د. علي زين العابدين الحسيني - البيوميّ الفقيه

مجلة "الديوان الجديد" عدد: ٤١، الشكر والتقدير لرئيس التحرير الأستاذ Amr Elzayat
يعرف المثقفون كلّهم البيوميّ الأديب والشاعر والمؤرخ الذي عاش حياته بين المنصات الثقافية ونصوص الأدب بفنونه والتاريخ برواياته، ولكن قلّما يعرفون البيوميّ الفقيه، فمحمد رجب البيوميّ أولّ ما تفقه تفقه بالمذهب الشافعي، وساعدته دراسته الأزهرية في المعاهد الدينية على استكمال تحصيل الأدوات الفقهية، والتزود من دراسة كتب الفقه المتداولة في التدريس، وقد درس الفقه وأتقنه إلى درجة أنّه كان مرجع أهل قريته والقرى المجاورة في الفتاوى الفقهية، ومحطّ أنظار المجلات العلمية والمؤتمرات في كتابة البحوث الفقهية فيما بعد.
لقد أتاحت له الفرصة في بداية حياته العلمية أن ينهل من معين علم الفقه والمذهب الشافعي على وجه الخصوص، فدرس على والده قواعد النحو وبعض كتب الفقه الشافعي، وكان من عادة والده أن يقرأ معه في الإجازة مقرر السنة الدراسية القادمة، ووالده -كما وصفه في بعض تقييداته- على دراية واسعة بعلوم الأزهر الشريف، ويعدّ مرجعاً لأهل الناحية في فتاوى العبادات والطلاق والمواريث، وقد حدثت له حادثة وهو طالب بالسنة الثانية بالمعهد الديني تكشف عن نبوغه في الفقه والفتيا مبكراً، وقوة نظره، وتفرده منذ صغره بحسن التصور، ذلك أن إمام المسجد لم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة "السجدة" ويسجد كعادته، لكنه قرأ سورة أخرى، فتكلم رجل مسن معترضاً على الصلاة وصحتها مما جعل الإمام يقطع صلاته، فطلب المسن أن ينوي الإمام الصلاة من جديد؛ ليقرأ سورة السجدة، وبحكم دراسة أستاذنا الفقهية أدرك صحة الصلاة بدون قراءة سورة السجدة، وأن الإمام أخطأ حين قطع صلاته، وأخبره بذلك قائلًا: "كان عليك ألا تقطع الصلاة؛ لأن قراءة السجدة سنة، ولا يقطع الفرض لأجل السنة".
وليس من المبالغة أن نقول إن نفسه الفقهي في طرح المسائل كثيراً ما يسمو إلى منافسة بعض فقهاء جيله، خصوصاً إلمامه بالجدل والحوار والمناقشة واستخلاص النتائج، فله بعض المقالات الحافلة بالآراء الدقيقة في مسائل الفقه تضعه في صفوف العلماء المشتغلين بعلم الفقه، وقد أعانه على كتابة بعض المباحث الفقهية في ثنايا كتبه، ومناقشة بعض الأقوال تلك العقلية النفاذة، كما كانت ثقافته الأزهرية منفذاً مهماً للدخول في التراث الفقهي، فليس غريباً عليه أن ينقل من أمهات الكتب الفقهية، وأن يكون مطلعاً على التراث الفقهي القديم والجديد.
ولم يقف عمله كما يتبادر إلى الأذهان عند حدود الترجمة لأعلام الفقهاء ممن لقيهم أو عرفهم، بل ناقشهم في كثير من المسائل، وعرض كثيراً من كتبهم مع الفحص والتحليل لمحتوياتها، ومن ذلك قراءته الفاحصة لكتاب العلامة المفتي محمد بخيت المطيعي "حقيقة الإسلام وأصول الحكم" الذي ردّ به على كتاب الأستاذ علي عبد الرازق، وكتب أيضاً عن كتاب شيخه العلامة محمد أبو زهرة "محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية" أثناء ترجمته، وذكر كتاب "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" أثناء ترجمة الأستاذ مصطفى الزرقا، وأطال الكلام عن بحث "بيان القديم والجديد من مذهب الإمام الشافعي" للعلامة الفقيه عيسى منون في ترجمته، وكتاب "مقالات وفتاوى الشيخ يوسف الدجوي" أثناء الحديث عنه، كل ذلك في كتابه الفريد المشحون بمناقشة وعرض الآراء الفقهية "النهضة الإسلامية"، ولا شك أن هذه القراءات الفريدة تعطي جانباً من هذه الشخصية المشتغلة بالفقه وكتبه، وإلّا فلا يعرف أديب من أبناء جيله له اهتمام كاهتمامه بمثل هذه الجوانب، ومن مزايا تراجمه لجمهرة من فقهاء البلدان أنّه يعطي للباحثين ثروة ضخمة من الأحداث والفتاوى والمواقف والنصوص أثناء الكلام عنهم، بحيث تكون قريبة إلى يد كلّ مشتغل بالفقه.
