محمد شعير - "لا يكف عن الضحك".. رواية عن حرب الإنسان في الحياة والتعافي بالحب

◙ رشا عبادة تنسج تفاصيل رحلة أم آمنت بابنها وقررت شراءه من العالم
◙ الكاتبة تستعيد، من خلال سرد جاذب متدفق لا يتيح للقارئ لحظة ملل واحدة، حياة بطلة مع أمها وابنها


القاهرة- عندما تجد كلمة "الضحك" في عنوان رواية أو كتاب، فإنك قد تتوقع أن يأتي العمل خفيفًا لطيفًا، مناسبًا للقراءة على شاطئ بحر في فصل الصيف، لا سيما إن كانت الكاتبة تشتهر بأسلوبها الساخر المحبب في الكتابة، إلا أن الغوص في أعماق العمل الإبداعي وربما منذ صفحاته الأولى قد يكشف لك أشياءً أخرى، أكثر جمالًا وبهجة، عمقًا وإمتاعًا.
تفاجئ الكاتبة المصرية رشا عبادة قارئ روايتها الصادرة حديثًا بعنوان "لا يكف عن الضحك" عن دار بتانة للنشر بالحديث في مستهل الرواية عن شخصيتين رئيسيتين، تدور في فلكهما البطلة مي الألفي، حائرة، تسعى بينهما جيئة وذهابًا، بمزيج من الألم والأمل، بدمعٍ وضحك.
الشخصيتان، كل منهما حي، لكنه غائب أو شبه غائب عن الوعي؛ أمٌّ ترقد في غرفة العناية المركزة وابنٌ صغير تُجمع كل تعليقات الناس عليه بأنه غير طبيعي. وتبدو رحلة مي كأنها تمضي في طريق عابر بين الحياة والموت.
◙ الأمومة الصعبة
تستعيد الكاتبة من خلال سرد جاذب متدفق لا يتيح لحظة ملل واحدة حياة البطلة مع أمها، الشخصية القوية المسيطرة، التي قد تبدو جامدة إلا أنها تحرص دائمًا على أن تبدو جميلة، تتشبث بالحياة، وينتابها ضحك هيستيري مع كل حالة وفاة، حنونة، لكنها تدس هدية العيد لابنتيها تحت وسادتيهما، كأنما تخجل من التعبير عن حبها أو تهرب من أن تحتضنهما.
أما الابن، الطفل شادي، فهو يخاف ملمس الأرض، يمشي على أطراف أصابعه كمن يستعد للطيران، لا ينطق جملًا واضحة، إنما ثأثأة أو كلمات عشوائية مفاجئة تتخللها دموع وصراخ متواصل، أو يضحك عاليًا، يلقي بالأشياء من النافذة، ويلعق زجاج واجهة السوبر ماركت بلسانه، فتحترق مي بتعليقات الناس وتساؤلاتهم "ابنِك متخلف عقليا؟".
تسترجع البطلة اختلاف آرائها دومًا عما تراه أمها، التي كانت تقول لها إن قراءة الكتب "لحست دماغها"، ومحاولات الأم أن تثني ابنتها عن الطلاق من زوجها مرتضى، برغم خيانته وخداعه وبخله، والظن في أنها مصابة بمسٍّ من الجن، رغم أن كل ما كانت تبحث عنه مي هو حضن؛ مجرد حضن.
تتوقف البطلة عن إنكار غرابة سلوكيات ابنها، وتبدأ رحلة علاجه، تتخبط بين مراكز التوحد والتأخر وتعديل السلوك، وتتعدد مسميات تشخيص حالته؛ تشتت انتباه وفرط حركة واضطرابات سلوك وراثية، قصور في التواصل ومهارات اللعب والمهارات الحسية، "وشوية دلع".
تستحيل الرحلة حربًا، سلاحها الحب، فتقضي مي أيامًا وأسابيع في تعليم شادي كلمة أو سلوكًا أو لونًا، ويحفظها أصحاب المتاجر التي اعتادت دخولها يوميًا ويلقبها الجميع بـ"أبلة ماما"، المرأة التي تلف السوق تشرح لطفل أخرس ولا تشتري أي شيء، إلا أنها بكلامها "كنت أشتري يا شادي؛ أشتريك من العالم".
لم تذهب القراءة بعقل مي، أو تشوه دماغها، كما ظنت أمها، بل لعلها هي ما أنقذها من السقوط في براثن عقدة الأم، التي لم تعبر عن حنانها لها، فتعافت، لم تكرهها أو تحمل ضغينة نحوها، بل إنها ورثت عنها جينات الهروب بالضحك حتى في مواقف الحزن.
يموت الجار "الأستاذ راضي" مقتولًا في خناقة شارع؛ فتتذكر مي نكاته القديمة عن الرجل الذي يضحك في جنازة زوجته لأنه "أول مرة يعرف هي رايحة فين"، فتبتسم في وجوه الجالسين في عزائه وتعلق "المرحوم كان دمه خفيف والملائكة تحب صُحبته".
وتخاطب أمها في خيالها "حرج الضحك دون سبب لم يعد يعنيني يا أمي، وما يدهشني بات يضحكني وإن كان مؤلمًا"، مبررةً بأن الحزن وحشٌ أكول، الانخراط فيه ذنبٌ يجدد جوعه للمزيد.
تصف رشا عبادة بتعبيرات شفيفة تفاصيل مشاعر البطلة خلال رحلتها/ حربها مع ابنها الذي تحلم فقط بأن تسمع منه كلمة "ماما"، وتعبر مي بقولها "ضحكته جنة تملأ الدنيا وحزنه على نفس القياس، نار جهنم، تعبتُ من الجري بين الجنة والنار!".
