إن الكلام على الكلام صعب ، ولكن حين تقرأ اشعار عامر فريح ينطلق لسانك وتحلّ عقدة قلمك لتخوض في هذه التجربة الشعرية التي كان منطلقها ديوانه الأول " تقاسيم على وتر الوفاء " تزداد نضجا مع الديوان الثاني هديل القوافي" سنة 2023. سنة 2017 ثم
ومنذ العتبة الأولى ، أي العنوان، تجد نفسك في شعرية مغناة تخاطب فيك الوجدان فالشاعر عامر فريح الذي كان يتميز بالجانب الرومانسي لم يغفل عن القضايا الإنسانية في إطلاقيتها ليطلّ علينا بمواضيع شتى تعتمد إيقاعا متفردا هو من روح الشاعر ذاته....
فكما أسلفنا ، فإن هذا التنوع يعتمد إيقاعا داخليا في نصوصه حتى أن القارئ المتذوق للشعر يتماهى مع معانيه ، بل يتدرج في الارتقاء الروحي والنفسي ليحل محلّ الشاعر . ربما هي ترجمة لتجربة حياتية بامتياز ، إذ تجد فيها الحب و الغزل والوطن والموطن والأسرة والمجاراة لكبار الشعراء وتجد صدى للقضايا المعاصرة كما تجد القضايا النقدية من خلال رؤية الشاعر للشعر ومقتضياته .....
إن الشاعر عامر فريح في "هديل القوافي " لم يلتزم بالقصيدة العمودية فقط ، و هو المجيد فيها ، بل نوّع في الأشكال الفنيّة .... وسنبدأ بالتنويع داخل النظام العمودي وتجديده في نظام البيت ، مما أدخل إيقاعا مختلفا يشد القارئ والسامع المتذوق للكلمة . ولعل من مظاهر التجديد ما نلاحظه بصريا عند قراءة قصيدة وما نستسيغه سماعا عند إلقائها مثل قصيدة "لا تغاري" ص52 ، حيث صبح الاستفهام الإنكاري لازمة مخصوصة تدل على الحيرة المثيرة للغيرة ، لتتبعها إجابة مؤكدة حينا بـ "إن" و بـ "لا الناهية" حينا آخر ، ليكون الإقرار بالغربة والتيه والبؤس ....
إن الشعر عند عامر فريح إيقاع أو لا يكون ..... وهو ما يفسّر تمسّكه بالقصيدة العمودية في جلّ أشعاره .... فما نلاحظه أن هناك تنويعا في الأعراض والأبنية . من ذلك نظام الصدر والعجز مثل ذلك قصيدة " على خدها"
على خذها الورد هام ....
يصوغ الأريج كلاما (المتقارب . ص (58)
و قصيدة " برغم الفيافي " ( ص 59 )
برغم الفيافي فأت القريب ....... ورغم الحسان فأنت الحبيب.
وقصيدة "معراج" ص 57 .
خذني يا ربح إليه. علني أحيا لديه .
ولكله تجاوز ذلك في كثير من القصائد فاعتمد نظام البيت المدور مثلا في قصيدة "كم" ص 65.
وقصيدة "لو" ص 64
لو راك الصبّ ما نام حينا ، أو غفا.
لو راك راك الشيخ خلّى التّقى ، و انشغف.
ولعل الشاعر عامر فريح قد تأثر بالموشحات الأندلسية . فقدم لنا أمثلة معاصرة تحاكيها جمالا ومتانة ورقّة . فلا عجب أن يقول لنا :
أناديك إلفًا ..... أناديك ألفا
يتيه ندائي
وأدعوك صيفا ..... تهلّين عصفا
بروح الشّتاء ( ض (77).
وهو ما يدعم القول بأهمية الإيقاع عند شاعرنا لنخلص إلى إيمانه بمدى تقبّل القارئ وتذوقه للشعر حتى يطرب له ... وفي قصيدة " يا سائلي " ص 86 يتحفنا بنظام آخر فريد غريب ، إذ يقسّم البيت الشعري إلى تفعيلة واحدة في الصدر ثم تفعيلتين في العجز مما يحدث إيقاعا مختلفا :
يا سائلي ..... حتّام تهوى الأهيف ؟
يا عاذلي أوفيت حين ما وفا
يا قاتلي حتّام تحيا مدنفا؟
والطريف في هذه المجموعة أن الشاعر تجاوز حذقه لعلم العروض إلى لزوم ما لا يلزم ، وذلك أسوة بأبي العلاء المعرّي . من ذلك اعتماده رويّا في الصدر وآخر في العجز مثل ذلك قوله ص 39
يا هلالا في سماه وبدورا في ضياه.
