(١٩)
( موقد امي وراديو بيتنا وبسكويت الميزان ومسدس خالي في وفاة جمال عبدالناصر )
كانت امي كعادتها كل صباح تفتح راديو عدن مع القرآن الكريم وتبدأ بمهامها الصباحية اليومية بتجهيز الخبز لافواه الارانب الذي هم نحن !! طبعا كان الوالد كعادته أيضا لا يقطع علينا بسكويت الميزان (ابو أربع) في كل شهر مع بقية المواد الغذائية الأساسية ولذلك لابد أولا أن ننهض ويلتهم كل فرد من العائلة البسكويت المخصص له كل صباح مع الشاي قبل الفطور الذي تقوم بإعداده لنا الوالدة واختي فطوم قبل أن تتزوج على الفنان حسن كريدي رحمة الله عليه ، كل ذلك كان اقرب الى الروتين إلا أن الفطور أحيانا يتغير اما خبز ملوح على الطاوة او خبز ملوح بالموفا او الميفا كما يطلق عليها صهري رحمة الله عليه عبدالله اللبرش على طريقة كلام اهله في موديه! وأحيانا ونادرا جدا ما كان يكون فطورنا خبز الفرن أي ( الروتي) المهم رغم كل الصعاب في السبعينيات والوضع الاقتصادي وتخفيض الراتب واجب إلا أن والدي رحمة الله عليه لم يقطع علينا بسكويت الميزان ابدا !
لقد عشنا حياة كأي أسرة في ضروف صعبة إلا أن الغذاء والكسوة و التعليم كانت من أولويات وآلدي رحمة الله عليه ولا يقبل ان يساوم عليها فنحن كنا غايته وهدفه الذي كان ينشده لنا !! المهم وفي ذلك الصباح الذي كان من المفترض يتوافق مع ذهاب اخي منصور عامر في أول يوم دراسي له بحياته للالتحاق بالمدرسة استمر القرآن الكريم في الإذاعة دون أن يتوقف والمفروض ان هناك برنامج صباحي يذاع بعد القرآن كالعاده حينها كنت انا اجلس على الأرض بجانب موقد النار الذي تطبخ عليه امي الخبز واساعدها في إدخال الحطب تحت الموقد! نعم نعم لم يكن لدينا آنذاك شوله بالغاز او شوله مع الفرم بل كنا مثل معظم اهل عدن نمتلك شوله ابو ذباله وتستخدم بالجاز فقط بالاضافة الى موقد عربي قديم يتم بنائه من الحجاره وتراب الأرض الزراعية ( الطين) وبجواره تبنى الموفا من الطين أيضا لطهي خبز الملوح و السكوع والخمير اللحجي . المهم فجاة امي تحدث نفسها بصوت مسموع قائلة الله مااجعله خير القرآن طال اليوم في الراديو مخاطبه اختي بينما خالي صالح ابو نبيل صالح مدافع نادي الشرارة في نهاية الثمانينات رحمة الله عليهما الاثنان كان ضيفا علينا وقد جاء بالليلة الماضية وكان نائم على السرير ابو حبال بالجهة المقابلة للموقد في حوش المنزل !
بينما القران مستمر بالراديو نرى هبوط طائرة مصرية في مطار عدن من خلال شبك الحوش وعندما شاهدتها امي استغربت لموعد وصول طائرة عكس البرنامج لوصول الطائرات !! طبعا بحكم وجود منزلنا في منطقة الجولف كلوب وهو تقريبا جزء من حرم المطار وأصبحنا جميعنا خبراء بموعد وصول الطائرات فكنا نعرف متى تهبط الطائرة الجزائرية ومتى تهبط الهندية ومتى تأتي الإثيوبية ومتى طيران الشرق الأوسط اللبنانية نعم نعم كل هذه شركات الطيران كانت تأتي إلى عدن ناهيك عن الايروفلوت والصينية!! المهم امي تداركت الأمر وقالت اليوم ليس موعد وصول الطائرة المصرية !! وبعد حوالي نصف ساعة يتوقف القرآن الكريم بالإذاعة و تبث موسيقى حزينه ثم يبدأ المذيع في قراءة خبر وليس أخبار ويعلن عن وفاة الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر !!! وحقيقة لم أرى في حياتي امي هذه الإنسانة البسيطة والغير متعلمه على وجهها حزن وقهر وانا طفل بجوارها بعمر ست سنوات إلا اني تفاعلت مع ردة فعلها حين قالت انا لله وإنا إليه راجعون الله يرحمك يا جمال وفي تلك اللحظة خالي الذي كان مغطى بالبطانية يبدو أنه سمع الخبر من الإذاعة ولم يكن نائم نهض بقوة وصرخ قائلا ؛ اكيد قتلوه بمسدس ابو عجل!! طبعا خالي كان يحكي لنا محاكي او محازي ويمتاز بها وورثها من امه جدتي فاطمة رحمة الله عليها وانا لاحقا تميزت بذلك مع اقراني من الأطفال وكنت احاكيهم المحازي او المحزاية! ولذلك كل محازي خالي كانت اكشن كلها فيها قتل و مسدسات لذلك أول ما خطر في باله ان عبدالناصر قتل ولم يمت موت طبيعي ! وبعد فترة وجيزة غادرت الطائرة المصرية !! بعدهاعرفنا من الاخبار بالراديو انها نقلت الرئيس سالم ربيع علي لحضور جنازة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر رحمة الله عليه الذي بكيناه ونبكيه وسنظل نبكيه حتى يومنا هذا خصوصا ما نراه يحصل من عبث في هذا الزمن الذي نفتقد فيه لرجال دوله ورجال مواقف ورجال مواجهه مع العدو الصهيوني !
