د. عبدالله ابراهيم - القرين

قبل خمسين سنة، حوالي عام ١٩٧٥، حينما كنت طالبا في الدراسة الثانوية بكركوك، كان لديّ قرين يلازمني ليلا ونهارا، ولا ينفكّ عني: ندرس معا، ونخرج معا، ونعود معا، ونحلم معا، ونكتب معا، ونلهو معا، ونعشق معا، وقد عرفتنا مقاهي المدينة، ومكتباتها، وشوارعها، حتى أنّ الأصدقاء والأقرباء لم يفرّقوا بيننا لِما نحن عليه من تماثل، ولطالما حدث الاشتباه بيننا في الأسماء والألقاب، والطموحات والأحلام، ثم فجأة، وعلى غير انتظار، افترقنا؛ ذهبتُ أنا إلى جامعة البصرة، أما هو فقد اختفى مثل شمس توارت عند الأصيل. وإن قلتُ أنه هجرني فما أجانبُ الصواب. والأدهى من كلّ ذلك، أن قريني لم يقدّم أيّ سبب لهجر مريع ما خِلتُه يقع في يوم من الأيام، فشعرتُ بالفراغ، وحتى بالفزع، وبحثتُ عنه حتى فترتْ همتي، ودفعتْ بي الدنيا إلى دروب خشنة الحجارة غير الدرب الذهبي الذي احتوى خطانا في ريعان الشباب كأننا من جنس الملائكة لا من جنس البشر.
ومنذ ذلك الحين لم يفارقني طيف قريني لحظة واحدة، وبكرّ السنين رحتُ أزعمُ أنني أخترتُ الخوض في عالم وعر المسالك، بدل الاعتراف أنني أُرغمتُ على فراق عالم وارف البهجة، وكانَ أن غمرني النسيان، وفقدتُ بوصلتي، فطرقتُ أبواب المدن، والبلاد، وحتى القارات، وأثمرتْ تجربةُ حياتي عن خبرات كثيرة يراها الآخرون ثمينة، بل ونادرة، ولكنني أحسب أن قريني، إنْ عرفها، فسوف يتهكّم مني، وربما يزدري، فقد أمسيتُ على غير ما كنت عليه إبان رفقتنا، فلغتي لم تعد لغته، وأفكاري ما عادت أفكاره، حتى نبضات قلبي اختلفت، فإما أكون قد تهوّرت، وجافيته، وإما يكون قد يئس مني، ودار ظهره عني. ولمّا طال الفراق، ولم يثمر الانتظار عن شيء، ارتحلتُ عن المدينة السحرية التي كانت ترقص على وقع أقدامنا، وتعرض لنا مفاتنها من دون احتشام، فقصدتُ بلادا كثيرة في آسيا، وأوربا، وأفريقيا، وطوال عقود لم يخب وهج طيف قريني وهو يتراءى لي مثل الشهاب الخاطف، ثم يتوارى مخلّفا ذكرى أشبه بقبلة حوريّة في جنان الخُلد. وكم جهدتُ من أجل استعادته، ولمّا غلبني اليأس رحتُ أجافيه في عقلي، وإن كنت أهفو إليه بروحي.
في ربيع عام ٢٠٢٥، وأنا أزور كركوك بحثا عن الذكرى، لاح لي طيف غامض في أفق المدينة، ربما تكون لهفتي قد زيّنت لي أنه قريني، ولذلك أيقنت أنه هو بشعره المرسل، وقامته النحيلة، وحتى بابتسامته القروية الخجلى، بلى، هو ذلك الفتى الذي لا يمّحى عن ذاكرتي. كان يقترب مني، وينأى عنّي، كأنه بندول من سراب، وكلما رميتُ خطوة نحوه تراجع عشرا، وكلّما لاحقته في زقاق مسدود لا أجد له أثرا في نهايته: الأبواب مغلقة، والنوافذ موصدة، والستائر مسدلة، فأين كان يختفي؟ وأين كان ينمحي؟ وحالما أغادر خائبا هذا الزقاق حتى أرى طيفه في مدخل زقاق آخر، وحين أقصده ينسحب متراجعا، وهو يومئ لي، ويتوارى مثل ضباب، فأيقنت أنه قريب عني جدا، وبعيد عني جدا، فلا يترك أثرا، بل يخلّف ذكرى.
