غنجٍ وإخناثِ
لما رأي مني خلافي له
كم لقِي الناثُ مِن الناثِ
نازعتهُ صهباءَ كرخِيةٍ
قد حُلِبت من كَرمِ حراثِ
وفي تفسيرهِ للأبياتِ ومغزاها، يري العقادُ أن التلبيس او التشخيص واضحٌ وصريحٌ هُنا وان أبا نواس يُلبِسُ ذاتهُ ويعكسها هُنا بدلاً عن العكس فهو قد كانَ ألثغاً مثل الغُلام الألثغ الذي تدلهَ في عِشقهِ وحتي يدرأ العقاد عن أبي نواس صفةَ الشذوذ الجنسي، يستدركُ قائلاً أن النواسي لم يكن يلبِسُ ذاتهُ ويخلعها علي جِنسِ الغلمان فقط، بل إنه كان يفعلُ ذاتَ الشئ مع الإناث، فهو القائلُ في وصفِ إحدي الجواري، تشبيهاً لها بالكتاب.
(مؤنثةٌ، مؤزرةٌ بها ألمٌ وبي ألمٌ
تجرُ ذيلَ مئزرِها وفارِسُ أذنها
قلم!).
هكذا، إذن يعمدُ العقاد الي آلياتِ التحليل النفسي وطرائقهِ، محاولاً توظيفها ليس فقط في فهمِ ودراسةِ النصوص الأدبية ولكن أيضاً لفهم طبيعةِ شخصية مُبدع تلك النصوص ، وقد قُلنا ان مآثرة العقاد في هذا الخصوص، هي أنه كان من اوائلِ الذين تنبهوا لهذا المنهج العلميّ في تناولِ النصوصِ خلال الحِقبة المعاصرةِ للأدب العربي إبان طغُيان المدارس الكلاسيكيةِ ولقد كانت محاولتهُ جريئةً بالفعل وإن إكتنفتها بعضُ المشكلات.
تستندُ المقاربات النفسيةِ للآدبِ والفن َبصورةٍ عامةٍ علي اعمال سيغموند فرويد وخَلفهِ (جاك لاكان) ، فقد إهتم فرويد منذُ البدءِ بالكُتاب وبأعمالهم، كما يري الدكتور محمود أبو سمرة، (3) لسببين أساسيين، أولهما لما يمكن للأدب أن يُلقيهِ من أضواءٍ علي موضوعاتِ التحليل النفسي،وهكذا نري فرويد يستعين بأعمال ديستوفسكي وغوته وشكسبير وابسن وهوفمان لشرح جدلية الوعي/اللاوعي َوالشعور/واللاشعور التي تمثل ركائز الحياةِ النفسيةِ والعقليةِ ومن ناحيةٍ اخري فإن فرويد قد إستدعي الأدبَ إلي ميدان التحليلي النفسي، حتي يدفعَ عن التحليل النفسيًَ تُهمةَ أنه محضُ اوهامٍ فارغةٍ لا معني لها، فقامَ فرويد يُحللُ في نحو ستةِ الآفِ صفحةٍ اعمال شكسبير ودانتي وجوتة محاولاً ان يثبتَ للناسِ أن الانتاجَ الأدبي هو إنتاج غيرَ واعٍ، وبعبارةٍ أخري كما يري فرويد فإن إبداعَ الكاتبِ تُسيره قوي داخلية تُعبرُ عن عملياتٍ نفسية معقدة، تتحكمُ فيها عوامل اللاشعور.
ولعل العقاد في بحثهِ عن أبي نواس قد إستهدي بهذا الرأي لمؤسسِ مدرسةِ التحليل النفسي، فراحَ يحاولُ قراءة نصوصَ أبي نواس للتدليل علي شخصيتهِ ولكن فرويد هُنا قد فعل العكس، فهو يتخذُ النصوصَ الأدبية مطيةً للنظرية ولاثباتِ صحةَ فرضياتها ولكنه لم يستخدم النصوص لمحاكمةِ كاتبيها بصورةٍ مباشرة.