وتستشهد بمقولة دوستويفسكي "إذا أردت أن تُعيد إنسانًا للحياة، ضع في طريقه إنسانًا يحبه.. إنسانًا يؤمن به، العقاقير وحدها لا تكفي".
مثلما أحبت مي ابنها شادي وآمنت به، وجدت في طريقها أيضًا الشاب وسام، الطفل المتوحد السابق الذي التقته في جمعية للأطفال المتوحدين وقد صار مسؤولا عن إشاعة البهجة بينهم باللعب والضحك والتلوين.
يقسم لها وسام أن التعامل مع أطفال التوحد والتأخر العقلي يقترب من معاملة الملائكة، وهو أسهل للغاية من معاملة طفل عادي عنيد وشقي، ناقلًا لها حكمة أبيه "قد تظن أنه ليس لديك ما يكفي من الطاقة، الحقيقة أنك لديك ما يكفي ويزيد". وبين مي - التي تطلقت من زوجها مرتضى- ووسام يبدأ شيء ما في التشكل؛ شيء مختلف وجميل.
وبشأن العلاقة مع الآخرين؛ كل الآخرين، بمن فيهم الآباء والأمهات، تعتبر مي أن الاستسلام لأحكامهم تجاه مشاعرنا خطأ كبير، إذ كيف يطغى جهل الآخر بكَ على علمكَ بنفسكَ ومواجعك وحياتك وتجاربك وشخصيتك؟ يبيعك الآخر حقيقة لا يعلمها سواك، ولم تختبر نارها إلا أصابعك.
وتتساءل في المقابل، في ظل غياب أمها وأملها في شفائها "هل يمكن أن أمتنع عن الرضا والتسليم؟ أقول: يارب، إن لم تفق أمي من غيبوبتها فسأحرق نفسي؟".
تُعبِّر الكاتبة عن فكرتها على لسان بطلتها التي تقول لنفسها إنه ليس حرامًا أن يتدلل العبد على ربه، يمارس جنونًا وانهيارًا ووجعًا وضعفًا خلقه فيه، وكان بامكان الله أن يخلقه دونه، فالعتاب محبة وحسن عبادة، والأبطال الذين يشتبكون مع الله بصوتٍ عالٍ في الروايات، يَبدون في منتهى الإنسانية وهم يُعبِّرون عن مواجعهم، قلقهم، ارتباكهم، أحزانهم وإيمانهم العميق بأنه هناك، يسمع ويراقب ويقرر كل شىء.
◙ العلاج بالحب
لا تفيق الأم من غيبوبتها، إنما تؤذِن رحلتها بالرحيل، تحط الرحال، فالموت نهاية كل حي. لا مفر. تتمزق مي. وخلال تفاصيل تجهيز الجثمان بالغُسل للدفن تستعيد كل ما مضى، بحب، بشجن، ثم تواصل رحلتها من الموت إلى الحياة، إلى شادي.
شيئًا فشيئًا، يعيد وسام تلوين الحياة في عيني مي، كما يلون الأوراق والأشياء مع الأطفال الذين يحبونه، فتُحدِّث صديقتها غادة عنه، وتصف الأمان الذي تتطلبه العلاقة بين أي طرفين، بوصف بديع، هو أن يقررا الصدق معًا في لحظات لن ينجيهما منها سوى كذب دائم، "عتاب يجلب محبة، وخطأ لا يستلزم قسوة العقاب".
وتنقل الكاتبة عبارة تنسبها "لقائلها" هي "أتمنى أن تجد شخصًا يعرف لغتك؛ حتى لا تقضي حياتك كلها وأنت تترجم روحك".
يدور حوار مهم بين البطلة وصديقتها غادة المأزومة بعلاقة سامة مع زوج أناني، فتقول لها مي "يعالجنا الحب يا صديقتي"، لكن المفعول به "نا" يتعلق - أيضًا- في ذيل فعل مضارع غامض، لا نعرف شيئًا عن ضمانات استمراره.
فتسألها الصديقة "ومتى نجح الحب في علاج أحدهم يا فالحة؟" وتفسر بأن العيادات مزدحمة والمرضى يفترشون الأمل على سلالمها، ثم تلعن الحب في كل الروايات.
ويأتي الرد الحاسم لمي بأن الحب نفسه مُصاب في حادثة ارتكبها مرضاه، والشهود كلهم عِيان، لكن الخوف والأنانية جعلا الجميع حاضرين للدفاع عن أنفسهم في قضية لم يرفعها أحد.
وقد عالج الحب بالفعل حياة البطلة وابنها، صار شادي يتعافى بالتدريج، أصبح قادرًا على نطق الحروف والأرقام والألوان والأشكال، والانتظام في الدراسة دون مشاكل، بل إنه تعلق بزميلته الصغيرة التي تلعب معه في الفسحة المدرسية، مريم.
ومي نفسها، شُفيت من آلام حياتها بالحب، تزوجت وسام. صادفته رجلًا صادقًا في رحلة الحياة، فصادقته زوجًا، سعدت معه وبه، دون أن يمنع هذا المخاوف من الغد، فهي لا تعرف إلى متى يمكن أن تحتمل ممارساته العنيفة في علاقتهما الخاصة، وإن تكن نابعة من المحبة.
هل تستمر السعادة؟ هل تدوم طويلًا؟ تترك رشا عبادة النهاية مفتوحة لكن المهم - كما تشير الرواية- هو أن "الضاحكين هم الأكثر قدرة على التواصل، يُنظمون اللعب والكلام، يحبسون دموعهم، ويمدون أياديهم بالتفاؤل". المهم أن يظل الإنسان دائمًا "لا يكف عن الضحك". فهكذا هي الدنيا؛ موت وحياة، ألم وأمل. لا مفر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...