وفيما كنت أخطو نحو العقد السابع من عمري، تراءى لي أنه في نهاية العقد الثاني من عمره، فأيّنا صاحب الحظ السعيد، هو الذي حافظ على شبابه، وأحلامه، وهويته أم أنا الذي تناثر من بينّ أصابعي جلُّ ذلك؟ لوهلة شعرتُ أنني ذلك الفتى الجامح، ولكن أين أنا منه!؟ انهارت آمالي العِظام بالحروب، والهجرة، والعمل، وطول الاغتراب، حتى ما عدتُ قادرا على التألف مع الناس الذين أعيش بينهم. كأنني أقيم على حافة عالم لا يروق لي.
وطوال وجودي في كركوك كنت أمضي الليالي في مكتبة المنزل تحيط بي بضعة آلاف من الكتب، هي ما تبقّى بعد إحراق مكتبتي الكبيرة قبل عشرة أعوام، وفي إحدى الأماسي، وقبيل مغادرتي إلى إسطنبول، حيث أطيل المقام فيها، وجدتُ ظرفا من ورق عتيق على سطح المكتب، وسألت مَنْ كان في البيت عنه، فأنكروا معرفتهم به، إذ لم يطرق بابنا طارق، وما تسلّل أحد من النوافذ، ولا تسلّق غريب جدار البيت، وما فرغتِ الدارُ من الأهل والأقرباء والأصدقاء. قلّبتُ الاحتمالات كلها، ولم أنته إلى أيّ نتيجة. فتحتُ الظرف الذي ذكّرني بما كانت عليه مظاريف الماضي، ووجدت فيه نسخة من مجلة (الثقافة) وعلى غلافها الأول المعلومات الأتية (مجلة الفكر العلمي التقدّمي، العدد الرابع، السنة السادسة، نيسان ١٩٧٦) فتذكّرتها وغيرها من مجلات الحقبة الثقافية السالفة حيث كان جيلي لا يكتفي بقراءة القصائد والقصص والمقالات فيها، إنما يشمّ الورق، ويكاد يلتهم ما كتب عليه من نفثات الخيال، وما كنت بعيدا، آنذاك، عن رغبة إلتهام الورق الذي يحملُ لي أبهى ما يتخيّله الأدباء. كان عصرا يتمنّى المرء أن يذوب فيه، قبل أن تطبق عليه يدُ الدهر. لفتني نعتُ المجلة بأنها (مجلة الفكر العلمي التقدمي). يعرف أبناء جيلي معنى ذلك الوصف جيدا، وصف برّاق آمن كثيرون بوعوده، لكنه توارى كما توارى قريني. بعد أن فرغتُ من النظر إلى الغلاف الأول للمجلة، نظرت في الثاني الذي ورد فيه اسمها بالانجليزية، ثم اسم رئيس التحرير، وهو (صلاح خالص) وسكرتيرة التحرير(سعاد محمد خضر) وعنوان المجلة (بغداد، ساحة التحرير، عمارة فاروق يحيى هاشم، تلفون ٨٤٨١١) وكُتبَ ثمنها في الأسفل، وهو ( ١٠٠ فلس) وزينت الغلاف الأخير إحدى لوحات الفنان (فائق حسن) عن الخيول التي اشتهر برسمها.
ولستُ أخفي، وأنا أحمل المجلة بيديّ الاثنتين، أنني شعرت بطعم الماضي تحت لساني، طعم يتعذّر وصفه، أحسست به لكنه امتنع عن الوصف، فاعترفتُ بعجزي عن وصف ما خلتُ دائما أنني قادر على وصفه. فتحتُ الصفحة الأولى، وفوجئتُ بالآتي (المطلوب من القوى الثورية جهد فكري غير اعتيادي في هذه المرحلة لتعميق الحصانة المبدئية والنفسية والسياسية لدى شعبنا، ولدى منظماتنا الثورية والديمقراطية…صدام حسين). كان صدام حسين نائبا لرئيس جمهورية العراق، آنذاك، ولم ينتزع الرئاسة إلا بعد أكثر من ثلاث سنوات. نظرتُ في دلالة مقولة له تتصدّر مجلة للفكر العلمي التقدّمي، وتذكرت أنه كان عهد وفاق، وضعتها المجلة للإبقاء على صدورها، أما الصفحات الثلاث الأخيرة منها، ففيها تهاني (لمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لميلاد الحزب القائد، حزب البعث العربي الاشتراكي) مرسلة من رئيس جامعة السليمانية، ورئيس جامعة الموصل، وشركة النفط الوطنية. وكلّ ذلك ما عاد موجودا، لا الفكر القومي العربي، ولا الفكر العلمي التقدمى، ولا رجال ذاك الفكر أو هذا، كأنهم رماد تناثر في غير العالم الذي نعيش فيه. حقبة طويت صفحتها عن واقع حياة الناس بالاكراه أو بالاختيار.
