لماذا نعود إلى الحديث عن الحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط؟
أولًا، لأنها حرب.
وفي الحرب، تُظهر الدول، كما الأفراد، أسوأ ما فيها وأفضل ما فيها…
في الحرب يظهر الأبطال والخونة، يظهر القادة الكبار والقادة الصغار، يظهر المكر وتبرز السذاجة، تظهر الأنظمة القوية والضعيفة…
الحرب تصهر المعادن: معادن الرجال والنساء، كما الدول والإمبراطوريات.
ثم لأنها اللحظة الفارقة التي تمر منها الشعوب والدول والمناطق، فتنكشف الأوراق المستورة، وتظهر جبال الجليد المدفونة تحت المياه.
في الحرب، تسقط الأقنعة وتسقط الأوهام… ومن لا يعرف نفسه قبل الحرب، ستعرفه الحرب قدر حاله.
الحروب تكشف الحقائق:
حقائق القوة، والسياسة، والسلاح، والاقتصاد، والدبلوماسية، وخريطة التحالفات، ومعدن القادة.
ثم إن في الحرب ملاحم هنا، ودراما هناك…
انتصارات هنا، وهزائم هناك.
الحروب تشكّل منعطفات كبرى في التاريخ الجارية فصوله أمامنا، فتصبح نتائج الحرب علامات على موازين القوى الجديدة، وإشارات إلى الاتجاه الذي تسير اليه المنطقة والعالم.
لهذا، تابعوا هذه الحرب؛ لأنها كتاب مفتوح للتعلّم، وللوعي، ولـفهم خبايا الصراع الدولي، وطبيعة الأنظمة، ومستوى التطور، ونوعية القادة الذين يقودون شعوبهم نحو النصر أو الهزيمة.
يقول وينستون تشرشل، الذي جرّب أشرس حرب عالمية مرّت بها البشرية الحرب العالمية الثانية :
“الحرب ليست فقط اختبارًا للمدافع والدبابات والطائرات، بل اختبارٌ لإرادة الأمم”.
لهذا نهتم بالحرب ونعود إليها مرة تلو الأخرى…
لكن احذروا:
في الحروب، أول من يسقط قتيلاً بالرصاصة الأولى… هو الحقيقة.
وفي الحرب، تنشط آلة الدعاية، وتُشغَّل ماكينة التلاعب بالرأي العام، لأن في كل حرب ساحتين:
• ساحة القتال، وفيها تُحقّق المصالح وتُعطَّل مقدّرات العدو.
• وساحة العقول والقلوب، وهي التي تُعطي معنى للنصر وحدوده، وللهزيمة ومداها.
نصف النصر في أيّة حرب هو الانتصار في الإعلام، ولدى الرأي العام.
……..
هي الحرب إذن
هذه ثاني حرب تحمل رقمًا ولا تحمل شعارًا أو وصفًا او عنوانا .
الأولى كانت حرب الأيام الستة سنة 1967.
أما الثانية، فهي التي سمّاها ترامب: “حرب الإثني عشر يومًا” بين إسرائيل وإيران وأمريكا.
حربٌ كل شيء فيها غريب، وعجيب، وسريع، وفوضوي…
بدأت الحرب باعتداء إسرائيلي مباغت على طهران؛ ضربة خاطفة ومفاجأة كبرى قتلت 13 عالما نوويًا، وأسفرت عن مقتل أكثر من 75 قائدًا كبيرًا في الحرس الثوري والجيش الإيراني بالإضافة إلى الضحايا المدنيين والخسائر المادية والنفسية .
إيران استوعبت الصدمة، وأطلقت صواريخها التي لم تتمكن القبة الحديدية الإسرائيلية ولا مقلاع داود من إسقاطها كلها.
رأى العالم مشاهد الدمار وقوافل الإسعاف تحمل القتلى و الجرحى الاسرائيليين من تحت الأنقاض، في صور لم يعتد أحد على رؤيتها في “أقوى دولة في الشرق الأوسط : اسرائيل”.