كانت لحظات فارقة في حياتي كطفل وأدركت الوعي السياسي مبكرا بفضل والدي الذي كان من أولوياته الأخرى الإذاعة نهارا لسماع عدن وليلا لسماع إذاعة صوت العرب وإذاعة لندن ! لقد شربنا مفاهيم السياسة وعرفنا العالم وأسماء الزعماء فيه وأسماء العواصم من خلال الراديو ! اليوم عندما استعيد تلك الطفولة التي عشتها اتسائل دائمآ هل يا ترى يوجد أطفال في سني ذاك في هذا الزمن يمتلكون المعرفة كم كنت انا ؟!! مع أن كل الإمكانيات حاليا متوفرة لهم وفي ايديهم! انما لا اعتقد ذلك لأسباب كثيرة لا أريد أن أخوض بها ، ثم الشكل الآخر الذي أثر على فهمي وادراكي المبكر كان اخوتي جميعا ونقاشاتهم وتسائلاتهم للوالد في الأحداث التي تبثها الراديو ! كان تأثير وفاة جمال عبدالناصر في حياتي حاضرا فكانت أول أسطر لقصيدة حفظتها من خلال اخي الكبير المرحوم محمد عامر وهو يلقيها ويحتفظ بالابيات التي كتبها الشاعر نزار قباني في رثاء جمال عبدالناصر التي يقول في مطلعها ؛
قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلناه
وكم من امام ذبحناه
وهو يصلي صلاة العشاء
فتاريخنا كله محناه وايامنا كلها كربلاء .. الخ
هذه القصيدة كاملة كانت من أسباب تجاوزي امتحان القبول في الإلقاء لدخولي قسم المسرح بمعهد الفنون الجميلة وهي نفسها قدمتها في مدينة كييف لامتحان قبولي بالدراسة الأكاديمية بالاتحاد السوفيتي وهي ايضا بعد أن ترجمتها كاملة للروسية و قدمتها في امتحان مادة الإلقاء المسرحي في عام التخرج وامام الجمهور في أكاديمية الفنون البيلاروسية !!
رحم الله جمال عبد الناصر ورحم الله اخي محمد عامر ورحم الله أبي وأمي ورحم الله الشاعر نزار قباني
د. عبدالسلام عامر
ديسمبر ٢٠٢٤
( موقد امي وراديو بيتنا وبسكويت الميزان ومسدس خالي في وفاة جمال عبدالناصر )
كانت امي كعادتها كل صباح تفتح راديو عدن مع القرآن الكريم وتبدأ بمهامها الصباحية اليومية بتجهيز الخبز لافواه الارانب الذي هم نحن !! طبعا كان الوالد كعادته أيضا لا يقطع علينا بسكويت الميزان (ابو أربع) في كل شهر مع بقية المواد الغذائية الأساسية ولذلك لابد أولا أن ننهض ويلتهم كل فرد من العائلة البسكويت المخصص له كل صباح مع الشاي قبل الفطور الذي تقوم بإعداده لنا الوالدة واختي فطوم قبل أن تتزوج على الفنان حسن كريدي رحمة الله عليه ، كل ذلك كان اقرب الى الروتين إلا أن الفطور أحيانا يتغير اما خبز ملوح على الطاوة او خبز ملوح بالموفا او الميفا كما يطلق عليها صهري رحمة الله عليه عبدالله اللبرش على طريقة كلام اهله في موديه! وأحيانا ونادرا جدا ما كان يكون فطورنا خبز الفرن أي ( الروتي) المهم رغم كل الصعاب في السبعينيات والوضع الاقتصادي وتخفيض الراتب واجب إلا أن والدي رحمة الله عليه لم يقطع علينا بسكويت الميزان ابدا !
