ليس شرطا أن يكون نقد الأدب مُنتَجا في المؤسسة الأكاديمية كي نقول عنه هذا نقد أكاديمي. وليس شرطا أن يكتبَه متخصّص بالنقد ولديه شهادة عالية كي نطمئن إلى انطباق صفة الأكاديمية على نقده. فصفة الأكاديمية مرتبطة بتحقّق درجة التزام النقد بأطر النقد الرصين الموضوعي، الذي ينتمي إلى عالم التأطير والاستناد إلى مصادر ورؤى ومنطلقات معيّنة، يجدها قناديل هادية. وله سياقات عامة معلومة، ويبني كيانه على أصول ومنهجيات منضبطة. وهو بهذا الوصف كيان له أنساق، قد يسير في طريقه أستاذ في الجامعة أو ناقد بلا شهادة أكاديمية. وصفة الأكاديمية بحد ذاتها مفيدة من حيث قدرتها على تشذيب الفوضى في لوك المصطلحات دون الأخذ بضرورة انطباقها على مدلولاتها. ومن حيثيات النقد الأكاديمي أنّ لديه جهازا مفاهيميا منضبطا في التفكير والكتابة، ومعجما مصطلحيا في التعبير. ومجمل هذا يعبّر عن توق النقد الأكاديمي إلى "العِلميّة". لكن مجمل هذا لا يعني بالضرورة تحجّر النقد الأكاديمي وتخلّفه، فالنقد العالمي الفاعل الذي قدّم كلّ جديد، كان ومازال يُنتج في ظل المعرفة النقدية الأكاديمية، سواء في المدارس النقدية أو من خلال نقّاد أكاديميين بصفتهم الفردية. وفي هذا دليل على أن روحا من الحرية وإمكانية إنتاج الجديد؛ مزروعة في النقد الأكاديمي.
النقد الحديث جاهد منذ نهايات القرن التاسع عشر ليكون قريبا من العلم، حين استعصى عليه أن يكون علما خالصا. وتوّج رحلته السياقية مع المنهجين التاريخي والاجتماعي بمنهج التحليل النفسي للأدب، مستعينا بتوصّلات سيجموند فرويد الخاصة بالطبقات المكونة للنفس البشرية، وبمحاولاته لتحليل النصوص الأدبية، لتفسير منابعها الغائرة في لاوعي الأديب. ثمّ تتوّجت هذه الرغبة لدى النقد الحديث في أن يقترب من العلم أكثر في الدفقة الثانية من تاريخه في حقبة الحداثة، من خلال درس الأدب بالاستعانة بالمنهج البنيوي أو المنهج الأسلوبي. ثم واصل رحلته بأن فتح أسيجته على مختلف العلوم والتخصصات الحافة بعالم الأدب وبعالم النقد أيضا، فأوغل في النقد الثقافي، وقدّم درسا معمّقا في عالم تلقي الأدب...
كل هذا الدرس الفكري مكانه الطبيعي الأكاديمية، التي تدرس الأدب من خلال رؤية فكرية منظّمة، ومن خلال درس النقد الحديث ومناهجه والتحوّلات التي حصلت فيه، وآفاقه الممكنة من خلال الاستقراء التام. ولن يجدي نفعا في هذا الحال قراءة الهواة، وما يمكن أن تتجاذبهم العواطف والأهواء في دراسة منهج مثلا، وترك آخر، لأنّ ذاك لم يرق لهم وهذا صادف منهم هوى!. درس النقد بكلّيته، هو ابن البيئة الأكاديمية. لذا وضع طبيعي أن يكون الناقد الأكاديمي الذي تمكن من أدواته هو الحاضر والمتصدّر حين يكون الأمر متعلّقا بالنقد.