كان لابد أن تتدخل أمريكا في الحرب، لأن إسرائيل عاجزة عن الوصول إلى مواقع النووي الإيراني.
وهكذا دخل ترامب الحرب دون سابق إنذار، ولا استشارة للكونغرس، ولا لمجلس الأمن الدولي.
في غضون ساعات، شارك في القصف، ثم خرج مفتخرًا بأنه أنهى المشروع النووي الإيراني، عبر استهداف ثلاث منشآت نووية رئيسية، وختم تغريدته بدعوة إيران إلى السلام!
إيران، وقد مُسّ كبرياؤها، لم تعرف كيف ترد على أمريكا البعيدة آلاف الكيلومترات، ولا كيف تواجه “الوحش الأميركي”، فاختارت حيلة مسرحية:
ضرب “قوات أمريكية” في قطر، وأطلقت صواريخ “أي كلام” على قاعدة العديد، سقطت بكل سهولة، دون خسائر مادية ولا بشرية، ولا حتى إصابة حمامة في سماء الدوحة!
كل المعلومات كانت طبعًا بحوزة واشنطن والدوحة عن احداثيات هذه الصواريخ ، ثم خرجت بيانات التنديد بالاعتداء الإيراني على “أراضي وسماء بلد عربي”.
لكن، وقبل أن يتوسّع ضيوف “الجزيرة” في تحليل أبعاد الهجوم الإيراني على قطر ومستقبل العلاقات الخليجية-الإيرانية، خرج ترامب، وكسر كل البرامج، وكل التحليلات العميقة والسطحية، وأعلن للعالم أنه توصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الإيرانيين والإسرائيليين!
أعلن ترامب نهاية الحرب، وقال إنها “حرب 12 يومًا فقط”، وختمها بدعاء مسيحي مؤثّر:
• “ليحفظ الله إيران، (التي قصفناها وقتلنا أطفالها وعلماءها ودمّر مبانيها)…
• وليحفظ الله إسرائيل، (التي أنقذناها من صواريخ إيران وشاركناها حربها ضد الملالي دون ان تكون لنا مصلحة مباشرة في الحرب )…
• وليحفظ الله أمريكا، (التي انتخبتني رئيسًا ألعب بالحرب والسلام كما يلعب طفلٌ مجنون بلعبة )PlayStation”.
ثم تبرّع ترامب بدعاء آخر إلى العالم، الذي لا يحب ثلاث أرباع دوله، فقال:
“ليحفظ الله العالم…”
ممن؟ من رئيسٍ مهبول؟
أم من رئيس وزراء مجنون، يدخل حربًا تلو أخرى، للهروب من المثول أمام المحكمة
من الرابح ومن الخاسر في مدرسة المشاغبين النوويين هذه؟
في الواقع، لسنا أمام مباراة تنس فيها فائز وخاسر. نحن أقرب إلى مباراة ملاكمة انتهت بالتعادل، لكن كلا الملاكمين خرج بجروح ورضوض وارتجاجات في المخ، ستلاحقهما آثارها لسنوات قادمة…
وإليكم لائحة الخاسرين في هذه الحرب الخاطفة والمجنونة:
- أول الخاسرين: غزة الجريحة،
التي تنزف منذ شهور دون أن تجد من يبكي عليها، في عالم لا يعترف إلا بلغة القوة.
فلا أحد من القوى الكبرى تمسّك بإدخالها في اتفاق وقف إطلاق النار، وللأسف، الإيرانيون لم يشترطوا حتى بندًا صغيرًا في اتفاق شفوي ينص على فتح المعابر، وإدخال الطعام والماء والدواء لأهل غزة.
- ثاني الخاسرين: السلم والأمن الدوليان،
ومعايير القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة التي دُفنت تحت ركام الصواريخ والطائرات.
