ابراهيم الخطيب - ملاحظتان حول تقنية التأخير

تجري وقائع رواية عبد الكريم الجويطي (ثورة الأيام الأربعة)، مثل رواية جيمس جويس (عوليس)، في يوم واحد: يبدأ بليلة خروج السارد زياد السمعلي من بني ملال في اتجاه قصر عين أسردون للانضمام إلى جماعة الثوار، وينتهي بليلة المكوث في ثكنة جبل إيريس، التي تم الاستيلاء عليها، في انتظار التوصل بأمر المغادرة من (الزعيم) للسير في اتجاه مجهول. ما يثير الانتباه في هذه الرواية وجود ظاهرة تقنية هي ظاهرة تأخير بعض الأحداث للكشف عنها بعد حين. ففي مسار هذا اليوم المشار إليه لم يعبّر السارد، خلافا للمتوقع، عن عواطفه نحو مدينته وأماكنها وناسها إبان مغادرته لها في مفتتح الرواية، وإنما في الصفحات الأخيرة منها، أي بعد مرور يوم كامل و383 صفحة على تلك المغادرة. هكذا تشتعل مشاعر السارد بالقلق، ويشعر بأن يوما واحدا فقط بما فيه من وقائع محيرة، كان كافيا ليزرع في وجدانه حنينا جارفا إلى بني ملال، يغذيه انتظار غامض ، وتوجس من الآتي الذي كان طي الغيب . ما يؤكد عمق و فداحة هذا الحنين ، هو ما يتذكره السارد ، وهو في غرفته بالثكنة ، من أنه أثناء شروعه في التوجه ليلا إلى قصر عين أسردون، لم يختر الطريق الأقرب الذي رسمه لنفسه إذ ذاك والذي كان بإمكانه أن يقطعه في عشرين دقيقة ، وإنما سلك طريقا آخر ، أطول ، وأكثر إحاطة بالأماكن المحببة إليه في بني ملال ، مبررا ذلك بالقول : ( كنت بحاجة إلى أن أسير في المدينة لآخر مرة ّ...في حاجة إلى أن أعرف رد فعل المكان نحو ما أهم القيام به) (ص 377) ، يضاف إلى ذلك شعوره بأن غموض مهمة الثورة التي انخرط أو تورط فيها، وشراسة خصمها، تجعلان العودة إلى بني ملال ، خلافا لعودة (عوليس) إلى (إيثاكا)، شبه مستحيلة .



في هذا السياق، يثير انتباهنا أيضا، وجود نفس التقنية، تقنية إخفاء واقعة مركزية ، قبل الكشف عنها بعد مرور 135 صفحة. إنني أعني هنا حكاية سارد الرواية، زياد السمعلي، مع ( الأغنية) التي يتم التلميح إليها ، باقتضاب شديد ، ست مرات في صفحات متناثرة على امتداد سبعة فصول (13، 15، 31، 34، 50، 79). يشار إلى الأغنية في البداية كـ (أغنية عاطفية) ثم كـ (حادث الأغنية اللعينة) ثم كـ (أغنية مشؤومة) ثم كـ (سوء فهم الأغنية) ثم كـ (حادث الأغنية المشؤومة)، وأخيرا (تداعيات الأغنية التي غنيتها يوم عيد العرش. في الفصل الثامن الذي يحمل عنوان (يا ناسي العهد) يعمد السارد إلى كشف ظروف وسياق الأغنية المذكورة، معتبرا إنشادها أشبه بنزول حقيقي إلى الجحيم: يعمل زياد السمعلي أستاذا بثانوية ابن سينا ببني ملال. وبمناسبة عيد العرش الموافق لسنة 1972، قام مدير الثانوية بتنظيم حفل استقبال دعا إليه عامل المدينة، ويتضمن الحفل فقرتين: خطبة قصيرة يلقيها هو، يعقبها إنشاد السمعلي، الذي كان هاويا للموسيقى، أغنيتين: الأولى عاطفية وهي (يا ناسي العهد) لإبراهيم العلمي، والثانية أغنية وطنية هي (يا صاحب الصولة والصولجان) لأحمد البيضاوي. كان بالإمكان أن يمر الحفل دون مشاكل تذكر، لولا أن المدير ختم خطابه الموجه إلى الملك، من خلال العامل، بالقول (نحن على العهد)، وكررها أربع مرات. عقب ذلك انطلق الغناء (يا ناسي العهد) و (حلفتي عمرك ما تخون)، الأمر الذي أغضب العامل من هذا التناقض بين الحفاظ على العهد ونسيانه والحديث عن الخيانة، وجعله يتململ في مقعده، قبل أن يعمد إلى مغادرة الحفل مغضبا هو وحاشيته. أما النزول إلى الجحيم، بالنسبة لزياد السمعلي، فكان هو التحقيق الطويل والمعقد الذي أجري معه من طرف سلطات المدينة حول الأغنية، والهدف من إنشادها يوم عيد العرش بالذات، وعما إذا كان لكل ذلك خلفيات معينة ومقصودة. بقي أن أشير إلى أن حدث (الأغنية)، والتلميح إليها بين آونة وأخرى، يبرز قدرة السارد على شد انتباه القار ئ، وإبقاء هذا الانتباه حيا، متوقدا، طيلة الفصول الثمانية، نظرا للأهمية القصوى التي يكتسيها الحدث بالنسبة لمجريات الرواية وكذا بالنسبة لمصير السارد .

ابراهيم الخطيب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...