أجد في واقع تقييم النقد الأكاديمي في الساحة الثقافية العامة حالة "مُطابَقة" ودمج النقد بالناقد، فيصبح كل من يعمل في المؤسسة الأكاديمية ويكتب النقد هو ناقد أكاديمي وبالضرورة ينتج نقدا أكاديميا!. وهذا ليس صحيحا، وإن كان فيه بعض ضوء للإرشاد. فبعض النقد الصادر عن هؤلاء غير منضبط علميا، وهذا يحصل حين يكون الناقد غير مستوعب لأصول النقد الأكاديمي استيعابا وافيا، على الرغم من كونه يعمل في مؤسسة أكاديمية..
وقد تجد نقدا رصينا وفيّا بانتمائه للمنطلقات العلمية ويكتبه ناقد غير أكاديمي، أنتج ذلك لأنّه سلّح نفسه بمعرفة نقدية فيها انضباط منهجي والتزام بقواعد الكتابة وفهم لعلاقات النصوص وإدراك لأهميّة المصادر.. بما يساعد على فهم متقدّم للنص الأدبي موضع التحليل، فيبعد بذلك نفسه عن هلامية الانطباعية وسيولة المواقف العاطفية.
وفي كلّ الأحوال، النقد الأكاديمي لا يمنح "صك الغفران" لكل أكاديمي متخصّص بالنقد أن يكون المتحدث باسم النقد، فبعضهم حقق الحدّ الأدنى من متطلبات البحث الأكاديمي في أطروحته أو أبحاثه لغرض الترقية، واكتفى بهذا، وظلّ مدرسا يدرس النقد. وبعضهم من لم يكتف بهذا واستمرّ يواصل الكتابة في النقد، لكنه ظلّ على سفح النقد، ولم يستطع الارتقاء نحو القمم في عالم النقد. وهناك الصفوة الذين تمكّنوا من الارتقاء فكانوا نقّادا وهم أكاديميون.
وليس شرطا أن تجد ناقدا غير أكاديمي أقلّ شأنا من ناقد أكاديمي لأنه غير أكاديمي، فهذا أمر مرتبط بالقدرات الفردية للناس. وقد تجد – وإن كان العدد قليلا-ناقدا لا يشتغل في الأكاديمية وليس لديه لقب علمي مرموق لكنه ثقّف نفسه وعلمها أصول النقد، فصار ناقدا مهما، وطروحاته منهجية ومنضبطة معرفيا وتستند إلى أصول نقدية ومعرفة قارّة وله دراية بالنصوص الأدبية وخصوصية لغتها... فنأى بنفسه عن حكواتيي النقد الشفاهيين أو المتفيقهين..
والمتتبع لواقع المشهد النقدي الثقافي في المنتديات العامة والمنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي يجد خلطا- مقصودا أو بسبب الجهل- بين الأدب والنقد. وبالنتيجة يتحدث هؤلاء عن ضرورة فتح الأبواب بلا ضوابط تحت شعار حاجة الأدب الى الحرية وعدم تقييده.. كي يبنوا على هذا شائعة تتناقلها الأفواه مفادها أن القيود الأكاديمية تضييق على الأدب!. والواقع إنّ الأكاديمية التي نتحدث عنها متعلقة بالنقد لا بالأدب، لأنّ النقد نشاط فكري ويؤدي وظائفه بصورة أفضل في أجواء الضبط المعرفي وما يقتضيه من منهجيات مناسبة، وعليه فالأكاديمية أولى به وهو الأقرب إليها. وإن كانت هي لا تحتكره لنفسها، فهو مشاع للناس حين يمتلكون أدواته ويرتقون إليه.
ومشهد الدمج بين النِتاج والمنتِج أفضى إلى دمج النقد الأكاديمي بالنقّاد المشتغلين في المؤسسة الأكاديمية مهما تباينت مستوياتهم!. ليصبح بالنتيجة محاربة أحدهما تؤدي الى توهين الآخر. ويصبح لدى المهاجمين ضعف بعض النقّاد الأكاديميين دليلا على سوء النقد الأكاديمي، ويصبح التزام بعضهم بكلاسيكيات النقد وعدم تجديد خطابهم النقدي دليلا على تحجّر مزروع في جوهر النقد الأكاديمي!. وكلا الأمرين غير صحيح. وبعض ما يُقال قد ينطبق على فئة من المتخصصين بالنقد في الأكاديمية وهم تدريسيون وليسوا نقّادا حقيقيين، وضعفهم لا يدفع ثمنه النقد الأكاديمي.