منذ أكثر من 21 شهرًا في غزة ولبنان، ومنذ 12 يومًا في إيران، التي ضُربت منشآتها النووية التي كلفت المليارات في أقل من ساعة، بدون شرعية قانونية، دون إذن دولي، ووسط نفاق عالمي.
العالم الذي بكى أمس على اعتداء روسيا على أوكرانيا، ووضع بوتين في لائحة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، هو نفسه الذي يظهر الآن امتنانه لإسرائيل، وهناك من يقول علنًا إن نتنياهو ينوب عن “العالم الحر” في ضرب نظام تيوقراطي يسعى لامتلاك “القنبلة النووية الإسلامية الثانية”.
فرنسا تمسك العصا بقفازات النفاق الدولي: تقول في أول جملة بعد ضرب إسرائيل لإيران: “من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها”، ثم تتبعها بضرورة “خفض التصعيد والرجوع إلى طاولة المفاوضات”!
- ثالث الخاسرين: هيبة أمريكا،
التي ظهرت عاجزة عن قيادة العالم، مع رئيس أهوج، بلا تخطيط استراتيجي، ولا عمق سياسي، ولا أسلوب دبلوماسي.
يدخل الحروب ويخرج منها بخفة ونزق، وكأنها لعبة مسلية، لا قرار خطير فيه أرواح بشر، واستقرار دول ومجتمعات.
كتبت افتتاحية لوموند الفرنسية ما يلي:
“لم يُخفِ دونالد ترامب رغبته في طيّ هذا الملف سريعًا، بسبب تقلباته الجيوسياسية المعروفة، وأيضًا لتجنّب صدمة قاعدته الانتخابية التي تعارض بشدة فكرة خوض مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. لكن بيانات النصر التي بثّها تتناقض بشكل صارخ مع التقديرات الأولية لأجهزة الاستخبارات الأميركية…
ترى هذه الأخيرة أن الضربات التي نُفّذت ليلة 21 إلى 22 يونيو لم تنجح في القضاء نهائيًا على البرنامج النووي الإيراني، الذي تتذرع به إسرائيل لتبرير عدوانها… هذا المشروع، في الحقيقة، لم يُؤخر سوى بضعة أشهر.”
الشكوك التي لا تزال قائمة تعيد إلى الأذهان التصريحات الكاذبة لوزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد بشأن أسلحة الدمار الشامل، التي زعمت إدارة جورج بوش الابن ـ زورًا ـ أن نظام صدام حسين كان يملكها.
- رابع الخاسرين: إيران،
التي خسرت أرواحًا من شعبها، ومن علمائها، ومن قادة جيشها، ومنشآت ومواقع نووية كلفتها الكثير من المال والجهد.
ولو أننا لا نعرف على وجه الدقة ماذا خسرت، وماذا بقي لها من قدرات نووية، لكن المؤكد أن برنامجها النووي سيتأخر لسنوات.
وقد تكون لهذه الحرب تداعيات على الداخل، خاصة مع اكتشاف مستوى الاختراق الذي نجح فيه الموساد، حتى أنه وصل إلى تركيب مصانع صغيرة وورشات لتجميع طائرات الدرون فوق الأراضي الإيرانية، لاستهداف مواقع حساسة وشخصيات نافذة في النظام.
هذا الاختراق يكشف من جهة عن ضعف البنية الاستخباراتية الإيرانية.
(وهنا نعرف أن عمل المخابرات مزدوج: فيه التجسس على الآخر وجمع المعلومات عنه، وفيه الشق الأصعب، وهو مكافحة التجسس، وإبطال عمليات الاختراق التي يقوم بها العدو).
وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة الحذر في علاقة المغرب مع إسرائيل، وأن تفتح البلاد عيونها وآذانها؛ فهذا كيان لا يُؤتمن.
وهو يعرف أن الأغلبية الساحقة من المغاربة تعارض جرائمه الوحشية ضد الفلسطينيين، ولا ترى له مكانًا في المنطقة ونسيجها دون دولة مستقلة للفلسطينيين.
