د عبدالسلام عامر - حكاياتي من الذكريات (٣٦)

(رحلة الخداد وضياع فرص الفوز بمباراة كرة القدم التي شاركونا فيها مغنيات فرقة الانشاد الوطنية بسبب النقص العددي )


كانت الرحلات الترفيهية التي يقوم بها أشيد او نقابات العمال او غيرها بمرافق ومؤسسات دولة الجنوب في زمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لها دلالات وأهداف تحقق من خلالها التقارب و الائتلاف بين الطلاب والموظفين والعمال للترفيه بعيدا عن ضغوط العمل والدراسة وتحقق انسجام وعلاقات إنسانية بين الجميع وبين الرئيس والمرؤوس والتلميذ و المدرس و تبنى علاقات إنسانية تساعد في تطور مدارك التلاميذ والهمة والنشاط كما عند العامل في المصنع وعند الموظف في العمل الحكومي بشكل عام !! ومن حكاياتي بهذه المناسبات ابتدت طبعا في الطفولة بالمدرسة، هي كما أتذكر رحلتان إلى لحج الخضيرة ونحن صغار في الابتدائية بمدرسة الشرقية بالشيخ عثمان ( ردفان حاليا) و تحديدا إلى
بستان الحسيني بجوار قرية جدتي فاطمة ( الكدام ) هذه القرية التي تغنى بها القمندان في اغنيته ذائعة الصيت ( يامنيتي ياسلا خاطري وانا احبك ياسلام ) في إحدى الأبيات للشاعر الأمير احمد فضل القمندان يعرج فيها عن قرية الكدام !! ورحلة أخرى إلى دار العرائس بالقرب من بستان الحسيني أيضا انما الفرق بينهما اننا في بستان الحسيني في ذاك الزمن الجميل كانت الدولة تسمح للزوار بالأكل من الفواكه ما طاب لك فقط دون أن تأخذ معك ، وبصراحة الشعب كان راقي ويقدر ذلك ولم اسمع عن شخص مثلا قام بالاحتيال او السرقة ! كنا شعب حضاري بما تعنيه الكلمه من معنى ! هذا البستان الذي تم تخريبة وسرقته من عصابات نظام صنعاء بعد اجتياح واحتلال بلادنا تحت مسمى ( الوحدة اليمنية ) بعد فرضها بقوة السلاح وأصبح كل شي من املاك الدولة فيد لكبار لصوص اليمن وأصبحنا اليوم نشتري ثمرات ( الديمن) وهي اقل أنواع ماكان في بستان الحسيني نشتريه من بائع من شمال اليمن في شوارع عدن ولحج !!! اما الزيتون اللحجي ما يطلق عليه الجوافه أصبح سعره مثل التفاح والبرتقال !! هذه الثمار التي كنا ناكلها من أرضنا بالمجان أحيانا وهي ارخص أنواع الفواكه وغيرها وغيرها ! هذا ماجنيناه من وحدة الفيد مع اهل الشمال !! ونرجع لمرجوعنا وقصص الرحلات فكانت رحلتي الأخيرة أيام الابتدائية عندما كنت في السابع ابتدائي في مدرسة ١٧ أبريل بصلاح الدين حيث قرر الأستاذ عبدالاله مدرس اللغة الانجليزية رحمة الله عليه وهو من أبناء البريقه ان ينظم لنا رحلة إلى جولد مور نقضي فيه من الصباح إلى الظهر ونغادر جولد مور بعد تناول وجبة الغذاء إلى ملعب الحبيشي لمشاهدة مباراة لكرة القدم بين فريقي الوحدة والجيش ! كان الانطلاقة من صلاح الدين الساعة السادسة صباحا وكانت وسيلة نقلنا هي شاحنة الماز الروسية لنقل الجنود تم دعمنا بها من قبل الكلية العسكرية في صلاح الدين وكانت مشكلتنا ونحن أطفال الصعود إليها بشق الانفس وتجاوزنا ذلك وكانت أول فاجعة حصلت لنا عندما وصلنا إلى الجسر القديم للدخول إلى منطقة جولد مور حيث كان في تلك الأيام الطريق الأوحد للوصول لجولد مور ولم يكن النفق الحالي قد تم تشييده ، وبصراحة كان المشهد لنا مرعب حيث كانت الشاحنة العسكرية ضخمة والطريق ضيق وشعرت حينها برعب بل أتذكر ان احد زملائي الطلاب بكى من الخوف !! ومن عاش ومر بهذا الجسر على حافة الجبل اعتقد سيقدًر مااعنيه من هلع وخوف أطفال لأول مره يذهبون إلى جولد مور !!! كانت أهم مايميز هذه الرحلات أنواع الاكل المختلفه التي يتم تزويدنا بها من اهالينا ونفترش الأرض وناكل الطعام مع بعض ( عيش وملح ) اعتقد هذه من اسمى معان واهم أهداف رحلات الطفولة والهدف الثاني إقامة المسابقات فيما بين التلاميذ بالألعاب الرياضية مثل سباق البريد او سباق الصعوبات الجري بالجواني او الشوالات او غيرها وبعض الأحيان الاستماع لمن يستطيع أن يغني ويبرز مواهبه! في هذه الرحلة عرفنا من استاذ اللغة الانجليزية لماذا سمى جولد مور ومعناه المعروف بالساحل الذهبي ! انطلقنا بعد ذلك إلى كريتر لمشاهدة المباراة والتي شاهدت حينها اعظم لاعبين كرة القدم في بلادنا وخصوصا لاعبين الوحدة الذين كنت اشاهدهم في التمارين على ملعب الشهيد حامد منهم من اصبح لاعبا في الجيش والذين كنت اعرفهم قبل أن انتقل إلى صلاح الدين ولكن لم أراهم من قبل في مباريات رسمية ! رأيت ناصر هادي في مجده بهذه المباراه ورأيت عبدالله الهرر ورأيت محمود عبيد و السندو الكبير محسن وماهر قاسم في بداياته و عثمان خلب و علي سالمين و منير مدهش و احمد صالح القيراط وصالح هزاع وخالد سالمين وعوضين وعلي بن علي وآخرون كانو الجميع نجوم بجد وكانت مباراة نارية انتهت بالتعادل على ما اتذكر ١/١
