رحمة حسام عبدالرحمن - أزمة تأثير

لو سألنا أيّ شخص من جيل الثمانينات وأوائل التسعينات عن أبرز الأسماء التي شكّلت وعيه، لوجدنا قائمة لا بأس بها من الأسماء المهمة والمؤثرة في مختلف مجالات الترفيه والفن والأدب والصحافة، والتي أثّرت في العقل الجمعي لتلك الأجيال وساهمت، بلا شك، في تشكيله.
فالجميع تعلقوا في طفولتهم بمجلّات علاء الدين وسمير وميكي وماجد، وشاهدوا السندباد وبكار وعمو فؤاد. كثيرون قرأوا سلسلة ما وراء الطبيعة أو ملف المستقبل. وفي الشعر، عرفوا فاروق جويدة، أو سمعوا قصائد نزار قباني مُغنّاة بصوت الفنان كاظم الساهر. وكان برنامج العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود، وكذلك كتاباته، من الوسائل المعرفية المهمة.
إذن، هناك مجموعة من الأسماء في كل مجال، قد نختلف أو نتفق حولها، لكن لا يمكن إنكار أنها أثّرت في واقعنا، وشكّلت جزءًا كبيرًا من وعينا، سواء أردنا ذلك أم لا.
فماذا عن اليوم؟
في الحقيقة، أنا أركّز هنا على المجال الفكري والثقافي، بما يشمله من شعر ورواية وكتابات اجتماعية، أو حتى تحليلات سياسية. لا يمكن لأحد أن ينكر وجود الكثير من المحترفين في هذه المجالات في العالم العربي، ولا يمكن إنكار تميّز بعضهم وجودة ما يُقدَّم. لكنني هنا أتحدث عن ذلك النوع من التأثير العميق؛ عن الكاتب الذي تستلهم عبارة له في مطلع مقالك بعد عشرين عامًا من كتابتها، أو الذي يُخصَّص له ملف صحفي أو يُقام حول مشروعه نقاش حقيقي، أو له موقف فكريّ بارز أحدث حراكًا فعالًا في الرأي العام.
من الصعب اليوم العثور على عشرة أسماء تُقدّم هذا النوع من الحضور والتأثير.
قد يُعزى الأمر، بحسب البعض، إلى طبيعة العصر نفسه؛ فقلّة الموارد في الماضي ساعدت في بروز القليل من المعروض، بينما كثرة الروافد المعرفية اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تجعل من الصعب على منتَج فكري أن يحقق حضورًا طاغيًا أو تأثيرًا عميقًا في ظل التصفح السريع والتلقّي السطحي. وربما يكون هذا الرأي صائبًا إن تناولنا المسألة من زاوية صعوبة المنافسة، بمعنى أن وفرة المحتوى وسهولة الوصول إليه تجعل المنافسة أكثر تعقيدًا على المبدعين والمفكرين.
لكن المشكلة، في رأيي، ليست صعوبة المنافسة في حد ذاتها، فهي ليست شرًّا مطلقًا، بل يفترض بها أن تدفع كل مبدع إلى ذروة الإجادة. كما أن مفهوم "الترند" على وسائل التواصل الاجتماعي أثبت أن موضوعًا ما قد يُفرض على المتلقي فرضًا بمجرد أن يحقق الانتشار، بغض النظر عن قيمته أو جودته.
إذًا، لا يجب أن نتهرب من الإقرار بالأزمة. فالأزمة الحقيقية تكمن في قلّة الجيد من المعروض، أو في غياب الاستمرارية الاحترافية لدى بعض من يقدّمون محتوى جيدًا.
أنا لا أبحث هنا عن الأسباب، ولم أطرح حلولًا، لكنني أوثق واقعًا قائمًا، وآمل أن ينتبه كُتّاب اليوم، في مختلف المجالات، إلى خطورة الموقف، ليس بهدف العيش تحت وطأة الشعور بالذنب، بل لأن الاعتراف بالمشكلة هو أولى خطوات مواجهتها والسعي لحلها.
فهل سندع، نحن أبناء هذا العصر، زماننا يمرّ مذكورًا في التاريخ كعصر اضمحلال فكريّ وإبداعيّ وثقافيّ؟ أم نستفيق ونعمل بكل ما أوتينا من روح الإخلاص لنكون نحن اللبنة الأولى في صرح التصحيح؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...