د. عبدالجبار العلمي - التواصل الثقافي بين المشرق والمغرب وعقدة التفوقات

طالما طرقت سمعنا نغمة التفوق الثقافي ، تأتينا من الشرق العربي ، وطالما رأينا إخواننا الشرقيين يلحون في نسيان هذا الجناح القاصي من الوطن العربي ، وإخراجه من حسبانهم في ميدان الثقافة والأدب ، وكأني بهم يعتبرون أنفسهم أسد الميدان ، لا يريدون أن ينازعهم فيه أحد. ويكفي أن نتصفح بعض الكتب القادمة من مصر أو العراق أو سوريا ، وهي تحمل عناوين توحي بكثير من الشمولية ، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر :ّ دراسات في الشعر العربي المعاصر " ( مصر ) ، " الشعر العربي وروح العصر " ( العراق ) ، " في الشعر العربي المعاصر " ( سوريا ) ، لنعرف إلى أي مدى يبلغ تجاهل وتناسي نشاطنا الثقافي والشعري من لدن كثير من المثقفين والنقاد والباحثين في المشرق ، فأنت لن تجد في هذه الكتب إلا الشعر العربي في مصر ، أو في العراق أو في سوريا، فهل ياترى هذه الأقطار هي كل الوطن العربي ؟ وهل هذا فقط هو الشعر العربي المعاصر؟
الواقع أني لست أجد مبرراً مقبولاً لهذا التجاهل والتناسي غير ما يمكن أن يحس به إخواننا في المشرق من كبرياء الرائد الذي لا ينتظر من تلميذه أن يأتي بشيء ذي بال حتى يلتفت إليه. ولعل كبرياءهم هاته ، جعلتهم يتقوقعون في إطار من العزلة عن المعطيات الثقافية لأجزاء أخرى من الوطن العربي الكبير.
وإذا كانت نتيجة هذه العزلة، عدم إطلاع المثقفين والأدباء على الثقافة والأدب في المغرب، فإننا نجد من الأدباء المشارقة من يتهم ثقافتنا ونشاطنا الشعري على وجه الخصوص بالعزلة عن المشرق، ويذهب إلى أن قصور التجربة الشعرية الجديدة في المغرب هو نتيجة مباشرة لهذه العزلة، وأقصد السيد بندر عبدالحميد في مقالة موسومة بعنوان "بريد المغرب العربي بعد تسعمائة عام من هجرة ابن زريق البغدادي"، نقلها العدد الماضي من "العلم الثقافي" عن جريدة "الثورة" السورية.
وأحب أن أقول للسيد بندر عبدالحميد إن المثقفين المغاربة من أشد الناس حرصاً على الاطلاع على النشاط الثقافي والأدبي في كل الأقطار العربية ، وإنهم يلتهمون كل ما يصل إلى المغرب من كتب ومجلات وصحف عربية ، وأنهم يتمثلون كثيراً من التيارات الجديدة سواء في القصة ، أو المسرح ، أو الشعر، وأن التجربة الأدبية الحديثة لدينا تمتح من جميع الاتجاهات الأدبية والنقدية سواء منها العربية أو الأجنبية.
يصف الشاعر بندر عبدالحميد تجربتنا الشعرية الجديدة :
1 ـ بالارتباك الذي"يشير إلى عدم استفادتها من الأرضية التي تتحرك عليها كل تجربة جديدة."
2 ـ بالانطوائية .
3 ـ بالاعتماد على " القصيدة السريعة "
وأنا أدعو السيد بندر إلى قراءة متأنية في تجربة الشاعر أحمد المجاطي منذ قصائده " كبوة الريح " ، " الفروسية " ، إلى " القدس " إلى " مشاهد من سقوط الحكمة في دار لقمان " ، إلى " حوار مع الدار البيضاء " ، ليجد نفسه أمام شعر جديد ، محكم البناء ، متفتح على التيار الشعري الجديد في الشرق ، يظهر عليه آثار الجهد والمعاناة ، ينفي بهذه السمات المآخذ الثلاثة التي أخذها على الشعر المغربي الجديد. وليس من شك في أن المجاطي يقف بقصائده " في صف واحد مع أجود القصائد التي كتبها شعراء محدثون في الشرق " كما يقول الأستاذ محمد برادة ( انظر مجلة " أقلام " ، السنة الثانية ، العدد : 2 " خواطر نقدية عن العدد الماضي "، ص : 9 ) ، ويمكن أن أحيل السيد بندر على غير المجاطي من شعراء جيله مثل الشاعر محمد السرغيني المعروف على صعيد العالم العربي من خلال نشره في كبريات المجلات العربية ( الآداب البيروتية على سيبل المثال ) ، كما يمكنني أن أحيله على أسماء كثيرة أخرى لجيل آخر ، لعله لا يعرفها مطلقاً، أصحابها لهم إنتاج شعري جديد يستفيد من المنجز الشعري الحديث عربياً وعالمياً ، غير مهمل أرضيته وواقعه المميزين.