وهذا ما لا تقبل به إسرائيل الآن على الأقل، ولهذا ستستمر في التعامل مع المغرب كعدو، وستعمل على اختراقه بكل الوسائل، وتشكيل لوبي أو طابور خامس داخله، كما نرى هذه الأيام من مغاربة خانهم حسّهم الإنساني قبل الوطني، وأضحوا آلات دعائية لجرائم الجيش الإسرائيلي، مرة تحت عنوان “كلنا إسرائيليون”، ومرة تحت عنوان “تازة قبل غزة”.
الثغرات الكبيرة التي استطاع الموساد إحداثها في الجسم الإيراني المدني والعسكري لا تعكس فقط قوته ودهاءه وتجربته وتعاون أجهزة استخبارات عالمية معه، بل تعكس أيضًا وجود معارضة قوية للنظام، ووجود أزمة اقتصادية كبيرة، يسقط تحتها الطمع والخيانة بسهولة…
لكن، مع ذلك، ربحت طهران بالمقابل “هيبة نسبية” كقوة إقليمية قادرة على الدفاع عن نفسها.
وأظهرت قدرتها على إيلام إسرائيل في مناطق حساسة، حيث وصلت الصواريخ الإيرانية الصنع إلى مواقع عسكرية واستخباراتية وعلمية في قلب إسرائيل، من بينها معهد وايزمان.
وسنعرف أكثر عن خسائر إسرائيل بعد أن تزول الرقابة العسكرية على وسائل الإعلام.
وبرزت طهران أمام العالم كنظام متماسك لا ينهار كأنظمة المنطقة العربية عند أول ضربة من طائرة F-16، وكدولة مستعدة لحرب طويلة.
فالمعلومات المتسربة للصحافة الإسرائيلية تقول إن أمريكا وإسرائيل هما من اقترحا وقفًا لإطلاق النار، وإن إيران ـ رغم خسائرها ـ كانت مستعدة لخوض حرب المدن هذه لأسابيع وأشهر أخرى.
الآن، الإيرانيون سيجلسون بأوراق مهمة في يدهم إلى طاولة المفاوضات.
ومن أبرز هذه الأوراق: منظومة صاروخية مدمرة، قادرة على الوصول إلى إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.
وفي حين كانت هناك شكوك في قدرتها على اختراق القبة الحديدية ومقلاع داوود، فإن ما جرى غيّر المعادلة… هذا تحول جوهري، سيكون له ما بعده.
- خامس الخاسرين: إسرائيل،
التي جرحت الدب الإيراني لكنها لم تقضِ عليه، بل فتحت أمامه طريقًا مباشرًا وسريعًا نحو امتلاك القنبلة النووية، بعدما اتضح أن أمريكا وإسرائيل لا تعاديان البرنامج النووي فقط، بل النظام الإيراني برمته ونفوذه في المنطقة.
وما لم يُنتزع من طهران بالحرب، لن يُنتزع منها بالدبلوماسية حتما.
إسرائيل خرجت من هذه الحرب بكراهية أكبر من شعوب المنطقة، وبانكشاف أعظم: لا تستقوي إلا على الضعفاء من العرب والفلسطينيين، أما القوى الإقليمية مثل إيران، فلا تستطيع الخروج منتصرة من حرب معها، رغم تفوقها الجوي المدعوم أمريكيًا.
حتى وإن خدعت الإيرانيين في بداية الحرب، فإنها لم تُسقطهم.
قال بنجامين فرانكلين: “دائمًا ما تأتي فواتير الحرب متأخرة.”
في الحصيلة: الجميع خاسر.
لكن الخاسر الأكبر هو الأمن العربي، والهيبة العربية… إن كان لا يزال هناك شيء اسمه “هيبة العربان”.
ألم أقل لكم إن الأرض لم تعد تتكلم عربيًا؟
ولا أحد سيُسجّل نفسه بعد الآن أنه “عربي”…”؟
أولًا، لأنها حرب.