إنّ خلط النقد بالأدب جهل وافتراء، والترويج لإشاعة موت النقد الأكاديمي جهل وافتراء، ودمج النقد الأكاديمي بالناقد الأكاديمي افتراء، ومطابقة الناقد الأكاديمي بمدرس النقد في الجامعة افتراء، ومحاربة الناقد الأكاديمي عدوان وافتراء... وقائمة الافتراءات وملحقاتها تطول لدى مَن يستأنس بالافتراء ويجد في مزاولته متعةً، وإرضاءً لرغبات نفسية مكبوتة، أو بحثا عن منافع شخصية في "سوق" الثقافة والنقد.
النقد الحديث جاهد منذ نهايات القرن التاسع عشر ليكون قريبا من العلم، حين استعصى عليه أن يكون علما خالصا. وتوّج رحلته السياقية مع المنهجين التاريخي والاجتماعي بمنهج التحليل النفسي للأدب، مستعينا بتوصّلات سيجموند فرويد الخاصة بالطبقات المكونة للنفس البشرية، وبمحاولاته لتحليل النصوص الأدبية، لتفسير منابعها الغائرة في لاوعي الأديب. ثمّ تتوّجت هذه الرغبة لدى النقد الحديث في أن يقترب من العلم أكثر في الدفقة الثانية من تاريخه في حقبة الحداثة، من خلال درس الأدب بالاستعانة بالمنهج البنيوي أو المنهج الأسلوبي. ثم واصل رحلته بأن فتح أسيجته على مختلف العلوم والتخصصات الحافة بعالم الأدب وبعالم النقد أيضا، فأوغل في النقد الثقافي، وقدّم درسا معمّقا في عالم تلقي الأدب...
كل هذا الدرس الفكري مكانه الطبيعي الأكاديمية، التي تدرس الأدب من خلال رؤية فكرية منظّمة، ومن خلال درس النقد الحديث ومناهجه والتحوّلات التي حصلت فيه، وآفاقه الممكنة من خلال الاستقراء التام. ولن يجدي نفعا في هذا الحال قراءة الهواة، وما يمكن أن تتجاذبهم العواطف والأهواء في دراسة منهج مثلا، وترك آخر، لأنّ ذاك لم يرق لهم وهذا صادف منهم هوى!. درس النقد بكلّيته، هو ابن البيئة الأكاديمية. لذا وضع طبيعي أن يكون الناقد الأكاديمي الذي تمكن من أدواته هو الحاضر والمتصدّر حين يكون الأمر متعلّقا بالنقد.
أجد في واقع تقييم النقد الأكاديمي في الساحة الثقافية العامة حالة "مُطابَقة" ودمج النقد بالناقد، فيصبح كل من يعمل في المؤسسة الأكاديمية ويكتب النقد هو ناقد أكاديمي وبالضرورة ينتج نقدا أكاديميا!. وهذا ليس صحيحا، وإن كان فيه بعض ضوء للإرشاد. فبعض النقد الصادر عن هؤلاء غير منضبط علميا، وهذا يحصل حين يكون الناقد غير مستوعب لأصول النقد الأكاديمي استيعابا وافيا، على الرغم من كونه يعمل في مؤسسة أكاديمية..
وقد تجد نقدا رصينا وفيّا بانتمائه للمنطلقات العلمية ويكتبه ناقد غير أكاديمي، أنتج ذلك لأنّه سلّح نفسه بمعرفة نقدية فيها انضباط منهجي والتزام بقواعد الكتابة وفهم لعلاقات النصوص وإدراك لأهميّة المصادر.. بما يساعد على فهم متقدّم للنص الأدبي موضع التحليل، فيبعد بذلك نفسه عن هلامية الانطباعية وسيولة المواقف العاطفية.