لا يفوته في كثير من الأحايين الانتصار لفقهاء الأزهر الشريف حتى لو استدعاه الأمر إلى مناقشة بعض أساتذته الكبار؛ كالأستاذ أحمد حسن الزيات حين كتب بعد وفاة العلامة المفتي محمد بخيت المطيعي أنه من أشد المعارضين لدعوة محمد عبده، وقد دفعه إلى ذلك تحريض أولي السلطان وشهوة المنافسة من ناحية أخرى، غير أنّ البيوميّ رفض أن يذعن لكلامه، وتعقبه في كتابه (النهضة الإسلامية) ج3، ص329 بقوله: "ولي وقفة يسيرة عند قول أستاذنا الزيات: إن الشيخ قد اندفع إلى معارضة الإمام وراء شهوة المنافسة وبتحريض أولي السلطان، فقد يكون هذا مما يظن لدى النظرة العاجلة، ولكن المسألة ترجع في صميمها إلى اتجاهين علميين يتنازعان مدى الأحقاب، اتجاه التجديد الواثب، واتجاه المحافظة المتئدة، فملابسات الإمام ورحلاته وثقافاته المتسعة دعته إلى التجديد عن اعتقاد، وقد سدّ بذلك مسداً لا يقوم به سواه، وعكوف الشيخ بخيت على الكتب الأزهرية وحدها، وهي على عهده كتب المتون والحواشي والتقارير قد دفعه إلى الانحياز إلى ما قرأ في هذه الكتب دون أن يمتد به النظر إلى غيرها، وكان ذلك على عهد الإمام، ولكن الشيخ بعد رحيل الإمام أخذ يتصل بالثقافة المعاصرة قدر طاقته".
وقد أتاحت له علاقته بالفقهاء في عصره وانضمامه لبعض المجالس العلمية أن يتصل بالحياة الفقهية، ويكون محاطاً بفكر الفقهاء، جالساً في حلقاتهم، يعرض عليهم بعض المشكلات، ويتوصل إلى كيفية حلها، ومن هؤلاء الفقهاء الذين التقى بهم وأخذ عنهم ودار بينه وبينهم حوارات ومناقشات: شيخ الأزهر محمود شلتوت في محاضرات دار الحكمة بشارع القصر العيني، وفي مكتبه بمشيخة الأزهر، والعلامة الفقيه محمد أحمد مصطفى أبو زهرة، فكان يلتقي به في مجمع البحوث الإسلامية، وإدارة مجلة "لواء الإسلام"، والأستاذ الفقيه عبد الوهاب خلاف في محاضرات دار الحكمة، والعلامة الفقيه علي محمد الخفيف في مجمع البحوث، والعلامة المفتي حسنين محمد مخلوف، وشيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، وغيرهم من فقهاء العصر، إلى جانب عضويته في "مجمع البحوث الإسلامية" وحضوره كثيراً من المناقشات في قضايا فقهية مختلفة، واتصاله بفقهاء البلدان الأخرى عن طريق حضور المؤتمرات الدولية وعمله لسنوات خارج بلده، وهي فرصة للنقاش العلمي مع أطراف أخرى مختلفة في الاتجاه الفكري والمذهبي في قضايا متعددة، وحاضر في كثير من المؤتمرات الدولية نيابة عن شيخ الأزهر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي.
كان كذلك حفياً بتنمية ثقافته الفقهية بقراءة الكثير من دواوين الفقهاء وعرضها فيما يكتبه من مقالات وأبحاث؛ كتلك القراءة المثمرة لكتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد حين قال: "بدأ ابن رشد كتابه بمقدمة شافية توضح الغرض من تأليفه وتدل على قدمه الراسخة في علمي الأصول والفقه معاً، فتحدث عن الطريق التي تهدي إلى الحكم الشرعي، وفرق بين القياس الشرعي وغيره، وحدّد معنى الإجماع الأصولي، وخاض بحوثاً دقيقة توضح مذهبه التأليفي ومنحاه الفقهي" ثم ذكر طريقة ابن رشد في تأليف كتابه. (في ميزان الإسلام)، ج1، ص120.