وفي الحرب، تُظهر الدول، كما الأفراد، أسوأ ما فيها وأفضل ما فيها…
في الحرب يظهر الأبطال والخونة، يظهر القادة الكبار والقادة الصغار، يظهر المكر وتبرز السذاجة، تظهر الأنظمة القوية والضعيفة…
الحرب تصهر المعادن: معادن الرجال والنساء، كما الدول والإمبراطوريات.
ثم لأنها اللحظة الفارقة التي تمر منها الشعوب والدول والمناطق، فتنكشف الأوراق المستورة، وتظهر جبال الجليد المدفونة تحت المياه.
في الحرب، تسقط الأقنعة وتسقط الأوهام… ومن لا يعرف نفسه قبل الحرب، ستعرفه الحرب قدر حاله.
الحروب تكشف الحقائق:
حقائق القوة، والسياسة، والسلاح، والاقتصاد، والدبلوماسية، وخريطة التحالفات، ومعدن القادة.
ثم إن في الحرب ملاحم هنا، ودراما هناك…
انتصارات هنا، وهزائم هناك.
الحروب تشكّل منعطفات كبرى في التاريخ الجارية فصوله أمامنا، فتصبح نتائج الحرب علامات على موازين القوى الجديدة، وإشارات إلى الاتجاه الذي تسير اليه المنطقة والعالم.
لهذا، تابعوا هذه الحرب؛ لأنها كتاب مفتوح للتعلّم، وللوعي، ولـفهم خبايا الصراع الدولي، وطبيعة الأنظمة، ومستوى التطور، ونوعية القادة الذين يقودون شعوبهم نحو النصر أو الهزيمة.
يقول وينستون تشرشل، الذي جرّب أشرس حرب عالمية مرّت بها البشرية الحرب العالمية الثانية :
“الحرب ليست فقط اختبارًا للمدافع والدبابات والطائرات، بل اختبارٌ لإرادة الأمم”.
لهذا نهتم بالحرب ونعود إليها مرة تلو الأخرى…
لكن احذروا:
في الحروب، أول من يسقط قتيلاً بالرصاصة الأولى… هو الحقيقة.
وفي الحرب، تنشط آلة الدعاية، وتُشغَّل ماكينة التلاعب بالرأي العام، لأن في كل حرب ساحتين:
• ساحة القتال، وفيها تُحقّق المصالح وتُعطَّل مقدّرات العدو.
• وساحة العقول والقلوب، وهي التي تُعطي معنى للنصر وحدوده، وللهزيمة ومداها.
نصف النصر في أيّة حرب هو الانتصار في الإعلام، ولدى الرأي العام.
……..
هي الحرب إذن
هذه ثاني حرب تحمل رقمًا ولا تحمل شعارًا أو وصفًا او عنوانا .
الأولى كانت حرب الأيام الستة سنة 1967.
أما الثانية، فهي التي سمّاها ترامب: “حرب الإثني عشر يومًا” بين إسرائيل وإيران وأمريكا.
حربٌ كل شيء فيها غريب، وعجيب، وسريع، وفوضوي…
بدأت الحرب باعتداء إسرائيلي مباغت على طهران؛ ضربة خاطفة ومفاجأة كبرى قتلت 13 عالما نوويًا، وأسفرت عن مقتل أكثر من 75 قائدًا كبيرًا في الحرس الثوري والجيش الإيراني بالإضافة إلى الضحايا المدنيين والخسائر المادية والنفسية .
إيران استوعبت الصدمة، وأطلقت صواريخها التي لم تتمكن القبة الحديدية الإسرائيلية ولا مقلاع داود من إسقاطها كلها.
رأى العالم مشاهد الدمار وقوافل الإسعاف تحمل القتلى و الجرحى الاسرائيليين من تحت الأنقاض، في صور لم يعتد أحد على رؤيتها في “أقوى دولة في الشرق الأوسط : اسرائيل”.