لستُ على علاقة جيدة بالذاكرة، ونقدتُها في معظم مؤلفاتي، فهي تزيّن، وتلطّف، وتستبعد، وتستأثر، وتهوّل، وتبخس، وتختلق، وتفتري، ولا أمان لها في أيّ شيء، والتدوين هو الأرشيف الموثوق به في حفظ الأحداث، وهنالك خلاف حول الماضي القريب والبعيد، ويحيط به سوء الظنّ من كلّ جانب، ومعظم الذين تولّوا القيام بتأويله غير مؤهّلين لذلك، فحلّ الافتراء محلّ الصدق، واصطنع أشباه الرجال تاريخا ذهبيا لهم. من ناحيتي ما عاد ذلك الماضي يعني لي شيئا مهما، وقد صفّيت علاقتي به بكتابة سيرتي الذاتية (أمواج). كان عبئا ثقيلا أنوء به، فرميته عن كاهلي.
بعد أن استوقفني غلافا المجلة الأول والثاني، وصفحاتها الأولى والأخيرة، دفعني الفضول للنظر في محتوياتها: افتتاحية عن علاقة العرب بالاتحاد السوفياتي، ومناقشة ورقة إصلاح النظام القانوني في العراق، والانتاج الفكري العراقي، والثورة الدائمة في العصر الوسيط، وبريطانيا وفلسطين، والمسرح السياسي. وبعد ذلك، قسمٌ للشعر وللقصة، ثم قسمٌ لعرض الكتب. والمفاجأة التي لم أحسب لها أيّ حساب، أنني وجدت قصيدة لقريني باسمه ولقبه اللذين أعرفهما. خصّصتْ للقصيدة ثلاث صفحات، وموقعها في المجلة بعد قصيدة طويلة لنجيب سرور عنوانها(حوار مع ناظم حكمت) وقبل قصيدة عمودية لرشيد ياسين عنوانها (المحبّون)، وهما شاعران معروفان في ذلك الزمان. أما قصيدة قريني، وكان هاويا غرّا بين عملاقين، فكانت بعنوان (تكوينات في زمن العشق التهامي) ثم جاء اسمه تحت العنوان (عبدالله إبراهيم الحمداني) ووقع تكرار الإسم كاملا بعد نهاية القصيدة مع ذكر أنه من كركوك. وذلك تأكيد، لا سبيل إلى نقضه، أنّه صاحبي بذاته الذي فقدته، فقد كان يقرض الشعر، ويتعثّر في دروبه.
رجحَ لي أن قريني الذي تراءى لي في طرقات المدينة، قد اقتحم المكتبة ليلا، وترك لي عن قصد مجلة فيها قصيدة له، أشبه ما تكون بخاطرة، بعد أن امتنع عني طويلا. هل أراد تقريعي؟ هل أراد ترويعي؟ هل أراد ازدرائي؟ لا أقطع بشيء من ذلك، ولكنه أوقع اللوم عليّ، ولمّا قرأتها بعنوانها الملتوي، وفقراتها الإنشائية، وجملها النثرية، ولغتها الركيكة، وهي تحاول أن تراعي، دون أن تفلح، أعراف الوزن والإيقاع، وجدتها شبيهة بما كنتُ أقرضُ وقتذاك، وما كان قد طرق سمعي شيء عن عروض الشعر، وكأنّ قريني، بقصيدته، وضع مرآة الماضي أمام عينيّ، وقال: ها أنذا، أو: هنتذا. تزعم القصيدة قيام ثورة في فيافي تُهامة، وتدّعي أنّ كاتبها سوف يوقد فتيل الغضب في أرجاء جزيرة العرب، دون أن يخطر له استحالة ذلك في تلك الديار. أمضيتُ طرفا من الليل استعيد حال قريني كمن يقبض على بيضة الريح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...