وبلغ من اهتمامه بالفقه أنه كان حريصاً على قراءة ما يستجد من كتب وبحوث فقهية لفقهاء جيله، وإن كانت في المجلات العلمية التي تنشر الأبحاث الفقهية، ففي ترجمة الفقيه مصطفى أحمد الزرقا قال: "كنت أطالع في المجلات العلمية بحوثاً فقهية للأستاذ مصطفى أحمد الزرقا فأجدها واضحة التعبير سهلة التناول مع دسامتها الفكرية، فهي تسير في نسق سلس مطرد، وكأنها مقال أدبي يوحي به خاطر كاتب مبدع، وأنا أحب هذا الطراز من القول منذ تمتعتُ به في آثار المغفور له الأستاذ عبد الوهاب خلاف -رحمه الله- إذ كان يجذب القارئ إلى بحوثه الفقهية بما جبل عليه من سهولة الأداء"، وهكذا عاش أستاذنا حياة عريضة خصبة متفاعلة مع الأبحاث والمؤلفات الجديدة في المجال الفقهي، وما من مسألة فقهية مستجدة إلا اطلع عليها، وما من مجلة فقهية أو علمية ذات بحوث فقهية إلّا نظر فيها، وكان فطناً إلى الفتاوى الجديدة، يذكر مواردها، ويتكلم عن أسبابها، ويربطها بالواقع.
وقد أمضى البيومي أكثر من نصف قرن في التعريف بالإسلام وقضاياه والردّ على ما وجه إليه من شبهات في الصحف والمجلات المختلفة، مشدداً النكير على غير المتخصصين في كلامهم في القضايا الفقهية، وصرّح مراراً أنه ليس: "لكاتب غير متخصص في دراسة الشريعة الإسلامية أن يكون أحد هؤلاء [مصدر الإفتاء] لأنه أصبح بطريقة ما كاتباً في مجلة أسبوعية، أو محرراً في مجلة أسبوعية، أو محرراً في صحيفة يومية أو معلقاً في إذاعة عامة فله -في زعمه- أن يتحدث عما لا يعرف من قضايا التشريع، مستنداً إلى قشوره السطحية، ومحرفاً الكلام عن وجهه"، (قضايا إسلامية)، ج2، ص166.
وعندما رأى غير المتخصصين في الصحف والمجلات يتهافتون على إبداء الرأي في كثير من الأمور الشرعية لم يقف صامتاً إزاءهم، ودخل معارك ضدهم بأسلوب العلم وفي محيط التخصص، دون أن يتعداه، لإيمانه بضرورة الحوار البناء المثمر، وهو وإن كان يؤيد قصر الفتاوى على الجهات الشرعية المتخصصة، ومنع التطرق لشواذ الآراء من غير الدارسين في الصحف والمجلات والمجالس العامة، حيث كتب: "وللفتوى الصحيحة رجالها المتخصصون في مجمع البحوث، وفي لجنة الفتوى، وفي كليات الشريعة، وفي دار الإفتاء" (في ميزان الإسلام)، ج1، ص 74 إلّا أنّه قد أعطى لغيره درساً في أخلاق الحوار والردود، فقد جمع في تلك الكتابات المتعددة بين الردّ العلمي والتلطف والرفق بالشخص المخالف، وهما من صفات المصلح الحقيقي صدقاً.
وفي مناقشاته المتعددة يعرض لآراء الفقهاء والمفسرين وأقوالهم على نحو يتيح للآراء التي يراها أن تبرز هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القارئ يطمئن لما وصل إليه من نتائج إذا وجد قوله موافقاً لأقوال من سبقه من فقهاء الأمة، وقد يعرض الأدلة والأقوال في بعض المسائل دون أن يفرض قوله، وإن كان القارئ يستطيع أن يصل لقوله لكن بعد قراءة واعية، فيترك للقارئ أن يحكم ويقتنع، وهو منهج فريد، ومن أمثلة ذلك مناقشته الهادئة لختان البنات، حيث دعته مجلة "طبيبك الخاص" إلى كتابة بحث حول هذا الموضوع، وقد صدره بقوله: "ارتفعت أصوات مماثلة تبين الأضرار التي تحدثها هذه الطهارة، كما قامت بإزائها آراء دينية تختلف وجهات النظر بها، ما بين معارض ومؤيد، ولابد من الهدوء العاقل حين نناقش هذه العادة، لأن نفراً من الناس لا يعجبهم الهدوء في الحوار، بل يتكلمون وكأنّهم يحاربون في ميدان قتال"، ثم مضى يعرض الأدلة والأقوال، ولم يكتف بذلك، بل تكلم عن الحالة النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة، وأما ختان الفتى فقد جزم القول فيه بقوله: "أما ختان الفتى فلا ضرر به صحياً واجتماعياً، وهو بعد ليس موضعاً للخلاف". وقد نشر بحثه في كتابه القيم "من منطلق إسلامي"، ج2، ص22.