كان لابد أن تتدخل أمريكا في الحرب، لأن إسرائيل عاجزة عن الوصول إلى مواقع النووي الإيراني.
وهكذا دخل ترامب الحرب دون سابق إنذار، ولا استشارة للكونغرس، ولا لمجلس الأمن الدولي.
في غضون ساعات، شارك في القصف، ثم خرج مفتخرًا بأنه أنهى المشروع النووي الإيراني، عبر استهداف ثلاث منشآت نووية رئيسية، وختم تغريدته بدعوة إيران إلى السلام!
إيران، وقد مُسّ كبرياؤها، لم تعرف كيف ترد على أمريكا البعيدة آلاف الكيلومترات، ولا كيف تواجه “الوحش الأميركي”، فاختارت حيلة مسرحية:
ضرب “قوات أمريكية” في قطر، وأطلقت صواريخ “أي كلام” على قاعدة العديد، سقطت بكل سهولة، دون خسائر مادية ولا بشرية، ولا حتى إصابة حمامة في سماء الدوحة!
كل المعلومات كانت طبعًا بحوزة واشنطن والدوحة عن احداثيات هذه الصواريخ ، ثم خرجت بيانات التنديد بالاعتداء الإيراني على “أراضي وسماء بلد عربي”.
لكن، وقبل أن يتوسّع ضيوف “الجزيرة” في تحليل أبعاد الهجوم الإيراني على قطر ومستقبل العلاقات الخليجية-الإيرانية، خرج ترامب، وكسر كل البرامج، وكل التحليلات العميقة والسطحية، وأعلن للعالم أنه توصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الإيرانيين والإسرائيليين!
أعلن ترامب نهاية الحرب، وقال إنها “حرب 12 يومًا فقط”، وختمها بدعاء مسيحي مؤثّر:
• “ليحفظ الله إيران، (التي قصفناها وقتلنا أطفالها وعلماءها ودمّر مبانيها)…
• وليحفظ الله إسرائيل، (التي أنقذناها من صواريخ إيران وشاركناها حربها ضد الملالي دون ان تكون لنا مصلحة مباشرة في الحرب )…
• وليحفظ الله أمريكا، (التي انتخبتني رئيسًا ألعب بالحرب والسلام كما يلعب طفلٌ مجنون بلعبة )PlayStation”.
ثم تبرّع ترامب بدعاء آخر إلى العالم، الذي لا يحب ثلاث أرباع دوله، فقال:
“ليحفظ الله العالم…”
ممن؟ من رئيسٍ مهبول؟
أم من رئيس وزراء مجنون، يدخل حربًا تلو أخرى، للهروب من المثول أمام المحكمة
من الرابح ومن الخاسر في مدرسة المشاغبين النوويين هذه؟
في الواقع، لسنا أمام مباراة تنس فيها فائز وخاسر. نحن أقرب إلى مباراة ملاكمة انتهت بالتعادل، لكن كلا الملاكمين خرج بجروح ورضوض وارتجاجات في المخ، ستلاحقهما آثارها لسنوات قادمة…
وإليكم لائحة الخاسرين في هذه الحرب الخاطفة والمجنونة:
- أول الخاسرين: غزة الجريحة،
التي تنزف منذ شهور دون أن تجد من يبكي عليها، في عالم لا يعترف إلا بلغة القوة.
فلا أحد من القوى الكبرى تمسّك بإدخالها في اتفاق وقف إطلاق النار، وللأسف، الإيرانيون لم يشترطوا حتى بندًا صغيرًا في اتفاق شفوي ينص على فتح المعابر، وإدخال الطعام والماء والدواء لأهل غزة.
- ثاني الخاسرين: السلم والأمن الدوليان،
ومعايير القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة التي دُفنت تحت ركام الصواريخ والطائرات.
