توفيق بوعشرين - جذور الخوف من السلطة في ثقافة المغربي؟

حلقة جديدة من “كلام في السياسة”، نغوص فيها في عمق الشخصية المغربية، ونفكك العلاقة المركّبة بين المغاربة والدولة، بين الخوف والطاعة، بين التمرد والتعايش… اقرأ حتى النهاية، ثم أجب بنفسك: كيف نكسر الحلقة المفرغة؟
تاريخ المغرب مليء بلحظات دامية، لا بسبب الغزاة فقط، بل أحيانًا بسبب أبناء الوطن أنفسهم…
فانتقال السلطة بين الأسر الحاكمة، أو حتى بين اخوة وأبناء السلطان، كان دومًا أمرًا صعبًا ودمويًا.
بعد وفاة السلطان المولى إسماعيل سنة 1727، دخل المغرب في واحدة من أسوأ مراحله السياسية، فيما سُمي تاريخيًا بـ”فتنة أبناء المولى إسماعيل”.
30 عامًا من الاضطرابات والانقلابات، بين 1727 و1757، تنازع خلالها أبناء السلطان الراحل الحكم، وتحوّل العرش إلى لعبة دموية بين الإخوة، كل منهم يخلع الآخر، إما بالسلاح أو بدعم من الجيش.
جيش “بخارى”، الذي استقدمه المولى إسماعيل من السودان التاريخية، وكان يتكون من عبيد أفارقة لا ينتمون إلى أي قبيلة مغربية، لعب دورًا أساسيًا في هذه الصراعات. فقد كان ولاؤه للسلطان، لكن الولاء يتبدل حسب المصالح…
في هذا السياق الدامي، تتابع الملوك كما يلي:
• مولاي أحمد الذهبي، ابن المولى إسماعيل، لم يحكم سوى سنة واحدة.
• تلاه أخوه مولاي عبد المالك، الذي حكم أقل من سنة بدوره.
• ثم جاء المولى المستضيء، الذي حكم خمس سنوات، دون أن ينجح في بسط سلطته على كل جهات المغرب، إذ ظل أخوه مولاي عبد الله ينازعه الحكم في أكثر من منطقة.
الفوضى استمرّت، والانقلابات تكرّرت، حتى جاء سيدي محمد بن عبد الله، حفيد المولى إسماعيل، إلى الحكم سنة 1757، فنجح في تثبيت حكمه واستعادة هيبة الدولة.
هذا السلطان، بالمناسبة، هو أول من اعترف رسميًا باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من أبرز ملوك المغرب في العصر الحديث
كان الإحساس بالأمن والأمان، “برستيجًا” لا يحظى به إلا القليلون من المغاربة، ولأوقات قصيرة ومتقطعة عبر جل تاريخ المغاربة .
لهذا اخترع مثلا التجار والأعيان ما كان يُسمى بـ”الزطاط”، أي شخص أو مجموعة مسلحة ترافق القوافل وتؤمّن لها الطريق، مقابل مال أو خدمة، لحماية الأرواح والبضائع أثناء السفر.
كان السفر بين المدن والأقاليم مغامرة حقيقية، لا تقلّ درامية عمّا نشاهده في أفلام “الويسترن” الأمريكية.
وكان قطاع الطرق يحوّلون الطريق إلى ساحة رعب مفتوحة. في المقابل، كان المخزن في حرب دائمة على “بلاد السيبة”، حيث لا قانون ولا ولاء للدولة بلاد السيبةكانت منطقة محررة من سلطة المخزن الضريبية والسياسية وهذه كانت احد أساليب المقاومة السياسية او التمرد او الخروج عن بيعة السلطان لصالح آخر من عائلته او حتى من أبنائه .. لدى جزء من المغاربة .
ومع بداية توغل القوى الأوروبية في مدن المغرب النافع، بدأ سباق جديد:
الأعيان والتجار كانوا يتهافتون على “الحماية الأجنبية”، للإفلات من بطش المخزن أو لضمان الحظوة والامتيازات لدى المستعمر .
واليوم؟ ما زال السباق قائمًا بطرق اخرى نحو جواز السفر الأوروبي أو الأمريكي… المحميون الجدد، لكن هذه المرة بربطة عنق ووثائق رسمية!
هذه التحولات، مجتمعة أو متفرقة، ساهمت عبر قرون في تشكيل الشخصية المغربية وسلوكها السياسي والاجتماعي حتى يومنا هذا:
• الخوف من السلطة صار وسيلة للابتعاد عن عنفها، وطريقة للتقرب من عطاياها.
• الخوف من الفقر أصبح مبررًا للسعي وراء المال بكل الطرق، ولو على حساب الكرامة والقانون.
• الخوف من الفتنة تحوّل إلى تبرير للرضا بالواقع، ورفض الاختلاف، والخوف من التغيير.
أما التدين المغربي، المتأثر بالمذهب المالكي، فكان يوصي بـ”كراهية الخلاف” و”الصبر على الحاكم”، والخوف من زعزعة “بيضة الجماعة”، مما ساهم هو الآخر في تكريس ثقافة الخضوع والاحتساب، والابتعاد عن منازعة “أهل الأمر”.
هكذا تبلورت الثقافة السياسية للنخب المغربية، مهما اختلفت مشاربها: من المحافظ إلى الحداثي، من اليساري إلى الإسلامي، ومن الوطني إلى الكوسموبوليتي.
تغيّرت الأحوال، لكن تحت الجلد بقي ذلك الطابع المغربي المتأرجح بين الأصالة والمعاصرة. لا هو استقر هنا، ولا هو انطلق هناك.
يقول شيخ المؤرخين عبد الله العروي في توصيفه لعلاقة المغاربة بالمخزن :إنها علاقة ازدواجية، تقوم على ثلاث مفارقات:
• الرهبة والاحترام: فالمخزن يرمز للنظام، لكنه أيضًا يُخيف.
• الاحتجاج والتمرد: خاصة في المناطق المهمشة والمثقلة بالضرائب.
• التفاوض والتحايل: إذ يبرع المغاربة في “التعامل” مع السلطة، ولو بوجهين.
لكن ما هو الحل يا أستاذ العروي؟
يردّ المفكر قائلاً:
“أحد أكبر تحديات المغرب الحديث هو التوفيق بين تقاليد المخزن ومتطلبات الدولة الحديثة.”
ذلك أن النظام السياسي المغربي لا يزال يحتفظ بـ”روح المخزن”، حتى داخل مؤسساته الحديثة، حيث تستمر الولاءات الشخصية والممارسات غير المؤسسية في التأثير على الحكم وتوزيع السلطة.
السؤال هو: كيف نخرج من هذه الازدواجية؟
هل نحتاج إلى “ثورة ثقافية” في العلاقة مع الدولة؟
أم إلى إصلاح سياسي عميق؟
أم إلى جيل جديد يقطع مع الماضي ولا يكرره في زيّ عصري؟
أترك لكم هذا السؤال مفتوحًا للتفكير والنقاش… وإلى اللقاء في حلقة قادمة من “كلام في السياسة”، إن شاء المولى تعالى.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...