هل يرى الصبّ ضياه بعد عمر في دجاه؟
أو قوله ص 83
وقلبي على النوح من بعده وعيناي للدمع من بعده
غزال برى الخلق في زنده ..... وهام الأوائل في قده .
وكذلك في قوله :
وويل لقلب معنّى على نبضه كم تجنّى
ّفإن هام لم يطمئنّ ... حناياه لكن ، لكن
ّوإن مسّه البين ، حنّ و ويلاه، إن حنّ ، أن
ّوإن هدّه البعد ظَنّ وإن هزّه الشوق ، جن
روى الغمّ دنّـا فدنّـا متى السعد يأتي؟ وأنّي؟
وهكذا يتجلى لنا أنّ الشاعر متمكن ، مجيد لتقنيات علم العروض كما أسلفنا ، كأنه يتلاعب باللغة والقوافي ويروضها لمشيئته ، فتنصاع منقادة ..
وتشدّنا بعض القصائد بطرافتها، فتنتشي النفس ، من ذلك قصيدة "بيت " { ص (62) التي يتغزل فيها بأصهاره ، فإذا بالحبيبة تثور ثائرتها وتتقد نار غيرتها ....
وكذلك قصيدة "أنين" (ص 27) التي يقول فيها :
تئنّ فيهتزّ قلبي
كأنّ الجراح بجنبي
إذا مسّها الشوك نحت
وكل الحنايا تلبي
وروّيتها من شغافي
عساها تعيش بنحبي
ولكنها كل صبح
تسائلني من بقلبي؟
وعند الضحى ما تزال تسائلني : اين حبي؟
ّإن هاتين القصيدتين تكشفان ما تخبّئ المرأة من حب تملّك وتفرّد بالحب في كل تجلياته الظاهرة والباطنة. إنها تجربة حياتية يصورها عامر فريح بأساليب فنية متنوعة وطريفة دون أن يغفل المحسنات البلاغية التي تزيد النص جمالا كالجناس والاستعارات والتشابيه .....
ولعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا أن الشاعر لم يبق أسير عمود الشعر ، بل قدم نـتـفا من الشعر المعاصر حيث تبلغ درجة التكثيف أقصاها مع الومضات أو كما سماها "نبضات متمردة". وهي في الحقيقة كما أطلقت عليها الأستاذة رفيقة البحوري " نبضات مارقة" في الغزل وهو الشاعر المرهف الذي لم يحد عن عمود الشعر ، لنطرح سؤالا هو : هل يؤسس عامر فريح لنمط شعري جديد في قصيدة الومضة ؟... فكل ومضة أو نتفة هي عبارة عن قصيدة مستقلة ومختزلة إلى أبعد مدى حتى يبلغ تأثيرها في القارئ منتهى الدهشة .....
هذا النظام لم يخل من تنوع في الأغراض إذ نجد القصائد الوطنية المنستير( ص 12 ) يتغنى فيها بموطنه , وطني والموت (ص 20 ) ونجد بعض القصائد تتجه نحو مجاراة أشهر القصائد العربية القديمة كقصيدة أبي الطيب المتنبي عيد بأية حال عدت يا عيد . دون أن يغفل تجذره في واقعه ومجتمعه المعاصر وقضاياه فيبلغ تضرّعه مداه في قصيدة "رباه " ص 75 ، حيث تحدث عن وباء الكورونا الذي فتك بالبشر ....
ولعل الشاعر عامر فريح" وهو المجيد للشعر والمواكب للحركة الثقافية لا يرى حرجا في تقديم نظرية نقدية غايتها المساهمة في تعديل المشهد الشعري الذي بدأ يميل إلى البساطة . فنراه يخاطب الشعراء بالنقد البناء من خلال قصيدة یا ناظم الأشعار " ص 56 التي يقدم فيها رؤيته للشعر وعصارة تجربته..