منذ أكثر من 21 شهرًا في غزة ولبنان، ومنذ 12 يومًا في إيران، التي ضُربت منشآتها النووية التي كلفت المليارات في أقل من ساعة، بدون شرعية قانونية، دون إذن دولي، ووسط نفاق عالمي.
العالم الذي بكى أمس على اعتداء روسيا على أوكرانيا، ووضع بوتين في لائحة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، هو نفسه الذي يظهر الآن امتنانه لإسرائيل، وهناك من يقول علنًا إن نتنياهو ينوب عن “العالم الحر” في ضرب نظام تيوقراطي يسعى لامتلاك “القنبلة النووية الإسلامية الثانية”.
فرنسا تمسك العصا بقفازات النفاق الدولي: تقول في أول جملة بعد ضرب إسرائيل لإيران: “من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها”، ثم تتبعها بضرورة “خفض التصعيد والرجوع إلى طاولة المفاوضات”!
- ثالث الخاسرين: هيبة أمريكا،
التي ظهرت عاجزة عن قيادة العالم، مع رئيس أهوج، بلا تخطيط استراتيجي، ولا عمق سياسي، ولا أسلوب دبلوماسي.
يدخل الحروب ويخرج منها بخفة ونزق، وكأنها لعبة مسلية، لا قرار خطير فيه أرواح بشر، واستقرار دول ومجتمعات.
كتبت افتتاحية لوموند الفرنسية ما يلي:
“لم يُخفِ دونالد ترامب رغبته في طيّ هذا الملف سريعًا، بسبب تقلباته الجيوسياسية المعروفة، وأيضًا لتجنّب صدمة قاعدته الانتخابية التي تعارض بشدة فكرة خوض مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. لكن بيانات النصر التي بثّها تتناقض بشكل صارخ مع التقديرات الأولية لأجهزة الاستخبارات الأميركية…
ترى هذه الأخيرة أن الضربات التي نُفّذت ليلة 21 إلى 22 يونيو لم تنجح في القضاء نهائيًا على البرنامج النووي الإيراني، الذي تتذرع به إسرائيل لتبرير عدوانها… هذا المشروع، في الحقيقة، لم يُؤخر سوى بضعة أشهر.”
الشكوك التي لا تزال قائمة تعيد إلى الأذهان التصريحات الكاذبة لوزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد بشأن أسلحة الدمار الشامل، التي زعمت إدارة جورج بوش الابن ـ زورًا ـ أن نظام صدام حسين كان يملكها.
- رابع الخاسرين: إيران،
التي خسرت أرواحًا من شعبها، ومن علمائها، ومن قادة جيشها، ومنشآت ومواقع نووية كلفتها الكثير من المال والجهد.
ولو أننا لا نعرف على وجه الدقة ماذا خسرت، وماذا بقي لها من قدرات نووية، لكن المؤكد أن برنامجها النووي سيتأخر لسنوات.
وقد تكون لهذه الحرب تداعيات على الداخل، خاصة مع اكتشاف مستوى الاختراق الذي نجح فيه الموساد، حتى أنه وصل إلى تركيب مصانع صغيرة وورشات لتجميع طائرات الدرون فوق الأراضي الإيرانية، لاستهداف مواقع حساسة وشخصيات نافذة في النظام.
هذا الاختراق يكشف من جهة عن ضعف البنية الاستخباراتية الإيرانية.
(وهنا نعرف أن عمل المخابرات مزدوج: فيه التجسس على الآخر وجمع المعلومات عنه، وفيه الشق الأصعب، وهو مكافحة التجسس، وإبطال عمليات الاختراق التي يقوم بها العدو).
وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة الحذر في علاقة المغرب مع إسرائيل، وأن تفتح البلاد عيونها وآذانها؛ فهذا كيان لا يُؤتمن.
وهو يعرف أن الأغلبية الساحقة من المغاربة تعارض جرائمه الوحشية ضد الفلسطينيين، ولا ترى له مكانًا في المنطقة ونسيجها دون دولة مستقلة للفلسطينيين.