ولعلَ المأزق الحقيقيّ الذي وقعَ فيهِ أستاذنا العقاد، من وجهةِ نظرٍ اخري ، يتعلق بمنطقِ التحليل النفسيّ للشخصياتِ الفنيةِ والأدبية،لأن نصوص النواسيّ تظل في نهايةِ الأمر نصوصاً فنيةً، صادرةً عن مخيلةٍ فنيةٍ ولكنها لا تعبر بالضرورةِ عن شخصيةٍ حيةٍ بمقدورها أن ترتادَ عيادةَ الطبيب النفسي، كما إنه ليس بإمكان الاخرين أن يودعوا مثل تلك الشخصية المشافيّ النفسيةِ والعقليةِ ويخضعونها بالتالي لعمليات فحص سريرية، وبالتالي، يصبحُ من العسير جداً ان نقارب الكاتب مع كتابتهِ وفق هذا المنطق بصورةٍ دقيقةٍ تماماً.(هل تُرانا هنا بحاجةٍ إلي ان نقولَ ذات الشيء بالنسبةِ لتطابقِ شخصيةِ مصطفي سعيد مع شخصيةِ مخترعِها؟؟!)
وحول هذهِ المسألةِ الشائكةِ والمعقدةِ، تخبرنا باحثةٌ أمريكيةٍ نابهةٍ، هي لويزا تايسون(4)، وذلك خلال تحليلها لشخصيةِ البطل في روايةِ فيتزجرالد المعروفةِ(غاتزباي العظيم)،تخبرنا، انّ بعض النُقاد قد ابدوا اعتراضهم علي استخدامِ اساليب التحليل النفسي في تحليلِ سلوكِ الشخصياتِ الفنية، لأن مثل هذه الشخصيات بحسب زعمهم، ليست شخصياتٍ من لحمٍ ودمٍ وإنما هي محضُ شخصياتٍ ورقيةٍ ولكن تايسون تردُ عليهم قائلةً بإمكانيةِ المقاربةِ النفسية، ومدعيةً ان مثل هذه الشخصيات وإن لم تكن حقيقةٍ تسعي بين الناس، الا انها من صُنع المخيلةِ الإنسانيةِ وبالتالي فإنها تعكسُ قدراً كبيراً من التجربةِ الإنسانيةِ.
ومهما يكن من أمرٍ، فإن إبداع الكاتب يظل رهيناً لجملةِ عوامل نفسيةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ ولغويةٍ، تتبدي في المنتوجِ الإبداعي بدرجاتٍ مختلفةٍ َوبالتالي فإنه من الصعوبةِ بمكان الزعمُ بأن شخصيةَ الكاتب يمكن إستدعاءِها هكذا بكل بساطةٍ واريحيةٍ من جملةِ ما كتب، فما النصُ الا نتاجُ ديناميكياتٍ مختلفة تنداخلُ وتتشابكُ مع بعضها البعض ولنا في رائدِ النفكيكيةِ جاك دريدا إسوةٌ حسنة، حين ذهبَ الي ان النصَ هو أثرٌ لاثارِ آثار أخرى قد سلفت، ولن ننسي كذلك هُنا ما قاله احد حواريّ دريدا من التفكيكيين المتاخرين وهَو الفرنسي رولان بارت الذي اقرّ بأنّ عملية القراءةِ الوحيدةِ والمنغلقةِ للنصِ، إنما هي في واقعِ الأمر عملية خِصاءٌ للنص لأنها تعمل علي تثبيت المعني، وفي ظنيّ المتواضع فإن قراءةَ العقاد لأبي نواس قد كانت من هذا النوع ولو إنها تبنت نهجاً أكثرَ حداثويةً في البحثِ والتناول.