ولما كان السيد بندر مقتصراً في إصدار حكمه على بعض النماذج القليلة من الشعر المغربي ، ولما كانت هذه النماذج القليلة لا تمثل التجربة الشعرية الجديدة في المغرب ككل ، فقد فوقع في إطلاق أحكام يطبعها التسرع والسطحية ، فرأى أن سمات الشعر المغربي الجديد هي : السرعة في الكتابة ـ الاتكاء على التراث وليس الوصول إلى لغة شعرية متمايزة ـ استمرار بعض المفاهيم القديمة في الشعر عن الحب ـ الغموض الذي لا تبرره حالة القصيدة . وإذا كنت أتفق معه في حضور سمة الغموض الذي لا مبرر له في بعض القصائد ، فإنني لا أقره على السمات الأخرى ، وأعتقد أنه لو أخذ نظرة عامة متأنية على رصيد تجربتنا الشعرية الجديدة ، وقرأ إنتاج المجاطي والسرغيني ومحمد بنميمون وغيرهم من المجيدين قراءة دراسة وتمحيص ، لأعاد النظر في هذه الأحكام المتسرعة ، ولتكونت لديه رؤية أخرى أقرب إلى الشمول والموضوعية.
والواقع أن قراءة جزئية متسرعة لأي إبداع أدبي لن تثمرَ إلا مثلَ هذه الأحكام المبتسرة ، وإلا لما حكم على الشعر المغربي الجديد بأحكام خاطئة من خلال قصيدة واحدة للشاعر عبدالكريم الطبال ، بينما ترك نماذج جيدة له ، ورصيداً شعرياً وفيراً ، وديواناً كاملاً ، وتجربة غنية طويلة تبتدئ من الشكل العمودي لتنطلق إلى آفاق القصيدة المعاصرة ، تزخر بالجيد من الشعر ، فالشاعر يعد من أعمدة الشعر المغربي ، ومن مؤسسي حركة الشعر الحديث في المغرب . ولولا هذه القراءة الجزئية ، لما قصر حكمه على الشعر المغربي من خلال ما قرأ لحسن الطريبق الذي نعرفه شاعراً كلاسيكياً مجيداً.
وهكذا نرى أن إطلاق الحكم لن يكون صائباً إلا بعد القراءة المتأنية والدراسة الواعية لأي تجربة إبداعية باعتبارها كلاً . أما فيما يخص اتهام المثقفين المغاربة بالعزلة عن الشرق ، فأنا أرى العكس هو الصحيح ، فنحن نعرف عن حنا مينا وعبدالسلام العجيلي وزكريا تامر وسليمان العيسى وغيرهم من الكتاب السوريين ، أكثر مما يعرفه هم عن أدبائنا وكتابنا. وهناك العديد من الأبحاث الجامعية التي يعدها طلبتنا في كلية الآداب سواء في مستوى الليسانس أودبلوم الدراسات العليا أو الدكتوراه ، كلها تتضمن دراسات عن أدب شخصيات معاصرة سواء من مصر أو من سوريا أو من العراق أوغيرها من الأقطار العربية الشقيقة في المشرق ، ناهيك عما يكتبه الكتاب المغاربة من دراسات وأبحاث خارج الحرم الجامعي في المجلات والملاحق الثقافية لأهم صحفنا اليومية . فأي عزلة أو انطواء يقصد السيد بندر عبدالحميد ؟
لا شك أن ثمة عراقيل تقف حجر عثرة في وجه التواصل الثقافي ، إلا أن المثقين والأدباء المغاربة يحاولون التغلب عليها ، وإن بوسائلهم الخاصة الفردية . وحافزهم إلى ذلك حب المعرفة ، والشوق إلى الاطلاع على الجديد من إبداع إخوانهم في المشرق.
ولا يفوتني أخيراً أن أنوه بمحاولة السيد بندر عبدالحميد الاطلاع على تجربتنا الشعرية الجديدة ، ومهما افتقر هذا الاطلاع إلى التأني والتعمق ، فلا أقل من تكسير طوق العزلة الذي يحيط بأعناق كثير من المثقفين في المشرق.
ملحوظة هامة :
نشرهذا المقال في الملحق الثقافي لجريدة " العلم " بتاريخ : 19 شتنبر 1975 ، ص : 4 .
ومن النافل القول بأن أحوال التواصل الثقافي بين المشرق والمغرب ، قد تغيرت إلى حد لا يمكن إنكاره بفضل جهود اتحاد الكتاب المغاربة على عهدي الأستاذين محمد برادة وأحمد اليبوري وبفضل كتابنا ومبدعينا في كلا الجناحين من الوطن العربي ، عن طريق الملتقيات الأدبية الرفيعة المستوى حول مختلف أجناس الإبداع الأدبي ، تم تنظيمها هنا وهناك ، وتم التعرف كل منا على الآخر عن كثب، ودرس بعضٌ منا إنتاج الآخر . ولكنِّي ـ للأمانة العلمية ـ أجد نفسي مضطراً إلى القول بأنه مازال ثمة بعض التقصير من جانب بعض إخواننا في المشرق تجاه ما ينتجه الأدباء والشعراء المغاربة من أعمال ذات شأن سواء على مستوى الأبحاث الأكاديمية ، أو على مستوى مختلف الأجناس الأدبية .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...