وقد كشف عن بعض معالم مناهج العلماء في الفتوى بعد قراءة فاحصة لأعمالهم؛ كمنهج شيخ الأزهر جاد الحق علي الحق، إذ قال إنه: "يقدم النصوص الدالة من الكتاب والسنة، ثم يعرض ما يعلمه من أقوال الأئمة في التراث الإسلامي، وينتهي إلى ترجيح ما يراه بأدلة فقهية من اطّلاعه، وأخرى من مشاهداته في المجتمع، وهذا الحرص المتأنّي على ذكر الأقوال المختلفة لكبار الفقهاء قد يؤدي إلى الإطالة، بالنظر إلى الفتاوى الأخرى لبعض النظراء".
وهو بجلاء يكشف عن ظاهرة الخلاف في الأحكام بين علماء المذاهب المختلفة، ويذهب إلى أنها ظاهرة صحية لا تستدعي القلق؛ طالباً الابتعاد عن ذكر الخلاف بين العامة، فيقول: "لابد أن يحدث الاختلاف بين العلماء في تطبيق القواعد، وفهم النصوص، حتى ليفتي الفقيه بالحل في مسألة ما، ويفتي زميله بالحرمة فيها، وعلى العلماء أن يتداولوا الأدلة المتعارضة في هدوء عاقل، وأن يبتعدوا بمواطن الخلاف عن صحافة العامة"، (في ميزان الإسلام)، ج1، ص73.
ولأستاذنا البيومي ميزة فريدة قد تصل إلى حد الإدهاش هي قدرته الفائقة على القراءة الواعية للكتب الفقهية لفقهاء عصره واستخلاص ما يهمه منها في بحثه، إلى جانب ذاكرته القوية في استيعاب كل ما يقرأه والاستفادة من ذلك وقت حاجته، وقدرته النادرة على المناقشة في أي مسألة مهما كانت عميقة أو نازلة حديثة، ولأجل ذلك كان ملماً بكتب فقهاء عصره وينقل منها كثيراً ويحيل إليها؛ ككتب العلامة المفتي محمد بخيت المطيعي، وشيخ الأزهر محمود شلتوت، والمفتي حسنين محمد مخلوف، والعلامة محمد أبو زهرة، والعلامة عبد الوهاب خلاف، والعلامة علي الخفيف، أضف إلى ذلك اهتمامه بالفتاوى المعاصرة لكبار علماء الأزهر في الصحف والمجلات، والتي جمع بعضها فيما بعد في مجلدات، وسلاسل الفتاوى الإسلامية التي جمعتها وزارة الأوقاف، وقلّ أن تخلو ترجمة فقيه ترجم له دون الإشارة إلى هذه المجاميع الفقهية والربط بين فتاوى العلماء، وجمع المتناثر منها، ومحاولة الجمع بينها من وجهة نظره إن حصل بينها تعارض، وإبراز جوانبها الإيجابية، وهذا كله يدل على التوغل في المباحث الفقهية، فهو لا ينقل منها دون تعليق، بل يعرض الفتاوى ويضيف إليها مزيداً من الشرح، فلم يكن من المؤمنين بالنقل الكامل للنصوص، بل كان يرى حاجتها إلى التحليل والربط، وتفكيك العناصر الأساسية للمسألة، ودراستها بأسلوب متعمق؛ ليتوصل بذلك إلى نتائج وقواعد.
لا أزعم أنّي كتبت هذا المقال وهو واضح المعالم في ذهني، وإنما هو خواطر وتقييدات تتطاير من هنا وهناك، وعناصر مقتضبة لم يتسع المجال لتفصيلها، كتبتها على وجه السرعة لانشغالي -كغيري- بشهر رمضان المبارك، فليأخذ الباحثون الجادون ما كتبته على أنّه مجال يحسن الكتابة فيه، فما هي إلّا خواطر تثار، ومن الخير أن أقدمها للراغبين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...