وهذا ما لا تقبل به إسرائيل الآن على الأقل، ولهذا ستستمر في التعامل مع المغرب كعدو، وستعمل على اختراقه بكل الوسائل، وتشكيل لوبي أو طابور خامس داخله، كما نرى هذه الأيام من مغاربة خانهم حسّهم الإنساني قبل الوطني، وأضحوا آلات دعائية لجرائم الجيش الإسرائيلي، مرة تحت عنوان “كلنا إسرائيليون”، ومرة تحت عنوان “تازة قبل غزة”.
الثغرات الكبيرة التي استطاع الموساد إحداثها في الجسم الإيراني المدني والعسكري لا تعكس فقط قوته ودهاءه وتجربته وتعاون أجهزة استخبارات عالمية معه، بل تعكس أيضًا وجود معارضة قوية للنظام، ووجود أزمة اقتصادية كبيرة، يسقط تحتها الطمع والخيانة بسهولة…
لكن، مع ذلك، ربحت طهران بالمقابل “هيبة نسبية” كقوة إقليمية قادرة على الدفاع عن نفسها.
وأظهرت قدرتها على إيلام إسرائيل في مناطق حساسة، حيث وصلت الصواريخ الإيرانية الصنع إلى مواقع عسكرية واستخباراتية وعلمية في قلب إسرائيل، من بينها معهد وايزمان.
وسنعرف أكثر عن خسائر إسرائيل بعد أن تزول الرقابة العسكرية على وسائل الإعلام.
وبرزت طهران أمام العالم كنظام متماسك لا ينهار كأنظمة المنطقة العربية عند أول ضربة من طائرة F-16، وكدولة مستعدة لحرب طويلة.
فالمعلومات المتسربة للصحافة الإسرائيلية تقول إن أمريكا وإسرائيل هما من اقترحا وقفًا لإطلاق النار، وإن إيران ـ رغم خسائرها ـ كانت مستعدة لخوض حرب المدن هذه لأسابيع وأشهر أخرى.
الآن، الإيرانيون سيجلسون بأوراق مهمة في يدهم إلى طاولة المفاوضات.
ومن أبرز هذه الأوراق: منظومة صاروخية مدمرة، قادرة على الوصول إلى إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.
وفي حين كانت هناك شكوك في قدرتها على اختراق القبة الحديدية ومقلاع داوود، فإن ما جرى غيّر المعادلة… هذا تحول جوهري، سيكون له ما بعده.
- خامس الخاسرين: إسرائيل،
التي جرحت الدب الإيراني لكنها لم تقضِ عليه، بل فتحت أمامه طريقًا مباشرًا وسريعًا نحو امتلاك القنبلة النووية، بعدما اتضح أن أمريكا وإسرائيل لا تعاديان البرنامج النووي فقط، بل النظام الإيراني برمته ونفوذه في المنطقة.
وما لم يُنتزع من طهران بالحرب، لن يُنتزع منها بالدبلوماسية حتما.
إسرائيل خرجت من هذه الحرب بكراهية أكبر من شعوب المنطقة، وبانكشاف أعظم: لا تستقوي إلا على الضعفاء من العرب والفلسطينيين، أما القوى الإقليمية مثل إيران، فلا تستطيع الخروج منتصرة من حرب معها، رغم تفوقها الجوي المدعوم أمريكيًا.
حتى وإن خدعت الإيرانيين في بداية الحرب، فإنها لم تُسقطهم.
قال بنجامين فرانكلين: “دائمًا ما تأتي فواتير الحرب متأخرة.”
في الحصيلة: الجميع خاسر.
لكن الخاسر الأكبر هو الأمن العربي، والهيبة العربية… إن كان لا يزال هناك شيء اسمه “هيبة العربان”.
ألم أقل لكم إن الأرض لم تعد تتكلم عربيًا؟
ولا أحد سيُسجّل نفسه بعد الآن أنه “عربي”…”؟