هذه التجربة التي تزداد نضجا من قصيدة إلى أخرى ومن ديوان إلى آخر ليكون الشعر عنده تجربة حياتية يصوغها بأساليب فنية متنوعة تنتج عن مخاض إبداعي عسير غير متسرّع ، إذ يقول:
عتّقت حرفي في الحشا
حولين قبل المولد
رتقته من أضلعي
وشّحته من عسجدي
كم مرّة متّ أنا
و الحرف يحيا للغد
محمد أحمد مخلوف
②
ومنذ العتبة الأولى ، أي العنوان، تجد نفسك في شعرية مغناة تخاطب فيك الوجدان فالشاعر عامر فريح الذي كان يتميز بالجانب الرومانسي لم يغفل عن القضايا الإنسانية في إطلاقيتها ليطلّ علينا بمواضيع شتى تعتمد إيقاعا متفردا هو من روح الشاعر ذاته....
فكما أسلفنا ، فإن هذا التنوع يعتمد إيقاعا داخليا في نصوصه حتى أن القارئ المتذوق للشعر يتماهى مع معانيه ، بل يتدرج في الارتقاء الروحي والنفسي ليحل محلّ الشاعر . ربما هي ترجمة لتجربة حياتية بامتياز ، إذ تجد فيها الحب و الغزل والوطن والموطن والأسرة والمجاراة لكبار الشعراء وتجد صدى للقضايا المعاصرة كما تجد القضايا النقدية من خلال رؤية الشاعر للشعر ومقتضياته .....
إن الشاعر عامر فريح في "هديل القوافي " لم يلتزم بالقصيدة العمودية فقط ، و هو المجيد فيها ، بل نوّع في الأشكال الفنيّة .... وسنبدأ بالتنويع داخل النظام العمودي وتجديده في نظام البيت ، مما أدخل إيقاعا مختلفا يشد القارئ والسامع المتذوق للكلمة . ولعل من مظاهر التجديد ما نلاحظه بصريا عند قراءة قصيدة وما نستسيغه سماعا عند إلقائها مثل قصيدة "لا تغاري" ص52 ، حيث صبح الاستفهام الإنكاري لازمة مخصوصة تدل على الحيرة المثيرة للغيرة ، لتتبعها إجابة مؤكدة حينا بـ "إن" و بـ "لا الناهية" حينا آخر ، ليكون الإقرار بالغربة والتيه والبؤس ....
إن الشعر عند عامر فريح إيقاع أو لا يكون ..... وهو ما يفسّر تمسّكه بالقصيدة العمودية في جلّ أشعاره .... فما نلاحظه أن هناك تنويعا في الأعراض والأبنية . من ذلك نظام الصدر والعجز مثل ذلك قصيدة " على خدها"
على خذها الورد هام ....
يصوغ الأريج كلاما (المتقارب . ص (58)
و قصيدة " برغم الفيافي " ( ص 59 )
برغم الفيافي فأت القريب ....... ورغم الحسان فأنت الحبيب.
وقصيدة "معراج" ص 57 .
خذني يا ربح إليه. علني أحيا لديه .
ولكله تجاوز ذلك في كثير من القصائد فاعتمد نظام البيت المدور مثلا في قصيدة "كم" ص 65.
وقصيدة "لو" ص 64
لو راك الصبّ ما نام حينا ، أو غفا.
لو راك راك الشيخ خلّى التّقى ، و انشغف.
ولعل الشاعر عامر فريح قد تأثر بالموشحات الأندلسية . فقدم لنا أمثلة معاصرة تحاكيها جمالا ومتانة ورقّة . فلا عجب أن يقول لنا :
أناديك إلفًا ..... أناديك ألفا
يتيه ندائي
وأدعوك صيفا ..... تهلّين عصفا
بروح الشّتاء ( ض (77).
وهو ما يدعم القول بأهمية الإيقاع عند شاعرنا لنخلص إلى إيمانه بمدى تقبّل القارئ وتذوقه للشعر حتى يطرب له ... وفي قصيدة " يا سائلي " ص 86 يتحفنا بنظام آخر فريد غريب ، إذ يقسّم البيت الشعري إلى تفعيلة واحدة في الصدر ثم تفعيلتين في العجز مما يحدث إيقاعا مختلفا :
يا سائلي ..... حتّام تهوى الأهيف ؟
يا عاذلي أوفيت حين ما وفا
يا قاتلي حتّام تحيا مدنفا؟
والطريف في هذه المجموعة أن الشاعر تجاوز حذقه لعلم العروض إلى لزوم ما لا يلزم ، وذلك أسوة بأبي العلاء المعرّي . من ذلك اعتماده رويّا في الصدر وآخر في العجز مثل ذلك قوله ص 39
يا هلالا في سماه وبدورا في ضياه.
