العيباري عبدالمجيد - الملحون بين التهميش الرسمي والوفاء الشعبي

من المؤسف، بل ومن المُخجل، أن يُدفع فن الملحون المغربي، هذا التراث الأدبي العريق، نحو الهامش والتجاهل، أمام أعين وزارة يُفترض أن تكون الحامية الأولى له، والوفية لتراثه. فبعد أن حظي باعتراف عالمي من طرف منظمة اليونسكو كتراث إنساني، كان المنتظر أن تتولى وزارة الثقافة مهمة صونه وتعزيزه، غير أن ما نراه اليوم هو العكس تمامًا: تهميش مقصود، وتدبير مرتجل، كأن الملحون عبء ثقيل لا إرث حضاري.
ما تقدمه الوزارة لا يتجاوز مبادرات باهتة، أبرزها ما يُسمى – مجازًا – بـ"مهرجان سجلماسة"، الذي أصبح طقسًا موسميًا رتيبًا، يفتقر إلى الإبداع والرؤية، ويُدار بسطحية مقلقة. إذ يُعهد تنظيمه لمندوبيات جهوية لا تملك أدوات التدبير الثقافي، فتسنده بدورها إلى وسطاء محليين، همهم الوحيد هو ملء الكراسي وتكرار نفس الأسماء المستهلكة سنة بعد أخرى، بينما يُقصى أهل الملحون الحقيقيون من شعراء، وباحثين، وعشاق صادقين لهذا الفن النبيل.
وما يزيد الوضع سوءًا هو توقيت هذا المهرجان، الذي يُبرمج في شهر ماي، متجاهلًا الضغط الدراسي وتقلّبات المناخ، فضلًا عن اختيار أماكن غير مهيأة، كأرفود أو الريصاني، وهما مناطق تفتقر للبنيات الأساسية الكفيلة باحتضان تظاهرة ثقافية بهذا الحجم، مما يُعد استخفافًا بقيمة الملحون وبحجم رمزيته.
والأدهى من ذلك، هذا التركيز غير المفهوم على جهة تافيلالت وحدها، وكأنها الممثل الحصري لهذا الفن. أليس من حق مكناس، مهد سيدي قدور العلمي والفقيه العميري، أن تحتضن مهرجانًا يليق بتاريخها؟ ألا تستحق فاس، عاصمة العلم والأدب، أن تكرَّم برموزها من أمثال محمد بن سليمان والتهامي المدغري؟ وماذا عن مراكش، التي أبدع فيها شعراء من طينة الجيلالي متيرد والطاير الشاوي، في أزقة سويقة الزيتون ورياض العروس؟ ألم يدرك المسؤولون بعدُ أن فن الملحون متجذر في كل ربوع الوطن، لا في جهة واحدة دون غيرها؟
إن حصر هذا الفن في منطقة بعينها هو إجحاف حقيقي في حق تراث مغربي جامع، تتعدد جذوره وتتشعب مساراته. فكيف يتحول هذا الكنز الثقافي إلى مجرد "سهرة فولكلورية" تُعدّ لها تقارير نمطية تُرفع كأنها إنجازات باهرة؟
لذلك، نقولها بملء الصوت: كفى من العبث، كفى من التهميش. الملحون ليس منتوجًا موسميًا للعرض، ولا وسيلة لتلميع الواجهات. إنه جوهر الذاكرة المغربية، ولسان وجدانها، ومعجم دارجتها، وديوان تاريخها الحي، ومرآة حضارتها. ومن العار أن يُترك أمره في يد من لا يعرفون من الملحون سوى بعض أهازيجه، غافلين عن علومه ورموزه، متجاهلين حجم المسؤولية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...