لقد عشنا حياة كأي أسرة في ضروف صعبة إلا أن الغذاء والكسوة و التعليم كانت من أولويات وآلدي رحمة الله عليه ولا يقبل ان يساوم عليها فنحن كنا غايته وهدفه الذي كان ينشده لنا !! المهم وفي ذلك الصباح الذي كان من المفترض يتوافق مع ذهاب اخي منصور عامر في أول يوم دراسي له بحياته للالتحاق بالمدرسة استمر القرآن الكريم في الإذاعة دون أن يتوقف والمفروض ان هناك برنامج صباحي يذاع بعد القرآن كالعاده حينها كنت انا اجلس على الأرض بجانب موقد النار الذي تطبخ عليه امي الخبز واساعدها في إدخال الحطب تحت الموقد! نعم نعم لم يكن لدينا آنذاك شوله بالغاز او شوله مع الفرم بل كنا مثل معظم اهل عدن نمتلك شوله ابو ذباله وتستخدم بالجاز فقط بالاضافة الى موقد عربي قديم يتم بنائه من الحجاره وتراب الأرض الزراعية ( الطين) وبجواره تبنى الموفا من الطين أيضا لطهي خبز الملوح و السكوع والخمير اللحجي . المهم فجاة امي تحدث نفسها بصوت مسموع قائلة الله مااجعله خير القرآن طال اليوم في الراديو مخاطبه اختي بينما خالي صالح ابو نبيل صالح مدافع نادي الشرارة في نهاية الثمانينات رحمة الله عليهما الاثنان كان ضيفا علينا وقد جاء بالليلة الماضية وكان نائم على السرير ابو حبال بالجهة المقابلة للموقد في حوش المنزل !
بينما القران مستمر بالراديو نرى هبوط طائرة مصرية في مطار عدن من خلال شبك الحوش وعندما شاهدتها امي استغربت لموعد وصول طائرة عكس البرنامج لوصول الطائرات !! طبعا بحكم وجود منزلنا في منطقة الجولف كلوب وهو تقريبا جزء من حرم المطار وأصبحنا جميعنا خبراء بموعد وصول الطائرات فكنا نعرف متى تهبط الطائرة الجزائرية ومتى تهبط الهندية ومتى تأتي الإثيوبية ومتى طيران الشرق الأوسط اللبنانية نعم نعم كل هذه شركات الطيران كانت تأتي إلى عدن ناهيك عن الايروفلوت والصينية!! المهم امي تداركت الأمر وقالت اليوم ليس موعد وصول الطائرة المصرية !! وبعد حوالي نصف ساعة يتوقف القرآن الكريم بالإذاعة و تبث موسيقى حزينه ثم يبدأ المذيع في قراءة خبر وليس أخبار ويعلن عن وفاة الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر !!! وحقيقة لم أرى في حياتي امي هذه الإنسانة البسيطة والغير متعلمه على وجهها حزن وقهر وانا طفل بجوارها بعمر ست سنوات إلا اني تفاعلت مع ردة فعلها حين قالت انا لله وإنا إليه راجعون الله يرحمك يا جمال وفي تلك اللحظة خالي الذي كان مغطى بالبطانية يبدو أنه سمع الخبر من الإذاعة ولم يكن نائم نهض بقوة وصرخ قائلا ؛ اكيد قتلوه بمسدس ابو عجل!! طبعا خالي كان يحكي لنا محاكي او محازي ويمتاز بها وورثها من امه جدتي فاطمة رحمة الله عليها وانا لاحقا تميزت بذلك مع اقراني من الأطفال وكنت احاكيهم المحازي او المحزاية! ولذلك كل محازي خالي كانت اكشن كلها فيها قتل و مسدسات
كانت لحظات فارقة في حياتي كطفل وأدركت الوعي السياسي مبكرا بفضل والدي الذي كان من أولوياته الأخرى الإذاعة نهارا لسماع عدن وليلا لسماع إذاعة صوت العرب وإذاعة لندن ! لقد شربنا مفاهيم السياسة وعرفنا العالم وأسماء الزعماء فيه وأسماء العواصم من خلال الراديو ! اليوم عندما استعيد تلك الطفولة التي عشتها اتسائل دائمآ هل يا ترى يوجد أطفال في سني ذاك في هذا الزمن يمتلكون المعرفة كم كنت انا ؟!! مع أن كل الإمكانيات حاليا متوفرة لهم وفي ايديهم! انما لا اعتقد ذلك لأسباب كثيرة لا أريد أن أخوض بها ، ثم الشكل الآخر الذي أثر على فهمي وادراكي المبكر كان اخوتي جميعا ونقاشاتهم وتسائلاتهم للوالد في الأحداث التي تبثها الراديو ! كان تأثير وفاة جمال عبدالناصر في حياتي حاضرا فكانت أول أسطر لقصيدة حفظتها من خلال اخي الكبير المرحوم محمد عامر وهو يلقيها ويحتفظ بالابيات التي كتبها الشاعر نزار قباني في رثاء جمال عبدالناصر التي يقول في مطلعها ؛
قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلناه
وكم من امام ذبحناه
وهو يصلي صلاة العشاء
فتاريخنا كله محناه وايامنا كلها كربلاء .. الخ
هذه القصيدة كاملة كانت من أسباب تجاوزي امتحان القبول في الإلقاء لدخولي قسم المسرح بمعهد الفنون الجميلة وهي نفسها قدمتها في مدينة كييف لامتحان قبولي بالدراسة الأكاديمية بالاتحاد السوفيتي وهي ايضا بعد أن ترجمتها كاملة للروسية و قدمتها في امتحان مادة الإلقاء المسرحي في عام التخرج وامام الجمهور في أكاديمية الفنون البيلاروسية !!
رحم الله جمال عبد الناصر ورحم الله اخي محمد عامر ورحم الله أبي وأمي ورحم الله الشاعر نزار قباني
د. عبدالسلام عامر
ديسمبر ٢٠٢٤