ولكن كيف يتم تحريرُ أبونواس من ابي نواس؟
--------------------------------------
مع تسليمنا واقرارنا التام بالقيمةِ المضافة التي قدمها العقاد للنقد الادبي عبر مساهمتهِ الكبيرة حول اعادةِ قراءة شخصيةَ ابي نواس علي ضوءِ منهج التحليل النفسي، يجدرُ بنا أن نُقررَ ان اهمية البحث عن ابي نواس التاريخي، كما تشكلَ وتبدي في وعيّ اصحاب التُراث الشفاهيّ والمكتوب، تقل كثيراً عن أهمية البحث عن ابي نواس - الذات المُبدعة التي تجسدَت علي خطِ أفقِ اللغةِ وبناء الذات والكينونة.

ان اكثر ما يبرزُ هُنا خلال فحصِ شخصيةِ الشاعر، لا يكاد يقع إلا ضمن نطاقِ اللغةِ بمفهومها الهايدغري، الذي يمتص ُ الكينونةِ كلها ويختزلُ وجود الذات في اللغةِ وحدها، فنحنُ نعلم أن هايدغر كان ينظرُ إلى اللغةِ باعتبار انها تمثلُ(بيت الكينونة) وبحسب ما اوردَ الدكتور عبد العزيز حمودة فإن هايدغر قد نظر الي العلاقة بين افق الوجود الانساني والكينونة واللغة، باعتبار أن الوجود يسبق الكينونةِ والكينونة نفسها تسبق اللغة ولكنها تتشكل بقدرٍ كبير داخل اللغةِ(5)
وهكذا، تصبح شخصية أبانواسَ وفقاً لهذا المفهوم الهايدغري شخصيةً لغوية في المقام الاول تتشكلُ داخل احشاءِ اللغةِ وتتغذي منها أكثرَ من كونها شخصيةً يمكن تأطيرها داخل أطرٍ نفسيةٍ محددةٍ .
وفي هذا السياق أيضاً يصبح إستدعاء جاك لاكان في حديثهِ عن اللغةِ كنسقٍ رمزيٍ للثقافةِ امراً ضرورياً، حيث تمكن الاشارةُ هنا وفقاً للمفكر والباحثِ العظيم لاكان، الي سؤالٍ ذي اهميةٍ عظيمة وهَو (هل تسبقُ الكتابةُ الماهية ام العكس؟) وفي ظننا المتواضع فان الاجابة علي هكذا سؤال من الممكن ان تُحيلنا الي مفاتحَ أساسية في فهم شخصيةِ أبي نواس،فتصبح المسألة الأكثر اهميةً بالنسبة لشخصية أبي نواس هي مسألة البحثُ عن الكائن المتجلي والمتحقق علي مستوي النسق الرمزي للثقافةِ بدلا عن البحثِ عن مايتجلي فقط علي سَطح ذاكرةِ الاخباريات والتُراث الشفاهي والمكتوب الذي يصف العقاد غالبهُ بأنه منحول.
إن بلوغ هذه الغاية في ظنيّ لا يُدرك فقط بإعمال منطق التحليل النفسي وحده، َولكن عبر تحرير الخطاب النقدي من عبء البحث عن المعني لدي الكاتب او المؤلف، باعتبار ان الكاتب وحده هو مخزنُ المعني الوحيد، بعيداً عن السياق والاشتراطات اللغويةِ والثقافيةِ النقدي وفي هذا الصدد، تبدو مسألة علاقة التحليل النفسي باللغةِ كما بحثها جاك لآكان مسألة في غايةِ الأهمية، حيثُ أن لاكان وخلال بحثهِ الشهير تحت عنوان(لغة الذات:وظيفةُ اللغةِ في التحليل النفسي) اعادَ رسمَ حدود العلاقةِ بين اللغةِ والكينونةِ عبر إشارتهِ الي فعاليةِ اللغة في البناء النفسيّ، فوفقاً للاكان، فإن الطريقة التي تتشكلُ بها اللغة هي نفسها الطريقة التي يتشكلُ بها اللاوعي unconciousness، وبالتالي فان ذات الشاعر هنا تصبح ذاتاً لغويةً.
إن المسألة الأكثر حيويةً الان تتعلق بكيفية الكشف عن جدل اللغةِ والكينونةِ في نصوص ابي نواس، اكثر من الانشغال بدراسة حياة الشاعر نفسها وبعبارةٍ أخري فإن ماهَو اكثر اهمية وإلحاحاً، ليس هو شخصيةَ أبي نواس كذات تقع علي تخومِ التاريخ والثقافة، ولكن ان ننصرف بدلاً عن ذلك إلي العكوفِ علي نصوصهِ البديعاتِ الخالداتِ والتي هي بين أيدينا الان وان نحاولَ الغوصُ فيها وفقَ مناهج نقدية جديدة أكثر إنفتاحاً ورحابةً.


إحالات وهوامش:
---------------------------------------
1/العقاد، عباس محمود-الحسنُ بن هانيء.. ابونواس-دار الكتاب العربي-بيروت-لبنان-الطبعة الاولي، 1968



2/ *الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA)*: "Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders" (DSM-5)، 2013.



3/ ابوسمرة، محمود-مقالات في النقد الادبي-دار الثقافة-بيروت-لبنان، 1961



4/Tyson,Lois(2015).Critical theory today. Routledge-New York.





5/ حمودة، عبد العزيز-الخروج من التيه:دراسة في سلطةِ النص - سلسلة عالم المعرفة الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي-الكويت، 2003

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...