اما مرحلة مابعد المدرسة فكانت أول رحلة لي بمعهد الفنون الجميلة في الشهر الأول من التحاقي بالمعهد نظمتها إدارة المعهد حينها كانت معرفتي الأولى فعليا بالأصدقاء الذين أصبحوا أصدقاء العمر عبدالله فتاح زحيري و سهل صالح بن إسحاق و عدنان الجعل و سالم يحيى و محمد العطاس و احمد راوح و المرحومان جمال صالح و احمد درعان رحمة الله عليهما هؤلاء كانو من الدفعة الأولى لقسم الموسيقى وكانت الرحلة بداية صعودهم السنة الثانية بينما كنت انا اول دفعة قسم المسرح والصديق نضال احمد عبدالرحمن وعارف جمن من قسم الموسيقى واخذونا معهم كحالة استثنائية بالاضافة الى بعض من الطلاب الجدد بقسمي الموسيقى والمسرح لا اتذكر من كان بالضبط وكانت الرحلة إلى الحسيني وبالفعل تعمقت علاقتنا بشكل ممتاز واستمرت أثناء وبعد الدراسة وحتى يومنا هذا ! كما تبقى هذه عالقة في ذهني عندما كان معنا ضيف فيها الأستاذ عمر عبدالله صالح رئيس فرقة المسرح الوطني برفقة زوجته الازوبيكيه والخريج حديثا من الاتحاد السوفيتي حينها كان معهم طفله البكر الرضيع سمير !! الدكتور عمر عبدالله صالح الذي أصبح بعد ذلك أستاذي في السنة الأخيرة وصاحب مشروع تخرجي من معهد الفنون الجميلة بمسرحية ( لو كنت فلسطينيا ) للكاتب الفلسطيني ممدوح عدوان . وهو أيضا من منحني أول دور بطولة بعد تخرجي بالمسرح الوطني بمسرحية ( يا خير فائدة ) ووقفت ممثلا امام عمالقة المسرح في بلادنا الأستاذ عبدالله المسيبلي رحمة الله عليه ونجمة لحج القديرة لول نصيب ربي يعطها الصحة والعافية و الفنان فؤاد هويدي والزميلة الفنانة ياسمين ديني والراحل احمد مطلق رحمة الله عليه!
كانت هذه الرحلة بالنسبة لي اكتساب خبرة حيث بعد ذلك تقلدت منصب سكرتير العمل الأيديولوجي في اتحاد الشباب( اشيد) بالمعهد وكان من مهامي أيضا ترتيب الرحلات والتي انتظمنا في إقامتها طوال خمس سنوات وانا مسؤول في أشيد عندما كنت طالبا بالمعهد ثم ممثلا بالمسرح الوطني قبل مغادرتي إلى الاتحاد السوفيتي ١٩٨٥م للدراسة الجامعية ! من أهم ذكريات الرحلات كانت الرحلة إلى الخداد حيث تم تنظيم الرحلة مع زملائي بقسم المسرح من أبناء الخداد المرحوم صلاح عبدون الذي كان أيضا يلعب حارس مرمى في نادي الحسيني والزميل سعيد احمد صالح ونسقنا على ان تقام بالعصر مباراة كرة قدم مع فريق نادي الحسيني كان ذلك قبل الاعتراف به رسميا، بشرط أن يلعب معنا صلاح في حراسة المرمى وبما أن عددنا من سيلعب من شباب المعهد كان ٩ أفراد وبقية أفراد الرحلة زميلاتنا من الطالبات و بعض من بنات فرقة الانشاد الوطنية ، حينها استطعت أن أقنع الأخت أكاذيب و زميلتنا الفنانة متعددة المواهب الأخت ياسمين بإكمال العدد وبالفعل اشتركا معنا وقدمنا مباراة رائعة خصوصا عندما كانت الكرة تصل إلى شقائق الرجال الجنس الناعم كان لاعبين الحسيني يخجلون من مواجهتهم ومع ذلك كانت الكرة تذهب في اتجاه آخر من اقدامهن ٠
المهم خسرنا المباراة والحمد لله انما اعظم ماكان في المباراة روح الزمن الجميل وفتياتنا تلعب معنا في إحدى أرياف لحج والجمهور يشجع ويحتفل دون مغالاة ولم نعرف الشتائم التي نسمعها الآن في عهد السلفية الدخيلة على مجتمعنا الجنوبي ! كانت الفتيات اخواتنا نحافظ عليهن كما نحافظ على حدقات اعيونا ! كنا جيل محترم، كان زمن لم ولن يتكرر ورثناه من أجدادنا واهالينا وتعلمنا منهم كيف تكون محترم حتى يحترمك الآخرين! كان الصعلوك منبوذ لا يقبل في أشيد ولا يشارك بالمجتمع ان وجد وهم قله!! لم نجد صعلوك او بلطجي يعطي مواعظ من الدجل كما نجدهم الآن في زمن الفكر المنغلق الفكر الوهابي الذي تم تصديره لنا من الشقيقة الكبرى ومتخلفين الشمال من الاخوان المتاسلمين الذين لا يفكرون إلا من تحت السره!!

د عبدالسلام عامر
مايو ٢٠٢٥م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...