هل يرى الصبّ ضياه بعد عمر في دجاه؟
أو قوله ص 83
وقلبي على النوح من بعده وعيناي للدمع من بعده
غزال برى الخلق في زنده ..... وهام الأوائل في قده .
وكذلك في قوله :
وويل لقلب معنّى على نبضه كم تجنّى
ّفإن هام لم يطمئنّ ... حناياه لكن ، لكن
ّوإن مسّه البين ، حنّ و ويلاه، إن حنّ ، أن
ّوإن هدّه البعد ظَنّ وإن هزّه الشوق ، جن
روى الغمّ دنّـا فدنّـا متى السعد يأتي؟ وأنّي؟
وهكذا يتجلى لنا أنّ الشاعر متمكن ، مجيد لتقنيات علم العروض كما أسلفنا ، كأنه يتلاعب باللغة والقوافي ويروضها لمشيئته ، فتنصاع منقادة ..
وتشدّنا بعض القصائد بطرافتها، فتنتشي النفس ، من ذلك قصيدة "بيت " { ص (62) التي يتغزل فيها بأصهاره ، فإذا بالحبيبة تثور ثائرتها وتتقد نار غيرتها ....
وكذلك قصيدة "أنين" (ص 27) التي يقول فيها :
تئنّ فيهتزّ قلبي
كأنّ الجراح بجنبي
إذا مسّها الشوك نحت
وكل الحنايا تلبي
وروّيتها من شغافي
عساها تعيش بنحبي
ولكنها كل صبح
تسائلني من بقلبي؟
وعند الضحى ما تزال تسائلني : اين حبي؟
ّإن هاتين القصيدتين تكشفان ما تخبّئ المرأة من حب تملّك وتفرّد بالحب في كل تجلياته الظاهرة والباطنة. إنها تجربة حياتية يصورها عامر فريح بأساليب فنية متنوعة وطريفة دون أن يغفل المحسنات البلاغية التي تزيد النص جمالا كالجناس والاستعارات والتشابيه .....
ولعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا أن الشاعر لم يبق أسير عمود الشعر ، بل قدم نـتـفا من الشعر المعاصر حيث تبلغ درجة التكثيف أقصاها مع الومضات أو كما سماها "نبضات متمردة". وهي في الحقيقة كما أطلقت عليها الأستاذة رفيقة البحوري " نبضات مارقة" في الغزل وهو الشاعر المرهف الذي لم يحد عن عمود الشعر ، لنطرح سؤالا هو : هل يؤسس عامر فريح لنمط شعري جديد في قصيدة الومضة ؟... فكل ومضة أو نتفة هي عبارة عن قصيدة مستقلة ومختزلة إلى أبعد مدى حتى يبلغ تأثيرها في القارئ منتهى الدهشة .....
هذا النظام لم يخل من تنوع في الأغراض إذ نجد القصائد الوطنية المنستير( ص 12 ) يتغنى فيها بموطنه , وطني والموت (ص 20 ) ونجد بعض القصائد تتجه نحو مجاراة أشهر القصائد العربية القديمة كقصيدة أبي الطيب المتنبي عيد بأية حال عدت يا عيد . دون أن يغفل تجذره في واقعه ومجتمعه المعاصر وقضاياه فيبلغ تضرّعه مداه في قصيدة "رباه " ص 75 ، حيث تحدث عن وباء الكورونا الذي فتك بالبشر ....
ولعل الشاعر عامر فريح" وهو المجيد للشعر والمواكب للحركة الثقافية لا يرى حرجا في تقديم نظرية نقدية غايتها المساهمة في تعديل المشهد الشعري الذي بدأ يميل إلى البساطة . فنراه يخاطب الشعراء بالنقد البناء من خلال قصيدة یا ناظم الأشعار " ص 56 التي يقدم فيها رؤيته للشعر وعصارة تجربته..
هذه التجربة التي تزداد نضجا من قصيدة إلى أخرى ومن ديوان إلى آخر ليكون الشعر عنده تجربة حياتية يصوغها بأساليب فنية متنوعة تنتج عن مخاض إبداعي عسير غير متسرّع ، إذ يقول:
عتّقت حرفي في الحشا
حولين قبل المولد
رتقته من أضلعي
وشّحته من عسجدي
كم مرّة متّ أنا
و الحرف يحيا للغد
محمد أحمد مخلوف
②