وفي كلّ الأحوال، النقد الأكاديمي لا يمنح "صك الغفران" لكل أكاديمي متخصّص بالنقد أن يكون المتحدث باسم النقد، فبعضهم حقق الحدّ الأدنى من متطلبات البحث الأكاديمي في أطروحته أو أبحاثه لغرض الترقية، واكتفى بهذا، وظلّ مدرسا يدرس النقد. وبعضهم من لم يكتف بهذا واستمرّ يواصل الكتابة في النقد، لكنه ظلّ على سفح النقد، ولم يستطع الارتقاء نحو القمم في عالم النقد. وهناك الصفوة الذين تمكّنوا من الارتقاء فكانوا نقّادا وهم أكاديميون.
وليس شرطا أن تجد ناقدا غير أكاديمي أقلّ شأنا من ناقد أكاديمي لأنه غير أكاديمي، فهذا أمر مرتبط بالقدرات الفردية للناس. وقد تجد – وإن كان العدد قليلا-ناقدا لا يشتغل في الأكاديمية وليس لديه لقب علمي مرموق لكنه ثقّف نفسه وعلمها أصول النقد، فصار ناقدا مهما، وطروحاته منهجية ومنضبطة معرفيا وتستند إلى أصول نقدية ومعرفة قارّة وله دراية بالنصوص الأدبية وخصوصية لغتها... فنأى بنفسه عن حكواتيي النقد الشفاهيين أو المتفيقهين..
والمتتبع لواقع المشهد النقدي الثقافي في المنتديات العامة والمنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي يجد خلطا- مقصودا أو بسبب الجهل- بين الأدب والنقد. وبالنتيجة يتحدث هؤلاء عن ضرورة فتح الأبواب بلا ضوابط تحت شعار حاجة الأدب الى الحرية وعدم تقييده.. كي يبنوا على هذا شائعة تتناقلها الأفواه مفادها أن القيود الأكاديمية تضييق على الأدب!. والواقع إنّ الأكاديمية التي نتحدث عنها متعلقة بالنقد لا بالأدب، لأنّ النقد نشاط فكري ويؤدي وظائفه بصورة أفضل في أجواء الضبط المعرفي وما يقتضيه من منهجيات مناسبة، وعليه فالأكاديمية أولى به وهو الأقرب إليها. وإن كانت هي لا تحتكره لنفسها، فهو مشاع للناس حين يمتلكون أدواته ويرتقون إليه.
ومشهد الدمج بين النِتاج والمنتِج أفضى إلى دمج النقد الأكاديمي بالنقّاد المشتغلين في المؤسسة الأكاديمية مهما تباينت مستوياتهم!. ليصبح بالنتيجة محاربة أحدهما تؤدي الى توهين الآخر. ويصبح لدى المهاجمين ضعف بعض النقّاد الأكاديميين دليلا على سوء النقد الأكاديمي، ويصبح التزام بعضهم بكلاسيكيات النقد وعدم تجديد خطابهم النقدي دليلا على تحجّر مزروع في جوهر النقد الأكاديمي!. وكلا الأمرين غير صحيح. وبعض ما يُقال قد ينطبق على فئة من المتخصصين بالنقد في الأكاديمية وهم تدريسيون وليسوا نقّادا حقيقيين، وضعفهم لا يدفع ثمنه النقد الأكاديمي.
إنّ خلط النقد بالأدب جهل وافتراء، والترويج لإشاعة موت النقد الأكاديمي جهل وافتراء، ودمج النقد الأكاديمي بالناقد الأكاديمي افتراء، ومطابقة الناقد الأكاديمي بمدرس النقد في الجامعة افتراء، ومحاربة الناقد الأكاديمي عدوان وافتراء... وقائمة الافتراءات وملحقاتها تطول لدى مَن يستأنس بالافتراء ويجد في مزاولته متعةً، وإرضاءً لرغبات نفسية مكبوتة، أو بحثا عن منافع شخصية في "سوق" الثقافة والنقد.